حسين بن حمزة
(سوريا/لبنان)

حسين بن حمزةبات دارجاً وعادياً وشائعاً أن يكون لكل شاعر قاموس طالما أن الشاعر منذ البداية يجرب أن يقول شيئاً يخصه. لعل القاموس يباشر ولادته وتكونه من هذه اللحظة ثم يروح يتسع أو يضيق أو يتبدل بحسب الطريقة التي يتحسسها الشاعر في الكتابة وبحسب النار التي تنضج فوقها نبرته التي هي، على الأرجح، خلاصة قاموسه الشخصي.
قاموس الشاعر، ومزاجه ونبرته وصوته...، هو أيضا نوع من جلد لغوي. ولعل هذه الصفة، صفة الجلد اللغوي، ألصق بمعنى القاموس إذا فكرنا ان لكل شاعر جلدا لغويا وجلَدَ ما على اقتناء مفردات جديدة أو الاكتفاء بما لديه.

بسام حجار

مفردات قليلة لأغراض عيشي القليلة

أصرّ خورخي لويس بورخيس على الإجابة عن سؤال (لم يسأله أحدٌ، بأية حال)، في مستهلّ كتاب المخلوقات الوهميّة، بشأن الكائنات التي قد يشتمل عليها الكتاب من دون أن يخلّ بأغراضِه، فقال إنّ كتاباً مثل هذا قد يتسع لزيوس وبوذا وعجائب الدنيا السبع ولحمار الوحش، كما قد يتسع لمذاهب الغنوصيّة وبعض التاريخ والجغرافيا ولرئيس البلاد وعمّاله، ولي ولكَ ولجوانب أخرى مما نسمّيه الآن واقعاً أو خيالاً، فضلاً عن الكتاب الذي يزعم أنه يتطرّق إلى هذا كلِّه.
كنتُ أودّ أن يكون معجمي مماثلاً. غير أنّه لم يتّسِع (لسوء الطالعِ أو سَعْدِه) لسوايَ من الكائنات الوهميّة التي نتحدّث عنها. ولهذه العلّة سبب بالتأكيد وهو أنّ لا شيء ممّا يُقالُ يستنفده القولُ ويحتاج على الدوام إلى أن يُقال على نحوٍ آخر. وهذه مسألة قد يُجبَه بها الكاتبُ (إذا جاز التوافق على أنّ الشاعر كاتب، وليس جنساً آخر من الكائنات) لحظة خروجه عن الصمت (إذا جاز لنا التوافق على أنّ الصمت هو السويّة لا الكلام)، ذلك أن الكلام، بتحطيمه الصمت، يحقّق ما كان يسعى إليه الصمت ولا يبلغه. فبأي قدرٍ من المفردات تحاكي (إذا لم يبقَ إلاّ المحاكاة) الصمت؟ آخرون طبعاً ينطلقون من افتراض معاكس. يمتلكون الوفرة، منذ البداية، ويبذلونها صادقين في محاكاة الكلام ظنّاً منهم أنّ الصمت، بخَتمِه الكلام، يحقّق ما كان يسعى إليه الكلام ويبلغه. والفرق هنا لا صلة له باللغة بل بثقافتها.
لا أدري إذا كان أندراي ماكّين (الروائي الروسي الأصل الذي يكتب الفرنسيّة بمشقّة معجميّة) أم ميلان كونديرا (الروائي التشيكي الذي كتب متأخراً بالفرنسيّة)، هو الذي قال إنّه شرع بتأليف كتابه الأوّل بالفرنسيّة وهو لا يجيد من تلك اللغة أكثر من ثلاثمئة مفردة. بأية حال، أحسبُ أن معجمه هذا كان بالغ الثراء ولربّما تمكّن من الاستغناء عن معظمه.
