صلاح عيسى - أربعة وجوه للبهجة

في هذا الكتاب أربعة وجوه على الأقل- للبهجة.. ولكل وجه قصة، لعلها تحتاج إلى كتاب لروايتها كما ينبغي أن تروى‍!

أما الوجه الخامس- وليس الأخير- فهو يخصني وحدي، إذ كان من حظي الحسن، أن أكون راوية لموجز قصص هذه الوجوه الأربعة.. في هذه المقدمة..

ولما كان ضروريا- ومنطقيا- أن نبدأ بالترتيب، فإن مجرد صدور هذا الكتاب، يضيف إلى المكتبة العربية، إضافة كيفية شكلا وموضوعا، وهذا هو الوجه الأول للبهجة به.. فمنذ ثلاث سنوات، وفي أحد الاجتماعات الأولى لمجلس تحرير هذه السلسلة، كنا نقلب في رؤوسنا، نوع الاحتياجات الفكرية والسياسية، التي تصدر لكي تشبعها، وذلك النقص الذي ينبغي أن تسده في سوق المطبوعات، وتوقفنا فجأة، أمام فكرة طرحها المفكر المعروف الأستاذ "أبو سيف يوسف" حين قال:

ولماذا لا نخصص كتابا أو أكثر يضم مختارات مما تنشره الأهالي لكبار رسامي الكاريكاتير! وقد بدت الفكرة لحظتها باهرة تماما، وربما لذلك أخافتنا.

كنا ندرك أن "الأهالي" في إصدارها الأول (فبراير- أكتوبر 1978) والثاني (مايو 1982) قد استعادت للكاريكاتير المصري مكانته العالية بين الفنون الصحفية، بعد فترة من الركود شملت القسم الأكبر من السبعينات فلم يحتل الكاريكاتير أبرز الأماكن في صفحتها الأولى والأخيرة فحسب، ولكنه توزع في معظم صفحاتها، حتى أصبح إحدى علاماتها المميزة.. التي تجذب إليها القارئ.

وكنا ندرك، أن كتب الكاريكاتير هي أقل العناوين ذيوعا بين إصدارات دور النشر، منذ عرف العرب المطبعة قبل قرن ونصف القرن، صدرت خلالها ملايين الكتب في كل شيء من الفلسفة إلى كتب البخت والفلك، ومن الجيولوجيا إلى الكتب التي تبحث في علوم اليازرجة والسيما وتحويل النحاس إلى ذهب. وبين "تلك" الملايين من الكتب، فإن كتب الكاريكاتير هي وحدها التي لا يصعب إحصاءها، ولا يعسر على أحد إعداد قائمة بعناوينها فهي لا تكاد تصل عدد أصابع اليدين!

وقد مضى أكثر من قرن منذ عرفت مصر المطبعة، وحوالي 35 عاما على رؤية العين المصرية للكاريكاتير قبل أن يصدر أول كتاب يضم مختارات من الفن الذي اصطلح بعد ذلك على تسميته بالفن المشاكس، وهو كتاب الفنان "محمد عبد المنعم رخا" الذي صدر باسم "صور ضاحكة" في الأربعينات، ومضت سنوات قبل أن يصدر كتاب الفنان "زهدي العدوي" في أواخر عام 1951- بعنوان "بداية المعركة" ليروي قصة كفاح الشعب المصري ضد الغزاة في العصر الحديث، وجمع بين رسوم "زهدي" المميزة، وسرد الكاتب اللامع "صلاح حافظ" للقصة.

وبعد أربع سنوات من ذلك، صدر كتاب "أبيض وأسود" للفنان "عبد السميع عبد الله" 1986، يضم مختارات من رسوم الكاريكاتير التي نشرتها له "روز اليوسف" في الفترة بين أواخر الأربعينات وأوائل الخمسينات.. وفي عام 1985، صدر كتاب الكاريكاتير الوحيد للفنان "جورج البهجوري" بعنوان "بورسعيد" وبين أواخر الخمسينات وبداية الستينات، صدر كتاب "قضايا الشعوب" للفنان "أحمد طوغان" وفي الثمانينات أصدرت أسرة الفنان الأرمني الأصل، الممصر "صاروخان" طبعة محدودة من رسومه في كتاب لم تطبع منه سوى خمسمائة نسخة!

وفي حدود ما أعرف، فإن كتبا أخرى للكاركاتير، لم تصدر في مصر، أو في غيرها من الأقطار العربية، فيما عدا كتاب الفنان الفلسطيني "ناجي العلي" الذي صدر في السبعينات عن دار "السفير" في بيروت..

وقد تبدو تلك الندرة الظاهرة في إصدارات كتب الكاريكاتير غريبة على روح الشعب المصري المرحة، التي تعشق السخرية، وتلمح المتناقضات في الحياة، وتلتقطها بسرعة شديدة، وتعلق عليها بالبديهة الحاضرة… وربما يكون من أسباب ذلك النقص في شجاعة الناشرين على المغامرة بإصدار هذه النوع من الكتب، أو النقص في اهتمام رسامي الكاريكاتير أنفسهم بتجميع رسومهم لتصدر في كتب، وربما ساد بين الطرفين ظن خاطئ، بأن الكاريكاتير- كالمقال السياسي- تعليق يومي أو مباشر على حدث، يفقد جانبا من حضوره حين يبرد هذا الحدث أو يتباعد، أو يخفت وجهه!

