| أدونيس
النص القرآني و آفاق الكتابة 1 أشير، أولاً، أنني أتكلم على الكتابة القرآنية بوصفها نصاً
لغوياً، خارج كل بعد ديني، نظراً وممارسة: نصاً نقرؤه، كما نقرأ نصاً أدبياً.
وأشير، ثانيا، إلى أنني لا أدخل في أي تساؤل حول المسافة بين وحيه وتبليغه،
وتدوينه، ولا حول نزوله. وأضع جانبا كيفية التدوين، ومن دوّن، وظروف التدوين،
والنقاش الذي دار حول هذا كله. وأشير، ثالثا، إلى أنني لا أدخل في الجدل
التاريخي حول تسلسل السور أو النصوص: أهي متسلسلة وفقاً لنزولها أو لا. ولا
أدخل كذلك في بناء السورة وتركيبها: هل فيها آيات نزلت في فترات متباينة،
أم لا. ولا أدخل في بحث التباين بين النزول والكتابة. أكتفي، رابعاً، بالإشارة
إلى أن النص القرآني نزل متقطعاً على امتداد ثلاث وعشرين سنة، تبعا للوقائع
والأحداث ومقتضيات الحال، وإلى أنه كان يحفظ في الذاكرة، قبل تدوينه، وفي
أثنائه، وقبل أن يتخذ هذا التدوين شكله الأخير في مصحف عثمان- الخليفة الثالث. 2 يجيب النص القرآني عن أسئلة الوجود والأخلاق والمصير. وهو يجيب عن ذلك بشكل جمالي- فني، ولهذا يمكن وصفه بأنه نص لغوى- أعني لا بد لفهمه من فهم لغته أولاً. وهذه اللغة ليست مجرد مفردات وتراكيب، وإنما تحمل رؤيا معينة للإنسان والحياة، وللكون- أصلاً، وغيباً، ومآلاً. وقد تجسّد هذا الشكل الجمالي في كتابة فاجأت العرب، بحيث
أجمعوا على أنها فريدة، لم يروا مثلها، وعلى أنها لا تضاهى. وهكذا لم يعرفوا
كيف يحددونها، استناداً إلى المعايير التي يعرفونها، فقالوا: إنها نثر لكنها
ليست كمثل النثر، وإنها شعر لكنها ليست كمثل الشعر. وهي إذن كتابة أكثر من
أن تنحصر في الشعر أو النثر. وقالوا: إنها كتابة لا توصف، وسر لا يمكن سبره.
واتفقوا على إنها نقض لعادة الكتابة شعراً، وسجعاً، خطابة ورسالة، وأنها
نوع من النظم في تركيب جديد. غير أن دهشة العرب الأولى، إزاء القرآن، كانت لغوية. فقد افتتنوا بلغته- جمالاً، وفناً. وكانت هذه اللغة المفتاح المباشر. الذي فتح الأبواب لدخول عالم النص القرآني، والإيمان بدين الإسلام. ولهذا لا يمكن الفصل، على أي مستوى، بين الإسلام واللغة. ويمكن القول إن المسلمين الأوائل الذين شكلوا النواة الصلبة الأولى للدعوة إلى الإسلام، آمنوا به أولاً بوصفه نصاً بيانياً امتلكهم: آمنوا به، لا لأنه كشف عن أسرار الكون، والإنسان، أو قدم لهم نظاماً جديداً للحياة، بل لأنهم رأوا فيه كتابة لا عهد لهم بما يشبهها. باللغة، تغير كيانهم من داخل، وباللغة تغيرت حياتهم. تاهوا معه- لغة وتعبيراً، فصار هو نفسه وجودهم. كأن اللغة هنا هي الإنسان، لا بوصفها أداة تصل بينه وبين العالم، بل بوصفها ماهية له. 3 وصف النص القرآني نفسه بأنه "قرآن عجب " (72: 1) لا من حيث لغته وحدها، بل أيضاً من حيث إجابته عن أسئلة الوجود والأخلاق والمصير. ووصف نفسه بأنه "الكتاب"- من حيث أنه مطلق اللغة، ومطلق الوجود، ومطلق المعنى. يتألف النص القرآني من سور، وتتألف السورة من آيات. والسورة لغة، هي المنزلة أو الرفعة. وهي كذلك ما حسن من البناء، وطال. وهي كل منزلة منه. وسمّيت السورة من النص القرآني سورة لأنها تتدرج منزلة منزلة، منقطعة عما يسبقها وعما يليها. أي أن لكل سورة مبتدأ وخاتمة، بهما تتميز عن غيرها. أما الآية فسميت بهذا الاسم، إما لأنها علامة تشير إلى وقف وانقطاع، وإما لأنها مجموعة من حروف القرآن. والسورة، من حيث البناء، مقطعة، متقطعة، مسجعة غالباً، ومقفاة أحياناً، خصوصاً في السور المكية. وهناك سور هي، على العكس، منتظمة، متواصلة، بأوزان متنوعة، وفقاً لإيقاعات تخرج على النظام الوزني. السورة، بشكل عام، مفتوحة كجزء محدود من فضاء غير محدود. إنها كمثل نجمة سابحة في سماء هي الكتاب. وكما أننا نستطيع أن نرى النجمة من جميع جهاتها المرئية، كذلك نستطيع أن نقرأ السورة من حيث شئنا. فهي لألأة وتوهج، أكثر مما هي معمار أحكمت هندسته من خارج. ويمكن أن نشبه السورة بأنها لوحة أو بساط باذخ من الكلمات، منتظمة في خطوط وأشكال وألوان، بتنوع وتعذب وتشابك. البياض بين آياتها جزء من هذا البساط، وهو بياض تكسوه علامة الوقف، الفاصلة بين الآية والآية. والصمت في قراءتها هو أيضاً جزء منها، لأنه يدخل بين الآية والآية بوصفه وفقا كذلك. كأن السور بستان هو الكتاب، وكل منها باب له. بستان نقدر أن ندخل إليه من أي مكان شئنا، ومن أية جهة. بستان بلا تخوم، ذلك أنه هو تخوم الأشياء كلها. كتاب للكون، هو الكون كله، والسور صفحاته. أو لنقل: السور كمثل النجوم تتآلف كلها في الفلك الواحد: الكتاب. معظم السور بوتقة تنصهر فيها الخطبة والمثل والنشيد، الحوار والقصص والصلاة، عالم الحضور وعالم الغيب، في نسيج متواصل دون نقط وفواصل وأهلّة (تلك التي كان مالارميه يسميهما عكاكيز). والسورة من حيث بنيتها الموسيقية، خصوصاً السورة المكية، نظام إيقاعي خاص، حلله بيار كرابون دوكابرونا. ( ………) في كتابه المهم (……….) وكان في ذلك رائداً، لم يسبقه أحد، ولم يتابعه أحد، فيما أعلم. رأى كرابون أن لبعض السور المكية (رقم 94، 92، 93) شكل الرباعية (……) ورأى أن بعضها يقوم على الترنيم ( ……..) وأن بعضها يقوم على مؤلفات موسيقية غير معهودة، وأن في بعضها أصواتاً كثيرة تتحدث إلى النبي، وأوزاناً متعددة (السور 74، 75، 76، 78، 81) كأنها حوارية أو مسرحية. ورأى في بعضها جملاً لا يربط بينها غير التجاور. وأن الإيقاع المهيمن يجيء من الوحدتين الوزنيتين: فاعلن، متفاعلن. ورأى