حوار: هيثم يحيى الخواجة

علي كنعان الشاعر علي كنعان يحفر بكلماته بؤره الدافئة والمتوارية في غضون الزمكانية لتدوين المتفرد والمتميز.. وهذا الحفر لا ينشأ من سردية معتمة لا رواء فيها، بل يتقافز شعره في ثنايا الاحتراق الوجداني كي يمسك بالأصيل والعميق من أجل اختراق شعري مدهش. وهو لا يعنى كثيراً بالغنائية، بل يهتم بالتكثيف والرؤى الفذة المتعطشة الى شلالات النفس وينابيع الروح تلامسها وتضمخها بالمعاناة والطموحات والألق. ان هذا الشاعر -وبحق- يحتاج لأكثر من حوار لما لاحظته في عطاءاته من زخم فكري وعمق شعري .
ولد علي كنعان في عام 1936 في قرية الهزة محافظة حمص. وتلقى تعليمه في المحافظة "حمص" ثم تابع تحصيله في كلية الآداب - قسم اللغة الانجليزية - في دمشق وتخرج فيها عام 1965. عمل في حقل الصحافة (1964-1967) ثم عمل مراقباً للنصوص في اذاعة دمشق، كما عمل في احدى الجامعات اليابانية مدرساً للغة العربية، وهو عضو جمعية الشعر. من مؤلفاته الشعرية: "درب الواحة"، "أنهار في زبد"، "السيل" (مسرحية)، "أعراس الهنود الحمر"، "آخر رسول الممالك"، "نخلة اسمها فاطمة ."

* مرت القصيدة العربية، شكلاً ومضموناً، بتحولات مختلفة على امتداد التاريخ. لكن بعضهم لا يعنيه إلا الشكل، ثم يحصرون الشكل بالوزن فلا يرون في الشعر إلا البحر الخليلي أو التفعيلة. أما قصيدة النثر فهي فن آخر لا علاقة له بالشعر، من وجهة نظر هذا البعض طبعاً، كيف ينظر الشاعر على كنعان الى هذه القصيدة بعد عِشرة أو معايشة تزيد على خمسين سنة؟

- قبل البدء في مقاربة القصيدة، أود التأكيد ان هذه نظرة شخصية خاصة. وخصوصيتها تنبع من ان الشاعر ليس، بالضرورة، ناقداً أو باحثاً، انه "صانع، صنعته الشعر.."، كما يقول الأجداد. وهو يستند الى تجربته الذاتية وتحصيله الثقافي وذاكرته الشخصية ورؤاه الفنية وذائقته الجمالية، منطلقاً من موقف ذاتي في قراءة الحياة واستيعاب ما فيها من صراعات وأحداث وتيارات وتفاعلات. وهذا يعني ان للآخرين رؤاهم ونظراتهم وتجاربهم ومواقفهم، وهذه النظرة والرؤى الخاصة قد تتقاطع مع آراء للآخرين وتتداخل في نسيجها أو تتعارض معها وتتباين .
وفي مستهل هذا الحديث، ينبغي ان أشير الى ان العنوان يطرح على المتلقي اشكالية الثنائية التي تشغل حيزاً واسعاً من فكرنا العربي. وأصحاب هذا الفكر التقليدي لا يرون في الحياة إلا الأبيض والأسود، النعيم والجحيم. فللشعر موسيقاه أو إيقاعه الغنائي "الحداء"، وللموسيقا نظمها وقواعدها وقيودها ومعاييرها الايقاعية الصارمة أو السمحة، بينما يطرح النثر مفهوم الحرية الطليقة وفضاءاتها المفتوحة على أمداء الكون، نافياً كل شرط أو قيد. لكن هذه النظرة مستعجلة وقاصرة، وأكاد أقول: غير بريئة، لأنها لا تخلو من عناصر كهنوتية تخطاها الزمن والتطور الحضاري، وعلى أصحابها ألا ينسوا ان الحياة ليست خليطاً رمادياً من الأبيض والأسود، بل هي حافلة بما لا يحصى من الألوان وظلال الألوان وتدرجاتها .
من هنا، ومن خلال تجربة حميمة وليست قصيرة مع الأدب العربي بمختلف أجناسه، ولا سيما الشعر، أبادر الى القول: لست أرى ان هناك حاجزاً مثل سور الصين يفصل بين الشعر والنثر، وليس في مقدور أي باحث ان يقيم جدراناً عازلة -نظرياً أو عملياً- بين هذا النشاط الابداعي وذاك إلا في حدود المجاز والتقريب، وسعياً الى تسهيل التلقي والفهم والاستيعاب لدى الطلبة في أولى مدارج التعليم ومراحله. ولعل ثنائية الشكل والمضمون هي الخصيصة الوحيدة التي لا يمكن إغفالها أو تخطيها في دراسة الفنون بوجه عام، والشعر بخاصة، إلا في ظروف معينة وحدود ضيقة، ذلك ان الشكل والمضمون متواشجان مندمجان ومتكاملان، ومحاولة الفصل بينهما تعني ان نترك الجسد هامداً بارداً بلا حركة ولا روح. كما ان تحديد الشكل بموسيقا البحر أو إيقاع التفعيلة لا يخلو من ظلم كبير للشعر والشعراء معاً .