سرفانتس وبورخيس (ولكن أيضاً أسماء كثيرة أخرى أودّ أن أضيف إليها اسمي شيمو وبول إسماعيل، لكي لا نذكر إلاّ المؤلفين المختلقين إلى هذا الحدّ أو ذاك) اختلقوا كلاماً من أدواتٍ بسيطة، من مفرداتٍ قليلة، من عيّ في القول وفي التعبير. ولم يسأل أحدٌ منهم يوماً: كيف أقول؟ بل سأل على الدوام: كيف أحجم عن القول؟ لكي أصغي جيّداً، في المقام الأوّل، ولكي أنجو من أهواء الشعر، في المقام الأول أيضاً.
قد يكون المعجم ضيّقاً إذا كان لا يزعمُ تسمية الأشياء لغرض خلقها، وإذا كان يشهد الوقائعَ ولا يتنبّأ بها. إذا كان يخاطبَ ولا يدعو. فالخلق والنبوة والدعوة تتوسّل المعجمَ (عتادَ اللغة) وأداتها وفرته وحرفيّة هذه الوفرة. ولنتذكّر جيّداً أنّ هذه الوفرة هي برهان الأصول. ديوان الكلام غير المخلوق (على الضدّ من كتاب بورخيس)، المتوالد، بنعمة الاشتقاق، إلى ما لا نهاية. قد لا يحتاج الكلام إلى نهاية. ولكن لم يقل لنا أحدٌ أنّ الكتابة لا تنتهي.
هناك دائماً ما لا (ولن) يستطيع لسان العرب (والألسن جميعاً) أن يؤدّيه أو يفسّره أو يبرّره أو يقترح معادلاً له. ما يسمّيه بول ريكور، بتواضعٍ مفهومٍ، (غير القابل للترجمة)، باعتبار أنّ التعبير، كلّ تعبير، ترجمة، هو العيّ الذي يحول دون نقلِ اللطائف من لغة إلى لغة. ما يجعل التعبير، حرفياً أو مداورة، أمراً مستحيلاً. ويغدو الأمر ممكناً فقط إذا أمكن ترجمة ثقافة بثقافة، ترجمة ثقافة إلى ثقافة، حساسيّة إلى حساسيّة، عيش إلى عيش.
هناكَ دائماً ما يقف حائلاً بين السطور، بين المفردات، ما لا يُجمِلُ التعبير والشعور وما يحول بين إجمال التعبير والشعور.
فكرة غير منجزة، رؤية عابرة، جملة غير تامّة، تأتأة، تردّد، تشبيه قاصر، صورة ملتبسة، عجز، قصورٌ، ارتياب، قلق، حصرٌ أو ركاكة... وأحياناً، أحياناً فقط، أشعر بأنني أكاد أن أقول.
من لغتي لا أعرف سوى بضع مفردات، قليلة، غير أنّها تلبّي أغراض عيشي، القليلة، وأحياناً تراودني أفكارٌ مذهلة فأتدبّر خطّة لحذفِ بعضها، كالكتابة مثلاً، وأوّلها الإجابة عن سؤالك هذا الذي كبّدني ما يزيد على الاثنتي عشرة مفردة، وهذا معجمٌ هائل ليس في طاقتي واحتمالي!

