صلاح عبدالصبور - مصر
دراسات

عن مجلة (الجراد) –
للشعر المصري الجديد
مارس 1994

الحلم والإبداع

دراسة في شعر صلاح عبدالصبور

عبدالمقصود عبدالكريم

(مصر)


 (كل ما علمناه فاسد)
رامبو

من الموت انبثقت صحوته، وبالموت اكتملت، بدأ رحلته في بحر الحداد، وليل يثقل الفؤاد بالسواد، بدأها بالحكايات الحزينة عن طائره الصغير الذي حار برهة ثم انتفض. في حجر أمه كان يحلم في غفوته بالموت حين يدك الحياة، و زهران الذي تدلى رأسه الوديع. ولم يكتشف حكمة الفرح إلا بعد فوات الأوان، عرف في (مانيلا) أن الفم لم يخلق إلا للضحك الصافي، وأن الرقص هو معجزة الجسم البشرى، ولكن بعد أن انعقد الفم بضلالات الحكمة والحزن. وها إن انكشف له السر حتى" لون الدهشة عينا وفما، واستغفر الله، ثم ارتمى" ، وهكذا مضى شاعر ظل طوال حياته يخادع منجل حصاد الموت.

ويموت " صلاح عبد الصبور" انضمت حياة شاعر من أبرز ا شعراء " جيل التفعيلة الأول" في مصر. شاعر ضاع ضحية اكتشاف " الكل" العجيب. شاعر استطاع أن يخلق عالما شعريا  مكتملا،واستطاع أن يربط اسمه بمجموعة من القيم الفنية. مات " صلاح " وهو يعرف في تواضع الكبار أنه لم يكن بجيب معطفه غير شمعة وحيدة، أشعلها ومضى.

" معذرة يا صحبتي، فالضوء خافت شحيح

والشمعة الوحيدة التي وجدتها بجيب معطفي

أشعلتما لكم " ،. "

(مفتتح-أحلام الفارس القديم) لم يشعل صلاح شمعته الوحيدة

لنصلى أمامها، ولم يخطر على باله، لأننا. لو فعلنا متنا من البرد 

في السراديب المظلمة، لقد كانت شمعته نقطة مضيئة وعلينا أن نبصر على ضوء حلمنا الخاص، نعم، الهوة متسعة بين حلمنا وبين حقيقتنا ولكن علينا أن نهب أنفسنا للمغامرة دون أن نستلقي في (حكمة أيام الحزن الزرقاء، مقهورين ننتظر هدأة موتنا، ولو-ن أن نتوهم أننا قد أمسكنا بالحلم، فالحلم في الفن يجب أن يبتعد كلما اقتربنا، ولمبتعد الفن إذا توهمنا الإمساك بالحلم).

عمود الشعر. والشعر الحديث..

يبدو أن معظمنا لا يختلف حول أن الحركة الشعرية التي لاحت بوادرها في الأفق العربي في أعقاب الحرب العالمية الثانية كانت حركة شعرية جديدة ومع ذلك، سوف يتركز جهدنا على محاولة التعرف على علاقة هذه الحركة بالمفاهيم المتوارثة عن " عمود الشعر" لنعرف إلى أي حد كانت هذه الحركة جديدة. ولمل كل شئ طينا أن نتفق على اسم لهذه الحركة، فالأسماء المطروحة كثيرة: " الشعر الحديث" ، " الشعر الحر" ، " شعر التفعيلة" . ..الخ. ولأن معظم النماذج الأولى التي انتمت إلى هذه الحركة كان بينها وبين الحداثة والحرية طريق طويلة وشاقة. كان من الأفضل أن تسمى الحركة التي اعتمدت وحدة التفعيلة بحركة " شعر التفعيلة" ،. ومع  أننا نفضل استبعاد تقسيم الشعر تبعا للوحدات الموسيقية الخليلية، لأنه التقسيم الأسهل و الأكثر سطحية، ولأنه التقسيم الذي يتغاضى عن جوهر الشعر، فسوف نقبل هذا المصطلح لأنه ضمن المصطلحات التي استخدمت للتعبير عن تلك الحركة، من أكثر المصطلحات اقترابا من الوصف الصحي. ولنذكر أن " نازك الملائكة" تلح على" التذكير بأن الشعر الحر ظاهرة عروضية قبل شئ" .

