|
مع بدايات عملي في الصحافة تعرفت إلى
الكاريكاتور بوصفة أداة لتحويل النكتة اللفظية إلى رسم يثير الضحك عن
طريق إضافة الشكل المجسم بالمبالغة أو التقزيم إلى الكلمة الساخرة.
كان الرسام مجرد منفذ: يتلقى "الفكرة"من رئيس التحرير جاهزة فيفصل لها
الثوب المناسب. وغالباً ما كان رئيس التحرير يكتفي بأن يبلغ الرسام ما
يريده باختصار: ارسم لي فلاناً{من السياسيين} وهو يشير بسبابته بينما
علان {منافسة بين السياسيين} يمسح العرق عن جبينه!
أما لماذا، وما هو الموضوع، وما هو القصد، وما هي القضية، فهذه كلها
شؤون "أرقى" من أن "تكشف" للرسام المحدود الفهم… بالسياسية!
ولكم أمضى الرسام المسكين من الوقت منتظراً أن ينزل الإلهام على السيد
رئيس التحرير، أو أن ينفض مجلس زواره ليتفرغ له. ولكم وكم تناوبنا على
محاولة إيقاظ الزميل الرسام من نوم عميق سحبه إليه الانتظار الطويل،
لكي يتلقى "الأفكار" المدوية التي ستتفجر قنابل في العدد الجديد من المطبوعة
التي تعتمد السخرية سلاحاً للمعارضة أو للتأييد الفعال!
بل لقد جمعتني الزمالة، في بداية الستينات، مع رسام طيب كان قد جهز أرشيفاً
من الوجوه التي سبق له أن رسمها، وهكذا فقد كان يرسم الأجساد ثم "يكز"
الوجه المطلوب من رسم قديم وكفى الله المؤمنين شر القتال!
كان الكاريكاتور، عموماً، فناً، "مصرياً" وفد إلى لبنان مع كبار الصحافيين
ممن عملوا أو تتلمذوا على الصحافة المصرية.
وبالنسبة لجيلنا فلقد تعرفنا إلى النمط الأرقى من الكاريكاتور "المصري"
عبر مجلة "روز اليوسف"، ثم عبر مجلة "الهوى والشباب والأمل المنشود"
التي صدرت عنها في أواخر الخمسينات "صباح الخير".
وفي"صباح الخير"، تحديداً، بدأت علاقتي مع بهجت عثمان، عبر"فراخه" الشهيرة،
وكذلك مع صلاح جاهين عبر "قهوة النشاط" ومع تلك الكوكبة من الرسامين
الشبان الذين أبدعوا لنا مجلة للفرح ما زالت نموذجاً فريداً في بابها
حتى اليوم.
وفي "صباح الخير"، ومعها "روز اليوسف"، اكتشفنا لفن الكاريكاتور دورا
سياسياً من الدرجة الأولى.
وعبر هاتين المجلتين، وبعد ذلك في الصحف المصرية ثم بعض الصحف اللبنانية،
استعاد رسام الكاريكاتور اعتباره كمبدع وكداعية ومحرض ومبشر بالغد الأفضل.
لم يعد الرسام فنانا أجنبياً وافداً، كما بدأ أساسا في الصحف المصرية،
"يترجم" رؤيته الساخرة لعيوب المجتمع وظواهره السلبية في بعض ألوان التهريج
المرسوم، أو عبر بعض "الشخصيات" المبتدعة في لحظة تخل، كمثل "السبع أفندي"
و "رفيعة هانم"، وفي كليهما تحقير للرجل وللمرأة في آن، وتغييب للقضايا
الاجتماعية أو للظلم الاجتماعي عبر التشهير الشخصي المباشر.
صار الرسام هو صاحب الأرض وصاحب القضية، يحمل هموم شعبه ويعبر عنها بأسلوبه
المتميز والأقدار على النفاذ والوصول إلى أعرض قاعدة جماهيرية.
