صلاح عبدالصبور - مصر
صدوق نورالدين حمدي السكوت أحمد فرحات
سعدية مفرح محمد حبيبي علي الشرقاوي
أكرم قطريب عبدالعزيز موافي فخري صالح

رائد قصيدة التفاصيل في الشعر العربي المعاصر

(ربع قرن على غياب صاحب «الناس في بلادي» ... صلاح عبدالصبور)

فخري صالح
(الأردن)

صلاح عبدالصبورتمر هذه الأيام الذكرى الخامسة والعشرون لرحيل الشاعر المصري صلاح عبدالصبور، وهي مناسبة لمراجعة ما أضافه هذا الشاعر، المختلف بين أبناء جيله من الشعراء العرب، إلى القصيدة العربية في زمن كان الشعر يتوجه إلى توظيف الأسطورة في القصيدة، أو أنه كان يغرق في بلاغته العتيقة التي تتخذ من شكل التفعيلة جواز مرور إلى الحداثة. كان صلاح عبدالصبور يحاول الاقتراب، منذ مجموعاته الشعرية الأولى: «الناس في بلادي» و «أقول لكم» و «أحلام الفارس القديم»، مما يسميه النقد العربي في اللحظة الراهنة «القصيدة اليومية»، أي تلك القصيدة التي تعنى باليومي والبسيط والعادي فتجعله مدار بحثها الشعري لتقوم في تصعيده والعثور فيه على ما هو شعري ولافت ومثير للدهشة.
يمكن أن نعثر على الرؤية النظرية لعبدالصبور، في ما يتعلق بقصيدة التفاصيل أو قصيدة اليومي والعابر، كما تسمى في نقدنا الراهن، في مواضع عدة من كتاباته النثرية وتأملاته حول الشعر العربي وكذلك حول تجربته الشعرية. فهو يفصّل الحديث في كتابه «حياتي في الشعر» عن اكتشافه لـ تي. س. إليوت في مطلع شبابه منوهاً أن ما استوقفه في شعر إليوت هو جسارته اللغوية لا الأفكار المبثوثة في شعره. يقول عبد الصبور «كنا نحن - ناشئة الشعراء - نحرص على أن تكون لغتنا منتقاة منضدة، تخلو من أي كلمة فيها شبهة العامية أو الاستعمال الدارج. كنا قد خرجنا من عباءة المدرسة الرومانطيقية العربية، بموسيقاها الرقيقة، وقاموسها اللغوي المنتقى، الذي تتناثر فيه الألفاظ ذات الدلالات المجنحة، والإيقاع الناعم. وكنا قبل ذلك كله أسرى للتقليد الشعري العربي الذي يؤثر أن تكون للشعر لغته الخاصة، المجاوزة للغة الحياة، والبعيدة عنها في بعض الأحيان». ويرى عبدالصبور في تأمله للمسألة اللغوية في الشعر العربي المعاصر أن اللغة الشعرية تعففت «عن استعمال أي لفظ جرى استعماله في الحياة العادية رغم عربيته الأولى، إيثاراً للزينة والصدق، وظناً أن اللفظ يفقد جماله حين تتداوله الألسن». وهو يعتقد بأن ذلك «كان انعكاساً لملامح التقليدية والتكلف التي اكتسبها شعرنا العربي خلال قرونه الأخيرة». كما أنه ينتقل للحديث عن الدارج من الكلام قائلاً إننا «على حق حين نلتقط الكلمة من أفواه السابلة ما دمنا نستطيع أن ندخل بها في سياق شعري، هذا مع علمنا أن محك جودة السياق الشعري هو قدرته على التعبير وجلاء الصورة».
في قصيدته «شنق زهران» يستخدم صلاح عبدالصبور الكلام السائر بين الناس في القرية (العبارات العامية المتداولة في صورتها الفصيحة، وموجودات القرية وعناصرها) والصور الدالة على البيئة الريفية، وما يبدو تفصيلياً جزئياً في حياة شاب قروي ذاكراً الوشم على صدغ زهران وزنده.
كان زهران غلاماً/ أمه سمراء والأب مولد/ وبعينيه وسامة/ وعلى الصدغ حمامة/ وعلى الزند أبو زيد سلامة».
يساعد قصيدة «شنق زهران» في تنمية لغة التفاصيل كونها تستند إلى سرد حكايتها المركزية مستخدمة تقنية الفلاش باك، وأسلوب التقطيع السينمائي، وجعل مشهد الشنق يفتتح القصيدة ويختتمها. لكن اللافت في القصيدة لا يتمثل في استخدام السرد وسياقاته بل في تطعيم بنيتها باليومي السائر في حياة أهل القرية، وفي تفصيح العامي، وما يبدو مبتذلاً مهملاً لا تلحظه العين. إن عبدالصبور ينزل بالشعر العربي، في مرحلة مبكرة من ثورة الشعر العربي الحديث، من عليائه ويدخل إلى القاموس الشعري ألفاظاً وتعبيرات كان الذوق السائد ينكر شعريتها وينسبها إلى عالم النثر والحياة اليومية للعامة. لكن الشاعر يقتنص هذه العبارات «غير الشعرية» ليصنع منها قصيدة تحكي عن البطولي والوطني بلغة أقرب ما تكون إلى لغة البسطاء غير المثقفين الذين ينتمي إليهم زهران. وبهذا المعنى تبدأ لغة الشعر، التي أرهقها الكلام المكرور والصور المستعادة من القاموس الشعري الموروث، في التحرر من النمطي والميت والمهجور وغير المعيش لتعيد الاتصال بالتفصيلي والحي وتعمل على «خلع الشاعرية» على «فتات الحياة النثرية».
ويمكن أن نعثر كذلك على توليف لغة الحياة اليومية، وجدلها في سياق التعبير الشعري، في قصيدة «الناس في بلادي» حيث اللغة أقرب إلى الركاكة، في صيغها النحوية والتركيبية، لأن الشاعر يريد أن يكون ناقلاً محايداً لحكاية الموت والحياة. إن اللغة في القصيدة هي أقرب ما تكون إلى مستوى اللغة الإخبارية، التي تصف وتلخص وتستعيد المشهد وتنقل ما يدور بين الناس العاديين من كلام.
وعند باب قريتي يجلس عمي «مصطفى»/ وهو يحب المصطفى/ وهو يقضي ساعة بين الأصيل والمساء/ وحوله الرجال واجمون/ يحكي لهم حكاية... تجربةَ الحياة/ حكايةً تثير في النفوس لوعة العدم/ تجعل الرجال ينشجون/ ويطرقون/ يحدقون في السكون».
يرغب صلاح عبدالصبور، كما هو واضح في قصيدتي «شنق زهران» و «الناس في بلادي»، أن يقترب من تفاصيل الحياة اليومية للناس، وإضفاء الشعرية على هذه الحياة التي لا يلتفت إليها الشعر ويعدها موضوعاً غير شعري ويلحقه بعالم النثر. وفي سبيل تحقيق هذه الاستراتيجية يحقن الشاعر قصيدته بما يتفوه به الناس وما يجري على ألسنتهم من أمثال وتعبيرات شعبية وكلام مكرور مستعاد وصفات نمطية، ويلجأ إلى التعبير المباشر بحيث تخلو القصيدة من الصور والاستعارات ويكتفي الشاعر بالتشبيه البسيط إذا أضطر إلى لغة التصوير والتعبير الشعري المألوف. إن عبدالصبور يفعل ذلك واعياً بغاياته لتقليل منسوب الشعرية، بمعناها المتداول والشائع في سياق تطور الشعر العربي في خمسينات القرن الماضي، والوصول بالقصيدة إلى لغة اليومي والدارج والعادي والتفصيلي والنثري والركيك الذي يتنكب البلاغة ويعزف عن الفصاحة ويستعين بالتعبير التقريري المباشر عن تراجيديا الحياة اليومية للناس في بلاده.
يبلغ عبدالصبور ذروة مشروعه في حقن قصيدته بلغة الحياة اليومية في قصيدته «الحزن»، التي أثارت الكثير من اللغط في النقد العربي المعاصر واستخدمت دليل اتهام ضد القصيدة العربية الحديثة، وسُخر منها بوصفها تمثل انحدار الشعرية العربية. لكن هذه القصيدة تمثل، من وجهة نظري، واحدة من أفضل قصائد عبدالصبور التي تجدل ببراعة التعبير عن السعي اليومي للبشر، بكل ما يصادفهم من مصاعب وما يحركهم من رغائب، والرسالة التي تعمل القصيدة على صوغها في النهاية.
إن السطور الأولى من القصيدة تبدو صادمة للذائقة الشعرية السائدة، لا في خمسينات القرن الماضي فقط بل في اللحظة الراهنة كذلك. لكن غاية الشاعر الجسور، الراغب في تغيير الذائقة وفتح سبل جديدة للكتابة الشعرية، هي توجيه ضربات متواصلة للوعي الشعري المتبلد الذي أصبح التكرار ديدنه والنقل طريقته في الكتابة. وبغض النظر عن تهمة الركاكة، وتنكب صيغ البلاغة والشعرية السائدتين، فإن كتابة عبدالصبور في تلك الفترة تمهد لوعي شعري مختلف بتأثير الاصطدام بالحياة اليومية وقراءات عبدالصبور وجيله في آداب الأمم الغربية واطلاعهم على انهدام الفاصل بين ما هو شعري ونثري في أشعار تلك الأمم. وكما يلحظ عبدالصبور استخدام إليوت مفردات الحياة اليومية وتعبيرات الرجل والمرأة العاديين في شعره فإنه يتجرأ في قصيدة «الحزن»، وغيرها من قصائد ديوانه «الناس في بلادي»، على النزول بلغة الشعر العربي إلى الشارع، إلى ما يتصل بالعيش اليومي والحاجات الإنسانية الأرضية الأساسية. وهو بهذا المعنى يخلع على الشعر طابعاً أرضياً، ويدنس الشعر بما كان يُظَن أنه ليس من «أصله»؛ فالشعر سماوي النشأة، معني بما يتسامى من حاجات الإنسان الروحية، تعذب قائلَه طبيعتُه الأرضية التي يحاول التخلص منها عبر الكتابة الشعرية. وتمثل قصيدة «الحزن» هذا التوجه في الكتابة الشعرية تمثيلاً صارخاً وصادماً بالفعل بحديثها عن «شرب الشاي في الطريق» و «رتق النعل».
يا صاحبي، إني حزين/ طلع الصباح، فما ابتسمت، ولم ينر وجهي الصباح/ وخرجت من جوف المدينة أطلب الرزق المتاح/ وغمست في ماء القناعة خبز أيامي الكفاف/ ورجعت بعد الظهر في جيبي قروش/ فشربت شاياً في الطريق/ ورتقت نعلي/ ولعبت بالنرد الموزع بين كفي والصديق/ قل ساعة أو ساعتين/ أو عشرة أو عشرتين».
من الواضح أن عبدالصبور كان يسعى في قصائده الأولى إلى التوصل إلى أسلوب يتنكب من خلاله الدروب المطروقة للآخرين. وقد وجد ضالته، كما رأينا، في النزول بشعره إلى الأرض وتطعيم لغته الشعرية بالمفردات والألفاظ المأخوذة من أفواه الناس وجعل الإنسان العادي بطل عالمه الشعري. لكن الإيغال في استخدام هذه الألفاظ والمفردات، الذي بلغ ذروته في قصيدة «الحزن»، لم يتواصل في تجربة عبدالصبور الشعرية. وإذا كانت قصائد الشاعر جميعها لا تخلو من هذا الصوت الخافت، الذي يهمل البطولي لمصلحة العادي والهامشي، فإن عبدالصبور يقيم توازناً في مجموعاته الشعرية التالية بين القاموس الجديد الذي أدخله إلى مملكة الشعر، بكل ما فيه من عاميّ اللفظ وشائعه وأسماء الأشياء التي كانت مطرودة من قاموس الشعر، وبلاغة التعبير الشعري والصور والاستعارات المحلقة التي يحفل بها شعره.