أن لبعضها وزناً واحداً، وأن بعضها ثنائي الوزن، وبعضها متعدد الوزن، وأن بعضها (سورة 69) يتضمن خمسة عناصر وزنية. وفي أثناء تحليله الموسيقي، أشار إلى أن بعض السور قصصي يستعيد قصص التوراة، وإلى أن بعضها متأثر بالطرق الكتابية القديمة الكنعانية (سورة 72) التي يشبهها بالكائنات ( ……… ). ونشير هنا إلى أن موسيقى الشعر، كما عرفها العرب، أقل غنىً من موسيقى هذه السور. بهذه الموسيقى، تبدو اللغة كأنها نبض القلب، وحركة الجسد، وكأنها عناق حيّ مع حركة الكون. ولا تكمن البنية العميقة، في هذه الموسيقى، في التآلف بين حروف اللفظ المفرد وتناغمها وحسب، وإنما تكمن كذلك، وعلى نحو أخص في طبيعة العلاقة القائمة بين الكلمة والكلمة- أو في النظم. وليس الفكر هو الذي يعيننا على اكتناه هذه الموسيقى، وإنما تكمن طريقنا إليه في الحس والذوق. هكذا تتمثل البنية الداخلية العميقة للنص القرآني في موسيقية لغته. فالنص القرآني نغم، ويمكن أن نتكلم عليه بوصفه نغما. ولا تندرج أنغامه في تسق معين، أو نظام وزني ثابت، وهذا مما يجعلها حركية ومفتوحة. 4 ما الاسم الأدبي الذي يمكن أن نسفي به السورة؟ قبل الإجابة، أعيد طرح السؤال الأساس الذي طرحه النقاد العرب،
إزاء النص القرآني، وهو التالي: أين مكان المزية في الكلام، أي في الكتابة؟
أو: ما الخصوصية التي لا تكون الكتابة كتابة إلا بها؟ سأقتصر على إيراد جواب
أكثر النفاد العرب عمقاً وفهما، عنيت الجرجاني. فهو، بعد أن يقرر أن النص
القرآني نقض لعادة الكتابة العربية، شعراً ونثراً، وبعد أن رأى أن المعايير
التقويمية المعروفة لا تجدي في تقويمه، اقترح لتقويمه معياراً جديداً سماه
النظم. وتعريف النظم أمر صعب- لكنه يحدده مع ذلك، يقوله إنه طريقة مخصوصة
في نسق الكلمات بعضها مع بعض. أي هو نوع خاص من التأليف والترتيب، ومن النسج
والصياغة. 5 أعود إلى السؤال: ما الاسم الأدبي الذي يمكن أن نسمي به السورة؟
والجواب، انطلاقاً من القول إن خصوصية الصنيع الأدبي هي في شكله، هو أننا
لا نقدر أن نسميها، أو أن علينا أن نبتكر لها اسما أدبياً خاصاً. فنحن لا
نقدر أن نقول عنها إنها نثر، لأن فيها خصوصية بناء وتعبير، تميزها عن جميع
أنواع النثر، بحيث لا ينطبق عليها اسم أي نوع من أنواعه. ولا نقدر أن نسميها
شعراً، إذ ليس فيها أي استخدام للأصول التي تجعل منها شعراً، على الرغم من
أنها تستخدم مختلف أنواع التعبير المجازي، ومختلف أشكال البيان والبلاغة.
نضيف إلى ذلك أن في بناء بعض السور، وفي صيغها التعبيرية حرية عجيبة وكلية
لا تجعل تصنيفها وحده داخل نوع أدبي أمراً متعذراً، و إنما تجعل فهمها، هو
الآخر أيضاً، أمراً متعذراً. أكتفي، للتمثيل على ذلك ببدايات بعض السور المكية.
