صعق الوسط الفنّي العراقي والعربي آخر أيّام آب (أغسطس) الماضي, برحيل الفنانة العراقيّة نهى الراضي بعد صراع مع المرض الخبيث. جاء رحيلها بعد مرور أربعين يوماً على وفاة مواطنها الفنان إسماعيل الترك الذي صعقه المرض نفسه. وقبلها بأيام أحيا الوسط الفني في عمّان أربعينية الدكتور خالد القصاب, أحد جماعة الرواد وذاكرتهم الحيّة, فيما لم تكد تمضي ستة أشهر على رحيل شيخ الفنانين شاكر حسن آل سعيد. فكأننا في حضرة موسم مأسوي, يحصد المبدعين العراقيين, فيما بلادهم تعيش أيّام تحوّلها الصعبة!
ومن يعرف نهى الراضي (1941-2004) يعرف أي جوهر نقي كانت تملك هذه الفنانة, وأي روح وهاجة. ولعل ذلك كان سر انجذاب الكثيرين إليها من شخصيات فكرية وفنية عربية وعالمية. هي, التي جعلت من الفن ملاذاً لوجودها ومرآة نقية لشخصيتها الفريدة, كانت بحق جسراً سالكاً بين العراق الساكن في وجدانها, إرثاً وحضارة وشعبا, وبين تراث الشرق الذي وجدت فيه نموذجاً يُحتذى, والغرب الذي اكتسبت منه علومه وتقنياته الفنية.
أمضت نهى طفولتها في الهند, حيث كان والدها سفير العراق لسنوات طويلة, وتلقت تعليمها في المدارس الإنكليزية هناك قبل أن تنتقل إلى لندن وتكمل تعليمها التخصصي في فن الخزف, ثم تستقر في بغداد.
نهى الراضي فنانة تجلت موهبتها في فن الخزف, وكانت خزافة من الطراز الأول بين الخزافين العراقيين والعرب لتكامل صنعتها, وطرافة الأفكار التي كانت تستوحيها من الموروث المحلي وتصوغها صياغة أخاذة في جمالها. في الهند تفتحت نهى على التراث الثقافي والشعبي الهندي الغني, وإعادة إنتاجه في الفن. نشأت في وسط ثقافي, ودأبت منذ صغرها على الاتصال بالآثار العراقية أينما وجدت في متاحف العالم, وتوثقت صلتها في ما بعد بأعمال التنقيب من خلال مرافقتها لشقيقتها عالمة الآثار المعروفة الدكتورة سلمى الراضي. لقد وضعها ذلك الوعي المبكر بالموروث المحلي والشرقي على الطريق الصحيح للتميز في وقت كانت الأنظار فيه لا تتطلع إلا لحضارة الغرب.
وفي دراستها الفنية في لندن تمرست نهى على استخدام التقنيات الحديثة واكتسبت الجرأة في الإبتكار وحرية الطرح. وظلت أعمالها تفاجئ جمهور الوافدين إلى معرضها بجدة طرحها, وطرافة موضوعاتها وإحساسها العالي بالجمال. غير أن نهى, وفي مطلع عقد الثمانينات من القرن الماضي, صحت ذات يوم لتتخذ قراراً خطيراً شكّل منعطفاً هائلاً في حياتها الفنية. قررت أن تتخلى عن فن الخزف مدركة أنها وصلت إلى نهاية الطريق. وبكل جرأة تنازلت عن موقعها الريادي, لتعود ثانية إلى أول الطريق وتقف مثل تلميذة مبتدئة تتهجى أبجدية اللغة الفنية, تتمرن على الرسم, وتتعرف إلى فنون الخط واستخدام الزيت وتقنيات التصوير. وسرعان ما وجدت شيئاً من ضالتها في فن الحفر والطباعة (غرافيك).
الفن لدى نهى كان طريقة حياة, فلا تدخل مضماراً إلا وكانت شخصيتها تتحكم فيه. في فن التصوير لجأت نهى إلى موضوعات أثيرة إلى نفسها: تصوير الناس المحيطين بها, والطبيعة التي تعشقها وتبتدع مفرداتها باستيحاء من مشاهد طبيعية عراقية, وبرؤية تعيد اكتشاف المشهد من ذاكرة خلاقة. وقادها عشقها إلى أن تشيد دارها وسط بستان غني بأشجار النخيل والبرتقال والنارنج والرمان, في شمال بغداد. وهي الدار التي عايشت فيها أحداث حرب الخليج الثانية, وسجلت في كتابها الشهير "يوميات بغداد" مفردات حياة يومية في أدنى حالاتها الإنسانية, تحت وطأة الحصار والقصف.
أنتجت نهى مجموعة أعمال تصور مشاهد متخيلة من الطبيعة, وصوراً لأصدقاء تتمثلهم دائماً داخل مشهد طبيعي, فيه الكثير من الطرافة, وبمسحة مقاربة للفن الفطري. وقد يحار الناقد في تصنيف هذه الأعمال وتقويمها, غير أنه لا يخرج إلا بقناعة واحدة: تلك هي نهى الفنانة التي تعبر عن شخصيتها الفريدة من خلال فنها أيا كانت وسيلته.
وإذ اعتادت الفنانة التعبير بالأشكال المجسدة, ثلاثية الأبعاد, وتمرست على مصاحبة رحلات الاستكشاف الآثارية, ولامست التاريخ بيديها, وقلبت أحجاره, كانت قادرة على التوصل إلى لغة بديلة تستنبط مفرداتها من الأرض. وتحقق لها ذلك من خلال استخدام الأحجار التي بحثت عنها في بغداد وعمان وبيروت, أو أينما حلت في عواصم العالم. فانطلقت تجربتها الجديدة في استخدام الحجر وتلوينه وتركيبه, وصقل سطوحه, وإضفاء ملامح بشرية أو غير بشرية على مفرداته. في هذه التجربة وجدت نهى نهجاً توافقياً ما بين فن الخزف وفن الرسم. بل عادت بشكل أو بآخر إلى استنطاق الطبيعة, وإعادة إنتاجها برؤية نابعة من إحساسها بالانتماء إليها والتعامل معها تعاملاً مفرطاً في إنسانيته.
لكنها, وقبل تلك المرحلة كانت توصلت إلى لغة تعبيرية أخرى وجدت مفرداتها في قطع الغيار التالفة للسيارات, أو ما يصل إلى يديها من مواد معدنية مهملة كانت تلقاها على قارعة الطريق. إذ أوحت لها هذه الأشكال التي قدمتها في معرض شخصي في بغداد أولا, ثم في عمان لاحقاً ("دارة الفنون", صيف 1995), ما يمكن أن يكون قد آل إليه حال شعب محاصر بين قبضة داخلية جبارة, وقبضة خارجية لم تقم للإنسانية أي اعتبار. لقد تحول العراقيون في الداخل إلى أشكال مفرغة تالفة, ناهيك عن نظرة الفزع والأسى المنبعثة من ملامح كائنات في مسيرة احتجاجية صامتة.
