حرية الكذب
كم مرة قرأنا على الصفحة التي تمهّد لرواية ما: "شخصيات هذا العمل خيالية، وكل تشابه مع أشخاص حقيقيين هو محض مصادفة". هذا التنصّل من الواقع بات اليوم غير ضروري، مع صعود مدّ ما يسمّى "التخييل الذاتي" في الأدب، الذي ينتج أعمالا هجينة بين الرواية والسيرة.
ولد تعبير "التخييل الذاتي" في فرنسا الثمانينات، وهو يعني كتابة سيرة متخيّلة، ينصهر فيها الكاتب والراوي والشخصية الرئيسية ليشكلوا "أنا" وهمية، ثلاثية الهوية، تتأرجح بين الواقع والخيال وتعتمل بتناقضاتها. كثرٌ هم الذين ينتقدون - أو يمجدون - هذه الهجمة الأنوية، في الرواية الفرنسية خصوصا، بدءا من أواخر القرن العشرين، وكثيرة هي النظريات والنظريات المضادة والنقاشات التي تتمحور اليوم حول هذه الظاهرة الأدبية "الجديدة"، ويبدو لي ذلك كله في غاية العبثية والافتعال، ويليق به وصف الجدل البيزنطي أو "الحركة بلا بركة": إذ أين الجديد، سوى التسمية، في ممارسة قديمة قدم الرواية نفسها؟ ألم يكن دون كيشوت أنا ثرفانتس البديلة؟ ألم يعلن فلوبير: "مدام بوفاري هي أنا"؟ ألم يقل دانتي إنه، في "الكوميديا الإلهية"، كتب نفسه في كل متغيراتها واحتمالاتها؟ هل ثمة حقا رواية مضمونها مئة في المئة تخييلي، متحرر من أي إحالة ذاتية، وإن تفصيلية؟
التخييل الذاتي موجود منذ وجد النص، بل هو جزء جوهري من مفهوم الرواية، وإن كان يمكن ان نميّز فيه مستويين مختلفين: الأول هو التخييل الذاتي اللاطوعي، أي المنطلق من محاولة "صادقة" لكتابة سيرة ذاتية، لكنها سيرة تشوبها، على غرار كل السير الذاتية تقريبا، اختراعات وإضافات وإلغاءات وروتوشات وتلاعبات بالواقع الموضوعي المعيش. الحوادث هنا حقيقية مئة في المئة، لكن الذاكرة - المخرّبة بطبيعتها - التي تستحضرها، واللغة التي تعبّر عنها، تساهمان في تحريفها. أما المستوى الثاني فهو التخييل الذاتي عن سابق تصور وتصميم، أي ذاك الذي يتقصد المزج بين المعيش والمتخيّل، فتتشابك فيه ذكريات حقيقية مع أخرى مخترعة، وشخصيات من الحياة مع شخصيات روائية، حدّ امحاء الحدود بين الفئتين واستحالة التمييز بينهما. يقال إن هذا النوع من الكتابة يهدف الى حل بعض الأزمات المرتبطة بالسيرة الذاتية، وان مستقبل السيرة الذاتية هو التخييل الذاتي، كونه ينقذ من "الاحراج الاوتوبيوغرافي"، إذ يتيح الكتابة عن الذات تحت ستار التخييل. فعلا، "القناع" الروائي يرفع الكثير من حواجز الرقابة الذاتية ويمنح المؤلف الحرية التي يمنحها الكذب عادة، ويسمح له بالذهاب بعيدا، بخفة المصاب بالسكيزوفرينيا، في استكشاف المسكوت عنه. وصحيح ان هذا القناع يضعنا في منطقة الالتباس والشك والاحتمال، لكن ألا تتحرك كل "أنا" أصلا في تلك المنطقة؟ أليست الصورة التي تعكسها لنا مرآة الرأس عن أنفسنا هي صورة ذاتية حكماً، وكل "أنا" أليست، تاليا، تخييلية الى حد كبير؟
ترى كم من الروايات التي قرأنا هي في الأصل سير ذاتية؟ وهل من حقوق القارىء أن يعلم سلفا ما اذا كان الذي يقرأه تحت عينيه حقيقيا أم مخترعا؟ في رأيي، لا. فللقارئ حق على جودة النص لا على "أصالته"، أما حقيقة المروي فليست من شأنه.