جرى العرف على اعتبار حركة " شعر التفعيلة" ثورة في الشعر العربي، ولكن إذا كانت الثورة في الفن تعنى- في مفهوم شديد الاتساع- تأصيل مفاهيم  جديدة معاصرة والخروج من عباءة المفاهيم المتوارثة، فإن البدايات الأولي لشعر التفعيلة لم تكن كذلك، إنها لم تغير كثيرا في المفاهيم القديمة بل أدت فقط إلى تغير محدود وسطحي في شكل القصيدة المربية، أو بالأحرى في هندستها، إنها لم تبتعد كثيرا عن الشواطئ المعروفة ولدت قصيدة التفعيلة وهى تحمل على كاهلها العمود الشعري بعد أن حملته مزيدا من رتابة الإيقاع. نعم، نحن نعرف - يقول " تر وتسكي" في" الأدب والثورة : " إن الشكل يتطور، ضمن حدود معينة، بحسب قوانينه الخاصة، مثله في ذلك مثل كل تقنية ا أخرى، فكل مدرسة جديدة وإذا كانت مدرسة فعلا وليست تطعيما اصطناعيا، تنطلق في كل التطور السابق، من التقنية القانصة قبلها، من الكلمات والألوان، ثم تبتعد عن الشواطئ المعروفة في أسفار جديدة وفتوحات جديدة،. ومن ثم لا يمكن اعتبار البدايات الأولى لشعر التفعيلة أكثر من مجرد تطور في الشعر العربي، تطور حذر، سبق بتطورات كثيرة وسوف يلحق بتطورات أكثر. ولعل من أهم الأسباب التي دعت إلى وصف الحركة الجديدة" بالثورة" هي ردة الفعل التترية المعتادة من قبل السلفيين للحفاظ على الإرث المقدس، ولنذكر أن أحدهم قال عن شعر شاعر كأبي تمام.: " إذا كان هذا ا!م شعرا فكل كمم العرب باطل " . إنه النواح المألوف على جسد القصيدة التقليدية المعقل الحصين للسلفية العربية. ومع ذلك طينا أن نعترف بأن الحركة الجديدة قد مضت في طريقها أبعد بكثير مما كان ل!يد لها بعض روادها الأوائل، فلم يتسع أفق بعض هؤلاء الرواد لاستيعاب التطورات الأحدث، بل إن بعضهم قد ارتد على نفسه، تقول " نازك الملائكة" : " على الشعر الحر أن لا يطغى على شعرنا المعاصر كل الطغيان " .

وكانت نازك ترى في الحركة مجرد ظاهرة عروضية قبل كل شئ: " نلح مع ذلك على أن الشعر الحر ظاهرة عروضية قبل كل شئ. وذلك أنه يتناول الشكل الموسيقى للقصيدة ويتعلق بعدد التفعيلات في السطر، ويعنى بترتيب الأسطر والقوافي وأسلوب استعمال التدوير والزحاف والوتد وغير ذلك مما هو قضايا عروضية بحتة" . نعم، ربما كانت المشكلة عروضية عند بعض الرواد، لكن التجربة قد انطلقت بعيدا في أسفار جديدة وفتوحات جديدة" ، وسادت القصيدة ا لمركبة" الزاخرة بممكنات كثيرة" وقصيدة النثر، كان لابد من تفجير أشكال جديدة تستوعب محتوى جديدا، يقول إرنست فيشر: " إن المحتوى الجديد يفجر، حيث كان، حدود  الأشكال القديمة ويخلق أشكالا جديدة" .