ومع اشتداد سنوات الحصار, وبعد صدور كتابها ذائع الصيت "يوميات بغدادية", اختارت نهى الإقامة في بيروت, المدينة التي أمضت فيها الفنانة بعضاً من سنوات شبابها, تدرس فن الخزف في الجامعة الأمير كية, وشهدت أول معارضها الخزفية, وراج اسمها في فضاءاتها الفنية قبل أي مكان آخر. وفي بيروت انطفأت شعلة روحها الوهاجة.
الحياة
2004/09/5
وصف الناقد الفلسطيني الراحل، الذي تقترب الذكري الأولي لوفاته، ادوارد سعيد كتاب الفنانة والمثالة، النحاتة، العراقية الراحلة نهى الراضي (1941 2004) يوميات بغداد قائلا بحثت في الآونة الأخيرة عن كتب عن العراق تتعامل معه أي العراق كبلد حقيقي، وليس كمشكلة استراتيجية ووجدت كتابا واحدا، يوميات بغداد، الممتاز، هذا المديح من الناقد الكبير جاء علي الرغم من الكاتبة الفنانة الراحلة التي توفيت في 31 من الشهر الماضي لم تنظر لنفسها ككاتبة بقدر ما تعاملت مع انشغالاتها اليومية.
عبر عدسة الفن، ورؤية الفنان.
و يوميات بغداد الذي صدرت أجزاء منه في المجلة الأدبية البريطانية المعروفة غرانتا (ربيع عام 1992)، وترجم بعد ذلك للغة الهولندية. وفي عام 1996 قامت بترتيب الكتاب وإعداده حتى عام 1998 حيث صدر عن دار الساقي في لندن، وأعادت ترتيبه بعد رحيلها عن العراق، عندما وجدت أن العودة مستحيلة نظرا لنشر الكتاب.
وترجم لأكثر من لغة، الإيطالية، والأسبانية. كانت الفنانة تعيش في بغداد عندما اندلعت حرب الخليج عام 1991، وأصيبت بالدهشة لأنها لم تكن تتوقع الحرب، فقد كانت تعتقد أن واحدا من الطرفين، طرفي الصراع سيتراجع عن موقفه أو هكذا ظنت. وعبرت الراضي لاحقا عن غضبها من الحرب وفكرتها، لأن الحرب لن تحل أي مشكلة لم أكن أتوقع حدوث الحرب.
وبعد ثلاثة أيام من القصف الأمريكي المتواصل علي مدينتها بغداد، بدأت الراضي بكتابة يوميات عن الآني والحالي في بغداد أثناء الحرب. وفي داخل اليوميات التي لم تحمل تواريخ فقط أرقام الأيام اليوم الأول.. الثاني، قدمت الراضي بلغة جميلة، حميمية، غاضبة، ساخرة، مباشرة يومياتها عن المطر العنقودي الذي انهال علي سكان بغداد. وفي داخل هذه الكتابة اليومية حاولت الراضي تصوير حياة ألوف من البغداديين الذين سيفرض عليهم التعامل مع هذا الواقع اليومي، ومواصلته في زمن الحصار الذي امتد لعقد أو يزيد ومتابعة آثاره الجديدة بعد الاحتلال الأمريكي البريطاني الكامل للعراق، وهذا الأخير لم تكتب عنه الراضي لأنها كانت تعيش في المنفي. تكتب الراضي في يومياتها عن حالة الفوضى التي عمت بيتها، وهي الفنانة، حيث وجد الأهل والأصدقاء في البيت نوعا من الأمان الذي لم يجدوه في بيوتهم، فالحرب علي فظاعتها تنتج حالة من عدم الأمان، إذا فرض علي الشخص متابعة تفاصيلها وحيدا في بيته، أو منزويا في جانب من شقته، إضافة لذلك تقول الراضي إن تجمع الأهل في بيت واحد، يوفر حلا اقتصاديا جيدا ويوفر النفقات.
وتحول بيتها في حي الصليخ، شمال بغداد إلى ما يشبه النزل أو الفندق، مما دعاها لتسميته فندق السعادة، وهو الاسم الذي أطلقته علي الجزء الأول من يومياتها التي كتبت بين كانون الثاني (يناير) وحزيران (يونيو) 1991. كأيّ كاتب يوثق للحاضر الآني، تكتب الراضي عن اهتماماتها اليومية، فهي صحت من النوم في اليوم الأول في الساعة الثالثة صباحا، والداعي لهذا الصحو المبكر هو القصف المتتالي الذي انهال علي كل المدينة. وما يشغل كاتبة اليوميات هو تداعيات القصف والبحث في الآثار والردم والأسلاك، هنا في بيت والدتها تحطم جزء كبير من النوافذ، في بيتها انقطع التيار الكهربائي، انقطع خط الهاتف، الحمامات لم تعد تشتغل. والأكثر من هذا فانقطاع التيار يعني تعفن كل المواد التي خزنها السكان في الثلاجات للتغلب علي أيام الحرب والحصار، وهنا وجدت الفنانة مشكلة، فهي إن فتحت الثلاجة، لتهوية المواد المكدسة فيها، فستؤثر علي فاعليتها في المستقبل، وان تركت الثلاجة مغلقة فهذا يعني تعفن المواد. تتحدث الراضي بسخرية عن الواقع ولكنها ترحل في خيالها بعيدا عن الواقع وتكتب أحيانا كثيرة عن السياسة الأمريكية، وإسرائيل، فهي التي عاشت الحرب الأهلية في لبنان تعرف جيدا موقع إسرائيل في معادلة الألم العربي ومسبباته، ففي مدخلها لليوم الثامن تكتب بنوع من الكآبة عن عالم لا يلتفت لمعاناة العراقي الكآبة حطت علي حيث عرفت إن العالم يكرهنا بل وفي الحقيقة مبتهج لدمارنا. ولكن في داخل اليوميات هناك الكثير من المشاعر الإنسانية الجميلة، رغم انقطاع الماء والكهرباء وتواصل القصف الأمريكي، ووابل القنابل، وصواريخ كروز وسام، وصوت مقاتلات بي 52. ففي اليوم الخامس الذي حل فيه عيد ميلادها تقول هالة قالت إنها ستهديني سطلاً من الماء كهدية لعيد ميلادي، فالماء عزيز جدا في هذه اللحظة. وعن الوضع والضرورة التي اقتضت سكان فندق السعادة لقضاء حاجتهم في البستان المحيط في البيت، تقول إن هذا يعني مده بالسماد الطبيعي.