فمنها ما يبدأ بحرفي واحد: ص، ق، ن. ومنها ما يبدأ بحرفين: حاء ميم، طاء
هاء، طاء سين، ياء سين. ومنها ما يبدأ بثلاثة أحرف: ألف لام ميم، ألف لام
راء، طاء سين ميم. ومنها ما يبدأ بأربعة أحرف: ألف لام ميم صاد، ألف لام
ميم راء. ومنها ما يبدأ بخمسة أحرف كمثل سورة مريم: كاف هاء ياء عين صاد. 6 هوذا، إذن، نجد أنفسنا أمام نص لا يسمى، أو لا تسمح معايير الأنواع الأدبية بتسميته. إنه نص لا يأخذ معياره من خارج، من قواعد ومبادئ محددة، وإنما معياره داخلي فيه. سيكون، إذن، اسمه الوحيد الاسم الذي سمى به نفسه وهو: الكتاب. أي أن الكتاب هنا اسم إلهي، أو هو اسمه لغة وكتابة ومعنى ذلك أنه مطلق: لا ندرك معناه، ولا يبدأ ولا ينتهي. وهو، بوصفه مطلقاً يتجلى في زمان ومكان، متحرك الدلالة، مفتوح بلا نهاية. إنه الأبدية المتزمنة. إنه ما وراء التاريخ الذي نستشفه ونقرؤه عبر التاريخ. في الكتاب، في شكل كتابته، تنصهر الأفكار والأشياء، الحياة والأخلاق، الواقع والغيب. وهذا الشكل شبكة تتداخل خيوطها وتنحبك في علاقات متعددة، ومتنوعة، مفتوحة كالفضاء. إنه فن آخر من القول، وفن آخر للقول. فن في الكتابة، وفن في تكوين النص. كأنه نوع من فكر الكتابة يتبطن نوعاً من كتابة الفكر. أو لنقل: إنه، بوصفه نوعاً من كتابة المطلق، نوع من مطلق الكتابة. إنه الكتابة المطلقة لكتابة المطلق. 7 تفتح التجربة الصوفية أفقاً آخر لهذه الكتابة، في قراءتها وفهمها. وهي تعطي للنص القرآني أبعاداً غنية ومتنوعة يجدر الوقوف عندها، ولو بشكل سريع. ذلك أنها أساسية في إضاءة الدلالة الكيانية للغة وللكتابة معاً. النص القرآني، كما ترى إليه التجربة الصوفية، دال لغوى لمدلول هو الوجود. الأول هو رمز، والثاني مرموز إليه. فالكتاب هو كلمات الله التي توازي الوجود، وترمز إلى حقائقه، وتوازي الإنسان، وترمز إليه. إنه البرزخ بين الله والإنسان، بين المطلق والنسبي. والكلمة الإلهية: "كن " هي في آن قول- فعل. فليس الوجود إلا كلمات الله. هكذا تكون اللغة وجوداً، ويكون الوجود لغة. ويكون الكتاب هو نفسه الوجود من حيث أنه القول- أو اللغة ممثلة في الكلمة الإلهية: "كن". واللغة الإنسانية في هذا المنظور، منطوقة ومكتوبة، إنما هي تجل للغة الإلهية. أو هي الصورة الظاهرة للغة الإلهية الباطنة. وفي هذا ما يشير إلى خطورة الكتابة، وإلى أنها مسألة كيانية. نقول، بتعبير آخر، وفقاً للتجربة الصوفية، إن حقائق الممكنات هي الحروف الكامنة في الحبر، والورق وما يكتب فيه انبساط النور الوجود في العالم الذي تتعين فيه صور الموجودات، والكتابة هي سر الإظهار والإيجاد، والقلم هو الواسطة والآلة، والكاتب، بالمعني الأصلي الحق، هو الله من حيث كونه موجداً وبارئاً ومصوراً، له العلم الأولي، وله رؤية الممكنات. وهو كذلك الإنسان الكامل، بوصفه تجلياً له. هكذا يكون للغة الكتاب ظاهر وباطن. الدلالة في ظاهر اللغة
وضعية، عرفية، اتفاقية. والدلالة في باطنها، ذاتية. فهناك تعارض بينهما يزيله
الإنسان الكامل، ذلك أنه البرزخ الجامع بين الظاهر (اللغة الإنسانية) والباطن