الحياة - 28/08/2006

*******

صدق وحرية وعدالة
كامل الزهيري

كان الشعر يكتب. ولم يكن شاعرنا صلاح عبد الصبور يكتب الشعر، بل كان الشعر يكتبه منذ بدأ مبكرا في الثالثة عشرة، ثم نشر ديوانه “الناس في بلادي” في الخامسة والعشرين، وتغنى جيلنا بقصيدته “شنق زهران” عن أحداث دنشواي، ولفت الأسماع بموسيقاه الجديدة والبحث عن موسيقا الأفكار دون الاكتفاء بموسيقا اللغة، وأثبت صلاح عبد الصبور أن أعظم الفضائل في الحياة كما كان يقول هي “الصدق والحرية والعدالة”، وقمة الصدق في الصدق مع النفس حتى يعرف الإنسان وجوده ويتحمل عبء هذا الوجود.
وكان المثلث الذهبي “الصدق والحرية والعدالة” محور بعض قصائده، وأغلب مسرحياته.
وكانت مسرحية “مأساة الحلاج” وقصيدتا “هجم التتار” و”شنق زهران” في ديوانه “الناس في بلادي”، وقصيدتا “الحرية والموت” و”ثلاث صور من غزة” في ديوان “أقول لكم”، وقصيدتا “لوركار” و”أحلام الفارس القديم” كلها تمجيد للحرية.
وقد اهتدى صلاح عبد الصبور مبكرا وكان من تلاميذ الشيخ المجدد أمين الخولي في جامعة القاهرة مع احمد كمال زكي وفاروق خورشيد وعبد الغفار مكاوي إلى قراءة أشعار ريلكه وشيلي، وورد وورث، وفاليري، وت. س اليوت.
وأصبح ولوعا ب”جارسيا لوركا” الشاعر الاسباني حتى ترجم له 13 قصيدة، وقسطنطين كفافيس اليوناني السكندري وترجم له ثلاث قصائد، وسنجور الرئيس السنغالي، والشاعر زميل دراسته الرئيس لوببيدو وترجم له قصيدتين، وايفتشنكو الشاعر السوفييتي الغاضب والمغضوب عليه، وترجم له قصيدة، وكان شاعرنا واسع الاطلاع والتذوق للأدب العالمي، وبحكم عمله الصحافي في مجلتي “روز اليوسف” و”صباح الخير” كان يقدم ويلخص لنا قصصا وروايات عربية، ومنها “سيد القبائين” لإبسن النرويجي، ورواية “الجلد” لملابارته الإيطالي و”يرما” للوركا الاسباني، و”حفل الكوكتيل” لإيليوت الإنجليزي، و”جريثا” لكالدويل الأمريكي، و”خريف امرأة” لتنيس ويليامز الأمريكي أيضا.
ورغم نجاحه في الصحافة قرر صلاح عبد الصبور أن يتركنا فجأة ليلتحق بوزارة الثقافة، وقال لي انه يشفق على فنه من مهنة الصحافة لأنها تستهلك الموهبة.
وجذبني للشاعر صلاح عبد الصبور منذ سنوات روزا القديمة، أنني لم أحس فيه صلفا أو نرجسية. فقد كان شفافا كالدمعة، كانت متعته في وحدته، وكان حريصا على الأنس بأصدقائه القدامى الذين لم يغيرهم مثل فاروق خورشيد وعبد الرحمن فهمي وعز الدين إسماعيل ومكاوي من تلاميذ أمين الخولي ورواد شارع قوله.
وكنت أيام الشباب في روزا القديمة أضحك معه حين أتهمه بأنه شاعر ومحامي الأحزان.
فقد كان ببلاغته يصف لنا ألوان الحزن وبعضا من الحزن الكتوم أو الصموت أو الحزن الضرير، وله قصيدة رائعة عنوانها “الحزن” وكان بثقافته الواسعة يحدثنا عن أشجان وأحزان أبي العلاء ونيتشه وباسكال وفان جوخ، واعترف أنه كان يبكي وهو في العاشرة مع ماجدولين وسيرانودي براجرال، لكنه كان يرد على اتهامه قائلا: لست في الحقيقة شاعرا حزينا بل أنا شاعر يتألم، وعام 1970 نشرت في سلسلة “الكتاب الذهبي” كتابه الجميل “عمر من الحب” وقال في أول سطر في الكتاب:
“يخطر لي أحيانا أنني سأموت في مفترق الطريق القادم”.
وقبل بلوغه الخمسين، اعتبر الشاعر نفسه معمرا، فكتب “على مشارف الخمسين”.