قال جيرار دو نيرفال: "أن نخترع يعني في الحقيقة أن نتذكّر". من البديهي إذاً أن تكون أنا الكتابة "ملوثة" بأكاذيب الخيال والذاكرة والعكس بالعكس.
أو حريّ بي ان أقول: لحسن الحظ.
Joumana333@hotmail.com
www.joumanahaddad.com
***
في كتابه، "محاكمة كافكا الثانية"، يعيد إلياس كانيتي كتابة "المحاكمة" بناءً على وقائع حياتية عاشها الروائي التشيكي، وعلاقته بأبيه التي شرحها في نصّه الطويل "رسالة إلى الوالد"، وأيضا اعتماداً على رسائله الى خطيبته فيليس باور. حتى إن لفظة "محاكمة" نفسها كانت وردت في رسالة من كافكا إلى باور حين التقى أقرباءها في برلين ناسباً إلى أجسامهم الضخمة أمام جسده النحيل صفة "الاعتداء"، شاعراً أنه أمام "محاكمة". الأرجح أن كتاب كانيتي، على أهميته، يردّ عمل كافكا التأويلي والرمزي والدلالي إلى مجرّد أحداث واقعية، جاعلاً من الرواية سيرة ذاتية، وحارماً إياه أبعادها العبثية والتوراتية والسياسية والوجودية كما رآها كثيرون. إذاً، هل يحق لنا قراءة الأعمال الروائية على ضوء حياة كتّابها؟ الجواب لا، وإن يكن هذا التحقيق يحاول إقامة صلات بين روايات لبنانية ارتبطت بحيوات مؤلفيها بقدر ما انفصلت عنها.
عندما نقرأ جملة أندره جيد أن "الحقيقة توجد في الرواية" أو عبارة سارتر أن "الحقيقة لا يمكن أن أقولها إلاّ في عمل تخييلي"، نفكر في "البحث عن الزمن المفقود"، تلك الرواية التي ترسم صورة مارسيل بروست نفسه بكامل ملامحها ودقائقها، آمالها وإحباطاتها الكثيرة، في ثلاثة آلاف صفحة. هذه الحقيقة يعبّر عنها فوكو معتبراً أن "الرواية لم تعد أثراً، بل صارت وثيقة لأنها تشير الى وضع تاريخي واجتماعي معيّن".
في لبنان، ثمّة روائيون استلهموا حيواتهم ومحيطهم لتأليف أعمال روائية. يبدو سهيل إدريس واحداً من أولئك الروائيين الذين تكشف رواياتهم جزءاً من سيرتهم الشخصية كما في "الحي اللاتيني"، "الخندق الغميق"، و"أصابعنا التي تحترق". ولئلا يبدو الكلام جزافاً واستنطاقاً لعمل متخيّل، نستطيع المقارنة بين هذه الروايات وسيرة إدريس، "ذكريات الأدب والحب"، التي نشرها أخيراً، على سبيل المثال "المشيخة": التي يوردها الكاتب في "الخندق الغميق" ثم يتحدّث عنها لاحقاً في السيرة. لكن رواية الحرب وما بعدها دخلت أكثر الى الواقع اللبناني بعد التحولات الديموغرافية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية التي أحدثتها الحرب. لنقل إن "الواقع بات أغرب من الخيال" على حد تعبير اينشتاين. ومن هؤلاء الروائيين الذين وجدوا في واقع الناس المستجد وعيشهم مادة أولى لأعمالهم حسن داوود. في روايته الأولى "بناية ماتيلد"، يعيد داوود حكاية القاتل إبراهيم طراّف الذي قتل ماتيلد وابنتها، قبل أن يعدم، في سياق روائي. روايات داوود الأخرى أيضاً توثّق حياة العائلة: "سنة الأوتوماتيك" هي رواية المؤلّف وأبيه وعمه، "أيام زائدة" هي رواية جدّ المؤلّف و"لعب حيّ البيّاض" هي رواية أمّ المؤلّف. لكن هذا الاختزال يبدو جائراً إذا تجاهلنا أن الخيال يعيد بناء الواقع، وأن عمل المؤرّخ يختلف عن عمل الروائي، ففي حين يصف الأول الواقع نجد أن الأخير يفكّكه. الاختزال نفسه يرفضه محمد أبي سمرا الذي لا ينكر أن روايته الأولى، "بولين وأطيافها"، كانت عن أمّه، لأن "الشخصيات