لا تكتب الراضي عن المكان الذي يعيش حالة الحرب، بل يتجاوز ذلك للحديث عن كلبها، ودراجة حفيدها وعمها منذر بيك الذي ركب الدراجة في ممر البيت الخارجي. وعن اثر صوت الطائرات المحلقة في سماء بغداد تقول الكاتبة الطيور هي المتضرر الأكبر منها فأرواحها الجميلة لا تتحمل هذا الصوت البشع ولا الاهتزاز الناجم عن القصف.. كل الطيور ماتت في أقفاصها من الصدمة التي تحدثها القنابل، أما الطيور الطليقة فإنها تقوم بالتحليق بدون هدف وتقوم بحركات لا معني لها.. آلاف الطيور ماتت في البستان.. أما الطيور الناجية فهي تطير بدون هدف هنا وهناك.
لكن ما يجعل يوميات بغداد وثيقة حقيقية عن عالم العراق أثناء الحرب، هي إصرار كاتبتها، وبالضرورة العراقيين علي النجاة والتطاول علي القصف والحرب، ففي مدخل من مداخلها اليومية تتساءل عن إمكانية اندلاع حرب نووية، وتضيف قائلة لا اعتقد أن هناك خطر الموت، على الأقل بالنسبة لي، اعرف إني سأنجو بطريقة أو بأخرى، 27 ألف غارة جوية علينا، هل جن العالم. خلف هذا الخوف والحزن، تكتب الراضي عن الشائعات ونبض الشوارع في بغداد، السرقة التي تزايدت، ونقص السجائر، والكاز والوقود.
في اليوميات تتذكر الراضي حوارا جري في بغداد، تمنت فيه امرأة أن يرسل الله كارثة علي أمريكا.. وعندما تدخلت واحدة من الحاضرات وقالت إن قريبها في أمريكا.. أجابت المرأة فليذهب إلى الجحيم معها..
تتراوح تعليقات/ يوميات الراضي بين الطول والقصر، يعتمد هذا علي حالتها النفسية، ووضعها الصحي، ففي أثناء الحرب أصيبت بنزلة صدرية تركتها تسعل. ولكن اقتصاد الكاتبة في كتابة اليوميات قد يعود لسبب آخر، غير المرض، أو المزاج والإجهاد، وله علاقة بتحول الحرب روتين يومي فالأيام فيها تتشابه. في اليوم الخامس والأربعين وهو آخر يوم في الحرب/ الهزيمة تقول انه كان أطول وارهب يوم، حيث قصف فيه الأمريكيون آخر ما في جعبتهم من الأسلحة والقنابل الجبارة، لكي تحرم العراقيين من آخر نسمة للهواء ظلت تحوم في سماء بغداد المليئة بالدخان والخراب.
تقول الراضي ان لا ذنب للعراقيين في ما حدث للكويت ليس لنا دور في ما حدث في الكويت، ومع ذلك ندفع ثمن الاجتياح.. في الوقت نفسه قادتنا في إحياء وفي حالة جيدة.. ربما، لا.. لا نعرف.. نحن أحياء.. وتكتب قائلة مثل بيتر سيلارز في فيلمه الحفل (عام 1968)، يرفض الموت ولكنه يتطاول مرة ومرة...حتى الجرعة الأخيرة.
بعد عام 1994، واصلت الراضي كتابة مذاكرتها، حيث عادت إليها بعد رحلة قصيرة للخارج. وفي هذا الجزء تكتب الراضي عن حرب أخرى، وكتابتها في هذه الأثناء لا تحمل وتيرة وكثافة يوميات الحرب، فالأيام هنا متفرقة، ولكنها تسجل وتوثق للحصار الذي فرض على العراق بعد الحرب. يومياتها عن العراقيين الذين حاولوا العودة للأشياء التي مزقتها الحرب والتعامل مع الحصار كنوع من الروتين اليومي. وفي هذا الجزء تتحدث عن آثار الحصار، انتشار حالات السرطان في العراق بشكل كبير. فهي تقول ان نسبة العراقيين المصابين بالسرطان وصلت الي 30 بالمئة، معظمهم من الأطفال، وأكثر حالات السرطان هي لوكيميا. كما تشير لارتفاع معدلات الجريمة، وارتفاع أسعار المواد الأساسية، وتراجع العملة العراقية التي أصبح العراقيون يزنوها بالكيلو لأن الدينار العراقي لم يعد له أي قدرة شرائية. اللافت في هذه اليوميات إنها مشغولة بالدمار البيئي الذي أحدثه القصف الأمريكي علي العراق. فالمياه ملوثة، والجراذين تنتشر مع الديدان وغيرها من الحشرات التي تنتعش في أكوام النفايات، ومياه المجاري. نهي الراضي تضمن هذا الجزء الكثير من الحكايات عن ديكتاتورية النظام، والنكات الساخرة منه. الشائعات والأخبار. ومن النكات الساخرة من النظام العراقي سؤال صدام لأعضاء حكومته، كم الساعة الآن، فرد الجميع، الساعة التي تريدها سيادتكم
رغم هذه اللمحات السياسية الساخرة إلا أن الراضي في كل مذكراتها فضلت الكتابة عن ما هو شخصي وقريب وكانت بالضرورة تصف واقعها وواقع الذين يعيشون حولها. وبين هذه التفاصيل كانت تتحدث عن حس الإهانة الذي أصابها كعراقية وعن رفض العرب تعلم الدروس من مآسيهم وتفرقهم الدائم.
كما توثق لحياتها الاجتماعية، ولقاءات الأصدقاء، معارضها وتجربتها في فن الحصار، ولقاءاتها مع الصحافيين والمدافعين عن البيئة. ويقدم الكتاب في النهاية صورة عن انشغالات الفنانة الأخيرة، الكتابة، والتركيز علي الرسم، أكثر من السيراميك ورحيلها الي بيروت، العاصمة اللبنانية التي اتخذتها مركزا للتنقل، حيث سافرت لنيويورك وعمان واليمن وأوربا ولندن والمكسيك قبل ان يقعدها المرض وينهي حياتها الحافلة.
يوميات بغداد، مليء باللحظات الصارمة ولكنه احتفال بالصبر الإنساني في اعلي تجلياته، واحتفال آخر بالأشياء الصغيرة التي تصنع عالما من الفرح داخل سماوات مليئة بالدخان وصوت الرعب.