مع بداية شعر التفعيلة ظهرت حركة نقدية مواكبة له، وقد أدت هذه الحركة دور المؤازرة للحركة الشعرية الوليدة بإخلاص ودأب شديدين في مواجهة التيار السلفي. وقد تطلب دور المؤازرة تأييد معظم القصائد التي تنتمي للشكل الجديد لمجرد انتمائها له. ومع عدم التقليل من دور المؤازرة إلا أنه يصبح عديم الفائدة بعد رسوخ الحركة وانفتاحها على أفاق جديدة، ومن ثم يجب النظر مرة أخرى للحركة بموضوعية لنعرف إلى أي هدى كانت هذه الحركة تجديدية في بداياتها.

في الفن، عندما تبدأ حركة تجديدية، تبدأ من السابق عليها، تحمل الماضي في طياتها ولا تستطيع الإفلات الكامل منه، خصوصا حين يكون هذا الماضي ممتدا في الزمن إلى حد الإيغال - خمسة عشر قرنا على الأقل في حالة شعرنا العربي- ولكن، على الحركة أن تلتهم الماضي ولا تتوقف عن التهامه حتى يكتب لها الرسوخ،. ولأننا نعرف أن الفن، في بداية حركاته التجديدية يحمل الكثير من السابق عليه، يكون من المهم، بل من الضروري في بداية نشوء حركة تجديدية أن ندرس ملامح التجديد ونكشف عنها يجعلها محور الاهتمام، ولكن عندما ترسخ الحركة يكون من الموضوعي دراسة الظواهر والسمات الغالبة على الحركة للخروج بالتقييم الصحيح لكي تستمر الحركة في انطلاقتها.

والآن، علينا أن- نعيد النظر في التجارب الأولى لشعر التفعيلة، في محاولة للتعرف محلى السمات العامة لها، وفي لحظات قليلة قد أشير إلى بعض خيوط الحداثة، قد لا أشير إلى هذه الخيوط على الإطلاق لأنه قد بولغ كثيرا في الكلام عتها. لا يعني هذا أنني أقلل من شأن الحركة في بداياتها، لكنني أرى أنها لا تمثل كثيرا في طموحنا إلى تحديث القصيدة العربية، إنها أ البداية، النقطة الأولى.

لكن لماذا  إعادة النظر من خلال شعر " صلاح عبد الصبور،؟

إن " صلاح " واحد من أهم شعراء الجيل الأول لمن يريد دراسة السمات الفنية لبدايات شعر التفعيلة، لأن تلك السمات تشمل كل عالمه الشعري باستثناء بعض القصائد التي حاولت الخروج في تردد وحذر، إنه صوت نقى مكتمل، استطاع أن يخلق عالما شعرياً متجانسا، لا تشذ عليه. إلا بعض القصائد، وقد اجتذب هذا العالم الشعري اتباعا كثرا في الشعر المصري، يمثلون معظم شعراء الجيل الثاني وبعض شعراء الجيل الثالث،  ومن ثم كان من الضروري دراسة القيم الفنية التي يرتكز عليها شعره مع التركيز على الجوانب التقنية. وسوف أحاول ذلك من خلال دواوينه الستة دون العرض لمسرحه الشعري، حيث أنا المسرح الشعري مشكلة أخري تحتاج إلي تناول آخر.

الخروج عن عمود الشعر

شاع في الأذهان أن عمود الشعر مرتبط بالوزن والقافية وحدهما، وتعودنا أن نصف القصيدة بأنها عمودية، حينما تكون موزونة على أحد البحور الخليلية ومقفاة، لكن " المرزوقي" في مقدمة شرحه لديوان الحماسة، يرى في عمود الشعر شيئا أخر. الشعر عند العرب له سبع خصال: " من لزمها بحقها وبنى شعره عليها فهو عندهم المفلق المعظم. والمحسن المقدم، ومن لم يجمعها كلها فبقدر سهمته منها يكون نصيبه من التقدم والإحسان، وهذا إجماع مأخوذ به ومتبع نهجه عند العرب" .

