n11051706.jpg

حامل فانوسه في ليل الذئاب

خليل صويلح

(سوريا)

سركون بولص في باريس 1990 (بالاذن من «منشورات الجمل»)

بصرف النظر عن فرادة تجربة سركون بولص (1944- 22/10/2007) الشعرية والحياتية، إلا أننا نحب الشعراء الموتى، أولئك الذين غادروا باكراً، وتركوا لنا قصائدهم مثل تعاويذ تحمي أرواحنا من العطب، حين نكون «على حافة المتاهة». نفتّش عن «أسمال» جان دمو بوصفها كنزاً شعرياً، الشاعر الصعلوك الذي مات في مصحّة، في مدينة سيدني الاسترالية، ونستعيد قصائد الشاعر السوري رياض الصالح الحسين الذي مات باكراً، بقصور كلوي، كما لو أنه اكتشاف متأخر لحلم مجهض. وقبله فجعنا بالموت التراجيدي للسيّاب، وكذلك الشاعرة دعد حدّاد التي ماتت بعد رحلة تشرّد، في مستودع مطبعة، والرحيل المباغت للشاعر بسّام حجّار. كأن الموت وحده هو الذي يمنحنا شرعية الاحتفاء والافتنان بنصوص الراحلين. كل هؤلاء أو معظمهم ظلّت تجاربهم في إطار التأريخ النقدي، من دون أن تخترق أسوار الحشود، وربما تكمن أهميتها هنا، في تلك المنطقة الاستثنائية للشعر الصافي، لا الانزلاق إلى ما هو خارجها.

العدد ٣٣٠٤

هدية سركون

عباس بيضون

عشر سنوات مرّت على رحيل سركون بولص. أتذّكر العام الأخير من حياة سركون. كنّا معا مدعوّين إلى مهرجان الشعر المتوسطي في لوديف جنوبي فرنسا. لا أعرف لماذا اختاروا لسركون المريض مبيتاً في فندق بعيد عن المدينة. كان على سركون أن يعود باكراً في باص مخصّص لهذه الغاية وإلّا استحال عليه أن يجد مرقداً له. لم يكن سركون من الذين ينضبطون بتعليمات كهذه، فكان يتّأخر عن الباص فيتدبّر لمبيته مكاناً في أحد البيوت التي كنّا ننزل فيها ضيوفاً على لوديف.

العدد ٣٣٠٤

المتسكع الغريب

عبد العظيم فنجان

في صيف 1992، فيما الحصار، الحصار الدولي، قد بدأ يقصف بمنجنيقاته أسوار المدينة، حصلتُ على زادي، حصتي من الهواء والخبز، وهو عبارة عن نسخة مصوّرة، بسرّية تامة، من مجموعة سركون بولص الثانية: «الحياة قرب الأكروبول» [دار توبقال، 1988]. لا أستطيع أن أجزم أن هذه المجموعة كانت سبباً في هجرتي من العراق، لكنها — إضافة إلى مجموعة «الوصول إلى مدينة أين» — كانت معي، أنيستي، أينما حللت، بنسختها المصوّرة، والتي اسمرّ لون أوراقها، وبدأت تفقد جملٌ كثيرة منها ملامحها ككتابة، لكن... لا يهم، فقد أكلتها، وتمثلتها، حتى أصبحت جزءاً مركزياً من ذاكرتي القرائية، وبشكل لا يمكن إنكار تأثيره الخلّاق في شِعري.

العدد ٣٣٠٤

شجرة المكان

مازن المعموري

كن بخير صديقي سركون، وسوف أكون غريباً في العالم مثلك

في المدينة التي تطرق أصواتها أذني، تقودني الى البدايات القصية لمواجهة ذاتي في الأماكن بصفتها شكلاً للتفكير. وهذا ما يجعلني في مقابلة بين نمطين من التفكير، وأقصد نزعة التمدن التي فرَّغت الحضارة من كينونتها وتحولت المدن بسبب ذلك الى تجمعات بالصدفة لا يربطها دم أو ثقافة أو روح، فأصبح الإنسان عقيماً على حد قول شبنغلر.

العدد ٣٣٠٤

سندباد كركوك

جولان حاجي

تسلم امبراطور الروم رسالة عجائبية منتصف القرن الثاني عشر، مرسلها ملك الملوك برستر جون الذي راسله البابا إسكندر الثالث. في تلك الرسالة أسطر حول نمال عملاقة، ونهر دافق من الأحجار، وبحر من الرمل تسبح فيه أسماك حية، ومرآة شاهقة تعكس كل ما يدور في المملكة التي حوت «عين الحياة» أيضاً، وتاخمت الجنة، وكان كل أهلها مسيحيين فُقدوا بين مسلمي المشرق وكفَّاره. ألهمت تلك المرآة العملاقة العديد من القصص الأوروبية في القرون الوسطى وعصر النهضة.

العدد ٣٣٠٤

مُقِلٌّ في الحياةِ، غزيرٌ ما بعدَ الموت!

محمد مظلوم

عشرة أعوام على رحيل سركون بولص، وما من شاعرٍ عراقي منذ السياب احتفظ بمثل هذا الحضور بعد رحيله. فقد ظلَّت كتابات سركون تأتينا وهو في العالم الآخر، إذ كشف رحيله عن غزارة مطمورة، فلا يكاد يمرُّ عام منذ رحيله حتى الآن دون أن يصدر له كتاب جديد، في الشعر أو القصة أو الترجمة أو المقالة. نشرتها «دار الجمل» بعد رحيله ولا تزال. بينما كان مقلاً بالنشر في حياته، فقد اعتنى بفوضاه بشكل جيد!

العدد ٣٣٠٤

أعذب الشعر أصدقه

جرجس شكري

مع سركون بولص ليس أعذب الشعر أكذبه كما كانت تقول العرب، بل أعذب الشعر وأجمله أصدقه دون شك، هذا الشاعر الذي ولد لأب آشوري كان يصلي ويكلّم الرب بلغة أجداده وأم موصلية تتحدث العربية بعذوبة ظل صداها في أذن الشاعر سنوات طويلة، بالإضافة إلى أنها تتكلم آشورية الكلدان. فكتب هو بلغة عربية نقية من كل الشوائب خالية من الأيديولوجيا والسياسة والكذب ومن الزخارف البلاغية المزيفة، لرجل كان يعتبر موقف الشاعر من اللغة موقفاً سياسياً، وترجم من وإلى الإنكليزاية مئات القصائد.

العدد ٣٣٠٤

سيّد المنفى

سنان أنطون

(بورتريه للشاعر العراقي في آخر الزمن)

«هو الذي بدأ بالتيه في العشرين/ لم يجد مكاناً يستقر فيه حتى النهاية»

«بولص، توفو في المنفى»

أين سركون بولص؟

ليس الجواب بسيطاً البتّة.

جسده مسجّى منذ عقد أو أقل بقليل في مقبرة تورلوك في ولاية كاليفورنيا. ويقال إنه كان يرغب بأن يدفن في برلين، التي أحبّها وعاش فيها وكان يهرب إليها، لكن رغبته لم تتحقق. ولعلها مفارقة شعرية: أن يهاجر جسد الشاعر (أو يهجّر) هجرة أخيرة، بعد موته، إلى اللامستقرّ. إلى أبعد الـهناكات.

العدد ٣٣٠٤

رسالة إلى صديقة في مدينة محاصرة (نصوص غير منشورة *)

من سلسلة«أنا يوسف» للفنان العراقي نزار يحيى (مواد مختلفة على ورق صيني على كانفاس ــ 2011)

رجلٌ خلف ستارة

ماذا يملأُ عينيْ رجلٍ

مريضٍ بالقلبِ خلفَ ستارتهِ

عندما يَرى

طفلتينِ تلعبانِ في أرجوحةٍ

ويسمعُ صوتَهما

الشبيهَ بالغناءِ عندَ الغسق

مختلطاً بصريرِ سلسلةٍ

صدئة ...

العدد ٣٣٠٤

سيرة ناقصة (نصوص غير منشورة *)

الليل

لا ينفعُ أنْ نَتَحرّكَ في إبطِ قصيدةْ

فعراءُ الليلِ يداسُ ويغتصبُ

صهريجُ الحلمِ يقوَّضُ فوقَ الرأس

ونهدُ تمارا، جارتِنا، خشبُ

وعيونُ أبي في عقلي تنتحبُ:

هذا البحرُ وأسطورتُهُ

هذا الليلُ لهُ سبب!

العدد ٣٣٠٤

عاصمــــــة آدم (نصوص غير منشورة *)

سأروي لك حُلمَ البارحة

حلُمٌ طاردني

وانفتحتْ فَوقي مثلَ جناحٍ

شفتاهُ. ركعتْ فوقَ الماءِ

الغاباتُ

وارتجفتْ أيّامي وسجدْتُ

طويلاً تحتَ فضاءِ غنائي

الصامتِ، وانحدرتْ نحوي الأصواتُ

تائهةً، من كلِّ فمٍ كانَ يناديني

ويُتابعُ بين الأنهارِ رحيلي

مختبئاً في جُحرٍ

أو في جسدِ امرأةٍ

تخرجُ من بيتٍ

في أقصى الأرضِ، وتسعى

للقائي.

العدد ٣٣٠٤

سرﯕـون بولص: لِلشِّعْرِ مَوْطِنَانِ

ترجمة: رشيد وحتي

الشاعر يتعامل مع الزمن؛ ذلك أن كل تلك الإكراهات العروضية وتعقيدات الموسيقى والصوت ليست سوى طرائق لقياس الزمن، قطرة قطرة، إثر انسيابها من بين أصابعه وتبخرها هباء." فالقطرة التي لا تستحيل نهرا تلتهمها الرمال"، كما يرد لدى غالب في إحدى غزليات. حينا بعد حين، نكتشف أننا عندما نكتب، إنما نتذكر حقا، لا الماضي بحد ذاته، لا شخصا أو مكانا، مشهدا أو صوتا أو أغنية، وإنما نتذكر، أولا وأساسا، كلمات.

العدد ٣٣٠٤

سيرته بقلمه

وُلِدت بالقرب من بحيرة الحبّانية، وأذكر أنّ أمواجها الخاملة كانت، عند الفجر، وهي تنسحب، تخلّف أسماكاً صغيرة تتراقص على الرمال محاولة اللحاق بالموج. كنت ألتقط بعضها وآخذه إلى أمي لتطبخه. تجوّلت كثيراً وأنا طفل في التلال الصخريّة القريبة، هرباً من البقاء في البيت.

العدد ٣٣٠٤

أوراق | سركون بولص مترجماً يانيس ريتسوس

مختارات شعرية *

توزيعُ الحصص

كان الجنودُ مُتعبينَ، يجلسونَ على الحجارة.

كانت المرأةُ تحدِّقُ من النافذة، الظلامُ يشتدُّ

كنا نحلمُ – قالت – بالنصرِ، أو على الأقلِّ بالهزيمة

بهزيمةٍ كاملةٍ ليسَ حتَّى ذلك. لا شيء. هو

الذي اعتادَ أنْ يحشو عروقَهُ بزُجاجٍ مكسور

هناكَ عندَ المنضدةِ، يداهُ ملفوفَتانِ بالضمادِ، ها هو ذا،

يوزِّعُ حِصصَ الخبزِ ويتدبَّرُ أمرَهُ بحيثُ تكونُ حصَّتُه

هي الأصغر. فيما بعد سيلفُّ السكينَ فيها حدّ الضمادين

بحرصٍ فائقٍ ومقدَّس، بانتظارِ أنْ نسألَهُ كما يبدو

بالضبطِ عن هذا، دونَ أنْ يعرفَ كيفَ يُجيب.

العدد ٣٣٠٤

--------------

كلمات الأخبار- ٢١ أكتوبر ٢٠١٧


سركون بولص
(العراق / أمريكا)

(تبدأ "جهة الشعر" تقليداً شعرياً سنوياً، تطلب فيه من أحد الشعراء لأن يكتب كلمته في مناسبة "اليوم العالمي للشعر" - 21 مارس من كل عام. لتعلن الكلمة من شرفة "جهة الشعر" على العالم، مترجمة الى اللغات الأخرى.
وقد أطلقنا هذا التقليد مع الصديق سركون بولص، الذي تفضل بكتابة كلمته باللغة الانجليزية *، وأنجز ترجمتها العربية الصديق يعقوب المحرقي)

***

سركون بولص
يقظة المسافر

للشِعر وطَنَان

سركون بولص

ترجمة
يعقوب المحرقي
(البحرين)

يتعاطى الشاعر مع الزمن، فكل ذلك العروض وتعقيدات الموسيقى والصوت ما هي إلا طرق لقياس الزمن قطرة بقطرة، كما تتسرب من بين أصابعه وتتبخر في العدم." فالقطرة التي لا تتحول نهرا تلتهمها الرمال "
يقول غالب في إحدى غزلياته. وقت بعد آخر نكتشف حقيقة انه عندما نكتب فإننا فعليا نتذكر، ليس الماضي بذاته، ليس شخصا أو مكانا، مشهدا أو صوتا أو أغنية، ولكن أولاً وبشكل رئيسي نتذكر كلمات. الكلمات الكامنة في ذكرى محددة، والحاملة لصدى مكان وزمان محدديّن. لكن مشكلة الشاعر ليست أساسا في المُفردَات. تكمن المشكلة في كيفية أخذ المفردات القديمة ووضعها في محيط جديد، في بنى جديدة ستتحدث عن حاضرنا. وتضيء ما يحدث الآن. إذن فوظيفة الذاكرة ليست يسيرة: فعلى الفرد معرفة الكلمات ومعانيها، ولكن عليه أيضا نسيان محيطها الذي وُجِدت فيه.

لهذا السبب قد يجد المرء أثناء الكتابة، في منتصف رحلته أو قرب نهايتها، انه طوال الوقت كان يسافر صوب إيثاكا، وأنه انما تركها من أجل العثور عليها من جديد. 
كانت " جيرترود ستاين " هي التي قالت: على الكتّاب أن يكون لهم وطنان، ذاك الذي ينتمون إليه. والآخر حيث يعيشون حقيقة. الثاني رومانسي، منفصل عن ذواتهم، هو ليس بحقيقي ولكنه حقيقة هناك.....
طبعا في بعض الأحيان يكتشف الناس وطنهم كما انه الآخر ".
هناك حكاية تنسب الى جلال الدين الرومي تقول: ذهب رجل الى بيت المعشوق، قرع الباب. فسأله الرجل:داخل البيت: مَن هناك ؟ فأجاب الرجل: إنه أنا. فقال له الصوت: هذا المكان لا يسعنا أنت و أنا.
وبقيّ الباب مغلقا. فانصرف الرجل، حائرا، مرتبكا و مستغربا من هذه الكلمات، متأملا معانيها الخفيّة.
وبعد سنة من العيش في عزلة، محروماً من ابسط متع الحياة، قرر الخروج وقرع الباب ثانية. سأله ذات الرجل: من داخل البيت: من هناك ؟ فأجاب الرجل: انه أنت. فانفتح الباب.