تلك فكرة ثبت خطؤها مع تطور فن الكاريكاتير العربي عموما، والمصري خصوصا، إذ لم يعد الكاريكاتيرست، مجرد رسام صاحب خطوط، يعبر بها عن أفكار غيره، أو يدافع "بها" عما لا يؤمن به، أو عن أفكار وعكسها- وهو ما شاع لفترة طويلة كظاهرة، صحفية وفكرية- بل أصبحنا أمام "الفنان الموقف" صاحب الرؤية السياسية والاجتماعية المتكاملة، والمقاتل من أجل قضية.. ومعنى هذا أن تجميع مختارات من رسوم الكاريكاتير لفنان أو أكثر، هو نوع من التوثيق الهام والمطلوب لتيارات الفكر السياسي والاجتماعي في مرحلة من المراحل، شأنه في ذلك، شأن تجميع ونشر النصوص الأدبية والفكرية والسياسية!

ومع أن "آنية" الكاريكاتير، كآنية المقال السياسي، حقيقة لا يمكن إنكارها، باعتبارهما معا، تعليقا على حدث، إلا أن الظن، بأن هذه "الآنية" تفقده مبرر الوجود بمضي الزمن، هو خطأ لا يمكن- أيضا إنكاره.. فالفن الجميل ومنه المقال والرسم والصورة الكاريكاتورية، لا يفقد بالزمن، قدرته على إثارة البهجة والفكر في نفس الذي يتلقاه، وعلى عكس ما يظن البعض، فإن التجميع- على شكل أعمال كاملة- أو مختارات- يعطي للصورة المفردة، معنى جديدا، يضاف إلى معناها الخاص، معنى تأخذه من غيرها، وتعطيه أيضا لغيرها، هذا المعنى هو ذاتية الفنان وتفرده في طريقة تعبيره عن القضايا التي يؤمن بها ويدافع عنها، وهي طريقة تتضح مع كل صورة، ولكنها تتكثف مع تجميع الصور.. فيكون لها معنى أخر ومذاقا مختلفا، "ثم" إنها تعطى المفاهيم التي يتبناها والرؤى التي يؤمن بها، أبعادها الحقيقية والكاملة!

أما بعد هذا- وقبله- فإن السخرية التي تتفجر من روح حساسة، وعقل مفكر، تظل قادرة على النفاذ عبر الزمن، وتحتفظ- لذلك- بقدرتها على أن تمنحك البسمة التي تغسل الروح، ولا تكتفي بالانفراجة بين الشفتين.

وهكذا لا يكون الكتاب الذي بين يديك "حكومة وأهالي وخلافه" للفنان "بهجت عثمان" مجرد كتابا من الكتب، لأنه الثامن من نوعه، في كل تاريخ المطبوعات العربية، ولأنه محاولة لتصويب الخطأ الفادح، الذي قضى بأن يغيب ذلك الفن الجميل المشاكس، هذا الغياب المشين عن ثمار المطابع، ولأنه- بشكله ومضمونه- تخليق جديد للصحيح الذي لا تصح الأمور إلا به، وهو أن الكاريكاتير ليس فنا من فنون القصور، ولكنه إبداع من إبداعات الشوارع، وليس وسيلة للترفيه عن السادة، ولكنه تعبير عن سخرية المطحونين ممن يستلبون عرقهم، ذلك أن "بهجت" ليس مجرد فنان ساخر قادر على أن يضحكك برسومه وأفكاره اللامعة فقط، ولكنه أيضا صاحب موقف، ينتمي إليك، لذلك يضحك من قلبك، وتضحك من قلبه!

ولعلي لا أكون مخطئا تماما، حين اعتمد كلمة "التشخيص" كترجمة لذلك الفن الوافد الذي عرفته العين المصرية والعربية. خلال الحرب العالمية الأولى- باسم فن الكاريكاتير... فالكاريكاتير هو فن المبالغة في رسم ملامح الأشخاص، وفي التعبير عنهم في المواقف التي يكونون طرفا فيها، لذلك يكفي شارب هتلر وطريقة تصفيفه لشعره وتكشيرة وجهه، للدلالة على نازيته، وتكفي أنف ديجول للدلالة على صلفه واعتزازه بنفسه، وسيجار تشرشل للدلالة على مكره، وصلعة مصطفى النحاس للتعبير عن الطيبة التي توحي بالسذاجة، وقامة على ماهر القصيرة المدكوكة، للدلالة على شخصيته الماهرة في تدبير المقالب، فإذا كانت الشخصية نمطا اجتماعيا كالشيخ متلوف، جاءت العمامة الضخمة على الوجه الممصوص، والأسنان الحادة، لتشير إلى ذلك النمط المنافق، الذي يصفه المثل الشعبي، بأنه "يصلى الفرض ويهتك العرض".