شوقي بزيع

الريف والطبيعة بعيداً عن الفظاظة

شوقي بزيعيجب ان نميز بين اللغة في بعدها القاموسي واللغة في بعدها الإبداعي، لان المفردة بمجرد دخولها في منظومة الشاعر التعبيرية تكتسب دلالة مختلفة تماما وتحل بها روح الشاعر نفسه. ونحن نعلم بأن الشعراء لا يبتكرون مفردات خاصة بهم إلا عبر اشتقاقات نادرة وجريئة أحيانا. إما في الأعم الأغلب فإن هذه اللغة إما ان تأتي من القاموس أو من الإنصات إلى الكلام اليومي والشائع. ولكن عندما يقال مثلا لغة شكسبير أو لغة المتنبي أو لغة السياب أو قباني فالمقصود هنا هو طريقة استخدام الشاعر للمفردات وفي تزويجها كما لو انه ينفخ فيها شيئا من روحه. اللغة، بمعنى من المعاني، هي مريم الشاعر، إذا كان الشاعر خالقا بالمعنى الرمزي.
قد تجد مثلا ان شعراء يقتسمون المفردات نفسها، ولكن كل واحد يقارب اللغة بحساسية مختلفة، وبطريقة خاصة في بناء التعبير الشعري، هناك من يستمرئ غزارة القاموس الشعري ويحشد اكبر قدر من المفردات في قصيدته مستسلما للغة تجرفه دون ان يقاومها وهناك شعراء يعمدون إلى الاختزال الشديد وتقليص اللغة إلى حدود الجمال المصفى.
فيما يعنيني شخصيا لم اختر كلا الخيارين. لم اذهب إلى لغة تداع حر ولغة وحشية وهادرة وبرية، وبالمقابل لم اعمد إلى التصفية المفرطة للغة بحيث تتحول إلى توشية جمالية والى عمل كريستالي. في بداية تجربتي، تأثراً ربما بأدونيس وسعيد عقل والتيارات الجمالية، كنت اشعر انني شديد الحرص على قاموسي الشعري الذي رغم تمزقه بين تأثيرات الحرب الضاغطة وبين الإصغاء إلى صوت القصيدة الجمالي إلا انني كنت أميل إلى المحافظة والاقتصاد في انتقاء المفردات وأتحاشى المفردات ذات الدلالة البيولوجية واليومية والمعفرة بوحل الحياة وغبارها، ظنا مني ان هذا لا يتلاءم مع طبيعة الشعر. ولكن مع نضج التجربة وبدءا من مجموعتي (وردة الندم) و(مرتبة الغبار) وعبر ارتطامي بقسوة الحرب والحب على حد سواء، شعرت بأن الحياة ليست وردية كما كنت أظن، لا صورة المرأة ولا صورة الوطن بالنقاء الذي كنت أتخيله مراهقا ويافعا. اصطدام تجربتي بالحياة نفسها وبلوغها قدراً من النضج جعل اللغة أكثر اتساعا لمتطلبات التجربة وتفريعاتها. ولا بد من الاشارة ان الريف والطبيعة شكلا ظهيرا حقيقيا لهذه اللغة لكن ليس بالمعنى الرومانسي، بل بمعنى الإيحاء والرمز والطاقة المشبعة بدلالات جديدة ومختلفة.
لا يعني ذلك ان اللغة لم تداخلها عناصر مدينية، ليس فقط من حيث مفردات ذات صلة بحياة المدينة وتعقيداتها بل بمعنى البؤرة النفسية المتوترة والمعقدة التي تفتح النص أيضا على بعد فردي من جهة وعلى بعد وجودي له علاقة بعزلة الكائن وغربته وسط عالم ينقطع فيه الإرسال في معظم الحالات.
اعترف انني لم اذهب بعيدا في التجرؤ على المفردات والتعابير الفظة والضجة والتي تثير النفور بالنسبة لي على الأقل.
هناك جانب آخر متصل بالوزن والإيقاع، فأول ما يأتيني من أعراض الكتابة هو فكرة غامضة تتقمص سديما إيقاعيا، لكن هذا السديم بمجرد ان يتحول إلى تعبير يفرض عليّ مفردات معينة ويخلق نسقه الدلالي والوجداني المختلف عن التعبير الذي ينتج عن كتابة أخرى. ولكن يصبح جهدي الحقيقي قائما على محاولات انتزاع الأقصى من طاقة المفردات من براثن القيود التي يفرضها الإيقاع. وكل فن حقيقي هو عراك مستمر بين الشرط وبين الإبداع.
في دواويني الأخيرة هناك جهد لكسر الطغيان الإيقاعي وحاولت ان أروض الإيقاع باتجاه التأكيد على الفكرة والمعنى. لكن دون تجاهل الصورة الشعرية التي غالبا ما تأخذ طابعاً مشهدياً.