بالطبع بالنسبة للصوفي فانه لكي ينفتح الباب لا بد من المرور بسلسلة من التمارين الروحية الصارمة، وبهذا يستطيع الدخول في حضرة المعشوق، كما يسميه المتصوفة أو الله. مهمة الشاعر الذي تقتصر أدواته على الكلمات مختلفة. فبالنسبة إليه يبقى الباب مغلقا حتى ينجح هو من خلال تفان كليّ في دخول أحجيّات اللغة ذاتها. ولأن الفن خالد وحياة الإنسان قصيرة، فليس هناك من شاعر استطاع الوصول الى إتمام هذه المهمة الرائعة، حتى كبار الشعراء. فما يحدث هو أن كل شاعر تاريخيا، سواء بوعيّ أو لا،  في الواقع يكمل عمل من سبقه من الشعراء، شيء يشبه قصيدة لا متناهية أو سلسلة حروف تمتد الى الأبدية، أو الى نهاية الزمان.  كتب الشاعر ميلوش قصيدة تعبر عن هذا بدقة، تحكي عن رحلة لا تصدق لشعراء عبر الأزمنة، كثِلّة من البشر اختارت طريقها، تحدب على قول الحقيقة، ولكن بطريقة تخيليّة وعلى نحو ما طفوليّة. 
وفي ذات المعنى يطرح بورخيس في مقالته " وردة كولريدج " فكرة مشابهة: إن كل الشعراء في الواقع
يُفصِلون ذات الملحمة القديمة والتي تعد كل قصيدة مجرد جزء منها. أحببتُ قصيدة ميلوش كثيرا، فترجمتُها إلى العربية ونشرتُها في صحيفة يومية تصدر في لندن، حيث كان الشاعر الحائز على جائزة نوبل سيقرأ شعره في مهرجان لندن للشعر. كان الشاعر الكبير معجبا بالحروف العربية وسألني بتشوق أي قصيدة هذه ؟ فقلت له إن عنوانها " تقرير " ومن الواضح انه مرفوع الى الإله أو أية ذات يدعوها " بالعلي القدير " فافتّر ميلوش مبتسماً: "أي نعم بالطبع ": تعرف بأنني بعثت له عدة تقارير عبر السنين، ولكنه لم يجبني قط ". لم استطع المساعدة بالقول للشاعر الكبير: " من يدري، عله سيفعل ذلك يوما ما ".

Poetry,s two countries (*)

Sargon Boulus*
(Iraq - San Francisco, USA)

A poet deals with time; all those metrics and intricacies of music and sound are only ways of measuring time, drop by drop, as it slips through his fingers and evaporates into nothing. 'The drop that doesn't become the river is devoured by the sands,' says Ghalib in one of his Ghazals.Time after time we make the discovery that when we are writing we are actually remembering, not the past itself, not a person or place, a scene or sound or song, but first and foremost we are remembering words. The words that reside in a certain memory, that carry the echoes of a certain place and time. But the problem for a poet is not essentially one of vocabulary. The problem is how to take the old vocabulary and put it in new settings, in new structures that will speak of our present, and illuminate what is happening now. So the function of memory is not simple: one needs to know the words and what they mean, but one needs also to forget the settings in which they are found.

This is why it can happen, while one writes, in the middle of his journey or near its end, that all the while he had been traveling toward Ithaka, and that he only left it in order to find it.

It was Gertrude Stein who put it right when she said: 'Writers have to have two countries, the one where they belong and the one in which they live really. The second one is romantic, it is separate from themselves, it is not real but it is really there….of course sometimes people discover their own country as if it were the other.'

There is a tale attributed to Rumi that says: 'A man went to the door of the beloved, and knocked. A voice from inside asked him: who is there? The man answered: This is me. 'This place is not wide enough for you and me', said the voice. The door remained closed. The man went away, perplexed and confused, wondering about those words, contemplating their hidden meaning. After a year of living in solitude, deprived of the simplest pleasures of life, he finally decided to go out and knock on the door again. The same voice asked him from inside:' Who is there?' 'This is you', the man answered. And the door was opened.

Of course, to the Sufi, a whole series of rigorous spiritual exercises has to be gone through in order for the door to be opened so he can enter into the presence of the beloved, as the mystics call him, or God. The task of the poet, whose only tools are words, is different. For him the door is locked until he succeeds, through sheer dedication, in penetrating the mystery of language itself. And because art is long and life is short, no individual poet has ever been able to achieve this formidable task completely, even the greatest ones. What happens is that each poet throughout history, whether consciously or not, is actually continuing the work of the poets who came before him, something like an endless poem or chain-letter that extends into eternity, or the end of time. Milosz wrote a poem once that says exactly this; it tells about the incredible journey of poets through the ages, as a band of humans who chose their own way, bent on telling the truth.

In the same vein, Borges, in his essay 'Coleridge's Rose', has iterated a similar idea: that all poets have actually been elaborating the same ancient epic of which each poem is only a mere fragment. I liked Milosz's poem so much that I translated it into Arabic and published it in a daily newspaper that is published in London, where the Nobel laureate was to give a reading at the London Poetry Festival. The great poet was fascinated by the shape of the Arabic letters, and asked me eagerly which poem it was. I told him it was titled 'A Report' and was obviously raised to God, or an entity he called 'O Most High'. Milosz beamed. 'Oh yes of course,' he said. You know, I have sent him many reports through the years, but He has never answered me.'
I couldn't help saying to the great poet:' Who knows, maybe one day He will.

************

Sargon Boulus

Who knows the story

The century is almost over;
How did it start, when will it end,
against whom is this battle being waged?
Since it began: From the first chapter. Before speech.
Those who stayed behind,
read the writing on the wall.
He who migrated, never found the promised land.
Speak, what will you say?
Or don't speak, and just listen.
Listen to any voice that may reach you.
Toss your old key into the ocean
as long as: no lock, neither a door, nor a house.
Visit our forsaken land sometimes.
The magic ring you covet is to be found there.
The woman you sought after, to no avail,
for so long, awaits you there, now.
Open your hands. Auction off your heart. And hear the story.
The day is coming; countless are the signs.
The people ask for bread. The tyrant sees a dream
that defies interpretation.
The peddler of fatwas, purple-clothed
with the blood of sacrifice,
rips through the luxurious fabric of your dreams
with a dagger of righteousness
beating his little tabla all through the night
between your ears -- his ultimate joy:
that you never sleep.
The deadlier your migraines, the higher he soars.
It is a world clouded with mysteries.
Mysteries are embedded in words, but
what they tell is only one part of the story.
The audience believed it.
The judge was suspicious of the details.
The scientist thought it was a dance:
between particles and monkeys and trees.
Between the seed, the ant, and Mars
and the galaxies whose giant arms
embrace a cloud of dust.
Don't speak; what will you say.
Or speak, and listen
to whoever comes along.
The Chinese poet
dead more than a thousand
years ago, whispers in my ear;
"From this high tower,
I am startled to see
how ferocious is the storm.
The walled city looks empty
when the leaves fall."

Li Dong

Maybe it's the wind, Master Li Dong,
reciting the story of the flood once more.
My tribe knows it well.
It knows its master and narrator.
It knows its heroes, those windmill shadows
Don Quixote fought valiantly
once upon a time: today
the coughing of a sick child
without medicine behind the walls
of siege, is enough to make it fall.
My tribe. This page. This pen. This wall.
It is the sap, Master. The sap rising
in the trunk of life and the tree.
No. It is the sea of silence, and this
tiny boat has a story.
My friend who died yesterday in exile
battling his final pain,
knew the story from beginning to end
in a single moment of yearning.
Let the current take what it wants.
Let me remain in my place.
Give me this single moment, and let me be:
I want to hear the story.

Remarks to Sindbad from the Old Man of the Sea

Are you already tired?
Our quest has barely begun.
Forget the sea.
Stop dreaming of ships and trade
I'm the last voyage you will
ever make, and likewise
was the first.
Every way
you came by,
every road you took,
I paved with my own hands
for your sake.
and you still complain!
Too heavy on your shoulders, you say?
That's because
I carry eternity's weight
plus my own, and need your legs
to take me around
in my journeying
between night and day.
You will try to escape,
I know, time after time;
you will dream every night
that you crush my head
with a heavy stone
and dance drunkenly
over my corpse.
But if you happen to venture out
into those woods alone,
night will only deepen
around you, in every whisper
you shall hear
a hissing snake, poison and trap
will be your lot everywhere.
Don't try to escape.
Forget the sea.
Stop dreaming of ships
and trade; today you have unbound the knot
of my waiting, and from now on
you will carry me on your
strong back, Sindbad,
to explore this island together,
you and I, I and thou,
as one.

The story will be told

On the highest deck --
in the lowest dump as well --
there's always a storyteller.
The story will be told.
Whose story: mine or yours?
Perhaps . . . his? No matter from whose
point of view, it will
be told: you, making up a story
full of gaps about me.
I, narrating your
tragi-comical tale?
Perhaps, he, the one ignorant
of all our days?
It will be told.
Even the language of metaphor
hoarded like pulp in a giant sponge,
even the secrets of the tribe
hidden in the moth-eaten saddlebags
of time, shall find a haven in words
with a slip from the storyteller's
tongue, a mere stroke of the pen.
So are the tales spun from nothing
for a world that is nothing in the end
but a tale paring its fingernails
like James Joyce's god,
waiting to be told.

And though
it loses its shine
with the passage of days,
yet like a record
without a needle, it will recite
what details there are: those worthy
of being recited
to whoever has a pair of ears.

Tea with Mouayed al-Rawi in a Turkish café in Berlin after the Wall came down

Our cigarette packs
close to hand (that secret fuel) . . .
The babble of immigrants
slapping dominoes on marbletops:
a noise familiar once,
out of which
a word may flare up amid the smoke --
born there, refusing
to die here.
If we don't say it, who will?
And who are we
if we don't?
Not about what came
to pass; how it came, and passed!
But about this spoon buried
in sugar, and this finjan.
Not that Wall whose remains
are sold as souvenirs
at check-point Charlie where
only yesterday
they exchanged spies
and traded secrets of the East
and West, but this
wall painting facing us now,
with a harem from the days
of the Sublime Porte
who recline dreamily
in pleasure boats, on a river
guzzled down, in one
gulp, by history.
Let's say we have seen
a lot of walls, how they rise
and fall, how the dust
particles dance under the hooves
of the Mongol's horse,
how "victory" laughs
its idiot's laugh in the mirror
of loss, before it breaks
and its shards fill the world
where we walk, and meet,
every time.

* SARGON BOULUS was born in Iraq in 1943 into an Assyrian family. He is a poet, short-story writer and translator of English-language poets into Arabic. He has published seven collections of poems and a volume of short stories. A study of his life and works Sargon Boulus: his Life and Writing (in Assyrian and Arabic) was published in Baghdad, 1999. He lives in San Francisco, USA. He is a consulting editor of Banipal.

Translated by the author and reprinted from Banipal Nos 4, 8 and 1

***********

SARGON BOULUS

It just grabbed me,
this magic of words music


Interview by
Margaret Obank*

Sargon Boulus has the rare experience of being an Iraqi poet who has been part of the American poetry since the late sixties. Today he is passing this on to the new generation of young Arab poets through his poetry.
He is one of the most important Arab poets today. He started publishing poetry and short stories contributing to Shi'r magazine of Yousef Al-Khal and Adonis in Beirut. When he went to the US, he was 'lost' the Arab world until he re-emerged in the mid-80s with his Arrival in Where-City collection of poems.

His poems and translations have appeared in numerous Arab magazines and newspapers, and he published four collections of poetry. Now in his early fifties, Sargon seems still to have all the energy and vibrant imagination of his youthful days in Iraq and Beirut.
Besides writing poems and short stories, Sargon is well known as an accomplished translator into English and American poets such as Ezra Pound, W. H. Auden (he is soon to publish a complete an his translations of Auden together with extensive notes and an introduction on Auden's life), W. S Shakespeare, Shelley, William Carlos Williams, Allen Ginsberg, Sylvia Plath, Robert Duncan, John Robert Bly, Anne Sexton, John Logan, and many other poets including Rilke, Neruda, Vasko Popa and Ho Chi Min.
Since the mid-80s, he has been on the move between San Francisco, Paris, London and Cologne a last year has lived in Schoppingen artists' village in Germany, where I visited him last September. We spent a day under the Sh?ppingen sky, eating, drinking and talking about his life, his childhood, his views on poetic form and his endless experiments with the Arabic language.
I keep going back and forth into the past. The discovery which comes usually late is that most of the material that has made you and still works on you, even today, lies somewhere there, mostly in childhood, so that, in a way, I think that whatever happened to you in childhood, your circumstances, the place you lived in, the time, the happenings, these shape you up, especially if you are a poet, if you are a writer, and later on you would come back to this material and discover that that is your real capital. So I keep going, as I said, in these late poems back into that time, to shape them up anew, see them in a new way, kind of bracket in the perspective, tighten it and bring out the deepest possible meaning in those scenes and happenings and family background.

English lakes and lawns
Well, I was born in this small town of Al-Habbaniya. It was all water- an artificial lake built by the English I think - and I was born very close to the water. I think water is an important symbol to me even today and so I use it a lot. One of my first memories: I was sitting with my mother close to the water, where we had this kind of shack, small house, on the lake and we were just watching for hours and listening to the water, and a sunset which still lingers in my mind, even the light, the shape of it, the form and the hues.
It is these small subtle details that can drive you along the path of your life, the rest of your life. Al-Habbaniya was a small town and most of the Assyrians happened to live there because they were brought thereby the English. This is really important history for me because somehow I am involved with it, my bringing up and all that. In the twenties, I think, after the Assyrians were massacred in the north and the English took them over and put them under their protection, they moved from Henadi, which was a British air base, and brought to Al-Habbaniya, which became a military camp, a famous camp.
My father used to work for the English and one of my first and very cherished memories is when as a kid my father used to take me to the place of his work, which was a camp where only the English lived with the Iraqi workers. We used to see these English ladies in summertime among their flowers and lawns, a totally different women from the women that I knew like my mother, my sisters and the other women in my, family. Here was another type of image of humanity, let's say, and I was like sneaking a view through the trees, from far away into these gardens. For me, I think now, that's a vision of paradise, paradise meaning something very flowery, full of color. I've even written about this somewhere, some lines in a poem. Of course I wasn't aware at the time that they were occupying the country, I was too young.