الخليج
2006-08-29


صدوق نورالدين
(المغرب)

هوامش

1

ليس الحديث عن الشاعر صلاح عبد الصبور سهلاً يسيراً. و إنما هو حديث في التجربة كما هو في الوجود. التجربة في إنتاج القول الشعري المفارق والمغاير. والوجود بما هو حياة تعاش/عيشت، في أفق من التأمل والحوار، وفق استحضار مرجعيات مختلفة يحتويها النص الشعري ليذيبها فيه لا ليكشف عنها مباشرة.

2

إن قراءة صلاح عبد الصبور في تجربته، لا يتحقق باعتماد الديوان الواحد، و إنما في السياق العام لمجموع أعماله كاملة.دلك أن من خلالها تنبثق الرؤية الشمولية لخطاب شعري عربي حديث تطبعه ميزاته و خاصاته الفريدة التي تقصي التشابه كما تمنح أفقا من التأويل متعددا.

3

على أن تلقي المنجز، يتأسس على النظر إليه من الداخل. النظر المحدد لمفهوم الشعر، وثمة يمكن الحديث عن أفقين للتنظير بالنسبة لصلاح عبد الصبور:
- أفق الكتابة النقدية من خارج القصيدة (نموذج قراءاته للشعر القديم).
- أفق التحديد المفاهيمي من داخل القصيدة داوتها.
ولنتأمل المستوى الثاني الوارد في ديوان (أحلام الفارس القديم) على سبيل التمثيل فقط:
يقول عبد الصبور:
( وان هدا الشعر حين هزني أسقطني..)
( الشعر زلتي التي من اجلها هدمت ما بنيت)
( الشعر ينمو في مغاور العيون..)..

4

ينبني تحديد المفهوم على ثنائية ضدية في المثال الأول والثاني:
ا/ الشعر هزني/الشعر أسقطني..
ب/ هدمت / بنيت..
فالشعر هزة لأنه إحساس داخلي شخصي له أن يتفجر في أعقاب تأثير ما، وفي دلك القول:
( و إني لتعروني لدكراك هزة كما انتفض العصفور بلله القطر)
وعلى المنوال:( الشعر يكتب عن رغبة أو رهبة..)
وفي دلك( الشعر كالحب لا يوصف).
فالهزة سقوط في القاع الشعري، أقول إبحار في النص نحو ما لا يوصف، حيث أن المفروض من /على الشاعر تجديد آليات القول وميكانيزماته. فكل ما يبنى يهدم ، ليعاد إلى الكتابة الشعرية المرغوبة المرفوضة.وهنا يحضر حكم الآخرين على الشعر بكونه زلة وبان قائله مرتكبها..
إن المرجعية الدينية هنا حاضرة وبقوة ، لإعطاء صورة أخرى عن الشعر، الشاعر، وعن عالمه..

5

إن العالم الشعري للشاعر صلاح عبد الصبور تغلفه مسحة الحزن والألم، وفق ما يدل عليه المعجم الشعري الموظف في القول الشعري، وبصفة تكاد تكون شاملة، حيث تطالعنا مفردات من قبيل : الليل ، المرض، الفراغ،
الموت، الشتاء، وهو معجم تطفح به كتابات بدر شار السياب وعبد الوهاب البياتي أيضا. ولكان الرؤية في دلالتها انهزامية بالأساس..إذا ما المحنا لكون الشاعر يتأثر محيطه وما يتفاعل معه/فيه، واعتقد بان حضور صورة المدينة في الشعر له ما يبرره ..

6

على تلقي تجربة عبد الصبور/ وفي كتابة الشعر، يدعونا للتوقف عند خاصة لافتة.وارمي إلى (السردية). فالقصيدة هي حكاية متضمنة لقصة. وأكاد أقول يمكن رصف بعض القصائد بتحويل الجملة الشعرية إلى مقطع سردي تتلاحق فيه مستويات السرد..تأمل هدا المقطع من (أحلام الفارس القديم):
"مات الملك الغازي".."مات الملك الصالح "..صاحت أبواق مدينتنا صيحا ملهوفا. وقف الشعراء أمام الباب صفوفا..وتدحرجت الأبيات ألوفا، تبكي الملك الطاهر في الموت، وتمجد أسماء خليفته الملك العادل، وتراوح في نبرات الصوت: " صوت حيران " ..
بيد أن ما يعضد قولنا المظهر الحواري الكامن في قصائد عبد الصبور مما يكاد يكون مباشرا أو غير مباشر، وثمة يتساءل عن الكتابة المسرحية وعن تداخل النصوص والأنواع والأجناس..

7

هده الهوامش كشفت/ تكشف عن عالم شعري ثري، ولعل ما يبين عن ثرائه تعددية إمكانات التأويل فيه،
إلى المعنى المتجدد..
كذلك هو الشعر الخالد../..@


محمد حبيبي

محمد حبيبي

حرَفِية الشاعر

عند النظر إلى أعمال الشاعر صلاح عبد الصبور (دار العودة) يلفت النظر فيها أمران بارزان إلى جانب دوره الطليعي وريادته في تحديث الشعر العربي، ونهوضه بالمسرح الشعري.. فتبرز الثقافة القرائية للشاعر، من خلال منظومة أعماله الشعرية . كما تبرز الخبرة بالممارسة الشعرية في حديثه عن تجربته في الكتابة.

وتبدو ثقافة الشاعر المزدوجة في جانبيها التراثي العربي والحداثي الأوروبي. فاستحضار الشخصيات ـ كاستلهام الحلاج، وليلى والمجنون في مسرحياته، أو "لوركا" و"بودلير"، ـ لم يكن مجرد استحضارا شكليا، بل كان استبطانا ونفاذا إلى أعماق الشخصية أو القصة التراثية، وإعادة صياغتها من زواية الرؤية الخاصة به،أو وتمثلا واعيا وعميقا لسمات الشعرية لدى الشعراء.

وبدا الانعكاس القرائي لدى عبد الصبور في شكلين : أحدهما مباشر في بعض التراكيب التي حلت في ذاكرته اللغوية فأفصح عنها، كما في استخدام (الاستطراد، والعود إلى مجريات الأحداث) وهي أسلوب نمطي لدى المؤرخين القدامى. إضافة إلى مصطلحات نقدية قديمة (أشعر بيت، وأشعر نصف بيت) لدى النقاد القدامى. أما الشكل الثاني غير المباشر فقد عكسه إعجابه الكبير بالشاعر (أبي العلاء المعري ) الذي رآه من وجهة نظره ثلاثة أرباع التراث الشعري.مقدما إياه على أبي تمام وبشار وأبي نواس والمتنبي. ومع أن عبد الصبور قد عزا في كتابته عن تجربته أن اهتمامه بالتشكيل في القصيدة وهو (البنية الداخلية،غير الموسيقى الظاهرية، التي تشكل نسق كل قصيدة) عزا ذلك إلى قراءاته في الأشكال الحديثة ـ إلا أن ذلك قد مثل انعكاسا غير مباشرا لقراءاته المكثفة للمعري، وهو الذي أثر عنه أنه ألزم نفسه بأشكال موسيقية صارمة وغير واجبة.

وحين ننتقل إلى الجانب الآخر البارز في مجموع أعماله نجد أن كتابته المستفيضة عن تجربته الشعرية في (المجلد الثاني) تمثل زخما حيا من الخبرات بالممارسة الشعرية، سلط فيها الضوء على الكثير من الأمور التي من شأنها اختصار مسافة ليست بالبسيطة للشاعر الذي يطرق الشعر، الأمر الذي يكشف أنه نجم عن حرفية بالغة وكتابة ليست اعتباطية، وإنما منظمة ومنبنية على استراتيجيات فنية مقصودة.