نوري الجراح

قاموس ما لم أكتبه

نوري الجراحلا يبدو لي مجدياً أن يتكلم شاعر بطريقة عالمة على قاموسه اللغوي، على مفرداته التي يؤثر، وتلك التي يمكن له أن يهمل أو يستبعد، ما دامت العلاقة مع الكلمات لشاعر متغيرة باستمرار، وعامرة بالمفاجآتِ كاسرةِ القواعد. ومع ذلك من الطريف لشاعر أن يعود ليستكشف قاموسه من الكلمات.
مع كل تجربة فريدة في العلاقة مع الكلمات يوسع الشاعر في اللغة وعبر اللغة لابتكارٍ في الشعر من علاماته صور وتراكيب مفاجئة. كل علاقة جديدة للشاعر مع الكلمات إيذان بولادة جديدة لمفردات قرأناها مراراً، وها نحن نقرأها للمرة الأولى. وإذا كانت الكتابة مصهراً للغة، فإن الشعر لا يقوم إلا على غسل الكلمات. بعد ذلك يمكن القول إن ما قد يؤثِره شاعر من مفردات اللغة في قصيدة، لسوف يؤثر سواه في قصيدة غيرها. وما قد يستبعده تماماً في قصيدة قد يتوهج في أخرى. وما كان ينبغي أن يهجر من الكلام لكونه لا ينفع أبداً في وقت، أو مقام، لسوف يتحول في وقت آخر إلى ضرورة قصوى. الغموض الرائع بالنسبة لي هو في حساسية الشعراء نحو مفردات اللغة. وليس ثمة كلام واحد يقال، ولا حتى في تجربة شاعر واحد، فكيف بتجارب شعراء... ثمة أسرار في طبيعة الدوافع والاستعدادات التي تتسبب لشاعرٍ في تركٍ وأخذٍ. والأهم باستمرار، هو طبيعة العلاقة مع اللغة... أهي فاتنة، أهي مبدعة؟
بأي أدوات يفرك الشاعر حجارة اللغة ليبني قصيدته، بأي راحة يخطف ماء اللغة وضوءها ليختطف الوجود؟ بأي نار يصهر، وبأي أدوات يسقي فولاذ اللغة ليفوز بالشعر؟ بأي فتنة يقبل على اللغة؟ ذلك على الأرجح، ورغم العلم المبين في صنعة الشعر، سرّ الأسرار، وهو سرّ أنطولوجي. وما مقاربات النقاد الذين يقرأون الشعر سوى حذاقةِ منطقٍ (يأتي من السطح ويريد أن يغوص) ليقاربُ ما كان فوزاً من خروجٍ أكيدٍ على كلِّ منطقٍ قرّ وصار عرفاً وتقليداً في الشعر، وقبلاً في التجربة، وما هو سفسطةً تستعير التاريخ والفلسفة وعلم اللغة لتقرأ التمرُّدَ على كل علم متوهجاً في قصيدة كل ما يمنحه حبل سرتها المقصوص أن ليس فيها من العلم إلا اللغز، ومن الخبر إلا الأحجية. فهي الصورة الموهِمة للحلم وقد بات أثراً في الكلمات.
كل انتخاب للكلمات في كتابة شعرية إفصاح عن استبعاد من نوع ما لمفردات أخرى.
بهذا المعنى كل إفصاح عن مقول صمت ما عن غيره. هنا خطورة في الشعر قلما تُلحظ، قلما تكون موضوعاً للتأمل.
في فرادة التجربة تغتسل اللغة ويتحول الكيف، في علاقات مفاجئة، إلى مصدر للطاقة المشعة، للابتكار، فلا يعود الكم، أو ما اعتاد النقاد تسميته (ثراء القاموس اللغوي) أو محدوديته مصدراً لقيمة الشعر أو لماهية التجربة، وإنما العلاقات الخلاقة، ولادة الأجنحة وانهيار قفص اللغة.
كتب مالارميه شعره بمفردات قليلة جداً. وكتب مئات غيره ممن أهملهم تاريخ الشعر بقواميس باهظة المفردات. والنتيجة أننا مولعون بمالارميه.
بعض قراء قصائدي يزعم أن قاموسي اللغوي كبير. هذه بشرى سارَّة لي، لكنني لم أملك فرصة فحص هذا الزعم، ولست أفضل في أي حال أن يستدل قراءٌ على قيمة الشعر من حجم القاموس، لكنني متأكد من شيء هو طبيعة شخصية في العلاقة مع اللغة، وحساسية خاصة نحو الكلمات، من علاماتها ربما إفراط في التأني، وقلق لا يقرّ نحو ما يمكن أن تمنح المفردات من دلالات، وما ترميه من ظلال.
هذا حدس أقرب إلى السؤال.