(اللغة الإلهية). ولا تكون الكتابة، في هذا الأفق، كتابة الحياة إلا لأنها كتابة الموت. كتابة الكائن من أجل الموت. كتابة التمحور حول الجذر، لا حول الثمرة، عبوراً إلى جسر الفاجعة- الحياة، جسر ا لزوال. وطبيعي أن الكتاب في هذا الأفق ليس ذاتياً، وأنه يعالج الأشياء بشمولها، لا بجزئياتها. إنه تعالق مع الكون لا مع الذات- لكن عبرها. كأن لما وراء الطبيعة طبيعة خاصة تفصح عنها، وهذه الطبيعة الخاصة هي الكتاب. هل نقول، في هذا الأفق، إن الكاتب هو ذلك الكائن المتخيل في ذلك الاتحاد الإلهي- الإنساني، باللغة وفيها؟ هل هو ذلك الضوء الجامع بين المرسل والمرسل إليه والمرسل؟ بين المطلق والتاريخ؟ هل الكاتب هو اللاكاتب؟ هل غيابه هو نفسه حضوره؟ وهل الكتابة المثلى هي التي تتم دون كاتب؟ 8 أصل تما تقدم إلى الخلاصات التالية:
ملحق : 1 إذا كان النص، بمعنى ما، قراءته- أي كيفية قراءته، وكان مستواه
تابعاً لمستوى هذه القراءة، دقة وفهما وغنىً، فإن للنص مستويات متعددة، تعدد
قراءاته. انطلاقاً من ذلك، يمكن أن نطرح هذا السؤال: ما مستوى ا القراءة
السائدة للنص القرآني؟ والجواب، كما يبدو لي، هو أن في هذه القراءة ما يشوش
الأفق المعرفي الإسلامي، وفيها كذلك ما يقلص الرؤية إلى العالم والإنسان
والأشياء. إنها بالأحرى قراءة لا تجعل من هذا النص أفقاً، بقدر ما تجعل منه
نفقاً. والسبب في ذلك عائد إلى أمور كثيرة بينها، على الأخص، تغليب المنظور
الشرعي، بحيث تبدو الشريعة أساساً وحيداً للفكر والعمل، للكون والأشياء.
وهي في هذا قراءة تغلب، بالضرورة، المنظور الإيديولوجي- السياسي. هكذا يجد
المسلم نفسه، وفقاً لهذه القراءة الشرعية- السياسية، محصوراً بين الشرعي
والسياسي: تزول حريته، وتنطفئ كينونته من داخل، ويشعر أنه آلة تسيرها يد
الشرع، أعني يد السياسة. والسؤال الذي يجب أن يطرح في هذا الإطار هو: ماذا يفعل إنسان
يرى أن الله ليس في المقام الأول مشرعاً، ولا حامياً للشريعة، ولا ملكاً-
وإنما هو، في المقام الأول، جميل وكريم ومحب؟ 2 يرى الجرجاتي أن للكتابة القرآنية خصائص لم تعرف قبل نزول القرآن. ويرى أنها لا تكمن في الكلمات المفردة- في جمال حروفها وأصواتها وأصدائها، ولا في معاني الكلمات المفردة، التي هي لها بوضع اللغة، ولا في تركيب الحركات والسكنات، ولا في المقاطع والفواصل. وإنما تكمن هذه الخصائص في النظم والتأليف- اللذين يقتضيان الاستعارة والكناية والتمثيل وسائر ضروب المجاز، فمن هذه يحدث النظم والتأليف، وبها يكونان (الإعجاز، ص 300). ولا طريق لمعرفة هذه الخصائص إلا النظر، والفكر، والروية.
خصوصاً، كما يتابع الجرجاني، أن "مثل واضع الكلام (الكاتب) مثل من يأخذ
قطعاً من الذهب أو الفضة، فيذيب بعضها في بعض، حتى تصير قطعة واحدة... كالحلقة
المفرغة، لا تقبل التقسيم (...) يصنع في الكلم ما يصنعه الصانع حين يأخذ
كسراً من الذهب، فيذيبها ثم يصبها في قالب، ويخرجها لك سواراً أو خلخالاً.
وإن أنت حاولت قطع بعض ألفاظ البيت (يشير الجرجاني هنا إلى بيت بشار بن برد:
كأن مثار النقع فوق رؤوسنا/ وأسيافنا، ليل تهاوى كواكبه) عن بعض كنت كمن
يكسر الحلقة ويفصم السوار. فالبيت من أوله إلى آخره كلام واحد... اتحدت معانيه،
فصارت الألفاظ من أجل ذلك، كأنها لفظة واحدة" (الإعجاز ص 316- 317).