وحين يلتمس ذلك على صعيد الشكل فإن ذلك يحتاج على وقفات بنائية ومقارنات مطولة بين عدد من الأبنية التي استخدمها ووظفها. لكن يمكن الإشارة إلى جانب مضموني قد يدل على جانب مما ذكر. فعبد الصبور حين يكتب عن شخصيات أو محاور ذات صبغة اجتماعية فإن قاموسه اللغوي وصوره التشكيلية تكون ذات مساس بالواقع المعاش ومنتزعة شعريتها من واقعها اليومي المعاش ومتلبسة بحميميته.. يلاحظ ذلك في قصائده (شنق زهران، الناس في بلادي، موت فلاح، طفل …). وفي مقابل هذا النمط من البنى الموضوعية نجد مستوى تجريديا مغايرا حين يتحدث عن ذاته ومن ذلك على سبيل المثال (الظل والصليب، والشيء الحزين… ) فشاكلة هذه القصائد تدق فيها الصور والتراكيب إلى تجريدية مغايرة للواقعية الملموسة في النمط السابق..

إن لإشارات السابقة لا تمثل بالطبع رأيا حول شعر عبد الصبور، ولكنها حديث من خلال أبرز ما تبقى عالقا في ذاكرتي إبان قراءة أعماله تلك في فترة سابقة.. وأيا كان فإن قلة من الشعراء يظلون عالقين بالذاكرة الأدبية ..
وشخصيا أجدني قد استفدت كثيرا من شعر عبد الصبور كما لا زلت أحمل امتنانا خاصا له في كتابته عن تجربته في الكتابة، حيث وصلت معها إلى مبكرا إلى ملحوظات ربما كنت سأستغرق زمنا طويلا قبل اكتشافها بنفسي.
أخيرا في ختام هذه الوقفة المختصرة يبدو تساؤل كثيرين قائما حول الدوافع التي أدت بعبد الصبور خاصة، وغيره عامة إلى الكتابة عن التجربة. هل برجع ذلك إلى أن ثمة مناطق بقيت مجهولة من الاشتغالات الفنية لم يتطرق إليها النقاد ؟.. وهل يؤدي ذلك إلى إفساد متعة المتلقي لقراءة نصوصه ؟ إن الإجابة بالطبع هي لا. وحين ننظر في مقولة (أمبرتو إيكو) تبدو وجاهة كتابة شاعر خبير بمثابة حرفي ماهر يكشف أسرار حرفيته. يقول إيكو : "على المؤلف أن يموت بعد أن يكتب كيلا يربك المسار الذي يتخذه النص، يجب على المؤلف ألا يشرح، لكنه يستطيع أن يروي لماذا وكيف كتب، فذلك قد يصلح لفهم بعض التقنيات الخاصة بإنتاج الأثر الأدبي، ولكنه لا يمكنه أن يحدد للمتلقي كيفية قراءته".@


حمدي السكوت

صلاح عبدالصبور في الإنجليزية

لم تحظ أعمال صلاح عبدالصبور حتى الآن بنصيب كبير من عناية دارسي الأدب العربي في اللغة الإنجليزية. ولعل ذلك أن المعنيين بتتبع الشعر العربي الحديث في تلك اللغة هم قلة قليل. ربما لصعوبة فهم الشعر وتذوقه على غير الناطقين بلغته. و الملاحظ أن ابرز الكتب التي نشرت بالإنجليزية عن الشعر الحديث قام بها دارسون عرب أو ناطقون بالعربية.

ومنهم مثلا الدكتور منح الخوري، الأستاذ بجامعة كاليفورنيا، وهو لبناني الأصل. فقد نشر : Poetry and the Making of Modern Egypt. - Leaden- 1971 (الشعر و بناء مصر الحديثة)
والدكتور مصطفى بدوي، الأستاذ بجامعة أكسفورد. وهو مصري، فقد نشر:
A Critical Introduction to Modern Arabic Poetry. Cambridge Univ. Press- 1975
(مقدمة نقدية للشعر العربي الحديث)
و الدكتورة سلمى الخضراء الجيوسي. وهي فلسطينية . فقد نشرت :
Trends and Movements in Modern Arabic Poetry. Leiden- 1977
(اتجاهات ومذاهب في الشعر العربي الحديث).
و الدكتور صموئيل موره. الأستاذ بجامعة تل أبيب. وهو أصلا عراقي. فقد نشر:
Modern Arabic Poetry 1800-1970 -Leiden - 1976 (الشعر العربي الحديث - 1800-1970)

كما أن الذي ترجم مسرحية (مأساة الحلاج) إلى الإنجليزية أستاذ أمريكي لبناني هو الدكتور خليل سمعان. الأستاذ بجامعة ولاية نيويورك.
وليس عجيباً و الحالة هذه أن يكون هم الدراسات السابقة و أمثالها هو تقديم الشعر العربي الحديث أو ظاهرة من ظواهره الهامة = غالباً عبر كل تاريخه - إلى القراء الأجانب. و في مثل هذا التقديم تعرض الخطوط العريضة عادة. و يكتفي باللمحات و الشذرات، بدلاً من الدرس العميق و التحليل المفصل لنتاج كل شاعر. وسنعرض في هذه السطور لما نشر عن صلاح عبدالصبور في الكتب أولا، ثم لما نشر عنه في الدوريات بعد ذلك.

أولاً : ما نشر عنه في الكتب

واضح من عناوين الدراسات السابقة أن ما نشر بها عن صلاح عبدالصبور لا يعدو أن يكون إشارات هنا وهناك. قد تطول وقد تقصر، وأنها ليست دراسات عميقة مستفيضة.
و من أمثلة تلك الإشارات مثلاً قول ( موره) وهو يتحدث عن ظاهرة (التتميم) أو (التضمين) أو ( الانسيابية) : Engiambment
(وعلى أي حال، فعلى حد علمي لم ينجح من بين الشعراء العرب في كتابة الشعر المرسل مع استخدام (الانسيابية) سوى شاعرين، أولهما صلاح عبدالصبور في قصيدة (أبي) المنشورة في ديوان (الناس في بلادي) (1956). و ثانيهما يوسف الخال في قصيدته العظيمة (الحوار الأزلي) التي يتحدث فيها عن الخلاص الروحي، ويستخدم رموزاً يهودية ومسيحية، في ديوانه (البئر المهجورة) - 1958.
والقصيدتان فذتان وممتازتان في الشعر العربي الحديث، سواء من حيث الشكل أو المحتوى) (1)
أما التناول الطويل - نسبياً - لعدد من دواوين صلاح عبدالصبور، فيقدمه مصطفى بدوي الذي كتب يقول :
(ومثل البياتي، كتب الشاعر المصري صلاح عبدالصبور (1931 - ) شعراً واقعياً حول القرية، يكشف عن مدى التزامه الاجتماعي. في القصيدة التي سمى بها ديوانه الأول ( الناس في بلادي)- 1057 )، و التي نشرت أولاً في مجلة ( الأدب) في عام 1954 ، يقول :
الناس في بلادي جارحون كالصقور
غناؤهم كرجفة الشتاء في ذؤابة المطر
وضحكهم يئزّ كاللهيب في الحطب
خطاهم تريد أن تسوخ في التراب
ويقتلون ، يسرقون، يشربون، يجشأون
لكنهم بشر
وطيبون حين يملكون قبضتي نقود
ومؤمنون بالقدر )

ويستطر الشاعر من ذلك إلى تقديم صورة لعمه العجوز التقي، وهو يجلس عند مدخل قريته. يسمر ساعات الغسق، محطاً بالرجال الذين يستمعون إليه بانتباه كلهم وهو يحكي حكاية (تجربة الحياة)، وهي حكاية مؤلمة تبكيهم وتحني رؤوسهم وتجعلهم (يحدقون في السكون، في لجة الرعب العميق) وتدفعهم قوة القس إلى تساؤلات حول الغاية ممن كدح الإنسان في هذه الحياة، وحول أساليب الله المستغلقة. فهو يرسل رسول الموت ليقبض روح غني ابتنى القصور و امتلك ( أربعين غرفة قد ملئت بالذهب اللماع)، ثم يبعثها تتدحرج في أعماق الجحيم، وتنتهي القصيدة بزيارة الشاعر للقرية وعلمه بأن عمه المسكين قد مات.