وتحولت النكتة إلى سلاح في يد الجماهير، في يد الفقراء و المستضعفين،
وفد كانت من قبل سلاحاً ضدهم. كانوا هم موضع السخرية، فتم تصحيح الوضع
المغلوط وصاروا هم الذين يسخرون من المحتل والمستعمر والظالم والمحتكر
والمستغل.
ثم تصدوا لتصحيح الكثير من المفاهيم المغلوطة في مختلف مجالات الفن والحياة.
انتقدوا مطربي ومطربات الموضة. وانتقدوا مداحي القصور وشعراء البلاط
من الأدباء والمثقفين المهجنين. انتقدوا الوزير المبذر والموظف المقصر،
وسخروا من الإقطاعي المتستر بلافتة الاشتراكية، وفضحوا رجل كل الفصول،
وشدوا العمة من رؤوس بعض المشايخ الذين كانوا يسخرون الدين لخدمة المفاهيم
الظلامية المتلطية تحت عباءات أصحاب السلطان.
وبطبيعة الحال فلقد احتل الرسامون، كدعاة وكمحرضين، مكانتهم في المعركة
الوطنية والقومية، ولم يكتفوا بالهجوم على العدو و التشهير به، بل هم
عروا المتعاونين معه وكذلك المتخاذلين أمامه، وطاردوا بريشتهم -الحربة
مروجي ذلك المفهوم المضلل للاستسلام والذي يصدره وكأنه هو الحل العادل
والدائم أو أنه السلام المرتجي.
* * *
في العام1974 أصدرنا "السفير" في بيروت، لكن جلسات
النقاش الفعلية حول "السفير" ودورها وماذا تريد أن تقول وكيف تقوله،
إنما دارت في القاهرة، ومع نخبة من المثقفين والكتاب والرسامين المبدعين
كان بهجت عثمان واحداً منهم. بل لعل بهجت، صديق العمر، والأكثر بساطة
وشفافية، والذي لا يعرف أن يكون صاحب غرض، قد ترك بعض بصماته على صيغة
"السفير" وشعاراتها التي أرادت منها أن تكون"صوت الذين لا صوت لهم".
ولقد قرر بهجت ومنذ اللحظة الأولى أن ناجي العلي، وكان آنذاك في الكويت،
هو رسام "السفير" ومغنيها وحادي مسيرتها نحو أن تكون "جريدة لبنان
في الوطن العربي، وجريدة الوطن العربي في لبنان" وجاء ناجي العلي وأطلق
نشيد اليقظة الذي كرس "السفير" كداعية للتغيير ورفض واقع التردي والانحطاط.
ودار الزمن دورة كاملة، فإذا نحن في "السفير" نمزق بعض الافتتاحيات
ونلغي العديد من المقالات حتى جاءنا ناجي العلي برسومه التي تقول ما
عجزنا عن التعبير عنه بكل هذه البساطة وبكل هذا الوضوح المشع.
قد لا يكون بهجت عثمان من جيل الرواد بين رسامي الكاريكاتور، لكنه
بالقطع واحد من الذين طوروا هذا السلاح الخطير وطوعوه بهموم الناس
وطموحاتهم المشروعة إلى غد أفضل. فبهجت عثمان يحمل هم الغد ويمد ريشته
المبدعة إليه، إنه يقول لنا، ببساطة، ما الذي يجب أن نسقطه لكي يكون
لنا الغد الذي تستحقه إنسانيتنا. أنه لا يسخر فقط من التواكل والتباطؤ
والبيروقراطية والفردية والتخلف والتحجر والتعصب وسائر أمراض السلفية.
وهو لا ينتقد فقط أولئك الذين يضربون الناس بسيف السلطان لأنهم يأكلون-
وبشراهة-من خبزه المسموم. أنه لا يستدر ضحكك لمجرد إضحاكك، فهو ليس
المهرج ولست المترف الخلي البال الذي يبحث عن تسلية مجانية يكون موضوعها-
في الغالب الأعم- المواطن الغلبان.
إن موضوع نقده الحكومة لا الأهالي، إلا إذا هم تقاعسوا وخنعوا وارتضوا
الظلم والتغييب وإلغاء الدور.