وهذا "التشخيص" هو جزء من السمات النوعية للشخصية المصرية، التي واجهت لقرون الطغاة والغزاة، بتشخيصهم، أو تقمصهم بشكل ساخر، يبرز عيوبهم في الشكل، أو في المحتوى، بإطلاق أسماء ساخرة عليهم، تتضمن إبدالا في أسمائهم الأصلية، أو تضيف إليهم صفات تلخصهم بها لكسر هيبتهم ف "الملك الظاهر بلباى" الذي كان- كما يقول ابن غياس- أرشلا قليل الحظ من العلم، مندفعا، لم يكن صاحب رأى في أي قرار يصدر في الدولة التي كان يحكمها إذا كان الحاكم الفعلي هو "دوادره الكبير" فإذا ما عرض عليه أمر من أمور السلطنة، نظر إلى المتحدث وأشار إلى الدوادار قائلا: قل له.. لذلك كان منطقيا أن يتغير اسمه على ألسنة صعاليك القاهرة إلى "السلطان قلة" ويصبح "الإنسان القلة" فيما بعد مصطلحا للدلالة على الإنسان الفارغ من المحتوى، الذي لا شخصية له: الإنسان الإناء!

وكانت عملية "تأريع الأرض الزراعية"- أي قياسها وتحديد درجة خصوبتها وإعادة ربط الضرائب عليها- واحدة من عمليات النصب الحكومية، التي يمارسها سلاطين المماليك، لزيادة موارد الدولة، كلما أفلست الخزائن- بسبب سفههم وإسرافهم- فخلال عملية "إعادة التأريع" كانت أراضي السادة الخصبة تتحول في الأوراق إلى بور فتنخفض ضرائبها وترتفع الضرائب على أرض الضعفاء والفقراء.

تلك هي العملية التي شخصها المصريون بحسهم الفكه الساخر، والسليم الحس، فتوارثوا- جيلا بعد آخر- وصف شخص ما بأنه "مأرعاتي" ووصف سلوك بأنه "تأريع" أي نصب وفهلوة وكذب وتزوير!

وهذا التشخيص الساخر، هو الذي دفع صعاليك القاهرة- في عهد الحملة الفرنسية- إلى إبدال اسم محافظ القاهرة اليوناني القاسي القلب، من "برطلمين" إلى "فرط الرمان" وتحويل اسم الجنرال "كفاريللي" إلى الخواجه "اللي كفر".. تلك هي فكاهة "الشعب الخاصة" لا فكاهة مجالس السلاطين والوزراء والحجاب، حيث كان هناك مضحكون رسميون وظيفتهم أن يضحكوا السادة، وأن يرفهوا عنهم، ربما بالسخرية من الشعب الذي يحكمونه، ولذلك ظل تشخيصا غير مدون، وغير مرسوم- إذ كانت فنون التشكيل لأسباب معقدة قد توقفت عند الزخرفة أو رسم النباتات- ومنه اكتسب الشعب المصري شهرته المدوية كشعب ساخر مشخص يتغلب على همومه الكثيرة بالسخرية من أعدائه، رغم الاحترام المزيف الذي يحرص على إبدائه في مواجهتهم..

وقد ظهر فصل واحد يتيم من التشخيص المرسوم، على صفحات الصحف المتعددة التي كان يصدرها "يعقوب بن صنوع" في أواخر عهد إسماعيل، ثم خلال عهد الخديوي توفيق، ولكنها كانت أقرب إلى الرسوم التوضيحية- رغم خطوطها المرحة- منها إلى ما عرف بعد ذلك باسم الكاريكاتير.

وحين بدأت مجلة "اللطائف المصورة" أثناء الحرب العالمية الأولى، تقلد الصحف الأوروبية، فتضيف إلى ما تنقله عن تلك الصحف من صور فوتوغرافية، عن مجريات الحرب ووقائعها وأبطالها، نقل بعض الرسوم الكاريكاتورية، ثم تتقدم خطوة إلى الأمام فتسترسم بعض المتمصرين والمصريين، صورا كاريكاتيرية محلية، وجدت نفسها مضطرة، ولسنوات طويلة تالية، للاعتذار عن نشر هذه الرسوم، بمذكرة تفسيرية تؤكد فيها لمن يعنيهم الأمر، إنها لا تقصد الإساءة إلى أحد أو الانتقاص من قدره أو مقامه وأنها تتأسى بالصحف الأوروبية المحترمة، بنشرها لهذه الرسوم التي تهدف إلى نشر التهذيب والرقى. أما الذي لم تقله تبريرا لهذه المقالات الركيكة، فهو أن المبالغة في رسم ملامح الأشخاص العامة، وعدم إظهارها بالوسامة المطلوبة، كانت موضوع النقد المضاد للنقد الكاريكاتيري الذي كانت تنشره!

وكان معنى ذلك، أن تشخيص الكبار علنا، وفي نصوص منشورة ما زال أحد الأعمال المحرمة أو كان ما يزال نوعا من الأعمال السرية شبه العلنية، يمارسها الناس في المقاهي وفي الشوارع وأحيانا في البيوت، ولكنهم لا يواجهون بها أصحابها!