يحيى جابر

الريف والسينما وسيرتي

أنا انطلق من عدة قواميس. قاموس أولي هو قاموس بصري ويستند إلى السينما والتلفزيون والكليب بكافة تقنياته، ناهيك عن فن السيناريو. أحيانا لقطة تفتح أمامي مشهديات. القاموس الثاني هو القاموس المسرحي حيث تركيب الشخصية وفن الحوار والتقطيع والسينوغرافيا هي مشاغل مسرحية تتحول إلى أدوات عمل داخل بنية النص. القاموس الثالث هو القاموس الشفوي حيث أترصد أحيانا بعض المفردات وأقوم بعملية إصغاء عميق لكيفية تداولها وأتساءل هل بالإمكان ان تدخل إلى القصيدة.
مرجعيتي ريفية بالتأكيد ولكني منفصم، حيث لا تكون للطبيعة قيمة الحنين والرومانسية فأنا أحيانا امدِّن المفردات الريفية. هناك مفارقة تحدث معي وهي إني اكتب عن الريف حين أكون في بيروت وبالعكس، المسافة تخلق القاموس.
مفردات قاموسي ذات منشأ شفوي وليس بالضرورة ان تكون إيقاعية وغنائية ومنبرية. أميل أكثر إلى المشهد وهو الذي يفرض المفردة. وأحيانا إذا كان مشهد القصيدة جديا أو غنائيا أقوم بصنع مفارقة لكسر الحالة الموجودة.
عادة أحس بميل إلى اختصار الجملة بفعل واحد كأن استخدم الفعل بهذه الطريقة، (نعفوا البحر، جنزوا النزهة، صفّروا حياته، مكننوا الدودة، معدنوا الموجه...) حيث لا يهمني ان يكون اشتقاق المفردة مناسبا للشعر بشكل بديهي، أنا أعيش هاجس سحر اللغة سواء كانت فيها جمالية جاهزة أم لا، أنا انطلق من زوايا أخرى في هذه الجمالية التي تبدو غريبة أو نشازا لأول وهلة، ولكني اشعر براحة وأنا ادخلها إلى مختبري لتطوير ما يسمى بقاموسي اللغوي.
أحيانا يكون المصدر مثلا شعبيا أقوم بتطويره وإزاحته مثل: (أعطاك عمره) أنا اعتبر هذه الجملة شعراً خالصاً أو على الأقل يمكن ان تستخدم في قصيدة ما بعد إزاحة المعنى التقليدي المتوارث فيها.
هناك سيرة ذاتية في نصوصي ولكني لست صاحبها تماما فهي تخضع لمونتاج وتقطيع ولعب. وأحيانا أسرق سير الآخرين وأدّعي انها لي، الشعراء عموما وحتى الروائيين لا يستطيعون الإفلات من سيرهم، وهي بالتالي جزء من كل قاموس شعري.