* أرى انك تشير الى وزن الشعر فتسميه حيناً "موسيقا" وتارة "إيقاعاً"، أيهما أقرب الى رؤية علي كنعان وذائقته الفنية الجمالية.. إذا لم نقل النقدية؟

- جميل أنك أثرت هذه النقطة لأني أميل الى استعمال كلمة "إيقاع" بدلاً من "موسيقا". فالموسيقا لها إيقاعها النغمي كما ان للرسم إيقاعه في تناغم الضوء والظلال والألوان، وللشعر إيقاعه بين تواتر النبر في الحركات والسكنات. كما ان للنثر إيقاعه أيضاً. وربما أدركنا أن لكل فعل انساني، وحتى لكل مظهر فطري في الحياة والكون، إيقاعه الخاص الذي يتمايز به عن سواه، بدءاً من حركة الأجزاء في نواة الذرة وفي الخلية الحية حتى نصل الى أقصى المجرات. ولا أرى ضرورة للتفصيل .
وإذا بقينا في عالم الشعر والنثر وخصائصهما، فإننا نرى أن الكتب السماوية وحتى المأثورات الدينية، بما في ذلك الاساطير الوثنية وأقوال الكهان، جعلت الناس حائرين في تصنيفها بين الشعر والنثر، وأنا هنا أعني نسيج اللغة في مجازاتها الجمالية وتهويماتها الفنية وبلاغة الخطاب وسحر التعبير. النص الابداعي، سواء كان شعراً أو نثراً، هو سرد متخيل. والملحوظة الأولى في قراءة أي نص شعري أو نثري هي انه يضم عناصر نثرية وشعرية في آن معاً، وان اختلفت النسب وتباينت أشكالها بين جنس أدبي وآخر. ونرى ان الشعر يجاور النثر ويتواشج معه حتى في النماذج القديمة، إذا أوغلنا في التاريخ الأدبي وصولاً الى ملحمة جلجامش، في صيغتها البابلية، أو تأملنا قصائد العشق والموت الفرعونية القديمة، أو الكتابات المنقوشة في ألواح إيبلا وأوغاريت. ولا أريد ان أبتعد أكثر حتى أقارب الملاحم الهندية والصينية والإغريقية والرومانية وغيرها من تراث الشعوب ومدوناتها القديمة، بل يكفيني ان أقف عند حدود العنوان الذي طرحته في بداية الحوار.. وهو القصيدة العربية .

* نعم، حبذا لو توقفنا قليلاً مع الشعر العربي والقصيدة العربية حصراً .