( وسار خلف نعشه القديم
من يملكون مثله جلباب كتان قديم
لم يذكروا الله أو عزريل أو حرف (كان)
فالعام عام جوع
وعند باب القبر كان صاحبي خليل
حفيد عمي مصطفى
وحين مد للسماء زنده المقتول
ماجت على عينيه نظرة احتقار
فالعام عام جوع )

ثم يعدد الدكتور بدوي دواوين صلاح عبدالصبور التي نشرت قبل صدور كتابه هو في سنة 1975. ولآخرها (تأملات في زمن جريح) 1981، ليستطرد قائلاً L وخلافاً لما فعل البياتي، فقد انصرف صلاح عبدالصبور عن الشعر الملتزم بغاية اشتراكية إنسانية، هي ما تجده في ديوانه الأول، إلى رؤية تزداد ذاتيتها وتتراوح بين لون خفيف من التصوف، وتأملات مكتئبة نحو الموت، بل ويأس أحياناً.
وق بدأ الاتجاه نحو التصوف يلاحظ في ديوان ( أقول لكم) كمال في مثل هذه الأبيات على سبيل المثال:
( ذات صباح
رأيت حقيقة الدنيا
سمعت النجم و الأمواه و الأزهار موسيقى
رأيت الله في قلبي)

ويتزايد ميل الشاعر إلى تأمل الذات Introspection في (أحلاك الفارس القديم). فبعد مقدمة شعرية قصيرة، يعتذر فيها الشاعر من أصحابه عن رداءة الطعام الذي سيقدمه لهم في الديوان - فالأشجار لم تثمر هذا العام- تطالعنا القصيدة الأولى بعنوان ( أغنية للشتاء) وتبدأ :
( ينبئني شتاء هذا العم أنني أموت وحدي
ذات شتاء مثله، ذات شتاء
ينبئني هذا المساء أنني أموت وحدي
ذات مساء مثله ذات مساء
و أن أعوامي التي مضت كانت هباء
وأنني أقيم في العراء
ينبئني شتاء هذا العام أن داخلي
مرتجف بردا
وأن قلبي ميت منذ الخريف
قد ذوى حين ذوت
أول أوراق الشجر
ثم هوى حين هوت
أول قطرة من المطر
و أن كل ليلة باردة تزيده بعدا
في باطن الحجر )

وفي نفس القصيدة يقرأ : أن خطيئته كانت شعره الذي من أجله (صلب).
يبدو التشاؤم الغلاب للشاعر واضحاً في هذا الديوان وبخاصة في القصيدة الأخيرة، (مذكرات الصوفي بشر الحافي) ص 263 وما بعدها) حيث يبدو العالم عفناً مريضاً مرضاً لا شفاء منه، وحيث الإنسان في عيني الإله شيء (مخز).
ولا تخفي حدقة هذه الكآبة في الديوان التالي (تأملات في زمن جريح).
و الشاعر هنا يعاني من كابوس متكرر يطلق عليه فيه الرصاص، وتنزع أحشاؤه ويعلق للعرض في أحد المتاحف. وهو يسلي نفسه بتخيل أنه يقطع أشلاء المارة ويشكلها من جديد، و بتطوير أفكار مشابهة لذلك في العنف، كما في قصيدة ( حديث في المقهى). إن ما يبدو في ديوان (تأملات) هو عالم حزين، يجد فيه الإنسان التعيس مهرباً مؤقتاً - في الجنس- من المرارة والشقاء. كما هو الحال في قصيدة (أنثى) مثلاً .
وقد قدم صلاح عبدالصبور في كتابه ( حياتي في الشعر) 1969 - رؤية للشر أخلاقية وروحية في أساسها، وهو يراه الآن شديد الشبه بالتصوف، ويخصص حيزاً كبيراً للهجوم على النظرية الماركسية التقليدية، موضحاً أن الشعر يؤكد القيم كالحقيقة و الحرية و العدل.

وهذا الاتجاه - وواضح انه استمرار لتطور بدأ من قبل - قد وطدته، ولاشك، الهزيمة العسكرية العربية عام 1967، تلك الهزيمة التي شجعت على الانسحاب من الواقع الخارجي المؤلم، وهو لا يقتصر على الشعر، و إنما يمكن ملاحظته أيضاً في جوانب أخرى من الأدب العربي.


ثانياً : ما نشر في الدوريات

تكاد (مأساة الحلاج) أن تستأثر بكل ما كتب من مقالات حول صلاح عبدالصبور، ربما لأنها ترجمت ونشرت بالإنجليزية منذ تسع سنوات، ومن ثم فقد وجد الدارسون الناطقون بالإنجليزية، والأجانب عموما، نصاً متاحاً لعمل كامل يعد من افضل أعمال الشاعر، فنشروا عنه مقالات عديدة. ويستأثر مترجم المسرحية، الدكتور خليل سمعان، بنصيب الأسد مما كتب من مقالات في الإنجليزية، فقد نشر في مجلة دراسات في الأدب المقارن (Comparative Liteaure Stdies) مقالاً بعنوان :
(T.S. Eliot,s Influence on Arabic Poetry and Theatre) (أثر تي. أس. أليوت على الشعر و المسرح العربيين). ثم نشر مع الترجمة مقدمة عنوانها : تي . اس . اليوت وصلاح عبدالصبور: دراسة في العلاقات الأدبية بين الشرق و الغرب).
(T.S. Eliot and Salah Abdel Sabour : Astudy in East -West Literay Relations) ثم نشر في المجلة العالمية لدراسات الشرق الأوسط : ( International Journal of M. E. S.)
مقالين أولهما عن : (Drama as a ehicle of Protest in Nasir,s Egypt) (المسرحية باعتبارها وسيلة للاحتجاج في مصر في عهد عبد الناصر) والثاني بعنوان :
( Islamic Mysticism in Modern Arabic Poetry and Drsms) (التصوف الإسلامي في الشعر العربي الحديث و الدراما).

وسنعرض الآن في إيجاز للمقالين الأخيرين، أما المقال الأول و المقدمة فنفضل أن نتناولها في مقال لوي ترمين L. Tremaine (شهود عيان في مأساة الحلاج وجرمية قتل في الكاتدرائية). ( Witnesses to the Event in Ma,sat al-Hallaj and Murder in the Cathedral) لأن مقال تريمين تعليق على مقال الدكتور سمعان، وهو يسير في نفس الخط الذي تسير فيه المقدمة.

