باريس ـ أنطوان جوكي

روي ليشتنشتاين"العثور على الكلمات الصحيحة لتفسير فن الرسم هي مسألة صعبة جداً، لكني على اقتناع أن الأعمال الفنية نفسها هي التي تجسّد السيرورة والسبيل اللذين يقودان إلى فهمها". بهذه الجملة تبدأ أطروحة الفنان الأميركي الكبير روي ليشتنشتاين التي قدّمها عام 1949 للحصول على شهادة "ماستر" في جامعة أوهايو للفنون الجميلة. ومن هذه الجملة أيضاً انطلق القيّمون على متحف "بيناكوتك" الباريسي لتنظيم معرضه الحالي الذي يسعى إلى تجسيد سيرورة فنه بواسطة خيار من أعماله الفنية فقط وطريقة تسليط الضوء عليها. المحاولة مثيرة خاصة وأنها توفّر للزائر فرصة فريدة لإلقاء نظرة شاملة على مسار هذا الفنان الذي يمتد على فترة نصف قرن تقريباً، ولكن أيضاً للتوقّف ملياً عند مراحل تنفيذ أعماله الفنية، أي عند تطوّر كل عملٍ انطلاقاً من مصدر وحيه وحتى إنجازه.

وعلى رغم بداهته الظاهرة، يتحلى فن ليشتنشتاين بطابعٍ محيّر، كي لا نقول مُضِلّ. ففي آنٍ واحد نجده في موقع النقد والتكريم، يحرّكه مضمونٌ مشحونٌ بغاياتٍ ذات أبعاد شخصية. وخلف الألوان والخطوط الحادّة والقوية التي تميّزه، يتجلى فنانٌ تمكّن من تفجير حدود الثقافة البصرية وتقاليدها واصطلاحاتها وجَهد في اتجاهٍ يعصى على التحليل السريع.

روي ليشتنشتاين"باردة، ساكنة وغير شخصية" هي الصفات المستخدمة غالباً من قبل النقّاد لوصف أعماله الفنية. وهي نفس الصفات التي تُطلق أيضاً على تيار "البوب أرت" الفني الذي يُعتبَر ليشتنشتاين، إلى جانب أندي وارهول، أحد أبرز روّاده. ولفهم هذا الأسلوب وكيفية ظهوره تحت ريشة الفنان عند نهاية الخمسينات، يكشف المعرض أولاً عن لوحاتٍ غير معروفة له تقترب في طريقة تشكيلها البدائية والطفولية من فن جان دوبوفي وتعود إلى فترة العشر سنوات الأولى من مسار ليشتنشتاين الفني، فترةٌ مارس فيها هذا الأخير أسلوب التعبيرية المجرّدة بمهارة عالية بدون أن يتمكّن من فرض عمله نظراً إلى تشبَّع الساحة الفنية آنذاك بالتجارب التجريدية. وهذا بالتأكيد ما دفعه إلى التمرّد على الشعرية البصرية الخاصة بهذا الأسلوب وإلى إتلاف أو إخفاء الجزء الأكبر من الأعمال التي حققها ضمنه.

وبالفعل، لن يتردد ليشتنشتاين انطلاقاً من عام 1957 على قلب قيَم هذا الأسلوب السائدة رأساً على عقب، مستبدلاً التجريد بالتصوير، والمادة الساخنة والمعبِّرة بألوانٍ باردة ومسطَّحة وغير شخصية، والخطوط والأشكال الحادة والعنيفة بخطوطٍ وأشكالٍ رشيقة ودقيقة. وباستقائه مادة هذا الفنّ من صورية الثقافة الجماهيرية، لن يلبث أن ينخرط في سياقٍ فني جديد يطبع كل إنتاجه اللاحق ويؤمِّن له شهرةً عالمية. ومع أن أعماله لن تخلو حتى النهاية من إشاراتٍ ومراجع ترمز إلى التقاليد الفنية القديمة، لكن اهتمامه بوسائل الإعلام روي ليشتنشتاينوبفنون التخطيط والدعاية والإعلان، وطُرُق استشهاده أو تملّكه أو تفسيره الحر للصور الشائعة في ثقافته الأميركية، ولكن أيضاً لبعض الصور الفنية التي حققها كبار الفنانين على مر العصور، جميع هذه الأمور آلت إلى أسلوبٍ واضحٍ يستحيل خلطه بأي أسلوبٍ آخر ويتحلى بسخرية نافذة وبتكلّفٍ شكلي متعمَّد ورصين.

ومن خلال الأعمال المعروضة، يتبيّن لنا أن ليشتنشتاين اتخذ دائماً كنقطة انطلاق لعمله صوراً شائعة (رسومٌ هزلية، إعلانات دعائية، زخرفات فنية أو فوتوغرافية...) شكّلت مصدر وحي أول له. ففي البداية، كان يُعيد رسم هذه الصور بقلم الرصاص وبشكلٍ سريعٍ داخل دفاتر صغيرة ويُدوِّن ملاحظات كثيرة حول الشخصيات الماثلة فيها. والمتأمّل في هذه الرسوم الإعدادية يستنتج بسرعة في كلّ منها موضوع العمل الفني المستهدَف ومفهومه وطريقة تشكيله النهائية. بعد ذلك، كان الفنان ينقل هذه العناصر الأولية بأسلوبٍ أوضح وأدق داخل ملصقاتٍ بحجمٍ متوسّط لعبت دور النماذج الحقيقية للأعمال النهائية المقصودة. ويسمح المعرض لنا بمشاهدة جميع هذه المراحل التي كان ليشتنشتاين يعبرها بعمله الفني قبل إنجازه على شكل لوحة (غالباً ذات قياسات ضخمة) أو منحوتة أو محفورة أو حتى سجّادة.

روي ليشتنشتاينوفيما يتعلق بمصادر وحيه الظاهرة بجلاء في أعماله الفنية، نعثر على شخصياتٍ شعبية من العالم الهزلي والخرافي، مثل "دونالد" و"تان تان" وبعض شخصيات الكتب المصوَّرة المرصودة للفتيات، كما نلاحظ استحضار الفنان مضمون لوحاتٍ شهيرة، مثل بعض مشاهد فان غوغ وسيزان وبعض بورتريهات بيكاسو وموضوعي العري والمشهد الداخلي كما عالجهما ماتيس، و"عرائس النيل" الماثلة في بعض لوحات كلود موني، والصورية السرّيالية، وحتى عمود برانكوزي الذي لا نهاية له. ولا يتوقف الفنان عند هذا الحد بل يستخدم أيضاً مواضيع مختلفة مستقاة من تاريخ الفن، مثل الطبيعة الجامدة أو "الموديل داخل المحترَف" أو مشاهد من محفوراتٍ صينية، بالإضافة إلى مشاهد داخلية، تعكس حميمية الفنان، وخارجية تمثّل الطبيعة أو الميدان العام.

جميع هذه المراجع حاورها ليشتنشتاين من خلال إعادة تملّكها المميَّزة، وخدمها بشكلٍ فريد بعدما نجح في تحويل مواضيع خاصة بثقافة النخبة إلى مواضيع شعبية، وذلك عبر معالجتها الحديثة، ولكن خصوصاً عبر دمجها أو إدخاله عليها صور ورموز تنتمي إلى الثقافة الجماهيرية. الأمر الذي فتح سبيلاً لقراءاتٍ وآفاقٍ فنية جديدة.

المستقبل
الاربعاء 27 حزيران 2007