يقول دالي : الحضارة الجديدة لاتفتش عن نفسها إلا من خلال جنوني . هذا تفكير غطرسة العظمة أخذ من فناني الريشة الكثير منذ أن مسك أنجلو المعول وحطم التمثال الذي لم ينطق.ورودان يقول : لأنهم يهمسون لنا بشئ غامض فنحن نجن . وحتماً يقصد الأشياء التي كان ينحتها أو يخططها .
والرسم هو التفكير بالمتغير الوجودي بشكله الذي نحس فيه اكتمالا لرؤية أخرى للوجود.وهو تخيل الجهة الأخرى من حياتنا بطريقة جمالية تجعلنا نرقد على قناعة :أن الإنسان كائن يرتقى به الى الصفات التي منحته' إياه الكتب والديانات { خلقناه على أحسن تقويم } . ولهذا يشتغل الفن بأداء روحاني يأخذ من اللون والشكل مادة الوصول الى عاطفة الحلم الذي يتشكل أصلاً من طفولات ومراهقات ومناخات المطابخ ورسائل الحب وكل هاجس نفترض أنه يسلط قدرته الخارقة علينا ليحولها الى عمل فني نصوغ به وجودنا بطريقة أجمل .
واللوحة فعل أدائي يشتغل على هطول مطر الذاكرة ، وهي تنسجم مع انفعال اللحظة وتكوينات الرغبة .وربما هي قرين للشعر فكليهما يبحثان عن الجمال من خلال تعابير التضاد بين الواقع والحلم .ومهما تكون مادة اللوحة ومذهبيتها فهي في النهاية شكل لرفض مألوف للواقع .
أذن هي حدس ميتافيزيقي . وهكذا هي بالضبط في أعمال التشكيلية الأردنية هيلدا الحياري التي يمثل وعي الرسم لديها حالة من حالات مسك الشعر بأصابعنا . وبدل أن نصنعه بالكلمات نصنعه باللون.
تدخل الغرائبية في محسوسات الفنانة هيلدا الحياري في فهم وجودي يفترض مساحة الفهم للمشاهد من خلال حصره في أشكال ما . تظنها في البدء طواطم لحضارة كونية أخرى . وربما تذكرك بأهل المريخ مثلاً ، ولكن الإمعان في اللوحة يعطيك عكس ماتريده فأنت أمام مربع حسي لحياة تتداخل فيها حيوات صغيرة ، عالم من تكوينات سعت لتوحد روحها وشكلها داخل إطار متخيل أنثى وهي بهذا اللونية البارعة والنصوص المرئية والمتكونة بدوائر وتشيكلات لاتحصى أنما تريد أن تذهب بك الى سياحة روحها . والتي التي يطلق عليها بابلو بيكاسو : الأماكن التي نجد فيها أرواحنا وهي تطير في فضاء لانهاية له .
هيلدا وفق منظور كهذا تفعل باللوحة بتلك الشكلية المعبرة عن وضوح قصد الرائية والمرئي وما يريد الواحد من الأخر ، فهي تعمل وفق منظور نفسي يطور حسية الشعر لديها بل ويجعل هذه الأشكال تذهب بنا الى ترادفات الوعي وإمساك شعلة الجمال بأصبع واحد لأنك لو دخلت الى مربع اللوحة لوجدت انك تحولت الى شكل من أشكال النمط الجديد للذاكرة بشرية : فراشة ، طوطم ، أسطوانة ، خوذة دائرية ، رأس بصل ، مناقير لعصافير آتية ربما من كوكب الزهرة .أي شي هو موجود عند هيلدا . وببساطة أنها تعي فكرة أن نصنع لوحة لنغذي الجمال الذي فينا .وهذا يقارب في أنوثتها القدرة على صناعة مانسمية { القصيدة الشعرية ـ لوحة الرسم }.
تتشكل اللوحة الفنية عند هيلدا برغبة للتعبير الحر عن اشتغال الشكل . وقراءتنا الحياتية لهكذا تعبير جمالي يذكرنا بقول لسيمون دي بوفار : الوجودية لوحة لعالم لايشعرنا سوى برغبته ليكون غامضاً .
ماتعنيه بوفار . قد تعنيه الحياري .غير أن هذه الرائية الملونة تشغل بشئ من تصوف الشعر وهي ترتب حيواتها المتعددة الوجوه بأقنعتها الغامضة وكأنها تسعى الى مكان آخر غير مكاننا . ولو كانت ألوان لوحاتها تميل الى السطوع الفاتح لقلنا هي ذاهبة الى أغريقية وأثينية ورومانية المكان . وربما تريد أن تؤسس ذاكرة جديدة لجرش ، ولكنها اشتغلت على خامات غامقة وأشكالها نأت بشئ من تصوف حديث بل هي ارتأت أن تحاكي ما في داخلها من شعر وكان الناظر يرى لون للعطر ولا يشم ، والفرق واضح أن رؤية لون العطر أجمل بكثير من استنشاقه .
فما كان من الولوج الى الداخل سوى استنساخ لمثل تلك المشاعر أن تحس بأن الشعر يمشي بين أطراف أصابعك ويقودك الى ميتافيزيقيات صغيرة تتحرك في فضاء لايتسع سوى لأحلام أمراة واحدة ولكنه في المحصلة مساحة كبيرة من حديقة كونية ترى فيها ما يمكن أن يراه البحار كوستو في قاع المحيط .