أما المقال الذي نشره الدكتور سمعان في ( International Journal of M. E. S.) بعنوان ( المسرحية باعتبارها وسيلة للاحتجاج في مصر في عهد عبدالناصر)، فيقرر فيه الكاتب أن صلاح عبد الصبور، وهو واحد من ابرز كتاب المسرح العربي المعاصر، الذين عاشوا فترة الستينات في القاهرة، قد عانى ما عاناه المثقفون المصريون في تلك الفترة، واختار عن وعي حياة الحلاج واستشهاده ليطلق صرخة من القلب ضد ما يعتبره هو فساداً سياسياً. ثم يقدمن الكاتب ملخصاً سريعا للمسرحية، مبرزا أن صلاح عبدالصبور نشر (المأساة) - والعنوان مختار عن عمد- خارج وطنه، وقد قوبل نشرها بالترحاب (كقمة الشجاعة الاشتراكية). والكتب يرى أيضاً هذا الرأي، ويروي أن صلاح عبدالصبور قد حاول أن يصف الأوضاع بدراسة وبلاغية ورصانة. واستخدم الحلاج ليتحدث نيابة عنه حول الفقر على النحو التالي :
( الحلاج :
فقر الفقراء
جوع الجوعى، في أعينهم تتوهج ألفاظ لا أوقن معناها
أحيانا أقرأ فيها
" ها أنت تراني
لكن تخشى أن تبصرني
لعن الديان نفاقك"
أحيانا أقرأ فيها
"في عينك يذوي إشفاق ، تخشى أن يفضح زهوك
ليسامحك الرحمن"
قد تدمع عيني عندئذ . قد اتألم
أما ما يملأ قلبي خوفاً، يضني روحي فزعاً
وندامة
فهي العين المرخاة الهدب
فوق استفهام جارح:
(أين الله)
و المسجونون المصفودون يسوقهمو شرطي
مذهوب اللب
قد اشرع في يده سوطاً لا يعرف من في راحته قد وضعه
من فوق ظهور المسجونين الصرعى قد رفعه
ورجال ونساء قد فقدوا الحرية
تخذتهم أرباب من دون الله عبيدا سخرياً )

ثم يقتبس الكاتب أبياتاً أخرى كثيرة يرى أن بعضها يدين السلطة، وبعضها يدين المحاكمة ونظام الحكم المفلس .. وهكذا (4)

أما المقال الثاني الذي نسر بتاريخ لاحق في نفس المجلة (نوفمبر 1979) حول التصوف الإسلامي في الشعر العربي و الدراما، فيبدؤه الكاتب بمقدمة عن التصوف وعن تاريخ الحلاج. ثم يتبعها بتقديم صورة الحلاج في ديوان البياتي ( سفر الفقر والثورة) وصورته في (مأساة الحلاج)، مكتفياً تقريباً بأشعار كل من الشاعرين، ومبرراً ذلك بقوله : ( في هذه الدراسة يسمح للفنانين أن يعرضا بنفسيهما وجه نظرهما، فالكاتب يقوم فقط بدور المرشد الذي يقدم المتكلمين إلى المسرح، وينبه إلى الملامح البارزة لما يقولون، ويوضح المغزى، ويلخص المحتوى كله) و بعد أن يلاحظ أن القراء عادة ما يضيقون بالاقتباسات الطويلة ويتخطونها في قراءتهم، يقرر أن هذا لو حدث بالنسبة لهذه الدراسة فسيكون خطأ فادحاً، لأن المقتبسات هنا هي الدراسة).


مأساة الحلاج وجريمة فتل الكاتدرائية. ومنذ أن ترجم الدكتور خليل سمعان مأساة الحلاج وهو يعتقد أن صالح عبدالصبور قد تأثر في كتابتها بمسرحية اليوت (جريمة قتل في الكاتدرائية). وذلك واضح حجته في العنوان الذي اختاره للمسرحية بعد ترجمتها وهو (جريمة قتل في بغداد) (Murder in Baghdad) لكي يلفت انتباه القارئ منذ الولهة الأولى إلى مسرحية اليوت ( Murder in the Cathedral) . وقبل أن ينشر الدكتور سمعان الترجمة، نشر مقالاً في مجلة (Comparative Liteaure Stdies) سبق أن أشرنا إليه، و إن كنا لم نستطع لسوء الحظ - أن نحصل عليه، ومع ذلك فقد وجدنا العوض عن هذا المقال ي المقدمة التي كتبها الدكتور سمعان للترجمة الإنجليزية للمسرحية، التي عنوانها ( تي سي اليوت وصلاح عبدالصبور: دراسة في العلاقة الأدبية بين الشرق والغرب) هذا فضلا عن أن مقال الدكتور (لوي تريمين) الذي يختلف اختلافاً قويا مع مقال الدكتور سمعان، يلخص ما ورد في ذلك المقال. وسوف نعرض أيضا لمقال الدكتور تريمين في شيء من التفصيل، بعد أن نعرض في إيجاز ما ورد في مقدمة الدكتور سمعن للترجمة الإنجليزية.
توضح هذه المقدمة أولاً أن أي علاقة بين المسرحيتين لا يمكن أن تقوم على المصادفة أو توارد الخواطر، نظراً للاختلاف الشديد بين الثقافتين التين ينتمي إليهما الشاعران. ثم يقرر الكاتب أنه سيدرس اثر اليوت على صلاح عبدالصبور من خلال ربط مسرحية اليوت (جريمة قتل في الكاتدرائية) بمسرحية صلاح عبدالصبور ( مأساة الحلاج)، ويقدم عرضاً موجزاً لتاريخ حياة الحلاج، موضوع المسرحية، لينتقل من ذلك إلى عرض أحداث المسرحية في إيجاز، ثم يقول : أن التشابه بين مسرحية اليوت، جريمة قتل في الكاتدرائية، ومسرحية عبدالصبور، مأساة الحلاج، تشابه يلفت النظر. فكلتاهما كتبت ف الشعر الحر ويف فصلين، وكلتاهما تتناول أحداثاً تاريخية ودينية تشكل جزءاً حقيقياً من الثقافة التي ينتمي إليها كاتبها. و كلا الشاعرين يقطع النظم مقطوعات جد بليغة من النثر، وهو نثر يثير التقاليد الدينية الخاصة بكل منهما. و الدافع الحقيقي للاستشهاد في كلتا الحالتين مبهم : في مقدمة المسرح يقف الفرسان (في مسرحية اليوت) و (مسرحية عبدالصبور) تقف المجموعة التي تصيح مطالبة بصلب الحلاج، و من خلفهم قف إنسان غير واضح المعالم وهو الملك هنري في مسرحية اليوت، وقضاة عبدالصبور الذين يدينون الحلاج بأسلوب يشبه أسلوب بيلاطوس Pilate في حكمه على المسيح. حيث يقدم اليوت مسالة استعداد بيكت للسعي إلى الموت الذي يلوح أمامه، ويثير عبدالصبور مسالة مشابهة، من خلال المريدين الذين يزعمون أنهم قد تسببوا في استشهاد الحلاج بناء على رغبته. وهكذا فان المسرحيتين في أبعد مستوى لهما ترتكزان على إرادة الاستشهاد.

إن القضية الجوهرية في كلتا المسرحيتين ليست هي الأحداث نفسها و إنما الدوافع الكامنة وراءها، ولا يمكن أن يكون بيكت قد سعى إلى الاستشهاد، لأن هذا يشكل خطيئة، وفقاً للتعاليم الكاثوليكية الإنجليزية لأليوت، ومع ذلك فهذا السعي إلى الاستشهاد يشكل أخطر إغواء لبيكت، وهو إغواء نابع من ميوله الخاصة.
أما الاستشهاد في مسرحية عبدالصبور فقد سعى إليه الحلاج في صراحة، وبحرية. فالحلاج يحب الله إلى درجة التضحية بالذات في سبيله. ولكن مع التكشف التدريجي للمسرحية يبرز أمامنا هذا السؤال : أحقا كان حنين الحلاج لحبيبه (سبحانه) هو الذي يدي حتما إلى الاستشهاد، أم أن موت الحلاج ثم - بالأحرى- عقاباً له على الخطيئة التي ارتكبها بالبوح بعلاقته بربه؟ أهو عدم الحيطة ما قاد إلى استشهاد الحلاج ؟ أن النهاية تترك مبهمة.
ونحن نعلم - من المسرحية ومن التقليد الصوفي - أن البوح بالسر المقدس خطيئة، ولكننا لا نعلم ما إذا كان الحلاج قد حكم عليه الله أو الإنسان. ولا ما الدافع وراء الحدث. وفي مسرحية صلاح عبدالصبور يلوح وكأن مصدر الحدث هو الله لا الإنسان لان الضحية نفسه مستقلا عن إرادة الله. يختار الشهادة. ومع ذلك ففي المسرحيتين يترك الشعر قضية الدوافع الأساسية مبهمة. هل صادف بيكت الاستشهاد أم اختاره؟ أكان استشهاد الحلاج باختياره أم عقاباً له . لا القارئ يعلم ولا البطل.