والخصال السبع هي:


1—شرف المعنى وصحته.
2—جزالة اللفظ واستقامته.
3- الإصابة في الوصف، ويستشهد بقول عمر بن الخطاب في زهير – وكان يراه أفضل الشعراء –" كان لا يمدح الرجل إلا بما يكون للرجال" .
4- المقاربة في التشبيه.
5- التحام أجزاء النظم والتئامه على تخير من لذيذ الوزن،
6- مناسبة المستعار منه للمستعار له،
7- مشاكلة اللفظ للمعنى وشدة اقتضائهما للقافية حتى لا منافرة بينهما.
إذا، علينا منذ البداية، أن نفرق بين الخروج على عمود. 

الشعر و الخروج على خصلة من خصاله، إن الخروج على إحدى الخصال لا يعتبر ابتكارا جديدا، خاصة إذا كانت الخصلة تشبه الرداء، حين نخلع عن الشيء رداءه القديم، يبقى هو هو إذا لم نغير البدن. والمرزوقي نفسه وهو بصدد كلامه عن الخصال يتكلم عن " من لم يجمعها كلها" . إذا، فمسألة عدم جمع الخصال مسألة مطروحة منذ المرزوقي (ت:421 هـ).

والسؤال الآن: أين موقع شعر التفعيلة في بداياته من عمود الشعر؟ لقد تبنى شعر التفعيلة وحدة التفعيلة بدلا عن وحدة ا البيت، وأبقى على الخصال الأخرى. إنه عدل في واحدة من الخصال – لا أستطيع القول أنه خرج عليها- وأبقى علي الخصال الأخرى، إنه رقع الثوب القديم ولم يكلف نفسه عناء تغيير الرداء. هذا ما حدث في البدايات الأولي من شعر التفعيلة. وهذه البدايات ليست تحديدا زمنيا ولكنها تحديد فني. إن القصيدة التي تنتمي إلى البدايات الأولى هي قصيدة تحمل عددا من السمات الفنية. فحين نجد أن هذه البدايات قد امتدت طويلا في الزمن حتى أنها تضم معظم ما اصطلح على تسميته بشعراء الجيل الثاني من شعر التفعيلة وبعض شعراء الجيل الثالث، فإن بعض القصائد في الخمسينات قد خرجت أو حاولت الخروج على هذه البدايات.
أهم الخصال التي تميز شعر التفعيلة في بداياته هي:

1- الالتزام بوحدة، التفعيلة والاتكاء على القافية- مازال الشعر هو الموزون المقفى.
2- الاعتماد على الصورة المحددة التي لا تحمل غير معناها المباشر- مازال وجه الشبه بين طرفي الصورة واضحا ومنطقيا.
 3- استخدام المفردة بمعناها المعجمي وعدم شحنها بشحنات خاصة تحصل معنى جديدا وبكرا- سيطرة المفردة الحيادية.
4- سيادة قصيدة الموضوع –الغرض.
5- التمحور حول الذات، تمجيد الحزن، الاحتفاء بالبطل الفرد- سيطرة روح الرومانطيقية.   

ولأن كل واحدة من هذه الخصال تحتاج إلى دراسة مستفيضة مستقلة. فإن هدفنا- هنا لا يعدو التدليل على هذه الخصال من خلال شعر " صلاح " ، واضعين في الاعتبار أنها خصال عامة وأن نقيضها ربما يكون موجودا، ولكنه لا يمثل سمة مميزة.