- أعترف بلا تردد ولا خجل ان من العسير جداً تحديد ما هو شعر، لكننا سرعان ما ندرك ما ليس شعراً. بدأ الشعر بالغناء، وهذا يعني ان النثر لا يتسق مع أصول الترنم والغناء إلا في حدود ضيقة وحالات نادرة، وديع الصافي وفيروز مثلاً، القصيدة هي التجلي الجمالي، الفني والفكري والوجداني، لحالة نفسية مأزومة، حالة شعورية واعية ولا واعية، عاشها الشاعر في سياق تاريخي ما، له ظروفه الزمانية والمكانية والسياسية. والسياسة هنا، بمعناها الواسع، تضم عناصر شتى من الاجتماع الى الثقافة الى الاقتصاد.. لتشمل المجال المعرفي، تراثاً وحداثة، والمحيط البيئي الذي يحتضن المبدع باعتباره كائناً حياً في محيط جمعي. لكن القصيدة وليدة هواجس معينة وذاكرة انتقائية فكرية/ فنية وذائقة جمالية وحس نقدي صارم معاً .
كلما طالت عشرتي مع القصيدة تزداد حيرتي في فهمها.. من أين جاءت وكيف استوت كائناً فنياً جمالياً مدهشاً؟ ان تشكل القصيدة يشبه ولادة كائن حي، بكل ما يحيط هذا الكائن من خفايا وتأملات ومخاوف. أكاد أقول انها شيء سماوي يتشكل من خلالنا، فالشاعر ليس إلا وسيطاً. لذلك قال "إليوت" في الأرض اليباب: "ابريل أقسى الشهور.." حيث تتشقق التربة ليخرج النبات الجديد. ولعل ثمرة اللوز أو الكرز أو التفاح أو سنبلة القمح وما شابه يمكن ان تكون مثلاً آخر. فهذه الثمرة تكون حلماً ضبابياً في نسغ الشجرة، ثم يأتي الربيع فيتحول الحلم الى زهرة وتعقد الزهرة ثمرة ثم تستكمل بنيتها حتى يأتي موسم القطاف. كيف تحولت العناصر الغذائية الحية المبثوثة في التربة مع الماء وحرارة الشمس وتفاعلات النسغ مع المناخ الى زهرة أو ثمرة أو حبة زيتون؟! القصيدة أيضاً تمر بحالة مشابهة .

الشرارة الأولى

* لكن، ماذا عن الشرارة الأولى؟ من خلال تجربتي في الكتابة أرى ان المطلع، أعني عملية الدخول في جو الكتابة الابداعية أو طقسها.. هي أصعب ما يواجه المبدع. هل يمر الشاعر في حالة مشابهة؟

- نعم، أنا معك في هذا الرأي. الشرارة الأولى هي الأصعب، وهي المحاطة بأسرار خفية لا يملك الشاعر إدراكها أو استجلاء خفاياها. كيف تنبثق الصورة الأولى، لا أدري. بعد ستين سنة من معايشة الشعر معايشة شبه يومية، وبعد تجربة ثقافية -لا أدعي انها واسعة- لكنها عرفتني على لغات عدة من الانجليزية الى اللاتينية (لغة فرجيل وأوفيد) الى الفرنسية وأخيراً اليابانية، فضلاً عن اللغة الأم العربية.. بعد كل هذه السنين ظل الشعر غابة سحرية غامضة ومغرية في الاستمتاع والتأمل والاستكشاف. قرأت كثيراً من الشعر بهذه اللغات، بالمقارنة مع نصوصها المترجمة الى الانجليزية وحسب، ولا أدري كيف تنبجس القصيدة ثم تتشكل صورة.. صورة، وحركة.. حركة.. وإشارة.. إشارة، أو لمحة خاطفة بما يشبه السحر الحلال. قد تولد البذرة الأولى هشة ضعيفة أو ميتة فيعجز الشاعر عن إكمال القصيدة، وقد تولد قوية معافاة فيستكمل الشاعر نسجها بشغف ومحبة وانخطاف لا يخلو من رهبة وتوتر ومتعة في آن معاً .