ولكن القتيلين مع ذلك متقبل لمصيره بابتهاج. يقول بيكت : ( إن كل شيء يسير نحو إنجاز بهيج). ويسعى الحلاج إلى متعة منح حياته لله.
و يوضح (سمعان) أن الفرق بين موقف الرجلين - المتمثل في تطوع الحلاج بمنح حياته لله من جهة، وقناعة بيكت بتنفيذ المقدور من جهة أخرى- هذا الفرق ناجم عن الاختلاف بين المسيحية الصحيحة orthodox وبين التصوف الإسلامي. موضحاً الفروق بينه وبين الإسلام كدين. ثم يشير سمعان في ختام مقاله إلى أن المادة التي يستخدمها عبدالصبور، وان كانت تختلف كثيراً عن مادة اليوت، فمن الواضح أنه قد وجد في الألوان التكتيكية عند اليوت ما أفاده في معالجة مادته هو. سواء من حيث البناء، في عدد الفصول وفي استخدام الكورس، أو من حيث المضمون في غموض الدافع وراء الحدث. وتأثير اليوت يمكن ملاحظته في تفاصيل أخرى، وفي بعض اعملا عبدالصبور الأخرى.

و أما اثر هذه الحركة التجديدية علي الشعر و المسرح العربيين بعامة، فلا شك أن كليهما يمر (بفضلها) بتغيرات ثورية. وبخاصة فيما يتعلق بالشكل والبناء، وبالأساس الجمالي لفنون المسرح العربي والوليدة.


شهود عيان في مأساة الحلاج وجريمة قتل في الكاتدرائية


(يتبع …)


عن مجلة (فصول) المجلد الثاني-
العدد الأول- أكتوبر 1981


أحمد فرحات

صلاح عبدالصبور ،
شاعر كامن في نفسه، لاصق بطبيعته


هو بوابة مصر على الحداثة الشعرية العربية، عرف كيف يخلص القصيدة (في وادي النيل) من رومانسيتها المكرورة الساذجة، ويشذ بها في اتجاه السؤال الأرضي، الواقعي، الفني والدرامي الجديد و المتجدد.
لقد أدمج الشاعر صلاح عبدالصبور (الذي تحتفل بعض الأوساط الثقافية في مصر بمرور عشرين سنة على غيابه) القصيدة بالحياة اليومية" و أوجد معادلة الشعر/ الذات على حساب معادلة الشعر/ البلاغة أو الخطاب المتهيكل الرصين. وبرهن في هذا الاكتشاف المؤسس في حينه على انه شاعر الأحاسيس الفائضة بالنبض المحرق، والطماح لاكتشاف العالم، وإذكاء وعيه ووعي الآخرين به، من خلال هذى الصور الفنية الجديدة، تترى منه، وتستحق منا كل هذا التمثل والتأني البعيدين.

ولأنه تثقف واطلع على كل شاردة وواردة في لوحة الشعر الغربي المعاصر.. ولأنه أيضا تشبع بالتراث الشعري العربي، عبر مختلف حقبه القديمة والمعاصرة، فقد خرج صلاح عبدالصبور بصوت شعري مستقل وخاص، اجتهد أن يطوره، ويقدم خلاله تلكم التجربة التي نقرأ اليوم في لوحتها المتمكنة، القوية والطافرة بالحيوية الفنية التي ترشحها أيضا وأيضا إلى مزيد من البقاء الذهبي المندفع برسوخ وثبات.

أن معادلة ايليوت/ أبي العلاء المعري، أفادت كثيرا الشاعر صلاح عبدالصبور، وجعلته بالفعل، أول شاعر حديث في مصر ينتمي إلى التجديد المفارق والمؤسس على قواعد ومنطلقات فنية لا تثير في "مضامينها" وإيقاعاتها أي تأفف أو احتجاج أو غبار مغالاة من الآخرين. فهو اجتهد في أن يصل الإبداع العربي القديم بالإبداع العربي الجديد عبر جسر عظيم من التلاحم والتكميل.

وما ميز صلاح عبدالصبور عن أقرانه في خارطة الحداثة الشعرية العربية، انه كان رائد المسرح الشعري العربي الحقيقي في العصر الحديث، حيث استطاع وبنجاح ملحوظ أن يطوع الشعر في خدمة الدراما، فتحول النص الدرامي على يديه إلى حال من الانصهار والوثوب والتحليق، فائقة الحساسية الشعرية. واثبت انه من خلال هذا الوهج الإبداعي الحارق، يمكن للمسرح أن يستعيد أمجاده التي انطلق منها، أي من الشعر.. ولذلك كانت القصيدة الممسرحة لديه اكبر من مشروع ثقافي/ إبداعي يتغلغل في الأعماق الغائرة ا وإنما هي بالإضافة إلى هذا، مشروع لجز المسرح إلى الشعر من جديد، وجعله حقلا لذروة الرؤية الصراعية التي تختزن عمق أسئلتها المفتوحة على التأمل،

وعلى مجموعة الأحاسيس الحية المنطلقة من الذات فحقل الشعر هو الأغنى دوما، وهو الأكثر استيعابا لأفق الثقافات القريبة والبعيدة، والقصيدة في المسرح أو خارجه، هي مسألة اشد داخلية وحدوساً وغنى وتأثيرا مما نتصور جميعا والمسرحيات الشعرية لصلاح عبد الصبور: "مأساة الحلاج "، "مسافر ليل"، "الأميرة تنتظر"، "ليلى والمجنون"، و"بعد أن يموت الملك". جميعها ذات نصوص محكمة، تعتمد آليات الصوت والحركة والتعبيرات الدرامية المتجوهرة من داخلها بالفكري والشعري على السواء.

وشاعرنا في رأي المخرج المسرحي الكبير سعد أردش "قدم استحداثات جديدة للمسرح، ليس في مجال اللغة أو التعبير فقط، وإنما أيضا في مجال تحويل المسرح إلى مجاز كلي، لا نحسه إلا عند كبار كتاب المسرح العالميين. كما أن لغة المسرح عنده ليست تلك التي تعبر عن الفكر الخارجي، لكنها تخترق الكيان الاجتماعي بكل ما فيه من تفاصيل ومعان وصراعات".

في مسرحيته الشعرية الأشهر: "مأساة الحلاج"، يستحضر صلاح عبدالصبور هذه الشخصية الصوفية التي يعود زمنها إلى أوائل القرن الرابع الهجري،لا ليسرد حدثاُ تاريخياً فاجعاً، و إنما ليصور هذا الرمز الذي حمل مثل شاعرنا رغبات ممنوعة، جعلته فيما بعد يعاني في وسط مجتمعه وشعبه و أمته من اللاتوازن المتوج بالقلق المفتوح والمثمر. وصلاح عبدالصبور مثل الحلاج، أو هو الحلاج معاصرا، امتلك طعم هذا العصيان النادر، والذي أودى به لاحقا إلى لحظة تحد قافزة، تفصل بين الحلم واليقظة، نحو حال ثالثة تسطع بالموت/ الحياة، أو بالأشعة الخلاقة الخالدة، وذلك كرد خصوصي حاد على المظالم الحياتية والاجتماعية التي تنوء تحت ثقلها الفادح مجتمعاتنا العربية المعاصرة.
كانت حياة صلاح عبدالصبور قلقة، اعتل فيها قلبه قبل الأوان، وتململت روحه، فقرر أن يهجم على نفسه، لا أن يهجم على الواقع ا المباشر، في محاولة منه لفهم العالم وحل معضلاته. ومن هنا جاء ميله إلى الانكفاء والعزلة عن الصراعات السياسية والأيديولوجية التي كانت تمور وتترى في عصره، فانخرط كليا في تجربته الشعرية، المعبرة بدورها عن هذه الصراعات، ولكن من خلال البحث عن المعنى الواقعي الآخر للمستقبل والحياة لديه.
كان الرجل يتجنب التورط في حمأة اللفظية والاستعراض "الثوري"، في عصر عربي قام أصلا على حمأة اللفظيات والاستعراضات الأيديولوجية المتناوبة. فضل شاعرنا فحص كل فكرة، وكل خطوة يخطوها قبل أن يعطي حكما عليها.. ووجد في الشعر جوابه، أو ضالته الكبرى، يستوثقها حتى آخر ذرة قناعة. ومن هنا كان رده على المشككين به سياسيا ووطنيا.. رد أ هادئاً، رزيناً ومملوءا بالرجاحات وقوة الأخلاق "والتواضع.. الأمر الذي زاد فينا نحن قراءه كراهة "الكبرياء الثوري" وأفانين الملق والرياء لدى أصحاب هذا "الكبرياء".
نحت صلاح عبدالصبور طريقه في صخر التجربة، ولم يستعد توازن ذهنه وقلبه وانسجام شخصيته إلا من خلال حقيقة القصيدة، والترهبن فيها ولها، وكذلك استثمار ذخائر كل طاقته لأجلها" فأكمل بذلك دروب النقص التي كانت تعتريه وتنال منه.
ومن المتفق عليه أن قصيدة صلاح عبدالصبور كانت (ولا تزال) تأتي إلينا مباشرة من الحقيقة الداخلية الباطنة للأشياء.. ولا عجب، فهو شاعر الألم الوجودي الكبير، اليكتسح كل الحواجز والسدود، وكل الأخيلة والأوهام، كاشفا من خلال الرمز المبسط (المقترب من تحويل المثالي إلى صور مادية ناطقة) أنسجة المجتمع وأسرار الحياة كلها.
ومن المؤثر هنا ملاحظة أن المعرفة أو الوصول إلى الحقيقة، مسألة شعرية وروحية في المقام الأول، ولا يستطيع اكثر المناطقة قوة ونفوذا سوى أن يثرثر على سطحها.