الشعر و الموسيقى في الشعر العربي

" الشعر هو الموزون المقفى" ، أو هكذا تعلمنا. والوزن هو مجموعة التفعيلات التي يتكون منها البيت " والتفعيلة هي وحدة إيقاعية تتكون من ترتيب محدد لعدد من الحروف المتحركة والساكنة. حين حاول الخليل احمد اكتشاف النظام الموسيقى للقصيدة العربية، لاحظ في كثير من الشعر العربي ترتيبا معينا للحروف المتحركة والحروف الساكنة في البيت الواحد، لأن هذا الترتيب يختلف في أبيات القصيدة الواحدة في نطاق محدد. وقد وضع الخليل أسس علمه على هذا الأساس، مع استبعاد ما يشذ على هذا الترتيب وهو كثير، كما يحدثنا المؤرخون، وكما تنطق بذلك دواوين الشعر القديم التي يعمد المحققون إلى ضبط الأبيات فيها على الأسس الخليلية. وعلينا أن نقر أن العلم الذي وضعه الخليل قد عجز عن اكتشاف ماهية الموسيقى في شعرنا العربي، لأنه يخضع " النظم" لنفس القانون الموسيقى الذي تخضع له القصائد العظيمة. وحتى الإطار الذي وضعه الخليل لم يستطع احتواء كل نماذج الشعر العربي الذي سبقته. إن ما فعله الخليل – دون الدخول في تفصيل- هو اكتشاف للترتيب الهندسي للحروف المتحركة والساكنة في كثير من الشعر الذي سبقه، وفارق كبير بين الذي اكتشفه وبين الموسيقي، نحن لا نقلل مما فعل الخليل، ولكن السلفية نامت علي وسادته ولم تستطع حتى اليوم اكتشاف ماهية الموسيقى في الشعر العربي التي يمكننا على أساسها أن نفرق ببين موسيقى الأبيات التالية- جميعا من معلقة امرئ القيس، وهى من بحر الطويل، كما يقال-:

(فتوضح، فالمقراة لم يعف رسمها
 لما نسجتها من جنوب وشمال،
وقوفا بها صحبي عليّ مطيهم
يقولون لا تهلك أسى وتجمل)
(مكر، مفر، مقبل، مدبر معا
        كجملود صخر هده السيل من عل)

      (أفاطم مهلا بعض هذا التدلل
فان كنت قد أزمعت صرمي، فأجملي)
(أغرك مني أن حبك قاتلي
وأنك  مهما تأمري القلب يفعل)

لاشك أن ثمة اختلافاً في موسيقى الأبيات السابقة، دون أن يعنى الاختلاف عدم التجانس، وان كان بعض التجانس مفقودا فإن ذلك راجع إلى أن الأبيات مجتزأة من سياقها. وفى القصيدة التالية " حزن في ضوء القمر  (لمحمد الماغوط)، ثمة تجانس موسيقى نحسه عندما نقرأ القصيدة للوهلة الأولى، برغم أن أحدا لا يستطيع أن يسمى لنا " البحر" أو" التفعيلة، التي تخضع لها القصيدة.

" أيها الربيع المقبل من عينيها
أيها الكناري المسافر في ضوء القمر
خذني  إليها
قصيدة غرام أو طعنة خنجر
فأنا متشرد وجريح
احب المطر وأنين الأمواج البعيدة
من أعماق النوم استيقظ
لأفكر بركبة امرأة شهية رأيتها ذات يوم
لأعاقر الخمر  وأقرض الشعر.
وبعد، ما الذي فعله شعر التفعيلة في موسيقى الشعر؟

إن شعر التفعيلة، في بداياته الأولى، استبدل التفعيلة بالبيت كوحدة موسيقية. وهذا اعتراف ضمني من رواده بإيمانهم بالفهم المتوارث لموسيقى الشعر. إن شعر التفعيلة كان تطورا داخل الأطر الخليلية. وقد دافع وواد المدرسة الجديد" عن هذا الشعر بأنه موزون. نعم، إنه شعر موزون وخاضع للعروض الخليلية، لا كما قننها الخليل ولكن كما فهمها، إنه تغير كمي على مستوى الموسيقى، تغير يمس السطح ولا يقترب من الأعماق ويرسو على الشواطئ القديمة ذاتها. ويخلص أحد الباحثين في دراسة عن الأبنية العروضية ووظائفها في شعر صلاح إلى تقرير: (إن صلاح وان أكثر من استخدام  البحور التي كانت قليلة الاستعمال في الشعر التقليدي، ما زال مرتبطا بالقوالب التقليدية إلى حد ما" (مجلة فصول- العدد الثالث).