شارل شهوان

قاموس غير منجز

شارل شهوانتصعب إلى حد ما الإحاطة بموضوع تقني من هذا النوع. وإذا ودّ ورغب واحدنا في التماس هذه المسألة يجد انه من غير المحمود تشريح غموض قاموس الشاعر وكشف ستاره. لربما ترتبط الآلية الباطنية لهذه الانتقائية بمخزون ما بيولوجي في المرحلة الأولى بيد ان ما يتبع يمسي على غير هذا المنوال، أي بكلام آخر يصبح على نحو ما متمنطقا واعيا ومتسلطا إنما غير شديد الوطأة. لا يصح بأية حال الإفصاح عما سيطرأ من تحولات في مفردات هذا القاموس اذ لا هوادة ولا فائدة ترجى من هذا الإنهاك. لعل الأسئلة المطروحة على جنس الشعراء عن مدى ما يشعرون ويسعون ويستأنسون مملّة ومدعاة تبرم، لذا أجدني أهرول ناشطاً متعرقاً يائساً من عدم استطاعة تحقيق أي مفيد.
من الواضح، لأنه، أقصينا كما بالأمس وغدا عن كل أحوال وثورات وانتفاضات ومجالس وبرلمانات، وهذا أمر نستأهله أكثر من أي جنس آخر.
بمجمل الأحوال لنعد إلى السؤال ونقدم مثلا عن الاسلوب الذي يمكن اعتماده في حال غواية الشعر، يعني ان حدث ورغب احد الناشطين الفتيان في تدبيج قصيدة ما عصماء أو ذاعنة نموذجية، ففي المقدور أولا ومن المستحب، ومثلما يفعل أي طفل في أول درس لفن الرسم، تخطيط شجرة، أو بكلام نقدي تقني تشكيل شجرة ثم تلوينها ثم إحاطتها بطيور ويستحسن هو استبدالها بالعصافير وتسميتها، ثم هنالك لون السماء وينصح هنا باستبعاد المغيب والبرتقالي على تدرجاته، ويأتي من بعدها صوت الريح وهذا يشي بحس رومنتيكي لدى صاحب الشأن، وانطلاقا من هذه الخلفية التقليدية يستطيع ان يتابع الصانع ليصف مزاياه وهذا بديهي، غير ان الأكثر امتاعا هو تزيين نفسه أي الشاعر الفتي بإضافة الملابس الحديثة المميزة (الستايلش) وان يتجمل بأبدع ما هنالك من غير ان يفضح في أي وهنة انه بانتظار إحداهن، وان لا يلفظ البتة مفردة مؤنثة وإن كانت طاولة أو قارورة، يمكن ان تنتهي القصيدة هنا ويكون قد كشف فيها كل معجمه وقاموسه. ما لم يذكره في الحقيقة هو قاموسه الذي يبغي استخدامه غير ان المسعى يظل دوما غير منجز، القاموس الذاتي يبقى دوما غير منجز وممتنع، انها الرغبة لربما بالاقتناء، بالشراء والتسوق وكل هذا يشبه كل هذا.

يوسف بزي

الأفعال والحركة

يوسف بزيسأقول مثلا في قصيدة: (اركض، انطلق، اخرج، انهض... الخ). ثم في سياق هذه القصيدة سأكتب: (رمح يخترق باصا) أو اكتب: (النهار ينقضي كانفجار لمبة( .
يترتب على قراءة هذه المفردات والجمل انطباع بالحركة أو بالأفعال المتتالية، وقد توهم القارئ أنه أمام شريط تصويري.
هل هذه نبرة؟ ربما. هل يختزل ذلك مزاجي الشعري؟ ربما. قد نستطيع تحديد قاموسي عبر إحصاء ما هو ليس في نصي: المنظر الطبيعي مثلا أو العوالم الريفية أو ما يتصل بلغة رومنسية متراخية... الخ. بمعنى ما تطلع مفرداتي وعباراتي من احتكاك الشخص بالبيئة التي عشتها، أي من سيرتي الشخصية التي انقضت كلها في العاصمة بيروت. استطيع ان أضيف مثلا: شغفي الخاص بلغة السينما، وشغفي المستمر بموسيقى الروك والبوب والفونك والnew wave وصولا إلى (اللاهرمونية) التي يتصف بها الجاز. أضيف إلى هذه اللغة، بطبيعة الحال، ذائقتي الأدبية وما اقرأه. وهي تنحاز إلى روح عصرية ومعدنية مليئة بالضوضاء والتكنولوجيا.
لا أدرك ان كان قاموسي ضيقا أو واسعا ولكنني أسعى قدر المستطاع إلى ان انمي وأطوّر ما أنا متورط فيه. أحيانا أجد نفسي عالقا في ميلي إلى حذف مفردات ترد إلى خاطري، وهذا الميل ناتج عن الخوف أكثر مما هو ناتج عن المقدرة. الخوف ان اخسر تماسك عبارتي أو ان افقد صوتي. أخاف ان يظهر تأثير مباشر لتجارب الآخرين على قصيدتي. أخاف أكثر من ان أجد نفسي منقاداً إلى آخر ما قرأت وتأثرت به. هذا ما يجعلني أتجنب دوما، وأخاف دوما، من ان اخرج متخليا عن حذري مما اطمئن عادة. كأن أحس مثلا ان هناك تقعيرا أو نفحة فلسفية فضفاضة أو دفقه عاطفية غير محسوبة. هذا هو ما أخاف من ظهوره في قصيدتي. ربما كل هذا يرسم حدودا لما يمكن ان يكون قاموسي إذا وجد.

السفير
2005/05/20