وكان لا بد أن تنفجر ثورة 1919، وأن يكتشف الناس خلالها، إنهم- رغم هزيمة عرابي وكسرة التل الكبير- لم يفقدوا قدرتهم على تحدي الكبار، وإجبار بريطانيا العظمى على التراجع، لتزدهر أشياء كثيرة في الروح المصرية، يتطور المسرح، ويستقيم فن "القص" وتتوالى إصدارات الصحف، ويتحول "التشكيل" من فن يمارسه المتمصرون إلى فن يبدعه المصريون، وأن يزدهر البحث في تاريخ مصر وحضارتها، وأن يكتشف الجميع أن هناك "نفسا مصرية" تتطلب التعبير عنها، وتلك هي السنوات التي عرفت مصر خلالها "مسرح رمسيس" وتمثيل "يوسف وهبي" ومسرحيات "توفيق الحكيم".. وقصص "محمود تيمور" و "شحاته وعيسى عبيد" وأفلام "عزيزة أمير" وتماثيل "مختار" ورسوم "محمود سعيد" واكتشافات.. ومؤلفات.. "سليم حسن" وتأريخ عبد الرحمن الرافعي للحركة القومية.

وكما تطلبت كل هذه الفنون وقتا، لكي تستقيم خطاها، فقد مضى بعض الوقت قبل أن تؤكد مدرسة الكاريكاتير المصري وجودها، وتنتزع الاعتراف بها، وتقترب من النفس المصرية.

وكان منطقيا أن تتدافع الموجات الأولى للكاريكاتير من "الجبهة الأخرى" فتزعمه المتمصرون من جانب وبدأ حملته- من الجانب الآخر- ضد الحزب الذي كانت أعرض الجماهير الشعبية تقف في صفر.. وكانت مجلة "الكشكول" التي أصدرها ورأس تحريرها المرحوم "سليمان فوزي" وصدرت لهدف واحد هو تحطيم حزب الوفد والقضاء على زعامة "سعد زغلول" ثم "مصطفى النحاس" هي التي عرفت العين المصرية- وعلى أوسع نطاق- على فن الكاريكاتير الوافد، وقدمته دون اعتذار وتسفير- لأنها مارست به فن "التشخيص المضاد" أو فكاهة مجالس السلاطين، التي تسخر من الشعب ومن زعاماته، باعتبارها قيادة ديماجوجية، كاذبة، مدعية وإذا "كانت" "الكشكول" قد عاشت أطول مما قدر لها، واستثناء من الصحف المعارضة للوفد- الذي كان معروفا، بأن عدم رضائه عن صحيفة ما أو معاداته لها كفيل بانصراف القراء عنها، فسبب ذلك هو كاريكاتير الفنان الأرمني الأصيل المتمصر "سانتيس" التي كانت تشغل غلافها وصفحتي الوسط، فقد اجتذبت هذه الرسوم العين المصرية، لفن وجدية يتجاوب مع ميلها الطبيعي للتشخيص، رغم أنه كان آنذاك موجها ضد عواطفها.

وكان الشيء المهم الثاني الذي فعلته "الكشكول" هو أنها خلقت القطب المواجه لها، فبعد قليل وجدت صحافة الوفد نفسها مضطرة لمواجهة "الكشكول" بسلاحه المقتدر- الجديد، والتصدي لتشخيص مجالس السلاطين، بفكاهة الشعب، التي كان القسم الأكبر منها- آنذاك- شفهيا وغير مدون. وهكذا تحولت "روز اليوسف" من مجلة أدبية ثقافية، إلى مجلة سياسية، واستبدلت الصور الفوتوغرافية على غلافها- وفي صفحاتها الداخلية- بالرسوم الكاريكاتورية… لكنها لم تجد بين المصريين من يستطيع أن يواجه خطوط "سانتيس" المتقنه، إلا بعد وقت اضطرت خلاله، إلى أن تسترسم سانتيس نفسه أغلفتها التي كانت ترد على ما يرسمه للكشكول من أغلفة. وقبلت الأطراف الثلاثة ذلك تعبيرا عن مرحلة حرفية، لم يكن خلالها لرسام الكاريكاتير موقف، ولم يكن صاحب أفكار رسومه! وحين اكتشفت السيدة "روز اليوسف" من يستطيع مواجهة "سانتيس" وجدت أرمنيا متمصرا آخر، هو "الفنان صاروخان" تطلب وقتا حتى استطاعت ريشته، أن تلتقط الملامح الساخرة لوجوه الساسة المصريين.. قبل أن يدخل المعركة، معبرا عن التشخيص الآخر، تشخيص الشعب لخصومه، وأعدائه الطغاة والغزاة… أو الرجال "القلل" والحكام "المأرعايته"!

في هذا الزحام، برزت أولى المحاولات ذات القيمة لتمصير خطوط الكاريكاتير.. وكان صاحبها موظفا صغيرا في مصلحة المساحة هو "الفنان رفقي" وتميزت هذه الخطوط عن خطوط "صاروخان" وحتى "سانتيس" بميلها أكثر للتجريد، ضمن مناخ تشكيلي عام، كان يسعى آنذاك للتوحد بخطوط الفنان الفرعوني القديم.

لكن "رفقي" قضى السنوات الأولى من بزوغ موهبته، يرسم أغلفة وصفحات مجلة فكاهية أسبوعية كانت "دار الهلال" تصدرها آنذاك باسم "الفكاهة" وفضلا عن أن المجلة نفسها كانت غير سياسية، فإن "دار الهلال" كانت – في تلك السنوات- تنظر إلى الصحافة باعتبارها استثمارا للأموال، ولذلك لم تسمح لأحد، أن يعرض استثماراتها لمخاطر سياسية اكتفاء بمخاطر السوق، على أن موهبة "رفقي" الفذة أعطت كل ثمارها بعد ذلك، على صفحات "روز اليوسف اليومية" إبان احتدام المعركة الوطنية والديمقراطية ضد وزارة "نسيم" في أواسط الثلاثينات، ولكن الجريدة ورفقي معا، كانا كالشهاب الذي يتوهج لفترة قصيرة من الزمن.. ثم احترقا معا.. وماتا في عمر الزهور!