ولدت الراضي في بغداد عام 1941، كان والدها محمد سليم الراضي من أوائل العراقيين الذين تلقوا دراستهم في أمريكا. وعمل في فترة الحكم الملكي سفيرا للعراق في إيران (1947)، وفي الهند حيث ولدت نهي حتى عام 1958، وتلقت دراستها في مدرسة خاصة في نيودلهي وسيملا، كما ادخلها والدها مدرسة خاصة في الإسكندرية لتحسين لغتها العربية، أثناء أزمة السويس. وبعد انقلاب تموز (يوليو) 1958 وانهيار النظام الملكي عاد والدها للعراق، فيما ذهب أولاده الثلاثة للدراسة في الخارج، فقد أصبح شقيقها عباد معماريا، وأختها سلمي باحثة في علم الآثار وعملت الكثير من اجل الحفاظ علي التراث الحضاري اليمني، أما نهي فقد اختارت دراسة فن السيراميك في مدرسة بيام شو للفن في لندن، كما عملت في معهد تشيلسي للفخاريات. وبعد عودتها للعراق أخذت تقيم المعارض في بغداد والخارج. في عام 1969 قررت عائلتها الرحيل لبيروت. وأثناء وجودها في العاصمة اللبنانية أكملت دراستها في الجامعة الأمريكية، ودرست فيها، فيما واصلت أعمالها ومعارضها في فن السيراميك. ولكن اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية عام 1975 جعلها تعود للعراق .
بعد نشر يومياتها سافرت لبيروت ولم تعد إليها إلا العام الماضي بعد انهيار النظام العراقي، حيث قضت أسابيع مع والدتها المريضة والتي رفضت مغادرة بغداد، ووصفت الراضي والدتها بأنها مثل سكارليت اوهارا في رواية ذهب مع الريح لأنها عاشت الكثير من الحروب.
ولم تجد الراضي في العراق المحرر ولا سادته الأمريكيين ما يفرح حيث قالت في تصريحات لنيويورك تايمز أمريكا تعيش في قصرها العاجي.. تعودنا على الانقلابات والثورات.. وفي العادة الأفراد الذين يقومون بها يسيطرون علي الدولة.
كفنانة كانت الراضي متنوعة الاتجاهات والاهتمامات، حيث عرضت أعمالها، من سيراميك، ورسم في الدول العربية وفي الغرب، ويقتني المتحف البريطاني عددا من أعمالها. في التسعينات من القرن الماضي أقامت الراضي معرضا في عمان، فن الحصار عرضت فيه أعمال مصنوعة من الخردة: أخشاب، مرسومة وعليها رموز، وريش. وقامت بعرض هذه الأعمال بعد الغزو العام الماضي. وكفنانة ساخرة، عندما سمح الرئيس السابق صدام حسين للمتخرجين باستيراد سيارات بدون جمارك اخذ المثقفون يسوقون المرسيدس، فأقامت الراضي معرضا لم يكن فيه إلا شيئان: السيارات ومجسم لدماغ إنساني بارز من شباك السيارات أو معلق على علم.
توفيت الراضي بعد معاناة مع المرض في بيروت في 31 آب (أغسطس) 2004 ودفنت في غابة سرو، وقبرها محاط بالياسمين والزهور التي أحبتها، حيث كانت تضع كل يوم وردة علي أذنها، مهما كان الحال والوضع ..
2004/09/08
القدس العربي
في الغالب تعجز الكلمات عن رثاء الأصدقاء والمقربين. وهنا أحاول استعادة لقطات من لقاءات قصيرة، وتخيّل تلك النسمة الرقيقة، التي ستبقى حاضرة أمامنا بلوحاتها المنتشرة هنا وهناك، وتماثيلها وشخوصها "نحن الشعب"، ومادة أحاديثنا ما حيينا.
نهى الراضي، فراشة غادرتنا بصمت وهدوء قبل أسبوع لكني ما زلت أتوقع رؤيتها مقبلة نحوي في أحد شوارع بيروت أو لقاءها في إحدى المناسبات الثقافية أو في سهرة عند أحد الأصدقاء، تسبقها رفيقتها الدائمة تلك الوردة التي كانت تضيء شعرها الأسود الفاحم. عيناها المكتحلتان أبداً بكحل أسود كثيف، يلفتك بريقهما الأخاذ من طلتها البعيدة، فتكتشف خلف هذا البريق ذكاء وثقة، فيما يخفي ذاك الجسد الدقيق الناحل، قوة وإصراراً، وحيوية متدفقة.
لا أدّعي أن علاقتي بنهى الراضي بلغت حدّ الصداقة، لكننا في كل لقاء كنا نشعر برابط خفيّ ربما أكثر من الصداقة أو الانتماء إلى بلد واحد، ولعله همّ العراق هو الذي جمع قلوباً كثيرة كما فرّق أخرى أكثر.
طوى ثرى لبنان جسد نهى الراضي، وكم كانت ترغب في هذا إذ أحبت لبنان وأقامت فيه بصورة شبه دائمة منذ العام 1995 وحتى رحيلها، بعد أشهر من صراعها مع "اللوكيميا" أو سرطان الدم ذاك المرض الذي ذكرته في يومياتها البغدادية، فحسب دراسات الأطباء وتقارير "...ازداد عدد الأطفال الذين يولدون موتى بسبب تأثير اليورانيوم والباريت وغيرها من مواد كانت في القنابل التي قصفت العراق والتي بلغ حجمها سبعة أضعاف قنبلة هيروشيما، وهذه المواد وغيرها ستبقى آثارها سنين لتصيب العراقيين بالسرطان وسرطان الدم والماء الأزرق ومختلف أمراض العظام والمفاصل كما تصيب الأشجار وسائر المزروعات...".
أحد أقرباء الراضي من أصل عراقي نقل إليها حديثاً دار في الصومال لرجل أميركي يعمل في قسم الشؤون الإنسانية التابع للأمم المتحدة اسمه كنوت بوير، وكان العراقي من بين الموجودين. تحدث الأمريكي عن دفنهم رؤوساً حربية في الصومال تحمل مواد مشعة في حفرة إسمنتية ثم غطوها بغطاء إسمنتي لأسباب صحية إنسانية. ثم مضى يقول: في العراق كانت لدينا مهمة مماثلة، تفجير مواد حربية، وعندما ذهب إلى الموقع لاحظ أنه ليست هناك غرفة من الاسمنت أو حتى هيكل مبنى بل مجرد حفرة في الأرض. فاتصل لاسلكياً بمسئوليه وأخطرهم بذلك. قالوا له ألا يزعج نفسه بإجراءات السلامة وأن يفجر المادة بصرف النظر عن كل شيء. كان الجميع يعلم أن زوبعة كبيرة قادمة من الجنوب، لكنهم فجروا الرؤوس الحربية رغم ذلك.