* يبدو ان لكل منا عشقه الصوفي لفن من الفنون، ماذا أعطاك هذا العشق؟

انك تثير شجوني الى حد البكاء، ليس من واقع الشعر فهو ما زال بخير.. انما من واقع الأمة وما يحيق بها من كوارث. لكن ليس الآن وقت الندب، إنما وقت التحدي والأمل والعمل معاً. ولنتذكر ان عصر الدويلات، أو يسمى أحياناً: عصر الانحطاط، وهبنا المتنبي. وأنا منذ صغري مسكون بالشعر. وهذه السياحة الذهنية والروحية الطويلة مع هذا الفن الجمالي المتخيل، لم تزدني إلا رهبة وحيرة وخشوعاً أمام سر الابداع. لا أرى قصيدة يمكن ان تتشكل بلا مؤثرات خارجية، وان ظل الهاجس الداخلي هو الأقوى، وهو العامل الحاسم في ابداعها. القصيدة تجربة فردية استثنائية نادرة لا تتكرر. يقول إرنست فيشر في كتابه الجميل "ضرورة الفن": هناك ضغوط خارجية تحاصر الفنان، وهناك ضغوط داخلية.. ومن محاولة التوازن بين هموم الخارج وهموم الداخل ينبثق الفن. ويضيف هذا المفكر: ان الفن ضرورة لفهم العالم وتغييره .

لكن الضغوط أو الهموم وحدها غير كافية لولادة القصيدة وتشكلها كائناً جمالياً فريداً، أليس كذلك؟
- نعم، هناك آلاف الخيوط الملونة المتشابكة التي تدخل في نسيج القصيدة. انها صيغة كيميائية مركبة من آلاف العناصر والرؤى والمشاعر، سواء كانت ظاهرة جلية أو غامضة ملتبسة أو باطنة خفية. لكن الرغبة في تبسيط الصورة وتيسير دراستها واستيعابها أمام طلبة الشعر وعشاقه تدفعني الى تحديد ثلاثة عناصر كبرى: التجربة والرؤيا والموقف. كل قصيدة لا بد ان تكن محصلة تجربة حية ومعاناة صادقة. هنا تختزن الذاكرة أهم الوقائع والأحداث والصور والأحاديث، بكل ما يرافقها من هواجس وأحلام وآلام وخيبات وآمال، وتختلط الذكريات والوقائع بالأحلام والمخاوف بالتطلعات والخيبات بالأماني وأحداث الماضي بآمال المستقبل وأعباء الحاضر، لكن الطفولة الكامنة في أعماق الشاعر تعجن ذلك الخليط العجيب وتصهره في بوتقتها، ثم تقطره عبر مصفاتها السحرية فلا يبقى من الغابة إلا أطياف مخاوفها وأهوالها وآثار جراحها وروائح أطيابها وحرارة حرائقها وصفاء ألوانها، ولا يبقى من مرارة الحياة إلا رحيق الشعر في خلاصة مكثفة كالعجينة التي تصنع العطور والألوان وأقراص الدواء .
ثم يأتي دور الرؤيا حيث تنطلق المخيلة لالتقاط صور فنية مكثفة طافحة بالدلالات والرموز والاشارات الغائمة والغامضة، وهكذا تطفح العبارات بالمعاني أو بظلال المعاني واللمحات والإيحاءات .
وهنا يبرز الموقف، موقف الشاعر من الحياة وتياراتها المتباينة والمتصارعة. بفضل هذا القاضي الوجداني والمرشد الفكري، بفضل هذا الحكيم الراصد والناقد المقنع الساكن في غيابة الذاكرة وكوامن الوجدان، ينتقي الشاعر صوره الفنية الجمالية ليشكل بها القصيدة في بناء هندسي متكامل ومبتكر .
وفي كل عنصر من هذه العناصر الثلاثة "التجربة-المعاناة، الرؤيا-المخيلة، الموقف" يمكن ان نتحدث عنه طويلاً، إذا كان النحل يحول عصارة الأزهار الى شهد فيه شفاء للناس، وإذا كان الجسم البشري يحول الأغذية الى دم وطاقة، فإن الشاعر يحول أشواك الحياة ومراراتها وأهوالها وأوجاعها وهمومها اليومية والمزمنة الى لوحات غنائية وقصائد ممتعة ومفيدة ومؤثرة في تهذيب الذائقة وإغناء فسحة الأمل والانتصار للجمال وتأكيد الجانب المضيء في الحياة، حتى عندما تكون القصيدة حافلة بالمآسي والموجعات والأهوال .

*كيف يمكن الربط بين بوح الأعماق وسردية الشعور في ابداع القصيدة؟

- يقول الغزالي: العقل شعاع من سراج الغيب. وأنا أرى ان الشعر شعاع آخر من سراج الغيب كذلك، ولا يمتلك الشاعر من وسيلة تيسر له نعمة الحصول على هذا الشعاع الجمالي الخفي إلا بعشق صوفي ومكابدة يومية مضنية، لكنها حالة مفعمة بالألق والطيب والغبطة .
ان محاولة تعريف القصيدة ورصد سيرورتها جهد مثقل بالمشقة والضنى، انه كمن يحاول احتضان غيمة أو عناق موجة أو احتواء عاصفة .