My small treasure
So the making for me is very important, going back through memory, back into those details which never exist anywhere in anybody's head except mine. And that's what I count my small treasure, beautiful details of the world. I guess they shape up your taste in life things we are talking about, they make you who you are and as a poet, of course, they are very precious because what are you going to write in poetry unless it's about the deepest things, unless it's about delving into the far recesses of memory, and through that making a vision of the world in every way.After childhood, we left Al-Habbaniya and moved to Kirkuk, a city in the north, totally different, with almost no water.
There is a river, Al-Qa'em, which has no water nine months of the year and suddenly floods the rest of the year. My latest book, being published in German and Arabic, is called (Witnesses on the Shore -Shehood Ala Al-Dhifaf) and is based on a poem about the flood of a river which is dead most of the time and suddenly it flares up and drowns the whole town. So from Al-Habbaniya, to Kirkuk, a city that was dry and rocky with totally different people: mostly Turkomans, Turkish Mongolian people who have been there for thousands of years, and lived mostly in a very high stone castle. It has left such an impression on me, it's like history is right there facing you every day.

I wrote so furiously
I started writing when I was 12: I published my first poem when I was 13 or 14 and since then I haven't stopped. It just grabbed me, this magic of words, of music. In the beginning I wrote so furiously; I have some notebooks from that time and I have noticed from the dates that on one day, for instance, I would write 5 or 6 poems, of course, short, violent ones, but 5 or 6 and that is a lot. So it was some kind of thing to do with destiny.
Yes, I believe in that -in a poet's case it is always true; that that magic, once it strikes you, you can never live without it. You always go back to that source to find out - how did this happen? Why did this thing happen to me? Why was I chosen, in fact, to see the world in this way, through words?
My parents never went to school; all they knew was that I was scribbling all night, alone in my room on this paper, and my mother used to pity me and tell me as a young kid: "Why don't you go and play? Why don't you go to the movies? Why don't you enjoy your youth?

Your eyes will be ruined!" Of course, I could never explain to her and she would never have understood. And even today, imagine at this age, whenever I write a poem I go back to that feeling. I try to capture it.

Spirit and words
It's like a magical drug of spirit and words. The Arabic language really has that magic and once it reveals itself to you you are trapped. That's why in Arabic they say "Adracat,hu hirfatu al-adab", meaning "the profession of words has struck, he's cursed". At the same time I consider it a blessing as well as a curse, beaus today, if you ask me, I would say I want to do exactly as I have done. I want it all over again. I think that in poetry I have found something besides just pain and just nibbling at the bones of history.
Arab history, Assyrian history, Armenian history, all the peoples, all their languages poured into the Arabic language. The Arabic language is probably 70 per cent Syriac, Aramaic, even Sanskrit, and other languages, so there is no pure language in this sense. It happened to be the strongest so it pulled around itself, like a magnet, all the dying languages that had seen their day centuries ago. It was a powerful language that absorbed other languages.
Even today I can tell you many words in which you will hear echoes of Assyrian, Hebrew, and much Syriac and Chaldean. You know, the Chaldeans had a tremendous civilisation after taking over Babylon from the Assyrians, their language was all over the Middle East.


So, when I write my poetry in Arabic, I tell you this - and if s a secret between me and myself - some- times I feel that I am really writing in all these languages, because I believe, finally, that any language contains all the dead memories of the races who contributed to it. When I am doing that I am delving in this great river. Like the great dictionary, Lisan Al-Arab (The Arab Tongue), it's so huge, it's more than 20 volumes, but most of it is dead because it is not used.
However, the portion of the Arabic language that's used today is incredibly alive; it is craving new developments, new versions of the reality which is changing all around it. So in a way we are using like five per cent of the dictionary because all those beautiful words, which are beautiful, lost their use, they were invented for another age.

Linguistic fundamentalists
This brings us to something very important, even political and that is - writing is politics and in Arabic especially and specifically with the Arabic language. This battle over the Arabic language itself, it is a very sensitive thing, like no other Language I know of because the Koran happens to be the source of the ultimate eloquence. Of course it's not the source, because before it there was the language - fantastic and great - in the jahili times, but it's political in this sense, let's say, not only the religious fundamentalists but the linguistic fundamentalists, too, are afraid of change. And that is what is happening now. For instance, it happens only in the Arab world - the fight, the real war, about the forms of poetry.

The prose poem
In fact, till now, the prose poem is not accepted. They call it a prose poem. Why? Because the Koran Suras are supposed to be written in the form of prose poems, so in a subconscious way these linguistic fundamentalists are feeling threatened by it and so we are looking at half a century whereby the prose poem is still considered like a kind of weird foreign body that's forced itself into the Arabic language, although this form has proved itself finally. That's one of the battles that a poet who writes in Arabic has to be involved in.
I'll tell you, this is really crucial for anyone to understand when we talk about Arab poetry. There are three forms, three movements, starting with the great classic poetry which extends from before Islam, from the jahilis, from Imr al Quais and the great ancient poets and then it extends even to the present - in fact the last great poet who wrote in that form died recently, Al-Jowahiri, and with him this thing is now totally buried and gone - there is no such thing we could compare it with in literature. A classic Arab poem is one which goes on for 50 to 1,000 lines and it has to maintain one strict rhyme, and there is no other thing like it in any other literature.
In the late 40s, a man called Badr Shaker Al-Sayab in Iraq came and tried something similar. He was influenced by English poetry, and mostly the romantics, by John Keats specifically, Shelley and, of course, Byron and Wordsworth and finally Edth Sitwell, his main influence. This means not free verse, not blank verse, rhymed verse, but rhymed in variations, not just in one strict rhyme, three or four lines in the same tone maintaining the old metrics of the classic poetry. What happened was a revolution, an absolute revolution. Two thousand years of Arabic poetry was turned upside down. Many still kept writing, like jowahiri, but it was finished, it was gone. At the same time, in America, the immigrant Arab poets like Gibran Kahlil Gibran, Ameen Al-Rehani and the rest, who were influenced by Walt Whitman and the American free verse movement, wrote what we would call the prose poem, meaning no metrics, just a prose piece, blank verse, and so that one was attacked too - it was considered just prose.
Then a magazine called Shi'r (Poetry) came out in the late fifties established by Yousef Al-Khal and Adonis in Beirut which carried this whole thing forward - a real giant step. Now, these were people who had read the western canon, Adonis in French and Yousff Al-Khal in English. Compared to their contemporaries they were far advanced in their look toward poetry, towards Modernism, towards revolutionising poetry. Today, when you study Arabic poetry, Shi'r magazine stands at the heart of the matter.
When I was in Kirkuk in 1961 I sent poems to Yousef Al-Khal, 16 poems, which were published, opening the magazine, and I was hailed in Al Nahar newspaper as a new discovery, a young poet - which was true, I was very young. And so Yousef Al-Khal and me started a correspondence and that is the start of my relationship with the magazine.

Sound and images
In fact, that decided my fate - the strong relationship I had with Beirut, where I could publish things I could never dream of publishing in Iraq, which was strict and still did not accept the new poetry. You know, in Iraq there is a complete establishment of defenders of classic poetry, and I was a real revolutionary at that time. I wrote in metrics but in such a strange way - beyond Al-Sayab, beyond what was written then, no rhyme, just strict, almost Surrealistic sound and images but truly furious the poems are still there.
Well, I have never stopped, I published a lot in Shi,r magazine because as I say, Yousef Al-Khal and Adonis encouraged me so much to a point where I'm dedicating the book I am working on right now (which is poems collected from the seventies to eighties) to them both. In a way, these people decided my fate. When I had this connection with the magazine I kept dreaming and, of course Beirut was there, behind the whole scene, behind the words. Beirut was for us a dream, a golden capital, especially in the sixties - it's history now, after the war, after the ruins.
Now I used to know jabra Ibrahim jabra in Baghdad, who worked for IPC, the Iraqi Petroleum Company, and who edited a company magazine, a nice literary magazine. I published poems in it because they paid and because Jabra was such a nice man. He had of course studied at Oxford and Cambridge and I loved to go there just to talk to him.
By then, I was reading like a madman - I had discovered the whole English language: my brother used to speak English and had a nice small library at home and my father of course spoke a little English because he worked for the English in the same way most Assyrians, I think, had some connections to it.
Reading like that is what decided my views on literature and poetry.
Me and a friend of mine, Jan Dammo, a beautiful poet, found some English anthologies of poetry sold very cheaply on the streets of Baghdad. So we both started discovering the poets and what I didn't completely understand, I imagined, and so my imagination was being sharpened. When you are very young, your imagination is so alive, anything like that could fire it like in a crucible. I think that is the most important thing in a poet's life.

'Your place is in Beirut'
One day Yousif Al-khal came to Baghdad and jabra Ibrahim jabra called me to say: -Yousif Al-Khal is coming tomorrow and he wants to see you.' Well, I go to his house and meet the man who for me was truly not only an idol but an example of the true poet who went to the West and came back and established a magazine. He was a truly big name, a magical name with a great aura. He told me: "Your place is in Beirut. Come to Beirut. You are one of us.' And after two months I was in Beirut.
How I got to Beirut is a very long and interesting story. In '67 1 was 22 or 23, the perfect age for adventure, for cutting north, because you are afraid of nothing. No money! Nothing! You have to go! At the time, jabra (poor guy, mercy on his soul),

thought like anybody else, I was going by airplane, with a ticket and passport. He had no idea I had no ticket. In fact I had no money. I sold a few books and made about 44 dinars. And no passport of course! No-one would give me a passport!

Crossing the desert
jabra gave me the manuscript of King Lear (his translation of it) to give to Yousef Al-khal to be published - which I took for two months across desert. I crossed the desert to Hassaca and then to Homs and then to Damascus - and then to Beirut and that's a tremendous adventure in my life. I'm still writing about it. It's a very symbolic thing in the life of all the prophets and poets - what they call the dark night of the soul. Well, the desert you cross is like another world! Truly it was like that and I was living a vision.
When I walked into Dar Al-Nahar publishing house in Beirut with the manuscript of King Lear in my hands, and saw Yousef Al-Khal sitting at his desk, it was like yesterday. He said: 'I told you!" He looked like he was expecting me, it was incredible.

I had crossed the desert on foot, with no suitcase, nothing, only a small bag with the manuscript of King Lear and some of my poems in a notebook I still have with me here today. This notebook is still the source of magic to me. It contains the poems I wrote when I was young, most of them not published. It has "Baghdad 1961" written on the cover which is leather and indestructible and I carry it everywhere with me it's like my magic icon. When I need a poem, when I'm dry, I just open that book and look at the paper and the lines, and it gives me the vision of that source.
My days in Beirut were divided between Yousif Al Khal, the newspaper where Adonis worked, and Horseshoe, that fantastic café in Beirut (which still exists!), where on evening you'd have everybody there, even international figures like Samuel Beckett. I worked with Al Nahar newspaper, and with Yousif Al-Khal on Shi'r magazine until I left in 1969 for America. Yousif Al Khal especially, was thus involved in shaping my destiny.
Beirut at that time was at the peak of its golden time, that was the golden age of the Arabs, and there is really nothing like it now, no way. was an open city and its beauty, it beaches like Long Beach, enthralled us. We used to go there, Adonis Yousef Al Khal and I, with many other people. It was a gorgeous place where bikinis were worn like on the Riviera.
I lived there with my aunt, my father's sister. But most of the time were so wild, there were so many writers and poets we'd never get home.

Leaving Beirut ...
But Beirut became too small for me. I had incredible dreams. After all I had come to Beirut with the idea of going to America - America was always in my mind, and the West. In the beginning, I started reading book by Sherwood Anderson called Weinsberg, Ohio, it's a classic of American fiction. And then of course, Faulkner, Hemingway and Fitzgerald, with their fantastic, fabulous worlds that I could imagine.
Whatever I read I imagine -it becomes absolutely visual. It becomes real!I even live it!
It is this dimension of my imagination has pulled me all my life. In fact, I'm here at this moment talking to you in Germany because of that. I do believe so! You see, I read and Rilke and H?lderlin, and these great German poets and I always wanted to know Germany, to live there. And here we are, although I had to go to America first and it took me a while to fix things.
However, before I could leave Beirut, they got me in jail in because I had no papers. One day I went to Shi'r magazine and Yousif Al Khal said: "What is this?" There are secret police looking for you. "What have you done?" But I never told him the story. I never told him that I had crossed the borders without papers. In fact, I started sleeping on the Rocha, the place where lovers jump from, like the Golden Gate Bridge in San Francisco, and in friends' apartments.

One day, when I was really sick of it all, I went to the police station. They put the handcuffs on me and told me: "We were looking for you!" I stayed in jail for a few days - it was full of Palestinians at the time as the Palestinian resistance movement was just starting and they were being caught at the borders. We became friends, we were about 300 in one room and they were all telling me their stories.

Out of jail to New York!br> Ghada Al-Saman, who was a very powerful writer at the time, knew the Lebanese president, and through him she brought the captain of the jail in his pyjamas one midnight to release me, but there was one condition -I had to leave Lebanon, and either go back to Iraq or somewhere else. 'Somewhere else!" I said.
Yousif Al Khal helped me a lot. We went to the American Embassy and he told them about this young man who had translated two anthologies of American poetry in Shi'r magazine and introduced the beat generation of poets to Arab readers. He told the American Ambassador: 'All you have to do is talk to this young man, just talk to him!"

American literature
So the Ambassador asked me about American literature. I started with Walt Whitman, and then came to the new names which the Ambassador had never heard of and probably will never hear of, and he said: "Enough! You got it." So they gave me a paper, although I still had no passport.

That is how I got to New York. I borrowed $50 or $60 and went to New York without knowing anybody, no money, nothing, alone. Imagine that! I cannot believe even now, how I survived, nor how I got to San Francisco, which was my final destination because I had read and written about San Francisco before even seeing it.When I wrote about the Beat Generation in Shi'r, the introduction had to be about North Beach, San Francisco. When I finally got there, I discovered that all I had said was true, the way I had imagined it! And the hippies and the beats - well, I immediately joined, long hair, beads, the whole thing!
When Yousf Al Khal heard about me he said: 'Sargon now is finished, lost completely, he'll never come back." His idea was that I would go to America and get educated, get a few PhDs or something and come back.
Etel Adnan helped me get from New York to San Francisco. I had met her one day at Shi'r magazine -this small sweet lady. She used to send her works to Yousff Al-Khal and I translated them. All her works published in Shi'r are translated by me, although most of the time I didn't put my name. She said: 'Sargon, if you come to America, please come and see this beautiful town, San Raphael, where I live."