في مرحلة ما بين الثورتين (1919-1952) تقدمت مدرسة الكاريكاتير المصري، واستطاعت أن تنتزع لها مكانا ضمن الفنون الصحفية، وأن تكون أكثر هذه الفنون اجتذابا للعين، وتأثيرا في القراء. وكانت الأفكار في أغلب الأمر من وضع رؤساء التحرير، أو المحررين اللامعين (كان من بينهم "محمد التابعي" و "محمود عزمي" و"محمد علي غريب" و "العقاد" و "كامل الشناوي" ثم "إحسان عبد القدوس" و"علي أمين" و"مصطفى أمين" "ومأمون الشناوي) بينما كانت الخطوط أساسا لفنانين أجانب أو متمصرين، وظل "سانتيس" و"صاروخان" ألمع فناني الكاريكاتير في الصحافة المصرية، حتى لحق بهم فيما بعد الرباعي الشهير "رفقي" و"زهدي" و"رخا" و"عبد السميع" ولمعت أسماء أخرى كثيرة لفنانين مصريين، لكنها لم تواصل لأسباب متعددة السير على الطريق ذاته، كان من بينها "حسين فوزي" "كامل التلمساني" المخرجان السينمائيان فيما بعد؟ و"رمزي" و"فوزي" و …..الخ.

وعلى هامش المعركة المحتدمة، حول قضايا مصر الأساسية، الاستقلال والديمقراطية كان الكاريكاتير السياسي هو المتصدر غالبا، وهو الذي اهتمت به الصحف والمجلات الأسبوعية التي اتخذته طابعا صحفيا لها، في مواجهة الأسبوعيات التي اهتمت بأن تحدد شخصيتها بالصورة الفوتوغرافية التسجيلية والمحايدة، والتي لا تتضمن رأيا، وهو ما اعتمدت عليه مدرسة في الصحافة المصرية، عزفت- غالبا- عن أن تحدد موقفا من الصراع الدائر على أرض مصر، تحت دعوى الاستقلال عن الصراع الحزبي، وهو موقف كان في مضمونه حيادا بين الشعب المصري وأعدائه.. لكن هذه الصحف- وكان من أشهرها مجلات دار الهلال.. لم تهمل الكاريكاتير تماما بل اعتمدت على نوع منه لا هدف له إلا الترفيه والضحك الذي لا مضمون له، ودار حول موضوعات مكررة، كالخيانة الزوجية، ونكتة الفقير الهندي الذي ينام على المسامير أو يصفر للثعابين والرجل المصاب بزكام دائم……الخ.

ومن سوء الحظ أنه الصحف التي اهتمت أساسا بأنه تتميز بالكاريكاتير ومنها "روز اليوسف" و "آخر ساعة" قد انتقلت فيما بعد عام 1936 إلى المعسكر الآخر، فأصبحت الاثنتين مجلتين ملكيتين تساندان القصر، وهو الهدف الذي صدرت من أجله فيما بعد "أخبار اليوم" عام 1944.

وهكذا انتقلت مدرسة الكاريكاتير المصري مرة أخرى- فيما عدا استثناءات قليلة- إلى الجبهة الأخرى إلى "التشخيص المضاد" وحتى في الجانب غير السياسي من الكاريكاتير، اختفت ملامح الصراع الاجتماعي الحقيقي في مصر، لتبرز السخرية التي تركز على الشكل.. وكان أبرز هذا النوع من الكاريكاتير في سنوات ما بعد الحرب الثانية هو رسوم "رخا" الشهيرة عن "رفيعة هانم" و "السبع أفندي" التي كانت تقوم شكليا على إبراز التناقض في الحجم، وفي الاسم بين الزوجة السمينة للغاية والزوج الرفيع الذي يشبه "الفتله" وموضوعيا على السخرية من العلاقة بين الزوجة المسيطرة والزوج "الضعيف" أو "الشخشيخه" وهي ظاهرة أخذت أكبر من حجمها الحقيقي، بل تضمنت إبدالا لطابع العلاقة الإقطاعية بين الرجل والمرأة.

ولأن هناك دائما جديدا يولد في رحم القديم وضده، فقد عرت متناقضات الحرب النظام القديم، وفي ظل الانفراجة الديمقراطية التي أعقبتها، برز اليسار المصري كقوة سياسية وكتيار فكري قوى على خريطة مصر.. وأنشأ منابر صحفية مثل "الطليعة 1945" "البشير" و"الناس" و"الكاتب" و"الملايين" و"الغد" وفي هذه المنابر برزت رسوم "زهدي" و"طوغان" وفي عام 1950 عادت "روز اليوسف" إلى مكانها الطبيعي، وفصمت تحالفها مع القصر، ولمعت رسوم "عبد السميع" تتحدث عن الفساد والغلاء والأوليجاركية المالية المسيطرة على الحكم.