* البعض يحاول ان يخرج بقصيدته الى فضاءات ليس لها زمان ولا مكان، والبعض الآخر يسعى الى زمانية الموقف في ابداعه الشعري، ما رأي الشاعر كنعان بذلك؟

- لا يمكن فصل القصيدة العربية شكلاً ومضموناً عن السياق التاريخي العام، لأنها التجلي الفني الجمالي المكثف لحالة المبدع منصهراً بأحوال مجتمعه المحلي والقومي والانساني، أو -بتعبير أدق- هي صورة رمزية، مصوغة بكلمات ذات ايقاع خاص، عن الذات في سيرورتها ضمن المؤسسة المهيمنة والسائدة في ذلك المجتمع، بدءاً من القبيلة حتى الدولة الحديثة مروراً بالدولة الوراثية في العصرين الأموي والعباسي. ولا ننسى حالة الضعف والاضطراب والبلبلة التي اعترت القصيدة وأضعفتها في العهد النبوي والراشدي، وكذلك حالة التردي والجمود التي منيت بها في أواخر عصر الانحطاط. الشاعر هنا ذات موضوعية وآلة تصنيع أو ابتكار مكرسة لخدمة الجماعة التي ينتمي اليها. المقدمات الطللية وحتى قصائد الهجاء، ولا سيما نقائض جرير والفرزدق، تؤكد ذلك. ولعل التحول الأول الكبير حدث بفضل الشعراء الصعاليك. هنا نشأت طفرات مبعثرة لمعيار جديد في الحياة بما فيها من قيم، فضلاً عن تجلياتها الفنية. ونلاحظ ان القصيدة حافظت على شكلها التقليدي المتوارث لأن الصعلكة كانت حالة فردية طارئة ولم تتحول الى ثورة ولم تسهم في بناء مؤسسة اجتماعية بديلة .

النثر في الشعر

هل يقودنا هذا، في رأيك، الى القول: ان خروج الشاعر من قالب القصيدة التقليدي يعني، بصورة ما، خرجه من أسر المؤسسة السائدة والمهيمنة الى فضاء أرحب؟
- نعم، هذا يبدو لي صحيحاً الى حد بعيد.. ولعل المعلقات من أشهر ما مر في ذاكرتنا من قصائد الشعر العربي، ومن يقرأ بأناة هادئة وتأمل عميق في هذه القصائد أو غيرها، يكتشف كثيراً من النثر. فهذا طرفة، وهو أكثر شعراء المعلقات عذوبة وأشدهم إدهاشاً، يقول :

إذا القوم قالوا: من فتى؟ خلت انني              عُنِيتُ.. فلم أكسلْ ولم أتبلّدِ

بداية نثرية عادية مألوفة وكثيراً ما نسمع هذا السؤال أو مثيلاً له في أحاديثنا اليومية. لكن لمسات فنية جمالية أزاحت الكلمات بعيداً عن معانيها المعجمية وأعطتها دلالات مجازية مفعمة بالكثافة والعذوبة والإيحاء فتحولت الى شعر. بعد هذا السؤال النثري المألوف: من منكم الفتى؟ هل من فتى هنا؟ يجنح الشاعر المبدع الى الوهم والتخيل بأنه وحده المعني بهذا السؤال. ولعل المفتاح الشعري لصورة هذا الفارس الشهم الشجاع هو قصر السؤال وكثافته .
يمكن ان نجد أمثلة نثرية مشابهة في كل قصيدة، كما يمكن ان نمر بصور ورؤى شعرية في كثير من النثر، ليس لدى جبران والزيات وغسان كنفاني والشابي ومحمد عبدالحليم عبدالله وخير الدين الأسدي وترجمات طاغور وحسب، انما لدى الجاحظ وأبي حيان التوحيدي وخطب علي والحجاج وزياد ابن أبيه كذلك. وينبغي هنا ألا نغفل عن تراث المتصوفة المسلمين .