كتب تقريراً وأرسله إلى مقر الأمم المتحدة لذا يفترض أنه جزء من بحر الملفات فيها. ثم مضى يقول لهم إنه ما بين العامين والأربعة أعوام المقبلة (حدث هذا في عام 1995) ستكون هناك زيادة رهيبة في السرطان وسرطان الدم
ومشاكل العظام والمفاصل في العراق"."
وكان هذا قدرها، غلبت المرض في مراحل عدة، لم تشأ الاستسلام له والتقوقع في البيت في انتظار النهاية، ولا الاستماع إلى نصائح الأطباء ووالدتها أو المقربين منها، بل كانت تعمل بجهد ونشاط بالغين، تسافر وتنظم المعارض التشكيلية فردية وجماعية، وتقيم ندوات تتحدث فيها عن أيام العراق السوداء التي شاءت أن تعيش فترة طويلة منها في العراق، وباختيارها هي، رغم إقاماتها في فترات سابقة، خارجه إذ كان والدها سفيراً لبلده في بلدان عدة، ورغم الفرص المتاحة لها للخروج في ذروة أزمة الحصار والقصف من قبل الحلفاء بعد غزو العراق للكويت، إلا أنها آثرت
البقاء مع أقربائها وكانت النتيجة تسجيل "يوميات بغدادية" خلال 42 يوماً عام1991.
قبل أشهر استغربنا سفرها إلى أميركا وفرنسا، وهي التي قالت في يومياتها: "...لقد دمرونا ولا أعتقد أن قدمي ستطأ الغرب مرة أخرى..."، لكني أخمّن الآن سبب ذهابها، فهي ربما قصدت ذلك لتقول لهم: "... هذا ما جنت أيديكم ومثلي الآلاف في بلدي لا يحصلون على العلاج..." لكنهم فشلوا في علاجها.
"يوميات بغدادية"
كثير من صفحات "يوميات بغدادية"، الكتاب الذي سطرته يد الراحلة يوماً بيوم إبان الحرب على العراق عام 1991، هو لسان حال العراقيين في غالبيتهم. هو بمثابة سجل يومي لما كان العراقي يعانيه في تلك الأيام، لكن من دون أن يعلم ان الأسوأ كان في انتظاره الأعوام التالية، وتزداد سواداً ومآسي وقسوة يوماً بعد يوم وأصبحت يوميات الراضي أقل قسوة، والآن لا تكفي أي يوميات لتدوين ما يجري في هذا البلد المنذور.
كتاب الراضي أصبح من أكثر الكتب رواجاً في السنوات الخمس الأخيرة والدليل إنه ترجم إلى لغات عدة بعد أن كانت الكاتبة سطرته بالإنجليزية، حتى إن الراحل إدوارد سعيد في مقالة له بعنوان "اهتياج كلينتون" عام 1998، قال عن العراق: "... بالنسبة إلى كل المراسلين وممثلي وسائل الإعلام لا يتعدى أن يكون مجرد مهمة، أزمة يتم تغطيتها ثم مغادرة الموقع حالما تنتهي. أما العراق فهو غير موجود أثناء ذلك. فتشت عن كتب صدرت أخيراً عن العراق تقدم له وصفاً كبلد حقيقي لا كمشكلة استراتيجية لم أعثر إلا على كتاب واحد ممتاز وهو يوميات بغداد من تأليف نهى الراضي، ميزة الكتاب تلك الواقعية المأسوية التي عاشها شعب بأكمله، وبلد بكل مجالاته ومؤسساته. في عقوبة جماعية لم تشبهها عقوبة لشعب أو بلد في التاريخ. وصفت الكاتبة الراحلة الأحداث التي مرّ بها العراق وتحلله التدريجي وتفكك نظامه بشكل شامل طال البشر والحجر ومن أصغر جزء فيه إلى أكبر جزء أو العكس، القارئ الذي لم يعش ذلك الواقع، سواء العراقي أو غيره، ربما يجد في جملها مبالغات لإثارة الشجن أو التعاطف أو لجذب القارئ، لكن من عاش الواقع بتفاصيله يعلم حتماً إنها المأساة الحقيقية، خاصة أن أسلوب الكاتبة كان مغلفاً بطرافة وتهكم تخفّفان من وطأة الواقع الذي يبلغ في أحيان كثيرة حدّ الخيال. وفي اعتقادنا هناك الكثير من المآسي الأخرى لم ترد في الكتاب كونها يوميات إنسانية ضمن مجتمع، والعراق المترامي الأطراف والمتنوع ديموغرافياً حمل الكثير من المشاكل، ومنها ما كان في المناطق الفقيرة جداً في العراق وما أكثرها، والكاتبة عاشت في هذه المحنة ضمن بيئة ومعطيات أفضل بأضعاف مما عاشه ملايين من الشعب، سواء في الأرياف النائية والمحافظات وكثير مما استجد بعد مغادرتها وبعد كتابتها لهذه اليوميات.
كثير مما قرأته في يوميات نهى الراضي، ذات الأسلوب البسيط، الجذاب كنت شخصياً ألمسه من خلال زياراتي الدورية لأهلي. كنت أجد العراق جسداً ينخره المرض وكان يتهاوى في سرعة عاماً بعد عام. المباني الهندسية الرائعة المتميزة تصبح مجرد هياكل فيها أثر لجماليات سالفة، الطرق السريعة والجسور تشيخ وتتآكل، الكآبة تظلل كل شيء. كنت أسأل بصوت مخنوق أحياناً، وعالِ، صارخ أحياناً أخرى: لماذا اصفرت الأشجار وباتت غبراء متآكلة منحنية؟ ولشدّ ما يؤلمني إن الجواب كان سهلاً وبديهياً: بالطبع فالماء قليل أو شبه معدوم؟ لكن أين مياه النهرين؟ أسأل. يقولون: لا مكائن أو آلات أو مواد تعقيم تؤمن مياه الشرب أو حتى مياه السقي؟ فلا صيانة في ظل منع استيراد المواد.
آه كم هو جميل أن نقرأ مآسينا من خلال ما يكتبه الآخرون. كتاب الراضي ممتع بمأساويته، صوره الحاشدة وأصوات الناس في همسها وصراخها، وآراء في الحرب والحصار والمهزوم الأكبر هو الشعب العراقي.