She sent me a ticket, and welcomed me at night with another lady and it was beautiful because Etel was a hippy. She thought she was Indian, in fact she is half Syrian, but she acted and thought like she was an Indian.

The first few days when I was there we sat in a famous cafe which is still there, called Buena Vista, it's right on the bay and from it you can see Alcatraz jail, the famous prison. We were with some American Indians who were having a revolution there and trying to take over Alcatraz.

Anyway, I joined the Indians with Etel Adnan. They were a dream for me. We had only seen them in movies when John Wayne used to kill a few thousands - I think in one go! On the screen the white cowboys shot them like flies, so we always felt pity for them. For me they were fabulous people, and here they were for real, in San Francisco, with feathers and blankets and beads.

I was an Indian
I was fascinated and made friends with many of them. The Indians were in real poor shape, they still are, they had some kind of vulnerability to alcohol of which the whites took full advantage, and many, men and women, were alcoholics. But I don't blame them, do you, when you have your whole land taken away, the white man is taking over your land and he doesn't want to give it back - they don't want to give them that tiny rock. They beat the hell out of them and chased them out. Sure, at that time I was an Indian and felt like one.

San Francisco is the center of creativity in America, the center of America. There is East Coast, New York, the publishing world, the business of literature and there is the West Coast, which is San Francisco and that is where all the new movements emerge from, always, even today, so there was the so-called San Francisco Renaissance, a tremendous movement with Kenneth Rexroth, whom I met, as master of ceremonies. Through him all the great poets of the beat generation came out, like Gary Snyder, and then Ginsberg, Kerouac, then Gregory Corso, Bob Kaufman, Lawrence Ferlinghetti. I knew his daughter Mary, who became an exotic belly-dancer and was the girlfriend of a friend of mine, Gary Gach, a poet who still lives in San Francisco.


We used to go and see Kenneth Rexroth, but that's on one condition that you don't say a word, he's the one who talks! He was such a genius, such a man of knowledge. He's an encyclopaedia. In fact he's famous for reading the Encyclopaedia Britannica from cover to cover every two years - he's an incredible man. San Francisco is the place of awareness because writers there are the most open. They are not like the New Yorker writer and poet, the sophisticated Europeanised type. No, they are cosmopolitan. San Francisco is the city that is actually made up of all the cities in the world: You have Paris, you have London, you have Rome, and you have Berlin, in this city you have China. It is international and culture is absolutely open. I think for an artist, especially a poet, that is the city. I mean, I spent a quarter of a century, more, in San Francisco, never getting bored one minute - the readings, the fantastic trips, especially in the seventies and the eighties. It was the time for me, that is the thing that I treasure, the adventures, the open spirit, and then Berkeley, which in the late sixties was THE place for revolution, for stopping the war in Vietnam.

The first night I arrived in Berkeley, I saw a procession of students with candles singing against the war, to stop the war in Vietnam and what they were reading but the poems of Ho Chi Min, which I had just translated into Arabic and published in Dar Al-Nahar in Beirut. Prison Diary (Youmiat fi Sijin), it's my first book.

it was a great thing for me and in that procession I immediately made wild friendships with these students and for the first time with beautiful hippy girls, you know the ones with beads and flowing hair, with little kids. They took me with them and we lived on an abandoned ship in the bay, near San Sausalito, which is a city of the stars, the movie stars. The hippies lived in the harbour side by side with the yachts of these stars. This ship of ours was from the time of Mark Twain, you know the one with the crazy propellers and pedals, a paddle steamer. We had a juke box in it and a grill for making hamburgers. So, it was hippy girls, with their kids, naked, following them, making hamburgers and dancing to the music of Bob DyIan and Janis Joplin - it was a dream, an incredible dream.

This tremendous energy

The book I am working on right now is called Edha kunta Na'eeiman fi Markab Nooh (If You Were Asleep in Noah's Ark) which is taken from two lines of poetry by Ruhmi, the great Persian mystic poet. He says: "If you were sleeping in Noah's Ark, drunk,/what do you care if the flood has come?" The book contains the poems I wrote in America exactly at this time we have been talking about. I had found out that all I knew about writing - before I came to America it was nothing - was unequal to the occasion, just techniques and ways of writing that couldn't contain the tremendous energy I was living, so I started asking myself, how I'm gonna express this' In these violent poems in America I felt I was controlled by language, instead of me controlling the Language- So I had to create this flowing rhythm, this mad flowing rhythm of language and then everything is being dragged by this fantastic current. Well, I'm reading the poems now and I feel that I'm analysing myself through them.
For me, from the start till now, writing poetry was and is a very crucial, very intimate thing and deeply connected with my inner making, my inner life. Otherwise, why would I write poetry, why not fiction, why not essays? I tried to invent new ways to force the Arab language to contain the tremendous flow of new information, of new realities, and I wrote these fabulous poems, which I am collecting right now, some of them are 25,30 pages. I'd never dare write a poem that long these days. I don't know how I did it. But I couldn't be bothered to publish any of these poems then and I thought no-one would publish them. So I lived, immersed in this life and writing, all this time without publishing.

A letter from Adonis
Well, one day an Assyrian lady from Beirut, Violet Yacoub, came to San Francisco, and she said: "I have a letter for you from somebody called Adonis." "Adonis!" I said - it was like a bell ringing. This is in '72 or '73 and I was completely cut off from the Arab world. I read the letter, it is a beautiful letter and in it Adonis told me: 'You are present among us, you are never absent, although you are not here and I want you to give me for Muwaqif [his magazine] all that, you have, anything that you have."

I gave Adonis whatever I had and he published it all, in newspapers, in magazines, in Morocco, everywhere.

Well, these poems came out and a lot of people have told me that probably they're my best, in the sense that you can't write things like that consciously, they just have to come out somehow.

My first collection (Al-Wasool ila Medinat 'Ain (Arrival in Where City) is revolutionary in its style. Most of the poems were written in America and they were part of what I was trying to write about the absolutely modern situation, trying to capture it. After its publication in 1985, I started a different period and although these poems were published in '85, some had been written in the late 60s, 70s, 80s. I published a second book of poems in Morocco, which I wrote mainly in Greece. I tried to capture in it the Mediterranean feeling, which was why I called it Al-Hayat Qurub Al-Acrypol (Living by the Acropolis), and it is true I was living very near the Acropolis. Every day I would walk through the Acropolis, and climb there and walk through the Plaka, so the seas and scents, feelings and details are mostly Mediterranean.

Coming from Assyria ...
Is there any influence in my work from my Assyrian background? Well, as a child I was writing in Arabic, although I have written certain things in Assyrian. But I soon realized that Assyrian is a very limited language in the sense of an audience. First of all, throughout the whole Middle East where Assyrians exist their language is suppressed - they don't have schools, they don't have magazines, they don't have books, but almost secret societies. The first school I went to was in a church in Al-Habbaniya where the priest used to teach us and I read Assyrian. It's a beautiful language, it's a great language and sometimes I feel like writing a fantastic elegy for the Assyrian language, how it's dying and I'm seeing its death.

But then I realized, when I was struck by the Arabic language, when the gift came to me, that all languages are really one. I mean, Arabic is almost like Assyrian to me, that's strange, but it's really true. For me the sound of Arabic is like some kind of cover for what's beneath it - meaning all these ancient languages never really die. They are there. This might sound like an illusion but they are there, they are steamed up into Arabic and they are right there.

They changed their names
Of course, throughout the years I went and studied these things, I studied Turath, which is the classics of Arabic language. I found out that some of the greatest Arab poets were in fact Assyrians. They changed their names, they're all in history. Emr Al-Quais was Assyrian and Nabi Al Dhubiani, who was the poet of the kings, of the palace, was actually Assyrian. He was Monovesian, a kind of Christian at that time. Now who could be Christian in Iraq and not be Assyrian - either Assyrian, or Syriac or Chaldean, Assyrians considered all these people one. Then, Abu Tammam was Christian - he changed his name. Ibn Al-Abri, a great historian, is Ben Khafri in Assyrian, so he's Assyrian. I can tell you hundreds of names like that. Ibn Ar-Ruhmi, he was in fact Greek and Christian. These things are facts in Arabic literature. So, the way I see it is that there is no such thing as pure Arabic literature. It all is from here and there, especially from Iraq and Syria where the tremendous movements of classic poetry took place, the revolutions of Abu Tammam in Syria and Al Muttanebi in Iraq, these movements just dragged with them all the past of mixed origins, mixed languages, mixed knowledge, mixed terminology - and this past is all there in the poetry and the prose.

I think that s what most of the poets, throughout history, have done. They have done exactly that. Because what finally counts is not the language, it's what the languages say.

In my books, particularly the last three, I have been doing exactly that. I've been putting in Assyrian phrases or sentences, such as "Shimmet baba bruna rukhet kutcha" (In the name of the Father, the Son and the Holy Ghost), sometimes without translating them. They're obviously Assyrian, but not in the sense of being just Assyrian, that would be just chauvinistic.

I want to make the language, which for me is the Arabic language, carry everything. I'm putting things from Robert Lowell, from Paves, from Caesar Vallejo. For the first time I'm indicating that this Arabic language can take anything from the world. That is the point really, the rest is just details.

The language is not dead, it can take anything. As far as I know, no one has done it before. They can't, they don't dare, and plus they can't -as simple as that. It's a matter of how to do it, and to do it right (not just to do it for the sake of doing it, no, that's meaningless), but do it creatively. That way it's necessary, it is contributing to the idea of poetry and the enrichment of the language.

Arabic is unexplored
For my own work, from my own experience of the language, I have been doing these experiments with the Arabic language for a very long time, in fact from the start, and I still feel that the Arabic language is material unexplored as yet. Let's put it this way - it's unmined. You know, it's like raw material for me. I feel that this language could be ex-tended endlessly into some new idiomatic formulations - which I'm doing all the time. Look, I have a series of poems which I have been publishing in the London Al-Hayat newspaper, which are translations, but I don't call them translations, I call them "poems after the poet".

I believe that the art of translation is to get into rewriting the text. For instance, I've published sonnets by Shakespeare, poems by Shelley re-written into the modern idiom of Arabic, plus Haikus, Chinese, Poets like Po Chui-i, others plus Greek poets classics Sappho, all these came out through the years and they are still coming out. I am still doing experiments in a sense. what I do is take the text and imagine how would it sound if it was written originally in Arabic. That's the whole idea. That's what I do. My imagination goes into the sound of it. How would an Arab poet write such a sense, write such emotion?

A sonnet by Shakespeare? What I discovered is that the power of the sonnets is in their flow - uninterrupted. In Arabic that is almost impossible. Why? Because of the line ends. They stand as obstacles to the flow.

The flow of breath
So what do I do? I establish a new kind of line, which is continuous and at the same time I do this in my own poetry. I'm working with sounds and I'm working with the line that extends into the other line non-stop to get the flow of breath. This has never been done in Arabic. Why? Because of the metrics.

So what am I doing? I am compressing the language in such a way that it takes the place of the old metrics. It would be another metrics, as did western poets like Ted Hughes. Ted Hughes wrote what you can call syllabic poetry and before him Auden, of course. Syllabic - it depends on the syllable.

Now I've talked about this many times in interviews in Arabic, but they can't understand it. They don't know what I'm really doing, so every critic who writes about me never mentions these things because they aren't even aware of them. They don't know the mechanics, the techniques, they just don't know. When they do write - and they have written extensively about these books and poems of mine, they talk, of course, about the material and what I'm saying, but what I'm saying is not so important to me as HOW I am saying it. That's the whole point.

The other major side of my activities is translation. Through translation I can penetrate and in fact I have heard, many, many echoes and reactions from people who have told me face to face, or by phone, or by letter that I'm striking something there.

A beautiful shock
At the Oman Festival in the summer I truly, personally, physically saw the reactions with my own eyes, heard them with my own ears. In such desert places like these small places in Abu Dhabi and Dubai and Sharjah, even towns in the desert, I found people who knew my poems and are actually aware of what I am doing, people from a godforsaken village, in a desert. It was a shock to me, a beautiful shock.

Let me tell you something. Every poet, throughout their life, actually looks forward to something like that. It's a fantastic moment. All these years that I have put in, thinking at the same time that no-one would be even aware of what I was doing (and it's a fact that the damn critics are not), and suddenly you find a simple student somewhere who has been probing through your doings and your techniques and actually has grasped something of that thing that you have been trying to develop. For me it's such a bliss, such a reward, in fact it's the only reward. That's enough for me. That's the only reward a poet ever looks forward to.

When they tell me this modern poetry is too complex for this simple man, that's all bullshit, it's not true. Because who is this simple man? There is no such thing as a simple man, all human beings have their complications and inner depths. I believe this, and so when something touches them they know it, maybe by instinct, maybe by knowledge. Sometimes knowledge is Intuitive. That's what we're talking about.

Arabic is always shy
When we say that about poetry in Arabic, we are talking about something very remarkable, very vitalising, because Arabic is a language that resists, a language of resistance. It's like it's being raped. It's very true. Arabic is always shy, it's a shy language. In fact, it's a language which is almost virgin, even in its terminology. At the end of the 20th century - we're gonna have the year 2000 very soon - the Arabic language still doesn't accept simple erotic words. They can't name for instance the penis or the cunt, which in other literatures is just a very regular, natural thing to say.

We can't say that in Arabic, so I try to build into the language the sense of being absolutely free and powerful in the way I handle the syllable, the meaning, the structure of the poem, of the sentence. Through that, I think you can say anything. in fact I tried to do that, you know, in the Oman Festival last summer and I put all that meaning into a few lines.

By insinuation you can do that, by sound - everybody knew what I was talking about. So I'm talking about all these things without mentioning the names. That's how you can develop poetry - by insinuation, by sound. When I say certain sounds, the connotations are there. They know what I am talking about on another level, and that's the mystery of poetry.


That's why poetry is a unique language, completely separate from the language of fiction, essay, the regular prose. In poetry you can do that because every sound counts. And I'm doing that precise and very economic thing with language, with a language like Arabic which is always too full of decoration, unnecessary words and fat - linguistic fat. I'm cutting it like a butcher and I'm trying to show the bones behind the flesh and I think that' s something worth doing.

Yes, this is really mind-blowing. It is really hard. I spent nights and days thinking how, how to do it. How? What do you do as a poet, as a truly working poet, is do incredible endless experiments. And you do. Some of them fail. I'm not saying you succeed just like that, there is no such thing as that. Hundreds of them fail but one succeeds, and if, from 200 pages, you can get five pages that are good, then I consider it some kind of success. 'that's the way.