* تنقلنا طويلاً بين روائع القصيدة العمودية، ماذا عن الشعر الحديث؟

- القصيدة العربية مغرية وساحرة، الى حد يصعب الخروج من أسرها، لكن يطيب لي ان أشير ولو بكلمات معدودة الى حركة الشعر الحديث، بدءاً من انطلاقتها حتى فرضت حضورها الواسع والمؤثر، ثم لم تلبث ان دخلت في رتابة مملة. لكن تطوراً جذرياً هائلاً حدث في الحياة ومفاهيمها، وهذا ما أدى الى انبثاق قصيدة النثر وانتشارها في الساحة العربية على أوسع نطاق. وقبل ذلك كانت قصيدة التفعيلة، وهي لم تتشكل من فراغ، ولم تستورد من مصانع الغرب وأسواقه، بل جاءت وليدة مناخ جديد وظروف مساعدة، وكذلك قصيدة النثر. قصيدة التفعيلة انبثقت مع حركات التحرر الوطني من الاستعمار المباشر، إثر صدام دموي مع قواته العسكرية. وقصيدة النثر جاءت بعد سلسلة من الهزائم والخيبات والإحباطات، على مستوى الوطن والأمة، وتنامي إرادة الشارع العربي والتعبير بصوت عال بعد كبت طويل .

* كأنما الظرف الموضوعي والمناخ العام، في تقديرك، هو الذي أدى الى ولادة الشعر الحديث وانتشاره في الوطن العربي؟

- لا ريب ان أهم عوامل ولادة الشعر الحديث أو "الحر أو المرسل، سمه ما شئت"، بدأت بانتشار التعليم والاطلاع على آداب وثقافات الشعوب الأخرى بلغاتها الأصلية. والمقصود هنا اللغات الأوروبية بعامة، الانجليزية والفرنسية على وجه الخصوص، ومن بعدهما الألمانية والروسية. هذا الاحتكاك بالغرب الذي اتخذ أشكالاً درامية، دموية وتنويرية واستلابية، وعلى أكثر من صعيد سياسي وعسكري وثقافي.. هو الذي أعطى الشرارة الأولى ومهد الأرض الوعرة. يضاف الى ذلك هواجس اليقظة والتجديد التي رافقت حركات التحرر الوطني، وانفتاح آفاق جديدة أدت الى التمرد والانعتاق من أغلال الماضي وقيوده وتقاليده الموروثة المتحجرة. ولا ننسى هنا خروج المجتمع العربي من الجمود الاقطاعي الذي رافق السلطنة العثمانية، فضلاً عن انفتاح الشعوب على الحركات الاشتراكية في العالم. القصيدة الحديثة، حرة ومنثورة، تؤكد هذا السياق.

كيف ترى الى اصطلاح الشعر المنثور؟ ألا يحمل في صياغته شيئاً من التناقض؟
- ان اصطلاح "قصيدة النثر" أو "الشعر المنثور"، ينطوي بالتأكيد على تناقض في هذا الاقتران الهجين والمصطنع أو الملفق بين الشعر والنثر. حين أطلق الخصوم عليها هذه التسمية كانوا يبغون وضعها في إطار مؤسسة "القصيدة" لتظل في بيت الطاعة من جهة، ثم تصوروا ان قيمتها أدنى من الشعر فألصقوا بها كلمة "نثر"، أما أنصارها فقد كانوا نقيض ذلك: انهم يؤكدون انها شعر يقف خارج كل مؤسسة وبعيداً عن كل إطار إلا فضاء الحرية، وهي في منأى من كل سلطة إلا سلطة الابداع. وأهمية هذا الشعر تنبع من كونه نثراً لا يخضع لأي تقليد موروث، لكني أترك للمستقبل مسألة التسمية والاصطلاح، وأدخل في لباب الموضوع .