لكن يبقى بين الكتابتين فارق جوهري: فاللغة في الكتابة القرآنية لا تصف: لا الشيء ولا الأثر الذي يحدثه (مالارميه)، وإنما تقول، بوصفها وحياً دينياً، الأشياء ذاتها. وهو قول نهائي، وخاتم القول. والإنسان يعرف هذه الأشياء، لا بالعودة إليها، بل بالعودة إلى هذا القول ذاته. فهي تعرف به، وحده. وليست "موجودة" إلا داخل هذا القول. 3 المتكلم في النص القرآني، بوصفه وحياً منزلاً، هو الله، وبوصفه نصاً مكتوباً- مقروءاً، هو الكلام الإلهي- أي اللغة. فنحن لكي نفهم النص، نطلب إلى لغته أن تحاورنا، وأن تكلمنا- فهي، بهذا المعنى، تتكلم معنا. الله أوحى، ولم يكتب. الإنسان هو الذي كتب. لكن، منذ أن دخل الوحي في الزمن وفي التاريخ، منذ أن أصبح الوحي موجوداً في لغة، منذ أن تحول إلى نص مكتوب، صار بوصفه كتابة، هو المتكلم، أي صارت اللغة هي الذات المتكلمة. ومن هنا أهمية إتقانها الإتقان العالي، لكي نقدر أن نصغي إليها، وأن نحاورها، وأن نفهمها. ومن هنا التوكيد على أبديتها، وعدم تغيرها- ذلك أنها هي كيانية النبوّة، وهي لسان الوحي. 4 على صعيد الكتابة، يقول لنا النص القرآني: ليس هناك فنياً
نوع اسمه النثر، ونوع اسمه الشعر. يقول لنا: حيث يكون نظم للكلمات، تكون
هناك إرادة فن، ويكون عمل كتابي فني. وليس للوزن، بحصر المعنى، مدخل في ذلك،
إنها كتابة أكثر جذرية وأكثر شمولاً من أن تنحصر في وزن. فالوزن عنصر من
خارج لا يدخل، بوصفه وزناً، في الصنيع الشعري. تولد الكتابة، وفي ولادتها
ذاتها تولد قاعدتها. 5 على مستوى الرؤيا، وصف الوحي ا النص القرآني بأنه "
ا لكتاب " و" ا لفرقان "، و"النور"، و" ا
لهدى "، و" الرحمة " و" الشفاء " و" المبين
" و" الموعظة "، و"البشير" و"النذير".
ووصفه، على مستوى التعبير، قائلاً: "إنكم لفي قول مختلف " (الذاريات)،
وأنه "قرآن عجب "- "استمع نفر من الجن فقالوا إنا سمعنا قرآناً
عجباً" (الجن). ولم ينزل القرآن بلا واسطة إلا مرة واحدة: حين عرج النبي
إلى السماء، فأوحى الله إليه ما أوحى مباشرة. ومعنى ذلك أنه كلمه تكليما،
كما كان الشأن، قبله، مع موسى. وفي الحديث أن النبي رأى الملاذ جبريل عندما
جاءه في حراء "جالساً على كرسي بين الماء والأرض ". وفي الأخبار
أن جبريل كان يأتيه بالوحي في أشكال أخرى. كان يأتيه بصورة رجل أعرابي، وهو
جالس بين أصحابه، فيرونه ويسمعون كلامه دون أن يعرفوا أنه جبريل. وكان يأتيه
في صوت كمثل قرع الجرس، حيث يلقى الوحي في خاطره. وكان يأتيه في صورة ملك
له أجنحة. أما آخر الآيات التي نزلت، فحولها خلاف. (انظر تفصيل لخلاف