نقلت إلى القارئ مشاهد الغارات الجوية العنيفة، تدمير منظم، نقص في الغذاء والدواء وأبسط الضرورات الحياتية من مياه ونظافة ووقود وأساسيات الحياة. هكذا عاش العراقي في عزلة والطاحونة ما تزال تدور وتطحن ما تبقى من مواطنية وكرامة وإنسانية لدى العراقيين.
كان هذا هم نهى الراضي وبقي همها اليومي رغم مغادرتها بغداد إلى عمان ثم بيروت التي اعتادت الإقامة فيها والتدريس في الجامعة اللبنانية الأميركية لسنوات. ووجدت في لبنان الملاذ كما الحال مع العديد ممن يتيح لهم هذا البلد فرصة التعبير عن آرائهم ومبادئهم التي يؤمنون بها.
قالت في ختام يومياتها: "... في لبنان، حتى بعد سبعة عشر عاماً من الحرب الأهلية التي خاضتها بضراوة كل الفصائل دونما سبب عقلاني أو سبب مفهوم، مازال هناك مظهر من مظاهر حرية الكلام. فالحق في التذمر والشكوى وهما خصيصة وطنية، لم يصادرا، ولهذا السبب كان لبنان دائماً المكان الأمثل للمنفيين السياسيين يلوذون به من سائر أنحاء العالم العربي. كان هذا يصح على أجيال أجدادنا وآبائنا مثلما يصح على جيلنا ولا يمكن للمرء أن يتمنى مكاناً أفضل يلجأ إليه "..
الفنانة التشكيلية
عرف عن نهى الراضي أنها من أوائل من تخصص في فن الفخار "الخزف" أو ما يسمى بالسيراميك في العراق منذ الستينات. وتعد من ضمن فنانات أخريات لعبن دوراً هاماً في الحركة التشكيلية في العراق إلى جانب مديحة عمر، نزيهة سليم، نادرة عزوز التجريدية الأولى في العراق. وخلود فرحان أول نحاتة عراقية وسعاد العطار وسوسن سلمان وليلى العطار وناثرة آل كتاب وأمل بورتر وسهام السعودي وسلمى الخوري وهيلدا آباكيان ونجاة حداد وثريا النواب وأديبة القاضي وغيرهن.
كان لها معارض عدة في الغرب وفي الوطن العربي إلى جانب مشاركة في معارض جماعية، دأبت على عرض أعمالها في لبنان منذ العام 1995، ومشاركات مثل "عرس قانا" الذي ساهمت في تنظيمه من دون عرض عمل لها ويومها بررت ذلك بالقول: بأنها في مثل هذه الحالة لا تقدر أن تترجم حالة إجرامية في لوحة أو صورة صماء". وكانت آخر مشاركة لها في تموز الماضي ضمن معرض نظمه مركز المرأة في الأسكوا ضمن المؤتمر الإقليمي ودعوة إلى السلام.
وكان لها أسلوبها الخاص في تشكيل أعمالها بشهادة نقاد أمثال لور غريب التي كتبت عن معرضها في "إيبروف دارتيست" عام 1999: "مخلوقات الراضي متحررة من الضوابط التقليدية والأسلوب متطور متقلب على حسب المزاج ومتطلبات الموضوع... ولا يزعجها الانتقال من الواقعية إلى الأسلبة والتأليف الجريء في مزج مواد مختلفة شخصيات حية تمارس سطوة مباشرة... إنها استعارات حضارية تبرر حضورها في استخدامها إنجازاتنا العصرية... تنقل إلينا الراضي عدوى شخصياتها الفرحة والكاريكاتورية والساذجة والساخرة والناضجة والعفوية والنقاء والتلقائية الودودة" كانت في طريقها من البيت وإليه تجمع ما تجد فيه مادة صالحة للوحاتها وأشغالها. حصى بكل أحجامه، خشب، ورود، نباتات، أي شيء تعثر عليه تضفي عليه رؤاها التشكيلية وتجعل منه مادة وشكل وبانوراما للحياة والفرح، للبحر والسماء، لأشخاص عاديين، من الشعب بملامحه المتناقضة المتآزرة المتنافرة ".
ولعلنا حين نسترجع سينوغرافيا "ثلاث نسوان طوال" المسرحية التي أخرجتها الفنانة نضال الأشقر، نجد بصمات فنانة تشكيلية بكل معنى الكلمة إذ نعثر على مساحة لونية فعلية ترسم تداعيات تشكيلية أقرب إلى التجارب الانطباعية، ساهمت في الوصول إلى عوالم من التشكيلات المسرحية، في ميلودية فنية ولدت ظلالاً لمواد ما مقصودة أو مطلوبة في مسرح الأشقر وعناصر ضرورية لزوم الديكور، خزانة، شبّاك، إلخ.
لطالما انتقدت نظام صدام حسين وفي المقابل انتقدت الغزو الأميركي: "لا منطق لما تفعله الولايات المتحدة إلا إذا كان منطق القوة والجشع والنفاق والأكاذيب. هذه هي فضائل الولايات المتحدة وأخلاقها. الدولة التي تحكم العالم"."
نهى الراضي:
مواليد بغداد 1941.
1961 1963 تدربت في مدرسة بايماشف للرسم، لندن.
1971 1975 درست في الجامعة الأميركية في بيروت.
قامت بأعمال جدارية لمبانٍ حكومية ولقطاع خاص.
أقامت معارض عدة فردية في بغداد وخارجها.
شاركت في معارض جماعية.
مارست التعليم في الجامعة اللبنانية الأميركية.
وضعت كتاب "يوميات بغدادية" بين عامي 1991 و 2000 بالإنكليزية،
وترجم إلى لغات عدة إضافة إلى العربية.
وضعت سينوغرافيا لأعمال مسرحية عدة منها "3 نسوان طوال" للمخرجة نضال الأشقر .
المستقبل
8 أيلول 2004 - العدد 1692 .
إلى السيدة نهى الراضي
أن قلبك الحريري
تملؤه الأزهار
وفوانيس ضائعة
وزنابق
ونحلات.
لوركا
فكرت أن أكتب إليك بعد قراءة يومياتك عن بغداد ولكن يا لحسرتي... فقد رحلت ولم يسعفني هذا الرحيل المفاجئ للكتابة إليك، لقد أختطفك الموت مثلما أُختطفَ العراق قرأت ما بين السطور في يومياتك عن بغداد فصعقت للحقائق التي بقيت تدوي في رأسي المعطوب أصلاً، استوقفتني كلماتك طويلاً تلك التي كم كنت أتمني أن أجد لها تفسيراً يضاهي حقيقتها، لا أدري ما الذي أصاب عفوية الأشياء ومن أين لي القدرة التي من خلالها أعيدُ ترتيب الوطن كما كان من قبل بعد أن عبث به وبعثره البرابرة الجدد. للأسف الشديد لقد مرّ هذا العمر سدى بعد أن أدركت تماماً أن ما جري وما سيجري لاحقاً قد حمل معه تلك التراكمات الفظيعة التي أفرزت القشة التي ستقصم ظهر البعير بعد أن أعطبت روحه وجعلته نافذ الصبر في صحرائنا الربذية.