A little bit of frustration
It's long work, always thankless. After a while, after writing for 30 years, you feel a little bit of frustration because here is a whole world where idiots are taking over things and some rich sheikh or someone, with billions of dollars and oil can live such a fabulous life, and own all the papers and magazines and here is a poet sweating and laboring to advance the language. You know what that means, I think that is one of the most honorable missions in life, and they're totally neglected, so sometimes a poet, if he gives up, he is really justified. But then you try to fight against despair.

We try all the different ways we can to push the wheel of poetry into the future, the real future in that sense. For me, that's the true revolution - from inside. Not from outside. Not shouting, but working silently and seriously with such a prolonged effort from inside - and that's how things are to me, that's my belief, it's what keeps me going in this fantastic solitude in Sh?ppingen.

Sometimes I find oases like this sweet small German village or anywhere else in fact, just to pursue these fascinating, complex ideas of mine.

MARGARET OBANK
was born in Leeds, UK. She has a BA in Philosophy and English Literature from Leeds University and MA in Applied Linguistics from London University. in 1992 she organised a Festival of Iraqi Culture, one year after the Gulf War. She worked in publishing and printing and was a lecturer in Further Education. She is marred to Iraqi writer Samuel Shimon.

سركون بولص، يقظة المسافر

( ملف )

******

الموهبة المصقولة كطريق للخلق

ديما شكر
الموهبة المصقولة كطريق للخلق

سركون بولصنشر العدد 69 من مجلة "الكرمل" ثماني قصائد جديدة للشاعر العراقي سركون بولص. وإذ كانت العادة جرت ان ينشر الشاعر قصائده في ديوان لاحقاً، فالحال هنا مختلفة بالنسبة الى شاعر عرف عنه التريث الى حد العزوف أحيانا عن ضم القصائد أو جمعها ونشرها في ديوان. ليس أدل على ذلك من ان الشاعر قد تريث حتى عام 1998 لينشر قصائده في كتاب عنوانه "إذا كنت نائماً في مركب نوح" (منشورات الجمل) الواردة في مجلات ودوريات مختلفة ما بين الفترة 1969 و.1982
يعد سركون بولص من أهم شعراء "الرعيل الثاني" لما يعرف بقصيدة النثر.
بعد أربعين عاما يكون السؤال مشروعا، والجرد مطلبا حيويا كي نرى الى أين وصلت هذه التجربة ذات الطموح في الشعر العربي الحديث من جهة، وما إذا كانت قد أرست قواعد ما، أو أنظمة معينة من جهة أخرى؟ أم ان التجربة، في كلام آخر، الانقلاب الشعري الذي نهضت به مجلة "شعر"، لم تتبلور بما يكفي، واصطدمت حقا بجدار اللغة، على ما ذهب اليه يوسف الخال في افتتاحية العدد الأخير من المجلة نفسها. بالطبع غيّرت هذه التجربة في مفهوم الشعر ونجحت في خلق تيار عام، واستمرت في معزل عما ذهب اليه يوسف الخال، واذا نظرنا اليوم الى النتاج الشعري العربي نجد ان جله ينضوي تحت تسمية قصيدة النثر.
إذا، حدث الانقلاب الشعري وحصل التغيير في مفهوم الشعر في شكل لا يقبل الشك، بيد ان الثمن كان باهظا ليس اقله اختلال العلاقة بين القارئ والشاعر. اختلال أفضى الى عزوف عدد كبير من القراء وانصرافهم عن قراءة الشعر كبداية قاسية وامتحان حقيقي لهذه التجربة. رغم اختلال العلاقة هذا، قطعت قصيدة النثر أشواطا كبيرة، بل كرست أسماء كبيرة وقامات شعرية، في معزل نسبي عن القراء وعن النقد أيضا. ربما يمكن القول ان تجربة الشاعر سركون بولص تحمل في طياتها ما يلزم للنظر في أحوال قصيدة النثر، أولا، لأنها تجربة طويلة نسبيا، فبدايتها تتقاطع مع أوج الانقلاب الشعري الذي نهضت به مجلة "شعر"، وفي معزل عن التأثير القوي، والتنظير المحكم لأدونيس ويوسف الخال على وجه الخصوص. وثانيا لأنها استمرت ونضجت بعيدا عن التأثير القوي ذاته. فقد اختار سركون بولص الذهاب الى أميركا عام:1969 "أردت ان اعرف بحق من انا وماذا أريد، ان أناقش كل شيء، ان ابتعد واكتشف وأعود بجواب. هكذا وجدت نفسي في أميركا. وتلك قصة أخرى"، على ما قال في "أعلام الأدب العربي المعاصر - سير وسير ذاتية".
في المنفى اذاً - إنْ جاز التعبير - طوّر بولص أدواته الشعرية، ولعل ديوانه "حامل الفانوس في ليل الذئاب" (منشورات الجمل) يفصح عن نضج في التحكم بما يسمّى الإيقاع الداخلي في قصيدة النثر، كما يفصح عن مقدرة كبيرة في تفجير مكامنها الموسيقية. ففي الديوان المذكور وضع الشاعر موضع التنفيذ فكرة مفادها التمازج بين البناء الفني للقصيدة وإيقاعها، وأوجد حلولا معقولة لتوليد الإيقاع والسيطرة عليه، من طريق التكرار المرهف أحيانا، وعبر افتتاح القصيدة بإيقاع أليف يوحي أنها مكتوبة على وزن البحور الخليلية أحيانا أخرى. بيد انه سرعان ما ينفلت منها، ويختط لنفسه مساره الخاص وصوته الشخصي. هذا الصوت الشخصي هو في كلام آخر إيقاع شخصي، والإيقاع مرتبط بالوزن، فكيف يمكن ان نقول ان قصيدة النثر تتضمن إيقاعا ما، إذا كانت النظرية المحكمة التي شرعت قصيدة النثر قد استثنت الوزن بل نبذته؟
يبدو ان لدى سركون بولص أجوبة عن أكثر الأسئلة تعقيدا في خصوص قصيدة النثر، اذ ان مراسه في التجريب والتغريب، لم يتوقف عند الشكل، كأن تكون القصيدة مرسلة السطور، أو تتضمن أرقاما وأشكالا توضيحية ان جاز التعبير ("دليل الى مدينة محاصرة" من ديوان "إذا كنت نائما في مركب نوح"). بل دأب على إدخال ما من شأنه ان يبلبل الذائقة الشعرية من اجل هدف واضح هو فتح لأشكال تعبيرية جديدة. فاقتراحه الأكثر سطوعا هو لانهائية التشكيلات والتعبيرات.
ان التداخل الزمني بين تجربتي قصيدة التفعيلة (نهاية الأربعينات) وقصيدة النثر (نهاية الخمسينات)، واستمرارهما معا منذ الخمسينات من القرن الماضي، قد حكم في شكل كبير واثّر في تطور اتجاهات الشعر العربي الحديث، فبعيدا عما كتب وقيل عن التناقض بينهما، يمكننا ان نتلمس اليوم نوعا من التقارب والتجاذب بينهما، بل يمكن ان نذهب ابعد من ذلك، حين ننظر الى ما نتج في المحصلة من هذا التلازم الزمني بينهما وكيف استفادت كل تجربة من الأخرى لتطوير ذاتها وتجاوز بعض من مآزقها، خصوصا في ما يتعلق بقصيدة التفعيلة التي كان لها السبق في الاستفادة مما طرحته قصيدة النثر بالنسبة الى صوت الفرد الهامشي، كمقاربة ذكية لما يسمّى الحداثة في الشعر.
اذ ليس خافيا ان التفعيلة قد طورت نفسها على أيدي أهم الشعراء العرب اليوم، وتجربة محمود درويش تحديدا في مقاربته قصيدة "السطر الشعري الطويل الذي يبدو كأنه يتحرك بالنثر" من ناحية، وقدرته المرهفة على اللعب على سياج "الداخلي" و"الخارجي" والمواربة بينهما لجهة الانتقال الخفي والذكي من صوت الفرد الى صوت الجماعة أو بالعكس من ناحية أخرى، هي مثال ساطع على هذا التطور الخلاق. في المقابل نجد ان تجربة ادونيس بكل زخمها التنظيري لم تستطع ان تخرج من إطار التفعيلة رغم أنها تحمل لواء قصيدة النثر كمدخل أساسي وحتمي للحداثة في الشعر العربي.
وسركون بولص لم ينبذ في شكل نهائي الوزن، وهو اعتبر في مقابلة مع "السفير" (عدد 8736 عام 2000) ان النثر في الحقيقة موزون، وهنا الطامة، كيف نجد الوزن الخبيء في النثر؟".
في هذه المنطقة بالذات يلعب سركون بولص لعبته الآسرة، من حيث مقاربته الخاصة للبحور الشعرية من دون ان يغفل أبدا
تحيزه لصوت الفرد الهامشي والتغريبي الذي أرسته قصيدة النثر وكرسته. بل على العكس من ذلك، يلجأ الى مقاربة موضوعات كانت الى حد ما وقفاً على قصيدة التفعيلة، نقصد بها هنا، عكس الواقع السياسي العربي بكل ما يحمله من خيبات وانكسارات (اي الشعر الملتزم الذي هاجمه بعنف شعراء قصيدة النثر) من دون ان يلزم نفسه الابتعاد عن هذا الصوت الهامشي ذاته (قصيدة هولاكو، و"من يعرف القصة"). بل هو يدفع بالمغامرة الى أقصاها حين يلزم الصوت ذاته فائضاً من الحنين من دون إغراق في الرومنسية كما في قصيدته "كيس تراب".
لا يسلس بولص القياد بسهولة، وان كان لا يزل يتبع التكتيك نفسه ببدء القصيدة على وزن البحور الشعرية في شكل موارب، فهو أضاف هذه المرة إدراج البحور في متن القصيدة بعد مقطع نثري ان جاز التعبير (قصيدة الجثة).
تبدو قصيدة "من يعرف القصة"، كأنها تختزل بكثافة مرهفة كل ما يمكن النثر التفعيلي، والتعبير للناقد صبحي حديد، ان يفعل كي تستجيب القصيدة أسئلة الحداثة الجدية المعلقة منذ زمن في ما يخص التجديد في المعنى والمبنى، لتكون كما يجب ان تكون منبثقة من أسس الشعر العربي، ضاربة في الأصول، غير متجاهلة ما في إيقاع البحور الشعرية من جماليات وامكانات لا تنتهي، وغير بعيدة عن ارض الواقع. في معنى أنها تعكس هذا الواقع بطريقة حداثية، وفي كلام آخر تجسّر الهوة الرهيبة بين القديم الذي يرن ويلمع مثل الذهب، والجديد بكل إبهاره وطاقاته الإيحائية.
تنفرد قصيدة "نصف بيت" بلعبة آسرة يؤديها الشاعر حين يبدأها هكذا:
"نصف بيت/ لأبي تمام: "إلا ترى/ الأرض غضبى، والحصى قلق"، وذلك قبل ان يتابع الركض وراء الشطر الثاني من القصيدة، ثم حين يسائل غياب القافية، تلك التي تمت معاداتها لوقت طويل، لنجده كيف يمتدح غيابها ويلاحق سرا إيقاعها، الذي يشبه الى حد كبير الضربة الموسيقية الأخيرة التي تقفل البيت الشعري وتسمح للمتلقي ان يستريح. غياب القافية اذاً هو الذي سيسمح للإيقاع ان يكون كما يبغي الشاعر "أشبه بالأنين، أشبه بدردمة خافية".
ثم ينهي القصيدة ب:
"لا أهل لي وليس لي بلدٌ/ والأرض غضبى/ والحصى قلق".
اي ان سركون اختار ان ينهي القصيدة بالوزن الواضح نفسه الذي بدأها به، على عكس ما صنعه في متنها حين اختار ان يخفف من إيقاعها ثم أعاده تدريجيا مستندا الى أواخر الكلمات كما نرى:
"كأنني استيقظت اليوم في بيتي/ وقد طار سقفي".
في قصيدته "انا الذي" (من البحر الكامل) يختار سركون بولص ان يلعب بأداة الوزن، فهو يدرجها بوضوح كمعطى للقياس في المعنى الحرفي للكلمة في سياق النص:
"بينهما صيحة الجنين على سن الرمح/ في يد أول جندي أعماه السكر/ يخسف باب البيت".
بينهما مستفعلنٌ، أو ربما متفاعلن.
"لا/ ليس بينهما سواي/ انا الذي".
لعل في خيارات الشاعر بالاقتراب هكذا من قصيدة التفعيلة ما يفتح المجال لمساءلة قصيدة النثر الى أين تتجه. يبدو أنها تتجه الى ان تشارك هي أيضا باستنفاد ما في البحور العربية من امكانات هائلة، اذ لا ريب ان النظر اليوم الى الوزن كأداة للإيقاع كف عن اعتباره مفرطاً بالموسيقى والطرب، بل يمكن القول ان البحور الخليلية تحمل اليوم أيضا كل ما يلزم كي يكون الصوت خافتاً وهامساً بل مغرقا في التغريب إذا شاء الشاعر، وعاليا جهوريا إذا أراد. وله ان يقارب الموضوعات التي يريد بحرية ضمن القيود (كما درجت تسمية البحور الشعرية على يد شعراء قصيدة النثر) التي تفرضها هذه البحور. لا يملي الوزن اذاً صيغاً جاهزة على الموهبة، بل يهذب ويشجب الغليان العاطفي الذي تموج به الموهبة، هو لا يحد من خيارات الشاعر ولا يقيده بقدر ما يصقل الموهبة ويحتفي بالدأب كطريق وحيد للخلق. تقول سلمى الخضراء الجيوسي في كتابها القيّم Trends and Movements in Modern Arabic Poetry
"في شكل عام يبدو انه لا توجد دلائل لتفضيل وسط النثر بين الشعراء (فالجمهور هو اقل ميلاً لقبول هذا الشكل التعبيري) قبل ان تستنفد الامكانات الهائلة للعديد من البحور العربية، بكل تنويعاتها، وفقط عندما يحدث هذا سيبدأ الشعراء بالبحث الملح عن أشكال تعبيرية أخرى".
ويبدو كلامها دقيقا الى حد بعيد حين ننظر الى الاقتراحات الإيقاعية الجديدة في ما خص البحور الشعرية تأتينا من شاعر كبير في قصيدة النثر - مجازا هنا - لأن سركون بولص، في كلام آخر، يشتغل في هذه المنطقة الآسرة نفسها تلك التي تموج بين الوزن واللاوزن، تعطي قيصر ما له، وترسي نفسها بكل أناقة في قلب القارئ.