الروائية أو الوعي الروائي للعالم والمجتمع والأشخاص هو وعي احتمالي وتأويلي. الرواية تطلع من أفكار ومشاعر متضاربة ومتناقضة ومتدافعة". بالنسبة إلى أبي سمرا الذي يعترف بأن روايته "الرجل السابق" هي رواية صديقه "لا يوجد كتابة حتى ولو كانت تنظر في مصائر الجماعات نفسها وهوّياتها إلاّ ستكون آخذة مسافة عن هذه المصائر والهويّات"، مؤكّداً أن "المرجع الاجتماعي قائم في كل عمل روائي". أما عماد العبد الله فيصرّح بأن الأحداث في "التابع"، مجموعته القصصية، "حقيقية، لكن طريقة رواية الحدث هي التي تختلف"، معتبراً أن قصصه إعادة إنتاج للواقع الذي "يُستعاد هنا وفق تقنيات تفرض نفسها. هنا يمكن أن يحدث تصغير للواقع أو تكبير أو مبالغة أو السير حثيثاً في الفانتاسم. لكن من قال إن مشاعر الكاتب ووجدانه ليست واقعاً يضاف إلى الواقع التسجيلي. ثمّة فكرة أخرى عن الواقع هو تحوّله في خيال الأفراد وذاكرتهم إلى وقائع متباينة أو متجاورة في اختلافات ظاهرة". ويورد مثالاً على ذلك تجميع معهد الإنماء العربي في السبعينات وقائع الحرب الأهلية من منظور الصحف اللبنانية. وجاءت النتائج مذهلة في فروقات النظر إلى الواقع في أدق مراحل الحرب التسجيلية.
يسمّي رشيد الضعيف في محادثة تلفونية أحداثاً حقيقية كانت منطلقاً لرواياته. "ليرننغ إنغليش" تنطلق من واقعة جرت فعلاً: ابن يقتل والده. يتخيّل رشيد الضعيف نفسه الابن فتنشأ الرواية. "إنسي السيارة" لها حكاية مختلفة. ينوي والد ستيني لشخص حقيقي يدعى حسين نجدي الزواج بامرأة عشرينية. يقرر الابن منع والده من الزواج فينقله من قريته إلى بيروت، حيث يروح يجلب له بائعات الهوى لينسيه الزواج. وبعد حياة مترفة اعتاد فيها الوالد على الراحة والغانيات يعود إلى ضيعته ويتزوج المرأة التي تصغره. يسمع رشيد الضعيف القصة من حسين فيحوّلها رواية يحوّر فيها ويضيف إليها أو ينقص منها. إذا كانت "ناحية البراءة" تسجّل حرب الميليشيات اللبنانية، فإنّ "تصطفل ميريل ستريب" تتحدّث عن رجل لبناني متزوّج من فرنسية يكتشف لاحقاً أنها على علاقة بجارهما الفرنسي في البناية.
يرفض المؤلّف عموماً تجنيس (من جنس أدبي) عمله. يرفض الروائي عموماً اختزال روايته في سيرته واختزال أبطاله في شخصه. الصورة في الغرب، مختلفة بعض الشيء. هناك يُخاض اليوم نقاش حول الرواية المبنية على سيرة ذاتية. البعض يطلق تسمية نقدية على مثل هذه الأعمال: التخييل الذاتي. إذاً، تتقاطع السيرة والرواية لكن الفضاء التخييلي في الروايات ينتج حقيقة أخرى. كما أن زمن الواقع خطي وتتابعي في حين أن زمن الرواية متخيّل. لنقل إن الروائي لا يكتب حياته بل يؤلّفها. لهذا ربما ترفض علوية صبح أن تكون روايتا "مريم الحكايا" و"دنيا" سيرة ذاتية مقنعة. لكن في الوقت الذي تنفي فيه صبح أن تكون هي شخصيّة مريم في "مريم الحكايا"، تؤكد أنها حاضرة في الرواية بشخصية مناقضة لمريم. وتبرهن صبح على عدم صحة هذه الفرضية التي يفترضها الكثيرون، أن سيرتي مريم ودنيا الشخصيتين المحوريتين في الروايتين تختلفان كلياً، متسائلة "ما هي سيرتي الذاتية هذه التي تتقنع في عملين تختلف سيرة بطلتيهما؟". لكن صبح التي تعتقد أن "ليس مهماً إن كانت سيرة مريم سيرتي أو سيرة غيري"، تعتبر أنه "لا يحقّ للكاتب أن يصادر خيال القارئ".