* تبدو القصيدة الحديثة مشحونة بهموم الواقع العربي، على مستوى الفرد والأمة معاً، ما هي القيم الجديدة التي احتفت بها في المقام الأول؟

- القصيدة الحديثة تطرح تحولاً جذرياً في المفاهيم وزوايا النظر ونمط العيش، في الرؤية والرؤيا والقراءة والسلوك والموقف معاً. ولعل قيمة الحرية هنا هي أولى قضايا الحياة في الوعي والاختيار والطموح والممارسة. وكذلك قضية العدالة الاجتماعية. لم تعد تصنيفات الشعر وأغراضه التقليدية واردة في خاطر الشاعر أو مطروحة عليه. ليس لدينا شعر خاص بالنسيب أو المديح أو الرثاء أو الهجاء، وليس ثمة شعر مقصور على وصف الطبيعة أو الهاجس الاجتماعي أو الهم الوطني. القصيدة الحديثة حافلة بشتى هواجس الحياة وهمومها وتطلعاتها، لقد امتزجت فيها عناصر ومدلولات كثيرة، فالحبيبة والحرية والعدالة والكرامة وجميع القيم الانسانية قد تداخلت وانصهرت في بوتقة التجربة والمعاناة عبر رؤى توحي بالأشياء بلمحات واشارات طيفية من دون ان تقولها صراحة أو مباشرة. وهذا يعني ان القصيدة لم تعد صالحة للإلقاء من منابر الخطابة إلا إذا كانت تستقي وهجها من قضية مصيرية كفلسطين، مثلاً، ولو بلمحات رمزية واشارات موحية.

*التراث والمستقبل

ألا ترى ان الشعر بوجه عام، والشعر الحديث بخاصة، فقد كثيراً من عناصر وهجه وجماله وانتشاره؟

- هذه ظاهرة واضحة ولها أسبابها. ان قصيدة التفعيلة التي حررتنا من قيود البحر الخليلي والقافية الرتيبة، جعلتنا قاصرين أو عاجزين عن استيعاب جميع بحور الشعر العربي، إذ اقتصر شعرنا الحديث المرسل على بحور معدودة لا تزيد في مداها على ثلث ما تختزن تلك البحور الموروثة من طاقات وامكانات في الموسيقا أو الإيقاع. وهكذا كسبنا شيئاً وأضعنا أشياء، وتلك هي سنة الحياة وضريبة التطور. لكن المشكلة، في بعض جوانبها، تشير الى ضعفنا المعرفي وتهافتنا الثقافي. اننا لم ندرس بعمق ولم نستوعب إلا شذرات من كنوز التراث. والتراث لا يعني كل ما ورثناه عن الأجداد، لكنه التيار الحي المتدفق من جيل الى جيل ليضيء الواقع وسهم في بناء المستقبل.

* هل هذه الحالة هي التي جعلتنا نضيق بموسيقا الشعر فآثرنا كتابة النثر؟ كيف تملك القصيدة الحديثة شخصيتها، وهي تتأرجح بين ثورة المخترعات والشعور الانساني الفياض؟

- الشعر ليس شيئاً يقال، لكنه طريقة يقال بها هذا الشيء، كما يقول الشاعر الرائد صلاح عبدالصبور. طوال هذه السنين، كان التمايز الظاهري بين الشعر والنثر يتجلى في الشكل والإيقاع، فضلاً عن البنية التعبيرية والجمالية. لكن ظروفاً عالمية جديدة وتحولات عاصفة مهدت السبيل أمام قصيدة النثر وآفاقها المفتوحة على الأقاصي. بدأ التحول بانتشار الفنون السمعية/ البصرية التي كان التلفزيون أبرز أدواتها. الكلمة السحرية المتسربة من الحكاية، لغة الكهانة، انتهى دورها أو كاد. صارت العين أهم من الأذن، وصار السطح الواسع المرئي أحب من الأعماق المتخيلة. ثم جاءت ثورة الاتصالات فألغت الحدود والمسافات وقاربت بين الأمم والقارات حتى صار العالم قرية واحدة، كما يطيب لنا ان نردد باستمرار. وقد رافق هذه الثورة تدفق فيضانات يومية من المعلومات غمرت كوكبنا الأرضي وأسهمت في صياغة ونشر سمات عالمية متشابهة، ان لم نقل واحدة. من هنا كانت قصيدة النثر التجلي الفني الجميل هذا التحول الكوني العاصف. انها نشيد الشارع، بالمعنى الجماهيري الحديث والواسع لهذه الكلمة.