نشرت في الملحق الثقافي لجريدة النهار
البيروتية السبت 2 شباط سنة 2002

*********

نصوص من شعره

حانة الكلب

لا أخفي عليكم أنني أنا أيضا أفكر أحيانا بماهية الشعر بخطورة القضية بنوع من التوبة كما هي حال الجميع وفقر العصافير الأسطوري وفي أغلب الأحيان وأنا نائم أحلم أنني أتعثر برجل نائم تحت جبل وأركله لأوقظه برفق أولا ثم بتهور وصراخ حتى يستيقظ، و يوقظني وأحيانا يكون الفرق الوحيد بين الحياة والنوم هو هذه العلاقة الزجاجية بين المصادفة والقصد بين أن تستيقظ بنفسك، أو أن توقظ، بواسطة حذاء حتى إذا لم يكن هناك جبل حتى إذا لم يكن هناك!


ذات فجر يقع المحذور برمته ودون مصالحة

كما يقول صديقي الذي كتب أطروحة عن صمت أبي الهول لنيل شاهدة الدكتوراه باليانصيب ذات فجر يقع المحذور ينتقل فيه نبع القرية من وراء السياج إلى فم رجل نائم يرصّعه الظمأ يحلم أن فرقة مدربة من الأعداء تهيل الصحراء بالرفش وطوال الليل في قصبته الهوائية، دون كلل، ذات فجر عندما يقع المحذور ويحظر التجول ويفشى السر تحت شبكة الأحكام العرفية غيمة واطئة تركب أبخرة النهر تتلصص على النائمين في ضفتيه بثقوبها المطرية الأثني عشرة، أو ربما كنت أؤمن ببساطة، أن هذه التورية هي المسؤولة ترفع بالسطل مخلوقاً أخضر كان ينام بانتظاري في بئر السبعينات ومنذ الطفولة أو ربما كنت أؤمن ببساط الريح إيماناً أعمى لا يشفيني منه علماء الجاذبية حيث القصائد لا تحتاج إلى مجذاف لتعبر بنا جميعاً إلى الضفة الثانية وكل كلمة فيها، كوّة سرية يتجسس منها الماضي على الأحياء. في حالات كهذه عادة أحوم حول أسوار العالم حيث أسجل في دفتري مواقع الثغرات بدقة وأضيفها إلى الخارطة بالمسامير أفكر بجبران بن خليل يسير في نيويورك بشجاعة الحالمين، بأبي فراس أسيراً في بلاد الروم يخاطب (على بحر الطويل) الحمامة وعندما أكاد أنسى العربية أغمض عينيّ وأحلم لأستحضر المعجم من الذاكرة في رأسي مركب نوح في بحبر متلاطم من المخلوقات تدوزن كل سمكة فيه حراشفها وهي تسبح في / على عتبة / خارج نافذة مشرعة على مصراعيها وسط لساني موسيقى ربع اللحن بيات أصفهان سيكا همايون الشرق يدندن على العود في آبار الجهة الغربية وعلى حين غرة وعنوة وبالكاد ولكن تماماً كأنما في موسم للرجم بالحجارة يصب فيه الجميع سخطهم على النوافذ في قصور الذئاب المالكة يظهر راوية ذئب مهلهل الثياب حاد يهلهل هامساً يهمهم بالهلاك يروي عليّ كالسيل ويل الشعر: رأس مشعث يثب من مناماتي من قراب ذاكرتي من حجارة المعرّات حيث الشعراء يطالبون بأن يسمَلوا ليفتحوا حواراً مع رهين المحبسين أو أقرب العميان يهمهم بالهمس يهلهل بالهلاك كأنني فتحت حنفية المحيط بمطرقة يروي عليّ كالسيل ويل الشعر رعش الليل وقيل إن شاعرا جاب ممالك مؤرقة تحكمها بمشاعل من ذهب خالص رعشة وحيدة
تحاول الفرار من ثغرة في رسغه كان يجلس في الإيوان المهيأ لذوي المظالم البعيدة كان يجلس في الديوان المهيأ لرمل لا يعرف مستقراً ينتظر قافلة منسية في بئر الآلاف بيدين ضارعتين ديباجاً ترفوه يداه اللتان تتجاهل إحداهما الأخرى وحبراً وفيراً يسيل على حين بغتة إلى وريد البائية الأبهر من قبر الحائية الكبرى من يديّ الأعمى الذي نظر إلى أدبي بعينه الثالثة وبكى

كان رحمه الله يصبّ العزلة في إناء من الفضة كل مساء أو نحوه و ما إن يشرف الغروب على الهروب وإذ يرفعه إلى شفتيه (أي الإناء لا المساء) كانت والله أعلم (هنا قد يهر الراوية كتفيه أو يقهقه بجنون أو ربما يجهش بالبكاء) أفعى رقشاء مكحولة العينين بتوابع الزوابع الرمادية تصعد بدلال وغنج من باطن الإناء وتقصد الراحة في حاجبيه الكثين= رأس يثب فجأة من خندق فمي حين أفتح شفيّ من الظمأ يتسلق أسناني أكياساً من الرمل هاجماً إلى الأمام شعره مشعث ولكن في فمه كالإعجاز تتذأبن الحمامة يهدل الذئب يذكرني بالحروب بالحصارات وأحياناً بحزن ينصب منجنيقات الضوء الصدئة حول قلعة أوهامي التي نهضت وتركت مكانها على التلة ذات ليلة ذئبي الذي يهدل بين الخمائل بعذوبة، حمامتي التي تصيد الحملان لتذكرني بالطرق الطويلة التي قطعتها لتصل وتنقذني بوصولها من التبول في فوانيس القطارات ومضاجعة التلال المجنزرة بأفخاذ العذارى. ثم نامت الصحراء، واستراح التراب.

وجدت نفسي نائما في حانة السلحفاة والأرنب في حانة الكلب والثعلب ورجل الأعمال في حانة الخلد والفراشة والعظاءة والقرد بجانبي مقامر نائم تتدلى ذراعه من الكرسي وفي يده ملكة دينارية وجوكر. أطباء ملتحون، حلاقون وعارضات أزياء أساتذة وتجار ماشية وتجار أسلحة ومهندسون يدللهم الحاكم والنائب والله
وتحرسهم الدولة بالمدافع بحياة آلاف الشعراء والعاطلين إذا اقتضى الأمر يتقاضون أجورا عالية لن أطالها حتى في أكثر أحلامي تفاؤلاً في عطلة رخية على المحيط الهادي تحت القمر الغربي الذي يحمل كتابات بالإنكليزية وبالروسية في جانبه المظلم، لافتات في "بحر الهدوء" تعلن مالكيه وجدت نفسي نائماً في الجانب المظلم من العالم أثقب كل صباح في مكتبة الآلام العامة عن جذر يربطني بك، أنت، دائما وحتى أنني أتردد في أن أسميك لأنك، لست امرأة أو الأرض أو الثورة ، شجرة فقيرا حذاء في الطوفان لا أسمي أحدا بالضبط لكنني أريدك أن تشعر بخطورة القضية! لكننا نبدأ عادة بالبداية أي الخروج بكل ما نملكه من الصدق نحو الفريسة التي ستقودنا إلى قلب المعنى لأن المعنى دائما هناك يدخن صابرا في نهاية القصيدة منتظرا وصولك وهو يبتسم باحتقار وأنت تلهث أو تبكي أو تصل بقدم واحدة أو مشلولا من النصف أو ميتا من التعب يطاردك الدائنون بهراوات القانون أو في نقالة المرضى أردت أن تكون هذه قصيدة تجرب فيها أن تهاجم نفسك بالقلم والجوع و المشاعل والحجارة؟ ليصب بعض الدم في حضن القارئ؟ لكنني ويجب أن تصدقني (أعلم انك ستصدقني) أؤمن بأنها ضرورية إيمانا غريبا يفاجئني لأنني لست واثقا من نفسي حين أقول هذا!

لذلك أخرج لأشتري علبة سجائر في أعماق الليل وأزور صديقي لنناقش الشعر ونقذف المسبات في وجه الغرب حيث نعيش كلانا مؤقتا بالدين وبنوع من الشعور العميق بالعمى والتبول بإسهاب على تابوت الرأسمالية الباهظ التكاليف كأننا شربنا برميلا كاملا من البيرة الرخيصة.

أطرق على الباب ثم أطرق على الباب ثم أصيح ولك قواد! لك أخي افتح يا هذا وأسمع حركة متراجعة كالريش نحو الأعماق ثم صوتا بإنكليزية زنجية تشوبها لكنة فلسطينية لا تخطأ ولوا يا أولاد القحبة ماذا تريدون لن أعترف لكم لن أعترف ك، س، م، ح، (غمغمة غير مفهومة بأية لغة (ضحكات يائسة بالعربية)

الصباح أذهب إلى فلمور وهو حيّ الزنوج في سان فرنسيسكو على طريقة هارلم في نيويورك لأزور صديقي الفلسطيني في دكانه المسيج بالقضبان (جميع الدكاكين في أحياء الفقراء بأمريكا مسيجة بالقضبان) صباح الخير كيف الصحة أبو الشباب؟
وكأنه يقذف باتجاهي قرحة مزمنة: بلاد العرصات بدك تشنق حالك، مش هيك
بيخلوك تروح تستأجر شجرة! وإلا عمود تلغراف؟ كيف حال الشعر هذي الأيام؟

لعلك أدركت قصدي، من الواضح كما ترى أنني أهدف إلى شيء غامض قليلا لأنه لم يكتمل بعد وأقول هذا بمنتهى البساطة أيها الصديق لا أريدك أن تسيء فهمي هذه كلمات بسيطة مكتوبة بالعربية بالمناسبة أذكر هذا لكي لا تتهمني بأنني تأثرت في كتابتها، بشاعر "عالمي!"
أي شاعر يخاطر بالكتابة على هذا النحو لن يكون حتى محليا! وسيقضى سنواته الباقية بعيني نسر محموم أو رجل ينتظر زيارة صاحب البيت الشهرية وهذا يعرف جيدا أن الرجل الفقير لا يستطيع أن يدفع الإيجار لكنه مع ذلك وللتسلية، أو إشباعا لنزعة غريبة في الإرهاب، أو ربما لأن الكلب يعرف أن شرطة العالم والتاريخ كلها تقف من ورائه يقرع الباب بحذائه، وخصوصا بالكعب المليء بالمسامير...

سيقضي سنواته الباقية إذن بانتظار الجلاد الذي سيأتي متنكرا ببدلة ممرض رسمي طيب القلب يخفي وراء ظهره سلسلة حديدية وسترة للمجانين.

ابتسامته الكاذبة ستملأ الأرض بموضوع هذه القصيدة.

(سان فرانسيسكو1975)

من كتاب (إذا كنت نائماً في مركب نوح) الطبعة الأولى - منشورات الجمل- ألمانيا- 1998

***

لن أنتظر أكثر

لن أنتظر أكثر وإلا انقرضت هذه اللحظة بإشراقتها الواحدة. أو على الأقل ضاعت مني. ضاعت مني كالقطار الذي كان سيحملني الى قرية، ولا أرى منه إلا ريشة من بخار تحوم حول ذراعي، ومنها، حقيبة تتدلى بثقل أحلامي؛ الصمت الطويل أقنعني
أنني شجرة تبزغ في أغصانها أقمار الصبر
وأريد أن أعيش كل شيء ثانية:
ميلاد طفلة في سرداب. حفنة البارود التي يكمن فيها مصير جدار. مطبعة القلب السرية. دراجة بطيئة يخوض بها عامل مذبحة الغسق نحو طبق من الحساء، هناك، وراء جدار من الأيدي النحيلة، وراء طفولتي.
وللذكرى أيضا: كنت ماهرا في رمي الحجارة الى سقوف مستحيلة.
كانت لي عصابة من الأطفال. سبحت في دجلة مرارا وفي الفرات. وقابلت الحرية على عربة، بوجهها الذي لأرملة من الغبار، في طريقها الى معسكرات صغيرة لا تملك حتى شمعة، تستثمر صرع الليل.
عن طريق مجهولة لا يذكرها أحد، وصلت الى غابة من لحى أجدادي تخفق كملابس غرقى في مغسلة النسيم. رأيت خيولهم غارقة في لعاب الحكمة تتأمل الحجارة أياما، حيث بدأت طفولتي تختفي بسرعة.
الصباح سلاح قوي في يد الجميع. والمأدبة:
امرأة حبلى الى الأبد.
والبضاعة الوحيدة التي تشبه الذهب هي الطريق.
أعترف بخطايا معقدة وطويلة لا أذكر من اقترفها، لماذا. أريد أن أعترف أيضا، إنني أنا الذي سرقت مسامير النجار وتسلقت بيضة الأفق في عام 1963، بأقماره المتكررة، بتقويمه الملفق، لأسباب غامضة لم تعد تحيّرني.
اغتصبت العزلة كأنها عذراء شاردة في مدينة مقصوفة تتدلى أبوابها الى الوديان.
وعرفت، لوهلة، كيف يفكر الجندي.
كنت أركب الشارع أيضا، محمولا على موجة المواصلات بين الجميع ولا أحد.
حتى تعلمت أسرار الحفاة القديمة، وكانت هذه المدن اليتيمة كلها بانتظار أقدامي.

من كتاب (الوصول إلى مدينة أين)

******

بورتريه للشخص العراقي في آخر الزمن

أراه هنا، أو هناك:
عينهُ الزائغة في نهر
النكبات، منخراه المتجذّران
في تُربة
المجازر، بطنه التي طحنتْ
قمحَ
الجنون في طواحين بابل
لعشرة آلاف عام…

أرى صورتَهُ
التي فقدت إطارها
في انفجارات التاريخ
المستعادة
تستعيد ملامحها كمرآةٍ
لتدهشنا في كل مرة
بمقدرتها الباذخة على التبذير.