وهكذا أعادت صحافة اليسار- وصحفيوه- تصويب الموقف على جبهة الكاريكاتير مستفيدة من كل التقدم في الشكل الذي حققه الممصرون والمصريون، من فناني الكاريكاتير لتحوله من ضحكة بلا مضمون، ولا انتماء. إلى سخرية وتشخيص حقيقيين، يتجاوب مع النفس المصرية، ويعبر عن أحد أساليبها المميزة، في مواجهة أعدائها!

في سنة من تلك السنوات- 1949- كان "بهجت عثمان" قد التحق بقسم النحت بكلية الفنون الجميلة- وخلال سنوات دراسته التي انتهت عام 1954. كانت مصر تعيش سنوات المخاض لكي تحطم بقايا قيود التبعية، وتحول الاستقلال الجزئي الذي أسفرت عنه ثورة 1919، إلى استقلال حقيقي.

وكان مقدرا لهذا الشاب الرفيع الطويل القامة، الضحوك، أن يكون استمرار لرحلة طويلة، كان هو- وجيله- فصلا من فصولها وليس ما في هذا الكتاب سوى بعض ومضاتها وذلك وجه ثاني للبهجة بصدوره، وهي بهجة تتجاوز الذين يصدرونه والذين سيقرأونه، لأنها تشمل كثيرين ممن لم يعودوا بيننا.

وكان مدرس الرسم في المدرسة الابتدائية هو الذي اكتشف أنه يعبر عن نفسه بالخطوط.. أما هو فقد واصل دراسته، حتى التحق بقسم النحت بكلية الفنون الجميلة. ويتخرج من الكلية في عام 1952، بينما كان الضباط الأحرار قد بدأوا في هدم الرموز الظاهرة للنظام القديم، ومع أنه كان الأول على دفعته، إلا أنه لم يجد مكانا كمعيد في الكلية، وهكذا يشد رحاله إلى المنصورة ليعمل مدرسا بالمعهد الديني، ثم ينتقل إلى السودان ليصبح مدرسا للرسم بالمدرسة الإنجيلية.. لكن التدريس لم يجتذبه كما أن النحت لم يكن التعبير الذي يريده عن نفسه، ربما لأنه كان- آنذاك- فنا من فنون الصفوة وليس من فنون الجماهير.

وفي لحظة ما، بدأ يجرب التعبير عن نفسه، بذلك الفن المشاكس: الكاريكاتير وحمل رسومه الأولى إلى دار الهلال، فرفضت بمجرد النظر، أما في "روز اليوسف" فقد تأمل "عبد السميع" الرسوم بإعجاب، وقال: "إحسان عبد القدوس" معبرا عن نظرة مختلفة: مادام دار الهلال رفضتها…تبقى كويسه!

والذي حدث أن بهجت عثمان، أصبح مدرسا للرسم بمعهد المنصورة الديني صباحا، ورساما كاريكاتيريا بالقطعة على صفحات روز اليوسف بعد الظهر، وهي مرحلة قطعها اضطراره للسفر إلى السودان، حيث كان يتابع من هناك ما تنشره الصحف، دون أن يستطيع المشاركة!

ويوم صدرت "المساء"- أكتوبر 1957- شد "بهجت عثمان" إليها الرحال، وتفرغ لفنه الجديد- وأصبح واحدا من اثنين، يرسمان الكاريكاتير في صفحتها الأولى.

وكانت الجريدة الجديدة، منبرا لليسار المصري، الذي ساهم في إنجاح الثورة، صدرت لكي يعبر بها عن تحالفه مع الثورة، وعن رؤاه المتميزة في ظل هذا التحالف ورأس تحريرها أحد الأعضاء اليساريين السابقين في مجلس قيادة الثورة هو "خالد محيي الدين" وعلى صفحاتها أحيا اليسار المصري صحافة الرأي التي كانت ملامحها- آنذاك- تكاد تندثر، أمام الهجوم الشرس لصحافة الخبر والتسلية والإثارة لذلك أعطت الكاريكاتير مكان الصدارة في صفحتها الأولى وفي صفحاتها الداخلية.

وبعد عامين، عاد "بهجت عثمان" إلى قواعده في "روز اليوسف" لينضم إلى مجموعة من المواهب الشابة، معظمها ينتمي للجيل الذي ولد بين الثورتين، كانت قد احتشدت آنذاك ، على صفحات مجلة "صباح الخير" التي صدرت لتحقق شعار "للقلوب الشابة.. والعقول المتحررة" وكان الهم الرئيسي لذلك الحشد غير المسبوق في تنوع اهتماماته ومواهبه هو مصر التي تحررت- بعد الثورة- من الإقطاع، واستكملت بحرب السويس وتمصير الممتلكات الأجنبية، استقلالها الوطني، والتي هي الآن في حاجة إلى تحطيم بقايا، العلاقات الإقطاعية في النظر إلى نفسها.. وإلى العالم من حولها.

وفي ذلك التيار ألقى "بهجت عثمان" بنفسه، سابحا بكل قوته.

كان الصراع الحزبي- الذي ظل موضوع الكاريكاتير السياسي طوال سنوات ما بين الثورتين- قد توقف ظاهريا بحل الأحزاب وبتخلق تيار وطني عام وجه سهام هذا النوع من الكاريكاتير السياسي إلى الأعداء الخارجيين.