علويّة صبح التي تأخذ على الذهنية السائدة اعتبارها "أن المرأة لا تكتب إلاّ عن حالها، وأن سيرة كل بطلة من بطلاتها هي سيرتها الشخصية، بينما الرجل يكتب عن المجتمع"، تفصل بين السيرة والرواية، في الأولى حضور طاغ للواقع والأنا المحورية، في حين أن الأخيرة تحضر فيها الأنا بكثافة أقل إضافة إلى التخيل. وتضيف صبح في دفاعها عن الرواية النسوية أن "المرأة تستطيع مقاربة كل القضايا" من دون أن تشكّل سيرتها مرجعاً لروايتها، متّهمة القارئ بأنه "لا يدخل إلى نص المرأة ببراءة". لكن هذا الدافع لم يمنع الروائية اللبنانية التي اقتحمت في روايتيها "مريم الحكايا" و"دنيا" مناطق جريئة ومحرّمة وقاسية يصعب على الروائية العربية عموماً بلوغها، لم يمنعها من ذكر روائيات عربيات "غرفن من سيرهنّ الذاتية، من لطيفة الزيات وفتيحة العسّال ونوال السعداوي وسلوى بكر (في بعض نصوصها) ومي التلمساني وإلهام منصور وبلقيس حوماني".
أثناء تحضيرها رسالة الماجستير تناولت الروائية فضيلة الفاروق الرواية النسائية في الجزائر وتوصلت إلى أن "الروائيات كلّهن تتقاطع حياتهنّ مع ما كتبن". وتشير الفاروق في سياق ردّها على أسئلتنا الى أنّ "المرأة لا تملك خبرة في الحياة أكثر من عالم حياتها الذي تلجأ إليه أثناء الكتابة بحسب دراسات كثيرة تناولت الأدب النسوي". ولا تجد الروائية الجزائرية المقيمة في لبنان منذ أكثر من عشر سنين حرجاً في أن تعترف بأنها لا تختلف عنهنّ (الروائيات الجزائريات) في شيء، مضيفة أن "هناك جانباً كبيراً من حياتي وظّفته في رواياتي"، قبل أن تعود وتفرّق بين السيرة والرواية التي "تتقاطع مع المتخيل... تماماً كما في الكيمياء، حين تخلط عناصر عدة بعضها مع البعض لتحصل على عنصر جديد ومختلف". وإذا كانت رواية الفاروق "تاء الخجل" اعتمدت على أحداث حقيقية لفتيات مغتصبات نُشرت قصصهن في الصحافة الجزائرية، فإن روايتها الأخرى "مزاج مراهقة" لم تخرج فيها على إطار حياتها وبعض الأحداث التي جرت مع أشخاص آخرين عرفتهم أو قرأت عنهم بحسب تعبيرها. وتهدف كتابات الفاروق السيرية أو الواقعية في رأيها إلى "دفع الرجل إلى أن يغيّر بعض أفكاره التعسفية ضد المرأة حين يعرف داخلها وما تفكّر فيه بالضبط". كما تشكّل الكتابة لديها نوعاً من مواساة حين "لم أجد قربي من يواسيني غير الورق". وتختم الفاروق بأن "الروائي (العربي) بات يكتب عن نفسه لأنه يعيش أزمة مع مجتمعه"، معتبرة أن المثفف "فقد مكانه الريادي في المجتمع" لصالح رجل الدين الذي يميل إليه الناس "حتى لو كان بقّالاً أو مجرماً سابقا"ً.