وفي جبينه الناصع
يمكنك أن ترى
كأنما على صفحات كتابٍ
طابورَ الغزاة يمرُّ
كما في فيلم بالأبيض والأسود:
أعطه أيَّ سجن ومقبرة
أعطه أي منفى
أي هنا، أو هناك
ورغم ذلك يمكنك أن ترى
المنجنيقات تدكُّ الأسوار
لتعلو مرّة أخرى.
وتصعد أوروك من جديد

جريدة الحياة 10 سبتمبر 2003

******

سركون بولص.. عين على قوميته والأخرى على وطنه

عمانوئيل خوشابا

لا يخلو الأدب العربي على مر الأجيال من رواد عراقيون رفدوا مختلف صنوف الأدب بروائع ودرر مازالت عالقة في الأذهان وخصوصا في الشعر بأنواعه الكلاسيكي والحديث ومن ثم قصيدة النثر، وإذا عدنا بذاكرتنا لقرن مضى نقف عند العديد من الأسماء الكبيرة، الرصافي، الزهاوي، النجفي، الجواهري والبياتي مرورا ببدر شاكر السياب وآخرون.. وعند استذكار هؤلاء الرواد الذين رحلوا فأن امتدادهم مازال موجودا، فالمدرسة الشاعرية العراقية تزخر بأسماء لامعة لها حضورها الكبير على الساحة الأدبية العربية والعالمية، ومن هذه الأسماء يبرز أسم الأديب والشاعر الآشوري العراقي سركون بولص.. فهو المبدع العراقي المهموم بقوميته ووطنه. ومؤكدا لست هنا بصدد إعداد دراسة نقدية لهذا الشاعر، بل بولص. الذي يحس الفرد بالتصورات الشعرية لمبدع عراقي مازالت تتحدث عنه مجالس الأدباء وتترجم قصائده إلى العديد من اللغات العالمية (الإنكليزية، الإيطالية، الفرنسية، الأسبانية والألمانية) ناهيك عن حصوله للعديد من الجوائز العالمية منها جائزة الكاتب الألماني هاينرش هاينه.وآلام قوميته وهموم وطنه يشغل حيزا كبير في إبداع سركون بولص .. فقد حمل منذ صغره آلام الآشوريون وهم يهربون من الإبادة الجماعية خلال الحرب العالمية الأولى وما بعدها، وتحولت حكايات جدته التي عاصرت تلك الأحداث في صور شعرية رائعة حيث يقول فيها.
في تلك الأيام
كان هناك طغاة في الأرض
يستحمون بالدم الطازج من أعناق
بشرية في حماماتهم
تأريخ يعوي
تحت القفل والمفتاح
يعبر السوط مصفرا فوق
السقوف
يركع السكان على سجادة المسامير
بأصابع مرتعشة
تقبل الهواء الجريح
يهبط في القلب المطرقة
إذا كانت هذه مجرد كلمات تسرد المعاناة لشعب قاسى من الظلم، فقد لازمه رديف آخر عبر من خلاله عمق الانتماء القومي لتربة النهرين، من خلال أسمه سركون الذي سميّ به تيمنا بذلك الملك الآشوري العظيم.. لا بد أن الاسم ومعناه حمل التأثير العميق.. فالمرء لن يتجرد من أسمه وخصوصا إذا كان هذا الاسم هويته.. فقد كتب في قصيدته (الاسم) واضعا على رأس القصيدة مثلا آشوريا (على من أضاعوا أسمائهم، فلنعلن البكاء).
يذهب الكل ولكنه يبقى
الاسم..
عزفا صامتا في آخر النسيان
يبلى بمرور الوقت
كلما خيل لي
انه لن يأتي، أتاني
له وجه طوطمي
وهو أحيانا بلا رجلين
لكنه يأتي
وعن عمق الانتماء القومي أيضا يكتب في قصيدته بستان الآشوري المتقاعد.
في بستان مهجور عندما
تشق حجاب الليل صرخة مقهورة،
أنه.. الآشوري المتقاعد يقلع
ضرسه المنخور بخيط مشمع
يربطه إلى أكرة الباب
ثم يرفس الباب بكل قواه
مترنحا وهو يئن
مغمض العينين، إلى الوراء
ومن هذه التصورات الشعرية وغيرها نتلمس، الصدق لشاعر صقلته المعاناة وجبلته التجارب لتصنع منه أديبا آشوريا عراقيا منتميا، تحدث عن قصائده أسماء كبيرة، في سماء الأدب والثقافة ونال على الثناء منهم ما لم ينل عليه أديب عراقي آخر. فقد تحدث عنه شاعر العراق والعرب والكبير الراحل عبد الوهاب البياتي قائلا (من أكثر الشعراء العراقيين غير العرب إجادة في الشعر العربي، وأنا أفضله على الجميع الذين أعرفهم)، هذا الاسم سركون بولص لم تكن حياته سهلة فقد كابد وحفر بأنامله في الحجر ليصل إلى ما هو عليه الآن.. لم يختر منفاه بل دفع أليه، ترك بغداد بمقاهيها وكركوك مرتع صباه ومكان ولادته الحبانية وهاجر.. لكن كان للهجرة الأثر الواضح في إبداع سركون بولص ألم يقولوا رب ضارة نافعة، ومنذ استقراره في محطته الأولى لبنان ثم إلى أمريكا وأوربا وبقية أصقاع العالم والوطن (العراق) بعيدا عنه قريبا منه فهو القائل (لنعترف في همسك العميق أيها الوطن بأنك كنت لنا دائما).
فالوطنية في قريحة المبدع سركون لا تحتاج إلى غوص عميق في أشعاره، إنها طافية بكل يسر وسهولة وحب الوطن يظهر بكل شفافية لكنها تحمل من العمق والمأساة ما لا تدونه كتب عديدة، وتعبر عن هذه الصورة قصيدة (الفلس) حيث يكتب.
جلست طوال النهار
أحلم بهذا اللغز، بلادي
عندما وجدت فلسا في جيب سترة قديمة.
وفي قصيدته (الشاهد) تراه يحدد موقفا واضحا
حين يقول
ما تبنيه اليوم
قد ترقص في خرائبه غدا
إذا كنت تبحث عن شاهد،
تطلع إلى المرآة.
أما عن الغربة وبحثه عن الذات في أروقتها يكتب المبدع سركون في قصيدته (زائر الصباح).
يقترب العصفور من المنقلة
التي تركتها في الباحة
مليئة برماد أبيض بعد مطرة البارحة
متطلعا إلى جانبيه مرة، مرتين
ثلاث..
على حافتها يذرذر بمنقاره
بعض الرماد
حتى يعثر على نتفة لحم
محروقة غطاها الرماد
بقيت من وليمة منسية تماما
ويطير بها إلى الشجرة
المتهالكة على بقايا السياج،
ليختفي بين أوراقها القليلة
أنه حال كل المبدعين العراقيين الذين يحلقون عاليا في سماء الغربة والمنفى حاملين الوطن وآلامه بين جنباتهم، الجواهري، البياتي، نازك الملائكة، بلند الحيدري، مظفر النواب، كاظم السماوي، أبو كاطع، سعدي يوسف وكل المبدعين في الثقافة العراقية الأصيلة المنتمية إلى تربة الرافدين، حفروا أسمائهم في سفر الخلود بعيدا عن تربة الوطن، فهذا حال العراقي المبدع اليوم.

نيسان 2000‏‏ ‏‏

جاءني الشعر مبكرا كالضربة التي مازلت استرجعها حتى هذا الزمن.
الحداثة مفهوم غامض وصعب التفسير ويعتمد على موقف الشاعر الشخصي من الثقافة والعالم.
في قصيدة النثر ليس ثمة ما يقيد الشاعر سوى تجربته الخاصة وديمومة الصوت والإيقاع.

حاوره:
صلاح عواد (العراق - نيويورك)

منذ فترة تزيد على عشرين عاما يقيم الشاعر العراقي سركون بولس في مدينة سان فرانسيسكو، هذا الشاعر المنحدر من مدينة كركوك حاول مع أقرانه حين وصلوا الى بغداد في الستينات تغيير خارطة الشعر العراقي، وفي إحداث ثورة بأساليبه وتقنياته ضمن مشروع يريد تجاوز ما أنتجه جيل الرواد الشعري جيل قصيدة التفعيلة.

ومن بغداد حمل سركون مشروعه الشعري، حيث توقف في بيروت وتعرف على تجربة مجلة شعر اللبنانية وساهم في تحريرها وترجم العديد من النصوص الشعرية من اللغة الإنجليزية، خصوصا لشعراء القارة الأمريكية، الذين عبروا عن روح جديدة تختلف عن الشعر الإنجليزي المكتوب في بريطانيا تنسجم وفضاء القارة الجديدة على حد تعبير اوكتافيو باز. ربما هذا الاكتشاف للشعر الأمريكي الذي ساهم فيه شعراء عراقيون آخرون مثل جان دمر وفاضل العزاوي دفع سركون للذهاب الى موطن حركة الحداثة الثانية في الشعر الأمريكي، فسان فرانسيسكو هي المكان الذي أنعش حركة جيل البيكنس ومن هناك برز الشاعر ألن غينيسبرغ ولويس فرلينفتيني وغيري سنا يدر ومايكل ميكلير، إضافة الى بروز جاك كيرواك والكاتب وليم بروغ صاحب رواية "الغذاء العاري" التي أحدثت ضجة كبيرة في الوسط الأمريكي وأصبحت في الستينات انجيل ذلك الجيل.

في سان فرانسسكو تعرف سركون على مصادر الشعر الأمريكي، وتعرف على بعض شخصيات جيل البيكنس، وتعرف على شعراء آخرين اختطوا لأنفسهم نزعة جمالية تتسم بالتأمل وبالنزوع الصوفي مثل الشاعر هيروين. وخلال الأعوام التي قضاها في سان فرانسسكو بقي سركون مخلصا للشعر ولترجمة الشعر، وأثناء تلك الإقامة الطويلة التي قرر أن ينهيها بالذهاب الى أوروبا خصوصا الى لندن وباريس طور سركون تقنياته الشعرية، وصارت اللغة لديه أكثر حسية. فهو بالرغم من إقامته الطويلة في الولايات المتحدة لم يتخلص من لهجته البغدادية وبقي نفس القروي ذلك القادم من كركوك.

وكان اللقاء الأول به في مقهى يقع في حي أغلب سكانه من المهاجرين القادمين من أمريكا اللاتينية بسان فرانسسكو. وقال هذا أول لقاء له مع شخص عراقي من سان فرانسسكو له اهتمام بالكتابة. ومن المقهى ذهبنا مع صديق لي صاحب مكتبة عربية في المدينة الى حانة شعبية صاحبها من المكسيك ويتحدث أغلب زبائن الحانة بالأسبانية. وكان سركون قد قرر وقف التدخين، فالجو كان غير ملائم في مكان يدخن فيه الجميع بكثافة وبعد ساعتين غادرنا الحانة وتوجهنا الى مطعم مكسيكي يبيع وجبات مكسيكية بهيئة ساندويش كبير. وقبل ان ألتقي بسر كون في اليوم الثاني اشتريت آلة تسجيل صغيرة، واتفقنا على إيجاد محل هادئ لإجراء الحوار، وبعد جولة طويلة شاركنا فيها طالب دراسات عليا من الكويت في هذه المدينة النائمة بوقاحة على لحف المحيط كما وصفها بقصيدة له، وجدنا مكانا هادئا في حانة شعبية لها ساحة ذات فضاء واسع لم يشاركنا فيها أحد في جلسة استمرت أكثر من ثلاث ساعات وكان هذا الحوار.

* كيف كانت البدايات ولماذا اختار سركون الشعر؟

- أنا أعتقد أن الشعر يختار، وأحيانا دون ادراك وهذا يعني أن الشعر موقع خاص تصل اليه بشروط معينة تدفعك إليها تجربتك الحياتية. وجاءني الشعر مبكرا منذ كنت صغيرا. وكان كالضربة التي مازلت استرجعها حتى في هذا الزمن المتأخر كلما حاولت أن أكتب قصيدة. وفي مفهومي إن الشعر نوع من السحر الذي من الممكن أن يغير حياتك كاملة، كما قصد ذلك ريلكة في قصيدة له عندما قال "عليك الآن أن تغير حياتك".

* متي تؤرخ لأول قصيدة كتبتها؟

- كانت قصيدة عن صياد أذكر أني كتبتها وأنا في الثانية عشرة من عمري، وأنا لم أنس تلك القصيدة لأن فكرة الصيد هي مفهوم الشاعر الحقيقي. أي أن الشاعر يجلس على البحر أو على الشاطىء كل صباح ويدلي بشصه في الماء لعل هناك سمكة عابرة فالشاعر هو صياد.

* الآن تدرك هذه المعادلة فلماذا اخترت الصياد كمعادل للشاعر؟

- اخترت الصياد دون أي وعي وكنت أصغر من أن أكون واعيا بما أفعل آنذاك، ولكنني أرى الآن أن الشعر بحر والشاعر هو الصياد وهناك شبكة ما. ولنقل أن الشبكة هي القصيدة وعليه (أي الشاعر) أن يخلق تلك الشبكة وهذا عمل يستغرق طيلة الحياة.

وبعد ذلك..؟

- بعد ذلك، البدايات تستمر ولا اعتقد أن ثمة نهاية للشعر، فالشاعر هو دائما بداية. ويؤكد كاتب إيطالي أجله كثيرا اسمه شيزارا بافيسي يقول انه "ليس لنا سوى أن نبدأ" وفي هذه الحال ليس لنا سوى أن نبدأ وهذا هو قول الشاعر الحقيقي.

* انك من مدينة كركوك وانتقلت من كركوك الى بغداد وفي مجموعتك الثانية "الحياة قرب الاكروبول" ثمة حضور لمدينة كركوك فكيف تصف لنا تجربة كركوك ؟

- هناك فرق كبير بين كركوك وبغداد. فكركوك مدينة غريبة التركيب من حيث الأجواء الاجتماعية ومن حيث الأقوام التي تسكن فيها، ذلك الخليط العجيب المتكون من العرب والآشوريين والأكراد والأرمن والصابئة ومن الأجناس العتيقة التاريخية التي وجدت نفسها في الشمال، حيث ان المدينة كانت دائما منبعا إنسانيا متنوع اللون والشكل. وهو منبع لا ينتهي لغرابة اللغات المتبادلة بين تلك الأقوام، بينما بغداد هي بغداد وهي شيء آخر ولها طابع يعرفه كل من عاش في تلك المدينة. وكركرك بالنسبة لي هي بداية الكتابة وكانت المنبع والمكان الذي فتحت فيه عيني على مواقف الشعر. وعندما ذهبت الى بغداد كان تركيبي الشعري قد ثبت وتصلب تقريبا حتى ولو كانت بغداد هي المنبر الحقيقي والمكان الأوسع روحا والأكثر امتلاء بالحياة عندما وجدت نفسي فيها.

* ما هي ملامح كركوك في تجربة سركون الشعرية ؟

- لقد كتبت عن كركوك في كل كتبي وفي شكل خاص في كتابي الأخير "الأول والتالي" وفيه قصيدة اسمها نهار في كركوك. وهي قصيدة تعبر بالضبط عن صورة كركوك التي لا زالت تلازمني، وهي قصيدة كتبت في أمريكا بسان فرانسسكو.

* إذا أردنا أن نتعرف على ملامح ذلك الشاعر الشاب سركون بولص في كركوك كيف نتعرف عليه ؟

- طبعا.... هذا الشيء لا يمكن أن أعبر عنه إلا شعريا في قصيدة ولكن سأحاول (يضحك).