" أواحدتي قبلما نلتقي
إ بذاك المساء السعيد البعيد
بلوت  الحياة وأرزاءها
عرفت صليل القيود الحديد"

                                                (الملك لك - الناس في بلادي)

بيتان يتصدران إحدى قصائد شعر التفعيلة، وهما يخضعان للتقنين الخليلى خضوعا تاما كما أنهما يخضعان لبعض العيوب المتوارثة في القصائد القديمة ومنها محاولة إتمام البيت بشكل متعسف، فكلمة" ذاك" ، كان يجب أن تعفينا من ذكر كلمة " البعيد" وكذلك كلمة " صليل " بالنسبة لكلمة الحديد" ولا يخفى على أحد الصعوبة عند قراءة " المساء السعيد البعيد" ، (صليل القيود الحديد" . والصعوبة ناتجة عن رتابة الإيقاع وتكرار الصفتين ثم تكرار الصفة بعد المضاف إليه، واستخدام ست كلمات لها نفس الإيقاع الخليلى، مساء، سعيد، بعيد، صليل، قيود، حديد " ومع ذلك فالبيتان متجانسان مع بعدهما:

" وكم ليلة جعت يا فتنتي
وأخرى ظمئت
وكم جعدت عارضي الدماء
وقد وخزتها ليالي الشتاء"

الذي طرأ هو مجرد تغير في الشكل الهندسي. إن شعر التفعيلة في بداياته لم يقدم مفهوما جديدا لموسيقى الشعر، لكنه احدث بعض التطور في المتوارث- بخصوص عدد التفعيلات في البيت، وظل متشبثاً بالوزن والقافية .

إذا ما سلمنا بوجود سمات عامة خاصة ببعض الظواهر الشكلية لبعض بحور الشعر العربي القديم، فإن هذه الخصائص لم تختلف كثيرا حين تحولت الوحدة المستخدمة من وحدة البيت إلى وحدة التفعيلة. وسوف أحاول في دراسة مستقلة دراسة خصائص الرجز  والمتدارك، لأنهما بحران سادا أكثر من غيرهما  في شعر التفعيلة- بين الشكل القديم وقصيدة التفعيلة الأولى. وسأعرض هنا- على سبيل المثال، نموذجا من قصيدة " الشعر والرماد" من ديوان " الإبحار في الذاكرة" .

" ها أنت تعود إلى،
أيا صوتي الشارد زمنا في صحراء الصمت الجرداء
يا ظلي الضائع في ليل الأقمار السوداء
يا شعري التائه في نثر الأيام المتشابهة المعنى
الضائعة الأسماء"

لنتأمل انتشار المضاف إليه والصفة بشكل يكاد يكون سرطانيا، فبنظرة سريعة نعرف أن كل الأسماء تلحق بمضاف إليه أو صفة باستثناء- كلمة واحدة (زمناً). ربما استخدم الشاعر ذلك لغرض ما، نحسه من القصيدة، ويكون ذلك أمرا مقبولا، لكن أن يمثل  الأمر ظاهرة عامة تشمل معظم قصائد هذه التفعيلة، فإن ذلك يدعو للتساؤل، ربما يكون له علاقة بسهولة النظم. أما أنه استخدام سرطاني فمرده إلى أن معظم الصفات لا تؤدي وظيفة، ومكررة بشكل رتيب، لنتأمل ما الذي يعود منه إليه " صوتي الشارد، ظلي الضائع " ، " شعري التائه" ، إن " صوتي، ظلي، شعري" شئ واحد، والصفات " الشارد، الضائع، التائه" ، صفة واحدة، بمعنى أن الكلمات الثلاث تؤدى نفس المعنى الشعري. ولنتأمل أيضا- أن هذا الذي يعود " الشارد أو الضائع أو التائه،، يعود من " صحراء الصمت الجرداء " ليل الأقمار السوداء" ، " نثر الأيام المتشابهة المعنى، الضائعة الأسماء، إن الذي يعود، يعود من نفس المكان بعد أن يكون المد السرطاني للصفات قد أتى على كل شئ مصاحبا للمد الموسيقى الذي يشبه الضرب المنتظم على طبل أجوف :

" ناحت له صلوات
واسترجعت عبرات
وتصدت النزوات

(الناس لي بلادي)
" ونقلتين في شباك رؤيتي المنحسرة
-          تذوين بين الأرض والسماء..