هيلدا الحياري كونت وجود الرسم لديها بطريقة خاصة . وربما هي وعت الشكل الروحي لأحلامها الصغيرة منذ نشوء وعيها الثقافي ، وأن كانت هي في بدء دراستها اختير لها نمط المعرفة السياسية إلا أن ماحملته من إرهاصات طفولة الأمس وثقافة المدرسة الثانوية ومبتكرات قراءات قصص الطفولة جعلها تنزل إسقاطات تلك الأحلام على جرأتها في جعل الحلم لديها جمالاً غامضاً وسحرياً . بل هو عبارة عن كائنات سابحة في مكان يتخيله الجميع ولكن ليس من السهل تحديده خطوط طوله وعرضه ، أنها تسبح في جاذبية خاصة وتحاول أن تجعل أيقوناتها بأشكالها المتعددة حواس مفترضة لكل مشاهد وهي بذلك تفرض علينا شيئاً من اللاوعي والسريالية الواضحة التي قال عنها أندريه بريتون : تميط اللثام عن أكثر أحلامنا غموضاً.
رؤى أخرى في أعمال هيلدا الحياري ينبغي أن ننتبه لها . أنها نساجة فطرية ، لأن الناظر حين يقف على مستوى بصري في نقطة الوسط أمام اللوحة يشاهد الأشكال وقد تحولت الى سجادة من أفكار منقوشة فيها الكثير من محلية المكان والبيئة وصحراويتها . حتى تحس أنك أمام ذاكرة نوع خاص من الميثولوجيا ، ميثيولجيا لجياد لانرى أشكالها ، لبشر يسبحون على شكل أطياف مشكلة بتكوينات فضفاضة ، شيئ من ريفية فن قرى غور نهر الأردن . وستجد في التشكيليات تعميدات لديانات وهواجس لتوحيد كوني تريد فيه هذه الرائية أن تثبت أن النسيج الذي يبسط رغباتها وأشكاله وزخرفاته ليس سوى شكل لحياة يعيشها الإنسان البسيط ، الفلاح ، والعامل ، ورجل المكتب ، والموسيقي ، وأطياف أخرى من مجتمع بلادها الذي هو شيئاً من روح الشرق كما باقي بلاد العرب .
هذه النسيجية أعطتها الحياري كثافة روحية وعاملتها بشئ من حذر تكوين الشكل . أنها ترسم بنمطية هادئة مفتعلة ولاغياب فيها سوى أن الأمكنة المصنوعة من أحجام وأشكال معبرة أنما هي أمكنتنا جميعاً والفضاء الذي تسبح فيه هو فضاءنا والتعابير الإيحائية هي كل ماملكناه من عصورنا القديمة لهذا فالدخول الى اللوحة لايعني الدخول الى الحداثة فقط ، فثمة ميثولوجيا ومحلية ورائيات لحكايات تشبه مخيلة حكواتي القبلية أو المقهى الرمضاني عندما يطلق أبو زيد الهلالي أشكاله ورغباته في فضاء البطولات المستحلية . وهي بذلك تطور وعياً جديداً لأنوثة الفن المثقف والذي يستعير حداثات التمكن من قيمة الزمان والمكان معاً مع أنها تحاول أن تضع في داخل اللوحة حداثة فيديوية في جعل الأشكال تؤدي وظائفها بتلقائية الممثل وأن الأكشن في بداية العرض يبدأ من شفتي ناظر اللوحة الواقف في المنتصف تماماً والذي تصبح عيناه ناظراً لخيالات تبث ألينا عطر الشعر وتجعلنا نتحكم قليلاً في حواسنا لنبتسم معجبين بعمل فني معبر عن جمالية خلق الكائن الأخر الذي لايوجد سوى عند المبدعين .
فمنذ عام 2000 وحتى 2004 . نتقصى بحذر خطوات التحول في السيرة الذاتية للوحة الحيارية لنراها تتصاعد في نمط التفكير والتغيير اللوني ولو أن ثبات الرؤية باق كما هو لكن روح اللوحة يشهد تغيرات لاتنتهي باتجاه تنوع الشاعرية ومدركات حسيتها ونمط العاطفة ورؤى الحلم بل تجدها في تقادم أربع سنوات تشتغل برائيات لاحدود لمساحة خطواتها بل هي تتمكن من جعل الشكل المرئي كائنا آخرا يعطينا فكرة واضحة عن رغبات الفنانة ورسالتها .
لأجل هذا فأن شيء من قراءة روح اللوحة لدى الفنانة هيلدا الحياري يضيف الى مخيلة المنظور حسية شاعرية بأكثر من عطر . البيئة ، الخيال العلمي ،التأريخ ، الحكاية ، الموروث ، نسيجية الحياكة الشعبية ، تأثيرات الطفولة وثقافة البيت . هموم حضارية …رؤى أخرى ربما يبتكرها المشاهد.
أنها شاعرة لفطرة اللون ورغبته بتوحيد كل تلك العوالم بذاكرة واحدة.نشم فيها عطر اللون والشعرة مرة واحدة
أور السومرية
4 أيلول 2004