* بعد مرحلة كركوك تأتي تجربة بغداد كيف كانت تلك التجربة ؟

- كانت بغداد بالنسبة الى الخروج من الأحلام والسقوط في حلم آخر كبير. فبغداد هي الحلم وكنا نحلم نحن شعراء المدن النائية كمدينة كركوك بتلك الروضة المليئة بالنيون والمليئة بالملذات كما كنا نتخيلها نحن القرويون تقريبا، ذلك لأن الكركوكي بالنسبة للبغدادي في الفترة التي أتحدث عنها وهي فترة الستينات كان نوعا من القروي، وهو يمثل التفكير الريفي بالنسبة للتفكير المديني الذي كان يجسده رجل العاصمة حيث الحانات وحيث الانفتاح من الناحية الاجتماعية في الجنس والنساء والحب. فبغداد أكثر تحررا من مدينة مغلقة اجتماعيا مثل مدينة كركوك، كبقية المدن الأخرى الصغيرة حيث الحب مثلا كان شيئا سريا وخفيا ومازال حتى الآن. وكنا نحلم ببغداد وكأننا إذا وصلنا سنكون قد وصلنا الى واحة كبيرة بالحياة.

* في بغداد وجدت نفسك مع جيل شعري جديد كان يفكر بكتابة جديدة تتجاوز ما أنتجه جيل الرواد الشعري في العراق.

- في تلك الفترة كانت بغداد مليئة بالشعراء وكان جيل الستينات الذي جاء من جميع أطراف العراق ربما كان مدفوعا بنفس الحلم ومتبعا نفس الخطي مكنا. وجد ذلك الجيل نفسه في المقاهي حيث النقاش السياسي والثقافي دائر ليل نهار، وكنت تجد نفسك في معركة سحرية جميلة يشارك فيها العشرات من الشباب وكانوا هم من أدرك إن الثقافة ليست مجرد لعبة أيديولوجية كما كانت مثلا عند الرواد، وإنما هي حلم أكبر من ذلك وأكبر من أن تتداول مفاهيم معينة كالثورة والثقافة والشعر، لأن العالم كان كله يلتهب ويفلي بالنسبة لهؤلاء الشباب ويجعلهم يحسون أن طاقتهم جديدة تماما وينبغي أن تكون ثورية ومختلفة بشكل آخر بالنسبة عما سبقهم. ونتيجة لذلك الإحساس وليس التفكير الذي كان يشكل حساسية معينة كان هو الذي ميز شعراء الستينات عن الشعراء الذين سبقوهم وجعل شعرهم وكتاباتهم روضتهم الى عالم أكثر حداثة وانفتاحا.

* في تلك الفترة ظهرت مستويات مختلفة من الكتابة التي تدرج ضمن مفهوم الحداثة.

- الحداثة هي مفهوم غامض وصعب التفسير ويعتمد على موقف الشاعر الشخصي من الثقافة والعالم بشكل عام. أي إن الثقافة تجربة تقف وراء الشاعر والتي تقرر مدى فهم هذا الشاعر أو ذاك وعلى أي مستوى من ما نسميه بالحداثة. وكانت حداثة الرواد تشكيلا جديدا للتفكير الرومانسي الذي هو ثوري أصلا. وكانت متأثرة بتقنيات شعراء الحداثة في أوروبا كإليوت وستويل وعزرا باوند وأودن الذين خلقوا الحداثة الأوروبية ز العشرينات والثلاثينات من هذا القرن، في حين أن الشعراء الذين جاؤوا بعدهم - شعراء الستينات - كانوا يقرأ ون لأجيال أخرى جاءت ما بعد إليوت وباوند وأردن كشعراء البيكنس مكر ألن غينيسبرغ وجاك كيرواك وغيرهم من شعراء الحداثة الثانية في أوروبا وأمريكا. فالتأثيرات التي فعلت فعلها في شعراء الستينات لم يعرف عنها شعراء الريادة الأولى أي شي ء، لأن ثقافتهم توقفت عند حدود الحداثة البدائية الأولى، حداثة إليوت وعزرا باوند.

* هذا يعني حدوث قطيعة مع جيل الرواد؟

- إن جيل الستينات كان جيل القطيعة لأنه تبنى أولا قصيدة النثر، وان قصيدة النثر هي ثورة حقيقية ورفض كامل لأسس معينة استند إليها ويحتمي بها الشعر العربي الكلاسيكي والتي تفرع منها شعر الرواد. فشعر الرواد كسر العمود الشعري وهذا لا يعني أبدا أن الشعر قد تحرر، لأن القيود مازالت كما كانت عند شعراء مكركيتس وووردزروث. فالسياب مثلا كتب بنفس النمط الذي كان يكتب فيه كيتس، فهو أحدث الشعراء على الإطلاق وأعتبره أهم شاعر عربي وقد كتب حسب أنماط موجودة في الشعر الإنجليزي وكانت ثقافته إنجليزية بحتة واتبع نفس التقنيات والقوانين التي كانت عند شعراء الرومانسية الإنجليزية ولم يتبع تقنيات شعر إليوت وعزرا باوند. فهو قد تأثر بإليوت فكريا وتقنيا ولكن ليس بشكل الكتابة الشعرية. وعلي أن اعترف إن المسألة معقدة فإليوت وشعراء الحداثة الأوروبية جاؤوا لكي يثوروا على شعر الرومانسية عند بايرون وكيتس وشيلي وووردزروث وعلى غيرهم من شعراء الرومانسية، وشعراء الرومانسية هؤلاء قد تمكرا في شاعر سبق إليوت وباوند هو توماس هاردي الذي جاء واعتبر في الشعر الإنجليزي أكبر وريث حديث للرومانسية، الذي نقاها وشكلها في قوالب أخرى. أما شعراء العراق الذين سميناهم بالرواد فقد جاؤوا ليكتبوا قصيدة كما كتبها هاردي وليس كما يكتبها إليوت أو باوند وأردن وغيرهم من الشعراء الذين جاؤوا وثاروا على هاردي وريث الرومانسية.

* هل يصح مثل هذا الحديث على الجيل الثاني من الرواد مثل سعدي يوسف ؟

- هذا جيل أخر يضم كلا من سعدي يوسف ومحمود البريكان ورشدي العامل وشعراء آخرين وقعوا تاريخيا بين الرواد وبين الستينيين ونطلق عليهم شعراء الخمسينات. فسعدي يوسف مثلا هو شاعر ذكي وواع، وكان في بداياته مدركا بشكل جيد لهذه المسائل. والغريب أنه قد قام بوثبات مذهلة بتقنياته في شعره الباكر، لكن سعدي يوسف مازال يحمل ذلك النفس الرومانتيكي الحديث لأن شخصيته الشعرية لازالت تتراوح بين قطبين، قطب الحداثة المطلقة وقطب الحداثة المقيدة. وف هذا المجال خلق سعدي أنماطا جديدة في الشعر موسومة بطابعه الشخص، لأنك تستطيع أن تتعرف على قصيدة سعدي أينما وجدتها وهو شاعر كبير ولم يخلق قطيعة مع الرواد قطيعة كاملة وانه بحكم عمره وموقعه التاريخي كان مجددا حقيقيا.

إننا عندما نتحدث عن التجديد المطلق الكامل أو عن القصيدة التي تذهب الى نهاية القطيعة ينبغي أن نتحدث عن قصيدة النثر إذا أردنا أن نفهم أين مستقبل الشعر العربي. ونحن حين نقول قصيدة النثر فهذا تعبير خاطئ لأن قصيدة النثر في الشعر الأوروبي هي شيء آخر. وفي الشعر العربي عندما نقول قصيدة النثر نتحدث عن قصيدة مقطعة وهي مجرد تسمية خاطئة، وأنا أسمي هذا الشعر الذي أكتبه بالشعر الحر كما كان يكتبا إليوت وأودن وكما يكتبه شعراء كثيرون في العالم الآن. واذا كنت تسميها قصيدة النثر فأنت تبدي جهلك لأن قصيدة النثر هي التي كان يكتبها بودلير ورامبو ومالارميه وتعرف بـ (prose poem) أي قصيدة غير مقطعة. وأصبحت هذه المسألة معروفة الآن. واعتقد أن النقاد العرب، يصرون على هذه التسميات كي يشككوا في قيمة قصيدة النثر لذا نحن نحتاج الى نقاد مستقبليين يتحررون من هذه العقدة أي عقدة الخوف وان يفهموا بعد دراسة حقيقية للشعر العالمي ماهية قصيدة الشعر الحر. ونأمل أن يأتي جيل جديد من النقاد يتميز بهذا الفهم، بهذا الانفتاح دون خوف وعقد. ويبدو أن الكثير من كتبوا عن قصيدة النثر كتبوا عنها بشكل عدائي، وهناك فهم خاص في أن قصيدة النثر هي قطيعة نهائية وهذا صحيح وهذه القطيعة هي ضد الشعر وهذا أمر غير صحيح.

* في الوطن العربي ظهر جيل بعد تجربة الرواد مثل جيل أدونيس ومحمود درويش وصلاح عبد الصبور وآخرين هل أضاف هذا الجيل الى تجربة الشعر العربي الحديث ؟

- طبعا دون شك....

* أنت تتحدث عن قطيعة عن قصيدة التفعيلة لكن الاتهام الذي يوجه الى جيلكم هو التأثر الكبير بتجربة أدونيس الذي لم يتحرر من قصيدة التفعيلة.

- بالطبع إن جزءا من شعراء ذلك الجيل كانوا شعراء أيديولوجيين الذين وجدوا عند أدونيس ضالتهم المنشودة. وان شعراء الايدولوجيا في الستينات والسبعينات في الشعر العربي هم من تأثر بأدونيس لأنه شاعر أيديولوجي وأنا لا أقصد بذلك طعنا بأدونيس وإنما أقصد أن ثمة جانبا كبيرا من التفكير الأيديولوجي يسير شعر أدونيس.

* هل شكت تجربة أدونيس إضافة الى الشعر العربي الحديث ؟

- دون شك إن أدونيس شكل إضافة وهو شاعر عظيم وأنا لا أحب أي واحد أن يطعن بأدونيس وهو شاعر لا يحتاج الى شهادات ولا يحتاج الى إثبات أي شيء لأن نتاجه يقف هناك شامخا.

* من خلال تجربتك الخاصة كيف تنظر الى أدونيس؟

- أنا من خلال تجربتي أختلف شخصيا ونهائيا عن تجربة أدونيس وأعرف شعر أدونيس وأين يتجه واحترم ذلك الاتجاه، لكن مفهومي الحقيقي للشعر هو: إن كل شاعر ينبغي أن يبني عالما كاملا لأن كل شاعر مختلف في تقاسيمه وإيقاعاته وفي تجربته التي يجترع منها تلك الإيقاعات وتلك التقاسيم وأنا لا أعتقد أن أي شاعر يخرج هكذا ويقلد شاعرا ما، هذا الأمر ليسر له أي معنى.

* في الستينات كتبتم كثيرا ويبدو أنكم مارستم نوعا من الاستعجال في الكتابة ومن خلال الأعمال التي نشرها أبرز ممثلي جيلكم هناك نوع من التخلي عن الكتابات التي يبدو عليها الحماس والاستعجال وأنت واحد منهم حيث نشرت كثيرا في مجلة شعر ومواقف ولم نجد الكثير من تلك النصوص في المجموعات الثلاث التي نشرتها من شعرك.

- هذا صحيح وعل أن أتحدث عن تجربتي الشخصية وأستطيع أن أحكم عن شعراء آخرين وربما قد تكون لي أراء معينة في هذا المجال وأنا لم أتبع الطرق المعتادة التي يتبعها الشعراء الآخرون لأن حياتي كانت مضطربة بشكل مهول وأنا لم أعش الحياة الجيدة اللطيفة الثابتة التي عاشها أغلب الشعراء بعد التخرج من الجامعات وإصدار مجموعات شعرية منظمة والتعامل مع الناشرين.فأنا عشت الشعر وفي رأيي إن الشاعر المبدع هو أن يعيش ذلك الشعر الذي يريد أن يكتبه. فالشاعر بالنسبة لي هو متناحر مع تجربته الحياتية حقا، وتجد الكثير من القصائد إن لم يكن تسعون بالمئة منها لا تعتمد على تجارب حياتية حقيقية رغم أن هذا ليس شرطا ولا يهم القارئ في النهاية. غير أني أجد أن الشعر بالنسبة الى حاجة عظيمة ومخيفة وسحرا أحتاجه لذلك فإن الشعر لا يعني أي شيء عندما يكون مجرد نتاج وملء صفحتي كتاب لذلك لدى ثلاثة كتب فقط، ولدي قصائد منشورة هنا وهناك وفي مجلة أدونيس "مواقف" لدي قصائد منشورة من الممكن أن تكون أكثر من كتاب ولكني لم أجمعها على الإطلاق ولا تلك القصائد التي نشرتها في مجلة شعر والتي تتجاوز الخمسين قصيدة. فأنا لست شاعرا نظاميا، أنا شاعر من نوع آخر.

* في المجموعة الأولى "الوصول الى مدينة أين " يحمى القارئ أن القصائد منتقدة من فترات معينة وليس ثمة تاريخ للقصائد فهل كنت متعمدا في هذا الاختيار؟

- إن قصائد "الوصول الى مدينة أين " هي قصائد متفجرة وهي قصائد الحيرة بدءا من العنوان وإذا فتحت الكتاب وقرأت الكلمة الأولى وهي "وصلت" وقرأت الكلمة الأخيرة في الكتاب "ذهبت " تجد في الكتاب أن فكرة الوصول الى مدينة أين محتجزة بين هاتين الكلمتين. ففي البداية تصل ولكنك في النهاية تذهب ولم تصل الى أي مكان لأن ليس هناك أي مكان والمسألة هذه تلتقي مع قول القديس أوغسطين أنه "ليس هناك مكان نحاول أن نذهب ونجيء اليه ولكن ليس ثمة مكان " التي كانت حاضرة في مجموعة الوصول الى مدينة أين.


( تواصوا، إذن، بالبيوت
احملوها ، كما السلحفاة ، على ظهركم
أين كنتم ، وأنَّى حللتم
ففي ظلِّها لن تضلوا الطريق إلى برِّ أنفسكم
ولن تجدوا في صقيع شتاءاتكم ما يوازي الركون إلى صخرة العائلة
وحرير السكوت
تواصوا ، إذن ، بالبيوت
استديروا ، ولو مرةً ، نحوها
ثم حثُّوا الخطى
نحو بيت الحياة الذي لا يموت) ..
ليلى عبد المجيد ( بت الدامر)

عن المنبر الحر


إقرأ أيضاً:-