وليس بالمصادفة أنه لم يجعل "الصعيدي" موضوعاً لنكاته، كما فعل ويفعل
الكثيرون من المستغربين والمتغربين عن أوطانهم ومجتمعاتهم، المتنكرون
لأصلهم وأهلهم بهدف الالتحاق "بالمجتمع الراقي" البريء من قيم الصعايدة
ومباذلهم.
أنه صاحب نكتة مبدع. لكن النكتة ليست نكتة لذاتها. ليست حبكة أو ثورية
أو لعباً على الألفاظ والكلمات. ليست فنا للفن. إنها طلقة سخرية لاذعة
لا تخطئ هدفها، فيختلط الدوي بالقهقهة، فإذا ما هدأت موجة الضحك العارمة
تبعث في النفوس المعرفة اليقينية بمواقع الخطأ والخلل الواجب إصلاحها.
وكتاب بهجت عثمان الجديد كشف ونهج وتتويج لمسار.
لقد ضحك الحكام منا طويلاً، وسخروا منا حتى ملوا، فلا بأس أن تضحك
منهم وأن نجعلهم موضوع السخرية والتندر. لقد سرقوا منا حق الشكوى والتلوع،
سرقوا منا حق الكلام بل والكلام نفسه… فهم لا ينفكون يشكون من"الزمن
الرديء" ومن حالة العجز التي تعيشها الأمة في ظل الانقسام والتفكك
والضياع والإحباط واليأس والخيبات المتكررة!
أنهم يرموننا بدائهم وينسلون حكمهم ذاته ومرة عبر ادانتنا تاريخياً
بأننا نحن السبب في العجز والقصور والتردي لا هم!
* * *
كتاب بهجت عثمان الجديد هو دليل القارئ العربي للخلاص
من الدكتاتورية والطغيان. فبهجاتوس يختصر في شخصه كل حاكم ظالم وكل
متحكم متجبر، كل محتكر وكل مستغل، كل متاجر بالدين وكل مستفيد بالتعصب
الطائفي، وبهجاتيا هي أي قطر عربي،وكل قطر عربي.
بهجاتوس هو الفساد والتخلف والانحطاط، هو العجز والقهر والجهل، هو
مصدر التعاسة ونبع الشقاء المتعاظم كل يوم بقوة الاستمرار وبإلغائه
المنهجي لحق الاعتراض والمعارضة.
وبهجاتيا هي الأمة المهددة بالاندثار أن هي لم تغير واقعها الغارق
في سوادين: الظلم والظلام!
بهجت عثمان يدعوك لأن تغير وأنت تضحك، أنهم يتهموننا بما أصابنا نتيجة
حكمهم وحكمتهم! أنهم يريدون محاسبتنا مرتين: مرة عبر فإذا لم تغير
ما في نفسك، لم تستطع أن تغير ما في واقعك وغدوت أنت موضوع السخرية
والنكتة الجارحة،
بهجت عثمان افتداك بنفسه، لكي يحرضك فتتحرك طلباً للحرية، للديمقراطية،
للعدالة، للحق والخير والجمال.
هذا الكتاب بطاقة دعوة إلى غد أفضل، بعد غد أفضل، بعد بعد غد أفضل،
بعد بعد بعد غد أفضل،
المهم أن نبدأ.
المهم أن نباشر التصدي لبهجاتوس من أجل أن تبقى لنا بهجاتيا ومواطنها
البسيط والشفاف والطيب والساخر من كل خطأ في نفسه وفي الآخرين، المجتهد
لأن يتحرر ويحرر غيره من أمراض عصور القهر البهجاتوسية
فتعالوا نحرر بهجت عثمان، وكل بهجت عثمان، من الطاغية بهجاتوس وكل
طاغية، وابدأ بنفسك ثم بأخيك.
المصدر :تقديم لكتاب (الدكتاتورية للمبتدئين/بهجاتوس
رئيس بهجاتيا العظمى) الطبعة الثانية: مارس 1989 مصرية للنشر والتوزيع-القاهرة.
|