يا سيدتي السومرية.... يتثائب الزمن ويتمطي، ربما الصفحة التي تتبدل في الوطن هي صفحة الوفيات فأرض الراحلين العراقيين تتسع حتى تحتل صفحات أخري ويبقي الموت يزحف حتى يأكل من الصفحات المجاورة وربما سيأتي يوماً وهو ليس ببعيد سنضطر علي دفع إعلان انتقالنا الي رحمته تعالي، فصلتنا الوحيدة بالواقع هي المؤامرات الدنيئة، الإنفجارات، السيارات المفخخة، الإنفجارات والموت الذي نسمعه جيداً ونحن علي مرمي حجر من الوطن، ها أنت تغادرين وتبقي أنية الزهور علي مقربة من قبرك تتطابق وألوانك التي كم كنت تتمنين أن تتزين بها جسور بغداد، ونبقي نحن نرتقب موتنا القادم بمنتهي الحرص والاستعداد، كم ميتة سيموت العراقي حتى يغلق باب القيامة، يبدو أن مبدأ الموت العراقي سيستمرالى أجل غير مسمي وأن المفارقات اللفظية في ألف ليلة وليلة ستتحول الي ألف مقبرة ومقبرة وووووو......
هذا العالم الشاسع من المفردات الساحرة في يومياتك والذي يحمل الكثير من الشحنات الشعرية يؤثث أجندته الخاصة متحدياً بالوقت نفسه صانعي الموت وبيقيني انه يتحرك في مساحة قادرة علي صنع الحياة التي تدفعنا لتجاوز حدود الموت وإلغاء سطوة صانعيه. لذلك سنعتني بكل ما كتبته الفنانة نهي الراضي حتى لا ينفرط عقد كلماتها الساحرة وتتبدد في هذا التيه الذي نحياه، لم يتبق لي في هذا الغياب
البهي الذي يباغتنا بين حين وآخر لكوكبة من رموزنا الثقافية سوي هذا الصراخ المرير الذي يغالب حالاتنا القلقة. يبدو أن سوء حظنا أكبر مما كنا نتصوره في فقدان من أَحب العراق حد التوحد مع عذاباته، وأخيراً أستطيع القول بان الانتصار الذي يحققه الموت ليس سوي هزيمة ساحقة له.
مرثية نهي
حين أجهشت الزهور بالرحيق
صباح الخير يا نهى
يا خبيرة الآثار وطلاسم بابل
أيتها المرأة التي تمشي مأخوذة بالغيوم
أنت المترعة بجمال عشتار
وحكمة شهرزاد
كيف ستتحمل بغداد غيابك المفاجئ؟
هذا الغياب البهي....
يا كحلة غافية ما بين دجلة والفرات
ويا وشماً علي جسر الرصافة
علي شاشة الدنيا
كنت تتحدثين....
الكلام شريحة من الزبدة فوق رغيف عراقي مطعم بالعسل
الأصابع تتمايل كالسحر
فتشير لامرأة بارعة الخيال
هل أنتهي يوم قيامتنا؟
مضيت إلى حيث البياض
ومضينا إلى حيث الشعر
في ظهيرة تموزية
سقطت بين يديّ يومياتك عن (اللصوص والكلاب والندم)
وكأن بصخرة سيزيف تهشم رأسي
لم نستطع حملها فسقطنا معاً
وحُسمت هذه الأسطورة
........
........
ها هي ألوانك....
البرتقالي: حبك للملك حمورابي
الأزرق: دجلة في صباح باهر
الأبيض: حفيف الشجر قرب شباك غرفتك
الأسود: الكحلة الهاربة من الرصافة الي جانب الكرخ
هي: تتهادي الهوينى علي ضفاف دجلتها
ماذا تقول اليدان المتصافحتان
في تلك الزاوية
أنت ضفة....
تهمسين بلغة سومرية لتلك الضفة
متي نلتقي؟
وباللغة ذاتها...
في أقصي الزاوية
تقولين....
لقد أجهشت الزهور بالرحيق
لرحيلك هكذا
يا الله...
خذ المتيمة بحب الرافدين
بمنتهي الرفق .
اتصلت قبل شهرين بصديقتنا الخزافة العراقية نهي الراضي وكانت مصابة بلوكيميا مزمنة وتجرب دواءً جديداً وأخبرتني ان علاجها طويل إذ عثروا علي دواء جديد، بعد شهر توجهت الي فرنسا ومنها الي بيروت وطنها الثاني حيث عاشت فيه مدة طويلة من الخمسينات من القرن الماضي، في ليلة ما من شهر أيلول اتصلت بنا صديقة من بغداد باكية وأخبرتنا بان مني ذهبت.. أي توفيت.
بكيناها كصديقة وفنانة مبدعة في فن الخزف ولوحات البورتريت وغيرها وتذكرتها وبراءتها الطفولية وعفويتها ووردة لرازقي أو الكاردينيا التي تضعها في شعرها الأسود الفاحم كغجرية أسبانية .
عرفت بمهارتها الخزفية أليس الخزف فناً سومرياً بابلياً؟
ودلينا بوابة عشتار؟
وليس كل خزاف فنانا ولكنها تخطت الخزف الي مرحلة فنية كانت تحلم بجسر جدرانه من الخزف علي نهر دجلة، عرفناها عن قرب وذكرني موتها بشجرة الكرز في طوكيو حيث تتفتح في الانقلاب الربيعي - الصيفي في 21 آذار ويحتفل اليابانيون راقصين ومغنين تحت تلك الأزهار الوردية لليلة واحدة وفي اليوم التالي تأتي الأمطار الموسمية فتملأ شوارع طوكيو بوريقات الكرز الوردية المبتلة، وهكذا كانت حياة نهي القصيرة إذ ملأت حياة محبيها بذلك الحلم الوردي القصير الأمد إذ أنها من مواليد عام 1941، تجولت نهى كالفراشة أو النحلة في إرجاء الفن وارتمت في أحضانه المتعددة الحسية والمرئية وكونت صداقات وبذرة محبه في العالم الذي طافته وكانت كالطيور الرحالة ثم استقر بها المقام في عشها كطيور السند والهند في بستانهم في الصليخ وكان عشها قطعة فنية زينت أبوابه بالفولكلور العراقي حتى من العربة وعلي الأبواب بنقوش بدائية فنية، كنا نرسم معها بأشراف الأستاذ الفنان إبراهيم العبد لي كل يوم احد في الزمن الضائع الصعب في الثمانينات وأوائل التسيعنات أرادت إتقان الفن الأكاديمي برغم معرفتها بمزج الألوان وأذابها تفاجئنا بلوحات البورتريت، المتميزة اذاعطت لكل شخصيته فمثلاً رسمت المرحوم إسماعيل فناح الترك يهجم علي سمكة شبوط مسكوف لم يبق سوي عظامها إذ كان يتردد دوماً علي شارع أبي نؤاس أو ترسمني وأختي سكائر سومر بحلتها الزرقاء تسقط علي رؤوسنا كالمطر لأننا مدمنات علي التدخين ، كانت تمزج الشخصية بالنكتة والمرح والطفولة .. كانت تنغمر في بحر الألوان كان اجتماعنا للتخلص والهروب من هموم الحرب ومآسيها.