"الرواية تعبّر عن جوهر أنفسنا"، يقول فرنسوا مورياك. لكنّ النقاد المولعين بالتصنيفات يشتقّون مصطلحات تحتكر العمل الأدبي بدل أن تقاربه: الرواية، السيرة، الرواية السيرية، السيرة الروائية ورواية السيرة الذاتية. يرفض محمّد أبي سمرا بعض هذه المصطلحات معلناً في الوقت نفسه أن روايته الأخيرة، "سكان الصور"، ترصد عائلته في جزء منها: الولد في الرواية هو الكاتب نفسه، الأب هو أبو الكاتب والأخ أخوه أيضاً. بالنسبة إلى أبي سمرا لا يهم بما تبدأ الرواية: "المهم أن يستطيع الروائي إيجاد مجرى لغوي يدل على حقيقة العالم وزمنه. دائماً نقول السرد. السرد لا يصنع رواية بل الزمن اللغوي الذي يكون لصيقاً بزمن السرد نفسه. كما أن في الرواية مجموعة سير قد تكون سيرة لشخصية أو لحادثة أو لنمط حياة وعلاقات وأزياء وأمكنة". ويذهب أبي سمرا أكثر حين يعتبر أن "السيرة ليست يوميات بل رواية. إنها تسجيل يومي لوقائع متناثرة وبلا سياق وهي لا ترصد مصائر إلا بعد أن تُنجز اليوميات بفترة زمنية طويلة". ويختم محاولاً تعريف الرواية بأنها "عمل تُستعمل فيه عناصر هائلة الاتساع ويصعب إحصاؤها. هذا العمل التركيبي للرواية أهم شيء فيه هو أن نعي العالم روائياً".
من جهته، يعتقد العبد الله أن "الروائي يضمّن روايته الكثير من انطباعاته الذاتية. لكن التأليف البوليفوني (تعدّد الأصوات) للرواية يمنعها من أن تتحوّل سيرة ذاتية مقنّعة، اللهم إذا اختفى تعدد الأصوات (بالمعنى الديموقراطي) لنجد مونولوغا أو مشروع رواية جهيضة لم يبق من أبطالها سوى المؤلف وخيالاته وعالمه الصغير المغلق المكدود والمصفوع على الفم". ويستطرد العبد الله قالباً الفكرة: "السيرة الذاتية رواية مقنّعة" ثم يورد مثالاً هنري ميلر ومبالغاته في "مدار الجدي" التي كشفت عنها إحدى الكاتبات الأميركيات مؤكّدةً أن ميلر كان يعاني عنّة جنسيّة وقصوراً في العضو الذكري لا يطابق ما جاء في سيرته عن فحولته وعن الـ"دبل ببل" كما كان يصف عضوه. ويلاحظ العبد الله مع أحد النّقاد الروائيين الأميركيين الذي كتب مقالاً قبل سنوات أن "الشرق الأوسط يكتب سيرته الذاتية".
نستطيع أن نقرأ الرواية العربية (مع عدم دقّة المصطلح) على ضوء الأنظمة السياسية والتحوّلات الاجتماعية والاقتصادية الكبرى والحروب والمعارك والقمع والاستبداد والمنع والنزوحات البشرية القسرية أو الإرادية من الأرياف إلى المدن في العالم العربي. ونستطيع أن نقرأ قسماً كبيراً من الرواية اللبنانية على خلفية بعض هذه العوامل والتحولات. روايات حسن داوود ومحمد أبي سمرا هي رواية اصطدام الوافدين من الأرياف إلى بيروت وما نتج من هذا الاصطدام. رواية علوية صبح هي رواية البيت الجنوبي (الشيعي) وما ينفل عن ذلك من علاقات بالحياة والموت وأنماط العيش. رواية رشيد الضعيف هي رواية جوف الكائن البشري وتناول الحرب. رواية فضيلة الفاروق هي رواية الرغبة في تنشّق الهواء. وهذه الروايات مهما استمدّت قوتها من حياة أصحابها تظلّ تكتب عنّا مثلما تكتب نفسها أيضاً. وسواء كان هؤلاء الروائيون أبطال رواياتهم أم لا فإن الشخص الروائي كائن نصيّ يتم التعامل معه بناءً على هويته داخل النص. فهذا الشخص "كائن ألسني لا وجود له خارج النص" بحسب رولان بارت.
ربما كان الجانب الحياتي في الرواية عندنا سليل الفردية النادرة التي تبدو نوعاً من الانشقاق. وربما ساهم خفوت القضايا الكبرى في العالم العربي وهزائمها في طفو الحياة الفردية أو "الهامشية" على السطح. لكن هذه الرواية بقدر ما تقترب من الفردية تلامس قضايا كبرى من نوع آخر وجماعات وأمكنة، بعمق وحيوية وحساسية جديدة. ببساطة، إنها روايات الحياة الطازجة. الحياة التي لا تزال تجري.
النهار - 16- يناير 2006