في كتاب الاتقان في علوم القرآن للسيوطي: 16/1-38 7 النص القرآني، بوصفه نصاً لغوياً، أشبه ببحر تتعانق أمواجه وتتداخل، في بداياته ونهاياته. البدايات تتموّج في الوسط والأطراف، والعكس صحيح. وهو، من ناحية الشكل، خلاصة لأشكال القول السابقة عليه: الشعر والخطابة والمثل والحكمة عند العرب قبل الإسلام، والكتابة البابلية- الكنعانية الآرامية، والكتابة التوراتية. وهو نص يتناول الأشياء كلها في الطبيعة وما وراءها. ولا يتردد في استعادة ما سبقه، وكتابته بشكل مختلف، واصفاً نفسه، في الوقت ذاته، بأنه خاتمة الرسالات النبوية، وخاتم الكلام، مقدماً نفسه بوصفه كتاباً شاملاً، كاملاً، أخيراً، وبوصفه بديلاً عن الكتب جمعاء. وهو، من حيث التقنية والبناء، يعتمد الحوار والسرد، الحكمة والمثل. وهو تشريع وتسبيح في آن. وفيه صفحات يمكن درسها بوصفها شعراً محضاً، و صفحات يمكن، النظر إليها بوصفها "أحسن القصص". ويمكن كل قارئ أن يستخلص منه رؤية معينة للشعر والفكر، ومفهوماً خاضاً للإنسان والكون، ومنهجاً واضحاً في النظر إلى الأخلاق والموت والحب، والطبيعة وما وراءها. والنص هنا لا ينمو خطياً، بل ينمو في فضاء متعدد الاتجاهات، متعدد الأبعاد، كمثل البنية الهندسية غير الاقليدسية. إنه الكتاب الذي ينطبق عليه وصف مالارميه للكتاب الذي حلم بكتابته: "ينبوع للحقيقة تشرب منه الإنسانية جمعاء" (المراسلات، الجزء الرابع، ص 87). وهو، بوصفه كتابة، يتجاوز السابقة عليه الدينية والدنيوية: يكتب الذين بلغة شعرية، ويكتب الدنيا بلغة دينية. وهو، في تمحوره أساساً على اللغة، يؤكد على أن الكائن هو، جوهرياً، لغة. هذا التمحور على اللغة هو مما يجعله، موضوعياً، نصاً أدبياً. وهو، بوصفه كتاباً، يلغي مفهوم الكاتب- الفرد. كأنه يقول: الكاتب جمع لا فرد. طبيعي، والحالة هذه، ألا يشبه شيئاً خارجه، أن يكون جنساً كتابياً لذاته وفي ذاته: نثراً لا كالنثر، وشعراً لا كالشعر، وكتابة لا كالكتابة، ولغة لا كاللغة. إنه البداية والنهاية: كتابة في مستوى الكون. 8 ينقلنا هذا الكلام إلى الصعوبة التي واجهها المسلم في فهم
النص القرآني. وأضرب مثلاً على هذه الصعوبة بأمرين: الأول مرتبط ببنية النص،
والثاني مرتبط بقارئه. من الناحية الأولى، حار العرب في تفسير فواتح بعض
السور. هذه الفواتح متنوعة. منها ما يبدأ بحرف واحد في ثلاث سور: صاد، وقاف،
والقلم، إذ تبدأ هذه السور بهذه الحروف تباعاً: ص، قاف، نون. ومنها ما يبدأ
بحرفين، وهي عشر سور. ومن هذه العشر سبع تبتدئ بالحرفين نفسيهما وهما: حم
(حاء ميم) وهي: غافر، ا لمؤمن، فضلت، 1 لزخرف، 1 لدخان، 1 لجاثية، 1 لأحقاف.