بينما كانت كل الظروف مهيأة لكي تبلور نوعان من الكاريكاتير الاجتماعي- لم يكن في جوهره بعيدا عن السياسة- يتجاوز حكاية الفقير الهندي والرجل المصاب بالزكام الذي يربط أنفه بمنديل، وقد وجد هذا النوع الجديد من الكاريكاتير أمامه مساحة واسعة- وبغير حدود- للنقد وللسخرية!

وهكذا وجد "بهجت عثمان" نفسه ضمن فرقة من الموهوبين. ضمت "صلاح جاهين" و"جورج البهجوري" و"رجائي ونيس" و"ناجي كامل" و "ايهاب شاكر" و "أحمد حجازي" و"حاكم الكبير" و "دياب" ثم انضم إليها فيما بعد "محيي اللباد" و"صلاح الليثي" و"رؤوف عياد" شهرت سلاح الكاريكاتير في معركة تحرير العقل والقلب، تسخر من البيروقراطية ومن الرومانتيكية المريضة، ومن ضيق الأفق والإدعاء والكذب والنفاق.

ولمع بهجت بينهم بثنائياته الشهيرة "المجمع اللغوي" (ساخرا من اللفظية والببغائية والشكلية والهوة بين اللغة والحياة، والحذلقة الفارغة من أي مضمون) و "هارون الرشيد" (منتقدا النظرة البيولوجية السائدة للمرأة التي لا ترى فيها كائنا يملك موهبة ويصلح لشيء خارج الفراش و"الفرخة والديك" (متخذا من حياة الطيور معادلا موضوعيا للسخرية من السلوك الإنساني) و"جراح قلب" (ساخرا من الرومانتيكية المريضة والعواطف المشوهة وغير الناضجة بين الرجل والمرأة).

وطافت رسومه بعوالم لم يكن الكاريكاتير قد طاف بها من قبل، مثل النقد السينمائي والمسرحي والتلفزيوني!

وفي الجانب السياسي- وكان بهجت بنشر معظم رسومه من هذا اللون على صفحات روز اليوسف- عبر عن مشاعر عروبية جياشة في سنوات كان المد القومي العربي المعادي للإمبريالية في ذروته، كما كشف عن ذكاء في فهم مجريات السياسة الدولية واستكشاف مواصفات السخرية، على الطريقة المصرية في التشخيص فيما يجري على مسرحها.

وهكذا نجح هذا الجيل من فناني الكاريكاتير في تخليصه من كل الآثار التي لحقت به كفن وافد، سواء في التشكيل أو في المضمون أو في روح السخرية ذاتها فاختفت التفاصيل غير المهمة، ودقت الخطوط واختفى الزائد عن الحاجة منها، وتركزت التعليقات، واختفت أحيانا، تعبيرا عن تطور في القدرة على التركيز في الفكرة أو الموقف الذي يفجر الضحكة.

وقد استطاع بهجت وسط تلك الكوكبة من المواهب أن يحتفظ بتفرده وخصوصية وقدرته على الابتكار دون حدود ونجح دائما في أن يحافظ على قدرته على تغيير شخصياته وأنماطه وموضوعات سخريته فحين انتقل إلى "دار الهلال" مع انتقال أحمد بهاء الدين إليها عام 1964، واصل مغامراته في الرسوم المركبة، التي رسمها على صفحتي الوسط بمجلة "المصور" لسنوات طويلة، مقدما تنويعات مختلفة على موقف واحد، مفجرا باقتدار سخرية متعددة الوجوه لتعدد أشكال التفاعل الإنساني.. مع هذا الموقف الواحد‍‍.

وفي السبعينيات ومع الإنقلاب السياسي الذي قاده السادات على التوجيهات الرئيسية لثورة يوليو 1952، توقف "بهجت عثمان" عن الغناء بالكاريكاتير وبدا أن موهبته التي ازدهرت- هو وجيله- في ظل التوجهات الوطنية والتقدمية للثورة، أعجز من أن تساير الذي جرى.. وكان قليلون من هذا الجيل، هم الذين غيروا جلودهم ليتواءموا مع الريح.. وهكذا ودون اتفاق- توقف "بهجت" و"ايهاب شاكر" و "حجازي" و"اللباد" و"جورج" عن رسم الكاريكاتير وانتقل الأربعة الأولين إلى الرسم والكتابة للأطفال.. وعاد جورج إلى التصوير.. كان ما يجري أفظع من أن يحتمل، وكان داعيا للإحباط وبدا- كما قال لي بهجت- أن الأوان قد آن للمراهنة على ما بعد غد‍.

ولعلي كنت أتمنى لو أن هذا الكتاب قد تضمن مختارات من رحلة "بهجت عثمان" الطويلة وتجربته الغنية مع الكاريكاتير طوال ربع القرن الذي انقضى.

أما وذلك لم يتحقق- الآن على الأقل- فقد رضيت بنسمة من الهواء وشعاع من الشمس، واثق أنك سترضى أنت الآخر يا عزيزي القارئ.