* هذه شهادة لمصلحة قصيدة النثر من شاعر لا يكتبها، أليس في ذلك مجاملة "دبلوماسية" لفرسان هذه القصيدة؟

- فضاء الشعر لا يقبل المجاملة ولا بوس اللحى. وأقول بصدق وتفاؤل: يخيل اليّ ان قصيدة النثر، على امتداد الأرض، هي الملمح الأول من ملامح ما يمكن ان نطلق عليه "حركة الشارع العالمية" وهي التجلي الفني البسيط والعفوي والجميل لمعاناة هذه الأمواج البشرية التي تملأ شوارع العصر، انها الحركة الطليقة التي تشكل النقيض للمؤسسة البيروقراطية .
شاعر الحوليات لم يعد له وجود. وقصيدة التفعيلة دخلت في رتابة مضجرة، والشعراء الكبار يجترون أمجادهم ويقلدون أنفسهم بعيداً عن التجديد إلا في حالات قليلة ومحدودة. وبقي الساحة مفتوحة أمام شعراء القصيدة الجديدة، قصيدة النثر. لم يعد الإيقاع الخارجي مطلوباً أو مرعياً بالضرورة لأن إيقاع العصر قد لا يحتمل ذلك. الحياة بكل ما فيها من قيم ومعايير وقوالب تحطمت وتناثرت، وكان لا بد من تحطيم مفهوم الشعر التقليدي والتخلي عن إيقاعه المتوارث وتخطي ذلك كله، لكي يصغي الشاعر الى إيقاع الروح، الى خلجات الوجدان النابعة من أعماقه، ليصوغ تجربته ومعاناته بمفردات مأخوذة من نثر الحياة ذاتها. الحياة الارستقراطية في القصيدة الكلاسيكية المبنية على الإيقاع الخليلي الجليل لم يعد لها وجود، ولم يعد لعمارتها الشعرية من داع أو مسوّغ كبير للاستمرار إلا في بطون الكتب والاستمتاع باستعادة أيام المجد الخوالي التي عاشها الأجداد .
وجيلنا الذي شُغف بشعر التفعيلة وعبر عن تجربته من خلالها دخل بعضه في حالة اجترار وراح يدور في حلقات مفرغة. ومقتل كل فن يكمن في ان يراوح في مكانه. من هنا أرى ان قصيدة النثر تبدو أقدر وأصدق على التعبير عن مكنون المشاعر وتموجات الأعماق في هذه المرحلة. ان المنجزات الجمالية لهذه القصيدة يمكن ان تغذي شعر التفعيلة وتغنيه. وإذا كان لا بد لقصيدة النثر من ان تمثل مؤسسة ما وتعبر عنها، فإن اصطلاح "الشارع العربي" أو نفي المؤسسة والتخلي عنها هو المحرض والحافز -ولا أقول الملهم- لهذه القصيدة في أصفى تجلياتها الفنية. وفي نظري ان كتابة هذه القصيدة أصعب بكثير من كل ما سبقها من شعر، سواء كان على البحر الخليلي أو التفعيلة الحرة الطليقة .

* أين وجه الصعوبة بعدما تحررت من قيود الوزن؟

- من هذه الصعوبة يبدو لي ان الذين أبدعوا ويبدعون في هذا الفن الجميل هم قلة معدودة، رغم ان هناك آلافاً في الوطن العربي يكتبون شعراً منثوراً، لكنه في المعيار الجمالي ليس شعراً ولا نثراً، إنما هو رصف كلمات وتهويمات في فراغ. وهذا المأخذ يمكن ان ينسحب على قصيدة التفعيلة وشعرائها. والسبب، في رأيي، يعود الى سهولة النشر والى تهافت الثقافة وغياب الاطلاع الكافي على التراث العربي والعالمي، وانعدام التمكن من أدوات الشعر، أعني اللغة. فمن لا يتقن لغته ولا يمتلك أسرارها، كيف يكتب شعراً أو نثراً.. أو حتى جملة مفيدة؟

هذا هو السؤال الموجع، وذلك هو الامتحان الحاسم والعسير. وفي الاجابة المستحيلة يكمن سر القصيدة، سر الشعر الخفي، وهو سر -لو يعلمون- عظيم .

جريدة الخليج
26 /6/2004