والثلاث الأخرى تبدأ بحرفين مختلفين: طه (طاء هاء) طس (طاء سين) ويس (ياء
سين). ومنها ما يبدأ بثلاثة أحرف وهي ثلاث عشرة سورة، تبتدئ ست منها بالحروف
ألف لام ميم (البقرة، آل عمران، يقول أهل السنة إن هذه الحروف إذا حسبت على "حساب الجمل" بعد حذف المكرر منها تتطابق مع القول: "صح طريقك مع السنة". ويقول أهل الشيعة إن هذه الحروف إذا حذف منها المكرر، تتطابق مع القول: "صراط عليّ حق". ويرى ابن عربي رأياً آخر. فهذه الحروف هي في رأيه مراتب، منها موصول، ومنها مقطوع، ومنها مفرد ومثنى ومجموع. فالمفرد يشير إلى فناء الإنسان الفرد، والجمع إشارة إلى الأبد. والإفراد للبحر الأزلي، والجمع للبحر الأبدي، والمثنى للبرزخ المحمدي الإنساني، والألف إشارة التوحيد، والميم إشارة إلى الملك الذي لا يبيد، واللام بينهما واسطة. ويقول آخرون إن هذه الحروف شبيهة بفواتح بعض القصائد. وأما في ما يتعلق بالقارئ فقد تعددت التفسيرات للنص القرآني. وقبل ذلك اشترط في من يفسر القرآن أن يكون على معرفة عليا باللغة العربية، وبنحوها، وصرفها، واشتقاقها، وبعلوم البلاغة، وبعلم القراءات، وبأصول الدين وأصول الفقه، وبأسباب النزول، وبالناسخ والمنسوخ، وبالحديث النبوي، وهذه شروط تقتفي من الإنسان أن يكون واسع الثقافة، عظيم الذوق، عميق الإيمان. وهي شروط لا تتوفر إلا في الأقل الأندر من البشر. هكذا جاء التفسير متنوعاً، ويمكن حصره في ستة أنواع: 9 هذا، بشكل عام، موقف الذين آمنوا بالنص القرآني. ولكي يكتمل الموقف من هذا النص، لا بد من الإشارة إلى الذين حاولوا أن يعارضوه أو أن يأتوا بمثله. بين هؤلاء من ادعى النبوة كمثل مسيلمة النجدي الذي كتب للنبي قائلاً: "شوركت في الأرض معك، لنا نصف الأرض ولقريش نصفها، لكن قريشاً قوم يعتدون". وكان يزعم أن له قرآناً نزل عليه بوساطة ملاك اسمه "رحمن ". وبين هؤلاء الذين ادعوا النبوّة، عبهلة بن كعب الذي يقال له الأسود العنسي، وطليحة بن خويلد الأسدي، والنضر بن الحارث، وبينهم كذلك امرأة تدعى سجاح. وهناك أشخاص لم يدعوا النبوة، بل حاولوا معارضته. بينهم، كما يروى، الكاتب المشهور ابن المقفع، وشمس الدين قابوس ب! ؤ! مكير الديلمي، وابن الراوندي الذي يقال انه عارض القرآن في كل كتبه: الفريد، الزمردة، قضيب الذهب، المرجان- وهي كتب لم تصل إلينا. ومن قوله في كتابه "الفريد": "إن المسلمين احتجوا لنبوة نبيهم بالقرآن الذي تحدى به النبي، فلم يقدر على معارضته. فيقال لهم: أخبرونا، لو ادعى مدع من الفلاسفة مثل دعواكم في القرآن، فقال: الدليل على صدق بطليموس أو اقليدس أن اقليدس ادعى أن الخلق يعجزون عن أن يأتوا بمثل كتابه، أكانت نبؤته تثبت "؟. ويقال إن الشاعرين الكبيرين المتنبي والمعري حاولا كذلك أن يعارضا القرآن. 10 هذا النص الذي لا يرتبط بزمان أو مكان، بل هو لكل زمان ومكان،
والذي لا يقتصر على موضوع دون آخر، وإئما هو كليّ، والذي ليس ذاتياً ولا
موضوعياً، وإئما هو كوني، والذي ليس موجهاً إلى جماعة محددة، أو طبقة محددة،
بل للبشر كلهم بوصفهم جماعة واحدة، وللإنسان بوصفه إنساناً، دون أي تمييز
من أفي نوع، والذي لا "تنفد كلماته"، ولا تستنفد،- هذا النص كيف
لا يزلزل مفهومنا للكتابة، وكيف لا يفتح أمامنا آفاقاً للكتابة، لا سابق
لها، ولا حد لها؟ من كتاب ( النص القرآني و آفاق الكتابة) دار الآداب- الطبعة الأولى - بيروت 1993 |
|
|