أقامت في احدي المرات معرضاً من الحصى أسمته قبيلة بني صخر فيه وجوه نساء ورجال أطفال ضاحكين باكين.. كانت دارها الصغيرة ملتقي للصحفيين وغيرهم.. بعد حرب عاصفة الصحراء فاجأتنا بإقامة كاليري بغداد أسمته معرض أسلحة الدمار الشامل طلبت منا تزويدها بالكاردينيا من الحديقة ومن كل الأصدقاء، وكان المعرض عبارة عن مواد سكراب مدفأة صدئه كصاروخ! وأنابيب غير قابلة للبيع أو التصدير انه خيالها الواسع الجامح ورمت عليه أزهار الكاردينيا وكأنها تريد القول لا للحرب علي الطريقة اللهيبية...
أو أي حرب إذ ليس هناك أي فنان يحب الحرب والدمار .. كنا نسافر لارتياد ألاماكن الأثرية في أعياد راس السنة الي الحضر وإلى آشور أو غيره إذ كانت مولعة بالآثار كأختها الآثارية المعروفة سلمي وكنا نتجول في ليل مقمر شتائي بين آثار دلت علي حضارة عظيمة مندثرة قاومت الزمن وبقيت شاخصة، لعلنا أدرنا آلة زمن نتجول في أرجاء الماضي السحيق أو إلى مستقبل أرحم.. نتحدث في العديد من المواضيع ولكن إخطبوط جمهورية الخوف يلفنا فنغطي أحاديثنا بضبابية ثقافية.
أما الحدث الآخر في حياة نهي فقد فاجأتنا بعد سفرها في أواسط التسعينات بكتابها يوميات بغداد، لعلها احتفظت بمذكراتها اليومية عادة اكتسبتها من حياتها في مدرسة داخلية في الهند في سملا في أوائل الخمسينات لعل حضارة وروح الهند أثرت في مسيرة حياتها، قرأت كتيبها وعكست فيه رؤياها للحرب من دارها في الصليخ التي أصبحت ملجأ لبعض الأصدقاء وعكست فيه روحها المرحة الطفولية حتى حول كلب الشارع كلبها الذكي ..
وقد خفت عليها إذ مزجت فيه ما يحدث في العراق من قطع أذان ووشم أو كتابة على ألف حجر في ترميم مدينة الحضر إذ كنا قد رأينا ذلك وحدثنا عنه احد الآثاريين الشباب الذي طالته يد الطغيان، أو عن بابل التي حولها الي لونا بارك.. أو عن تحويل جسر الجادرية الي غابة يوكالبتوس لإيهام العدو!! وضحكنا في حينه من سذاجته اللوجستية في مقابلة القطب الأوحد.. أو عن رمي حفنه تراب في عين الدبابة!! في الحرب الالكترونية في هذا العصر التقي بها المرحوم إسماعيل في عمان وسألته هل ذكرت غير الحقيقة في كتيبي؟! فقال لها لا لم تقولي شيئاً.. وضحك ونصحها بعدم العودة.. أنا واثقة إنها من الذكاء بحيث تعرف نتيجة ما ذكرته وكم من حقائق طمست أو شوهت في ذاكرة الزمن..
وقليل من الشجعان يروون الحقيقة في حينه.. عادت بعد حرب عام 2003 وسقوط بغداد وتعانقنا بحرارة وكان لقاءاً أخيراً إذ أزاحت غبار السنين عن دارها وكأنها أرادت الاستقرار بعد ان تعبت يداها من الخزف وتعب صدرها من تنشق سموم الحرب أو سموم كيمياويات الخزف غير المعالج.. ولكنها عادت الي بيروت بعد مدة وجيزة لعدم استقرار الأوضاع إذ جاءت في زمن الفوضى العارمة وهي المنطلقة الديناميكية.. فقدناها كالفنانة وكاتبة وصديقة ملأت حياتنا سعادة ولو لهنيهة أو غفلة من الزمن الصعب الضائع.. ودعها بحنان حيث مثواها الأخير وغطي تابوتها بزهور الياسمين التي أحبتها في أحضان غابات الصنوبر وعصافيرها، ولعل حمائمها البيضاء التي كانت تعشش في دارها ستغادر لتأوي معها في تلك المقبرة، لقد ذهبت نهى الي عالم انقي وأبهى، قضت حياتها متجولة في أحضان الفن ومتحف الطبيعة أحبت الطبيعة والبشر في رحلتها هذه.. ولعل الله انتقاها لكي لا تري دمار بغداد التي أحبتها بجدرانها الكونكريتية وشوارعها الملغومة وملاك الموت يجوب في أرجائها صباحاً ومساءاً وزحمة سيارات المنفيست السكراب العالمي) ونفث سمومها غير النقية.. فملاك الموت لا يعرف الرحمة ولكل أجل موعد فولادة فموت وما بينها رحلة الحياة كل يملؤها بطريقته..
وأتذكرها وأتذكر قصيدة من رباعيات الخيام في ترجمة البستاني..
ارحم النبت من صدور البنت
فأديم الأرض من هذه الأجساد.
الزمان
12-13 / 10 / 2004
الفنانة على الإنترنت:
http://www.magdabandera.com/cgi-bin/els-mt-comments.cgi?entry_id=338
http://www.guardian.co.uk/obituaries/story/0,3604,1298518,00.html
http://www.alexandria-press.com/Bio/nuha_al_radi.htm
http://www.gagallery.com/artists/nuha-al-radi.htm
http://www.granta.com/authors/502