![]() |
|
|
أحلام صغيرة - وآه يا وطني الكبير منذ نشأتي والوطن العربي الكبير له مكانة في القلب ملكت مشاعري ووجداني. لم يكن لهذا الحب سبب محدد. ربما كان التاريخ، عندما قرأنا في الكتب المدرسية وغيرها عن فتح الأندلس، وكذلك عن حروب صلاح الدين الأيوبي وغيرها. وربما كانت الأسباب علمية عندما تعرفنا على كوكبة علمائنا العرب الأفذاذ كابن سينا وابن رشد وجابر بن حيان والحسن بن الهيثم و الرازي والبيروني والفارابي وابن خلدون وابن الأثير وغيرهم ممن شهد لهم الغرب في العلم والمعرفة. وإلى جانب التاريخ والعلم، كان الفن أيضا سببا في مكانة وطني العربي الكبير في قلبي. فكم كان انبهاري- وأنا صغير- عندما عرفت أن المبدع العربي زرياب في مجال الموسيقى والغناء أيام الأندلس لم تكن له الريادة على الغرب في عالم اللحن والنغم فقط، وإنما كان أيضا العالم الخبير في الذوق العام، سواء في الملبس أو المأكل والمشرب وكذلك في السلوك وآدابه. علمهم ماذا يلبسون في الشتاء كالصوف والفراء. وما يلبسون في الصيف كالحرير الفضفاض. ادخل الزجاج بعد أن كانوا يشربون في أكواب معدنية… كان رائدا للذوق وللمدنية حتى أن جورج الثاني- ملك إنكلترا- أرسل لزرياب في الأندلس بعثة من بنات الأشراف، بينهن الأميرة ابنة أخيه ليفنيسن- على حد قول الملك- نماذج من هذه الفضائل "لتكون بداية حسنة في اقتفاء أثركم لنشر نور المعرفة في بلادنا التي يعمها الجهل". أليس هذا سببا كافيا لتقديري وتعظيمي لوطني العربي الكبير؟ أيضا عندما حدث أن استفزتني شخصية "السوبرمان" التي خرجت علينا في مجلات الأطفال، والأفلام المصورة والمرسومة، لتقدم الرجل الأبيض الخرافي الذي يصنع الخوارق والمعجزات، واستلبت عقول الكثير من أبنائنا، فكرت على الفور في ابن بطوطة!! الشاب الذي خرج من مدينة طنجة في المغرب العربي قاصدا الحج. قبل اختراع الطائرة والسيارة والقطار… مستخدما الحصان والجمل والحمار… سائرا أحيانا على الأقدام. هذا الشاب العربي البسيط، لم يصل فقط إلى مقصده في مكة والمدينة، بل أخذه حب الاستكشاف والمعرفة إلى أن يذهب .. إلى الصين!! نعم الصين, وهذا كله قبل أن يخرج علينا فاسكو دي غاما… أو كريستوفر كولومبوس أو غيرهما، وعاد ليصبح كتابه الذي أمتع العالم مرجعا في الجغرافيا ودراسة في تقاليد الشعوب. أليس ابن بطوطة هو السوبرمان الحقيقي؟ أم هذه الشخصية الخرافية المختلقة خصيصا لاستلاب عقولنا ولكي نحس بضآلتنا وعجزنا أمام الغرب؟ …… آه يا وطني. وعلى الرغم من تفكك وطني الآن إلى أقطار ودويلات، ورغم الحدود والسدود، وتأشيرات الدخول والخروج، و"التلطع" أمام سفارات وطننا في وطننا!! لطلب إذن بالذهاب من وطني إلى وطني!! على الرغم من هذا كله…… إلا أن التماسك والالتحام لا يزال عميقا بين أبناء شعبنا العربي الكبير. وأصدق مثل على ذلك هو ما اعتدت أن أسميه "مفاصل الأقطار العربية" أي مناطق التحام هذه الأقطار ببعضها البعض. انظر مثلا- ولأني فقط من القطر المصري- إلى أهالي النوبة، أنهم مفصل التحام مصر مع السودان. تحس على الفور أنهم وجه شعبنا المشرق، امتزج في روحهم أحلى ما فينا وأحلى ما في السودان. لقد ضحى أهل النوبة بمنازلهم وأراضيهم التي غرقت في مياه بحيرة ناصر بعد بناء السد العالي……في سبيل الوطن. وكما توجد النوبة "مفصل" مصر والسودان في الجنوب، يوجد أيضا في الشرق مفصل رفح مصر ورفح فلسطين. لا يقل إشراقا عن وجه النوبة. بعد هزيمة عام 67 واحتلال سيناء أصبحا رفحا واحدة في ظل الاحتلال… وبعد أن استعيدت سيناء أخيرا وذهبت لزيارتها رأيت منظرا يهز القلب: طفلان يقفان، وبينهما سور هائل من السلك الشائك يفصل ما بين الرفحين، والطفلان يواصلان استذكار دروسهما كما اعتادا أن يفعلا في ظل الاحتلال البغيض…… يا الهي. متى يحق للطفلين أن يعاودا الاستذكار معا في ظل الحرية؟ وآه يا وطني العربي الكبير. المصدر: جريدة الحياة – 1 يونيو 1999- العدد 13233. |
|