ويسقط الإعياء
منهمرا كالمطرة.
على هشيم نفسي الذابلة المنكسرة
كأنه الإغماء"

(البحث عن وردة الصقيع - شجر الليل)

يطل التسكين " في نهاية الأبيات ليضيف إلى القصيدة رتابة. ويرى " كمال أبوديب، في التسكين تحولا مهما، حيث أنه يقربنا من لغة الحياة اليومية، كما أنه يمثل نسقا موسيقيا جديدا عند تلاقي ساكنين. نعم ربما يكون التسكين مهما ولكن عندما يفعله الشاعر لا القافية.

في المثالين السابقين وفى معظم النماذج يبدو التسكين من فعل القافية وليس الشاعر. في معظم نماذج البدايات الأولى لشعر التفعيلة نرى القافية والتسكين متلازمين، إن كليهما يصنع الأخر ويبدو الشاعر وكأنه قد تنحى عن مهمته. إن التسكين متكأ سهل، إذا لم يستطع الشاعر أن يكمل البيت، إذا فليضع " سكونا" وليبدأ بيتا جديدا دون أن يبالي بالمعنى، بل دون أن يبالي باكتمال الجملة ورتابة الإيقاع.

" ويا دراري العيون
ماذا تقولون  وتشغبون؟
مازا تحدثون؟
يا أيها الموتى المعذبون"
(ذلك المساء - تأملات في زمن جريح)
وإذا أراد الشاعر أن يختلق قافية فليضع سكونا، فسوف يسهل له الأمر كثيرا:
" يا أيها الصغار
عيونكم تحرقني بنار
تسألني أعماقها عن مطلع النهار
عن عودة إلى الديار
- أقول يا صغار.. "

(ثلاث صور من غزة أقول لكم)

الشعر .. صورة

الصورة الشعرية توسيع لأفق اللغة وتوسيع للكون الشعري، في محاولة لأسر الوجدان، وعلى الصورة أن تكون باتساع الكون الوجداني، لكي تستطيع أسره. الوجدان مركب شديد التماسك، لا يمكن تحليله إلى عناصره الأولى، من حزن وفرح وتوتر وهدوء، وحب وكراهية .. دون الإخلال. اعتدنا الصورة التي تعبر عن عصر وجداني واحد، نريد صورة تتوغل في الكون الوجداني وتمسك به، ولأن المركب يختلف عن مجموع عناصره، لا نريد صوراً تمسك بمجموع العناصر، وحدها الصورة الإيحائية يمكنها الآن تأسر الوجدان. الصورة التي  تقول، تحاول أن تصف الوجدان دون أن تقترب منه. لا نريد أن نصف، نريد أن نأسر، الوصف هو نثر الحياة، أسر الوجدان بالصورة هو الشعر، الوصف محدود، والإيحاء عالم مزدحم بالدلالات. الوصف رصد سطحي للزمان و المكان، الإيحاء إيغال في الكون الوجداني غبر الزمان و المكان. لا نريد أن نثبت عند لحظة خارجية، نريد أن نتوغل في الكون الوجداني.

( تمليناك حين أهل فوق الشاشة البيضاء
وجهك يلثم العلما
وترفعه يداك
لكي يحلق في مدار الشمس
حر الوجه مقتحما ..)
(إلى أول جندي رفع العلم في سينا – الإبحار في الذاكرة)

( .. يتبع )



الصفحة الرئيسية