سبع سنوات كانت قد مرت، على هجر بهجت للكاريكاتير، حين بدأ الأعداد للإصدار الثاني "الأهالي"- ربيع 1982- واذكر أن المفاوضات التي جرت لإقناعه بالعودة للكاريكاتير، كانت طويلة ومضيئة.. لكنه عاد يحاول- خطوة بعد خطوة.. التواصل مع العالم الجديد في عصر ما بعد حادث المنصة والتعددية الحزبية، فواصل رسومه التي كان قد توقف عندها في السبعينات فأعاد تقديم ردود الفعل المتعددة على موقف واحد.. وقدم نوعا من التعليقات الكاريكاتورية الجديدة على رسوم قديمة.. ومع أن رسومه الجديدة، قد اجتذبت الأنظار، بعمقها وبالسخرية الباطنة والظاهرة فيها.. إلا أنه كان واضحا أنه يبحث عن جديد يقدمه.

كانت الأهالي تنشر-أيامها- في صفحتها الأخيرة، زاوية للأخبار الخفيفة غير السياسية بعنوان "حكومة وأهالي" وخطر لنا أن نقترح على فناني الكاريكاتير أن يصمموا رأسا متغيرا للباب يتضمن هذه الثنائية.. ولكن الجميع كانوا يعدون ثم ينسون.

واستمع بهجت للطلب، ولم يعلق، وبعد أسابيع وجدناه يقدم أول رسومه بعنوان "حكومة وأهالي" وتتألق الرسوم أسبوعا بعد آخر، حتى طغت على رسوم بهجت الأخرى، وعلى اسم الباب الأصلي، فغيرناه!

وفي هذا الكتاب مختارات من رسوم بهجت التي نشرت تعبيرا عن هذه الثنائية الشهيرة.. وهي ثنائية ذات تاريخ في النفس المصرية، التي صكت المصطلح وأضافت إليه من خبرتها وتجاربها ليتجاوز معناه الحقيقي، دلالته اللفظية الظاهرة.. فهو مصطلح أقرب ما يكون إلى معنى "السيد" و"الفرفور" و "المالك" و"الأجير" و"حائز السلطة" ومن لا سلطان له.

وقد اختار بهجت للتعبير عن هذه العلاقة الثابتة والمتغيرة، شخصية عسكري البوليس التقليدي، الذي يرتدي البدلة الميري، ويضع عدة شرائط على ذراعيه ويبرم شاربه كالصقر، ليكون ممثلا للحكومة في مقابل الفلاح المصري، بالزعبوط والصديري والقميص الدبلان نائبا عن الأهالي.

وأسبوعا بعد آخر، وعددا بعد عدد، استطاع بهجت، عبر المواقف التي تجمع هذين النمطين أن يفجر ضحكات لا حد لها على مجريات السياسة المصرية في العهد الذي نعيشه مقدما تنويعات شديدة الثراء، تتجاوز التعليق على الآني والعابر، للسخرية من الثابت والدائم والمستمر!

وسوف يلفت نظرك يا عزيزي القارئ، إن بطلي بهجت، متطابقات في الملامح، رغم اختلافهما في الزي، وليس معنى هذا أنه يلاشي الفروق بينهما، بل معناه الأعمق، هو أن بهجت ينظر إلى هذه الحكومة القاهرة الماكرة المتمتعة بكل خيرات الوطن، ليست في واقع الأمر سوى حكومة غلبانة مقهورة هي الأخرى- بقوى كونية اختارت أن تكون ذيلا لها.

وموضوع الخلاف بين "الحكومة" و"الأهالي" الذي يفجر الضحكات في هذه الرسوم، لا ينبع فقط من الذكاء في اختيار النمطين، ولا من التناقض بين ما يحتاجه كل منهما من الآخر، وهو يتجاوز الآني حيث تحتشد المشاكل بين الطرفين من الدعم إلى الأسعار، ومن الديمقراطية إلى تزوير الإنتخابات، ومن الديون إلى تطبيع العلاقات مع إسرائيل، ليطرح الثابت والدائم، وهو المنطق المختل للعلاقة بن السادة والمسودين، وبين أصحاب السلطة والخاضعين لها، وهي علاقة لا يقف بهجت موقفا محايدا تجاهها، لذلك ينجح الفلاح زي الزعبوط، في أن يفجر سخرينا من منطق وسلوك الحكومة على امتداد الصفحات..

ولست أريد أن أصادر على حق القارئ في أن يفهم هذا الكتاب كما يريد، ولا على حقه، في أن يضحك معه بالطريقة التي يشتهى، ذلك أن بعض ميزات الفن الجميل، إنه يظل قادرا على الاحتفاظ بتلك الخصوصية التي تجعل كل قارئ يتفاعل معه بطريقته الخاصة، وأن يجد فيه وجوها للبهجة تتفق مع ما رآه الآخرين، وتختلف أيضا عنهم..

تلك وجوه أربع- على الأقل- للبهجة بهذا الكتاب، وهذه ملامح من قصصها..

أما الوجه الخامس- وليس الأخير- للبهجة به، فهو يخصني وحدي، إذ كان من حظي الحسن أن تتاح لي الفرصة لكي أقدم لك هذه الوجوه الأربع للبهجة أو لبهجت.. فلا فرق!!

المصدر : مقدمة كتاب الأهالي- رقم13/حكومة وأهالي … وخلافه، رسوم كاريكاتورية للفنان : بهجت

رجــوع