صلاح عبدالصبور شاعر الألم الكبير والأخلاق الكبيرة، المنسجمة والمؤثرة.. أراد لقصيدته ذات اللغة المبسطة على عمق، أن "تتركب" وتكبر بالنهايات المستقبلية، وكان له ما أراد، فانطوى على نفسه، ينعم بطاقات هذا الانفجار الهائل من الحزن المحدق في الذات وفي العالم، مروضا نفسه على ما يكره من الألم والأسئلة الممضة، حتى انقلبت الكراهية لديه حباً من لون خصوصي، يتأمل خلاله ملياً و عميقاً قبل أن ينطق محرراً طبقات وعيه.
ويزين لي انه كان يكلم نفسه بصوت مسموع من عزلته لدينا، ويعلن خلاصته في عبارات شعرية تتميز تارة بالتقييد والتحديد.. وطورا بالتوسع والإيضاح.. ودوما تتسلط المحسوسات عليه كشاعر، وتستبد به، لتحوّله إلى شخصية مشبعة بالفتور المبدع.
صلاح عبد الصبور شاعر كبير.. العقل أولى مواهبه، وكذلك الشعور.. وكلأهما كامن في نفسه، لاصق بطبيعته.. ولا يعسر في المحصلة على أي ناقد فذ، أن يستخلص من شعره نظرية في الألم متكاملة الأبعاد والأسرار.@

ملحق الخليج الثقافي- أغسطس 2001

 

سعدية مفرح

…..لكنهم بشر !!
صلاح عبد الصبور …شعرية الحزن والصمت ..والذكاء


( … الناس في بلادي
جارحون كالصقور …)
الجميع كان جارحاً، وكان صلاح عبد الصبور يعرف ذلك، يحذر منه بما يشبه النبوءة وهي تتسلق جدران الـوعي بمهارة اللص، وحذق القاتل المحترف، ولم يكن عبدالصبور سوى شاعر، مجرد شاعر، قرر منذ البداية أن ينسى تفاصيل الحلم لصالح تفاصيل الأيام العصيبة التي كان يرى مشاهدها المتوالية أمام عينيه. لكنه رحل …حتى قبل أن تستكمل النبوءة المرة تفاصيل مشهدها الأخير، وحتى قبل أن يستلهم رحيله بقية أدواته الجارحة. فالناس في بلادنا جارحة كالصقور، لكنها لا تملك بالضرورة نبل الصقور ولا قدرتها على التحليق فوق جبال اليأس بالسرعة التي تناسب الحياة …والموت أيضا !!.

لكن عشرين عاماً مرت على الجرح الجماعي الذي ظل ينزف في تفاصيل شاعر حزين حتى ذبالة الصدق اللانهائي، قادرة، أو لعلها، على إعادة تفاصيل المشهد في إطار جديد لتلك اللوحة القديمة، اللوحة تـقطرت في ألوانها الباهتة ملامح الشاعر المرسومة بريشة قاسية وحادة كأنها السكين … بل لعلها السكين بالفعل.

هل مرت عشرون عاماً على ذلك الزمان المتناقض في ألوانه؟ …كنا تلاميذ ثانوية عامة …نتعرف للمرة الأولى على ما يسمى بالشعر الحر، عبر المنهج المدرسي المقرر علينا من قبل وزارة التربية الكويتية، وكانت تجربة تدريس الشعر الحر في المنهج المدرسي لطلبة الثانوية ما زال مشروعاً تجريبياً يتراوح بين مد المرحبين وجزر المتشددين، وكنا نتراوح بدرونا بين ذلك المد وذلك الجزر ليس انحيازاً لهذا الفريق أو ذاك، ولكن تعبيرا عن تلك المنطقة الملتبسة التي تحتل كياننا الصغير في بدايات تكوينه المستقل، فمن جهة ننحن لم نتعرف في السابق إلا على الشعر العمودي في مناهجنا الدراسية، ونحن من جهة أخرى نتطلع لأي ثورة كانت يمكن أن تكون صورة تقريبية لثورات نسمع بها خارج جغرافيتنا الهادئة …ولم ينج من ذك التناقض سوى أشعار ثائرة لأمل دنقل، تميمة الزمن في نهايته السبعينية وبدايته الثمانينية وتعويذتنا ضد الخمول والانكسار، وأخرى لنزار قباني حالمة تدغدغ عواطـف تتطلع لتجد صورتها الخفية في رسائل المتبادل عبر شبابيك الحافلات المدرسية العابـرة بـين مدرسة البنات ومدرسة البنين …لكن المقرر في ذلك العام لم يكن أمل دنقل ولا نزار قبانـي، بل كان عبد الوهاب البياتي في قصيدة قاتمة وصلاح عبد الصبور في قصيدة أشد قتامة، لكنها على أية حال كانت بداية لي ولجيلي كله في الكويت، ليس مع عبدالصبور بل مع ذلك الشعر الذي لا نصادفه في مناهجنا الدراسية.فكان البياتي وعبدالصبور المفتاح لبيت القصيد الحديث بعيدا عن فكرة البيت إن لم تكن هدما تفكيكياً له بلغة تشبه لغة الحياة ولا تتعالى عليها، وبموسيقا تشبه فوضى الصوت البشري ولا تتعالى عليه، وبأفكار شتى …مثلنا تماما …شتى !!

لكن اللقاء (الرسمي) الثاني بالشاعر صلاح عبدالصبور كان لقاء دراماتيكيا بين أسوار الجامعة التي كانت تعيش ذبالة الأحلام القومية في تطرفها الأقصى نحو النزع الأخير، وكانت معاهدة كامب ديفيد هي عنواننا المقترح للتعرف على أم الدنيا في شكلها العربي الـجديد، فماذا يمكن أن يكون صلاح عبدالصبور، الشاعر الذي أخذنا نتعرف عليه تباعا عبر عناوين الأخبار الصحفية الصغيرة حول رئاسته لمعرض القاهرة للكتاب المتضمن جناحاً إسرائيلياً رغماً عن إرادة أدباء مصر وكتابها وشعرائها وبقية ناسها، وحول ارتباطه الوظيفي بالسلطة التي استغلت ذلك للحد الأعلى استفزازا لمن يريد التقول حول شاعر هادئ إلى حد الاستسلام وواضح إلى حد الموت، وحول ظروف وفاته الملتبسة التي تضاربت حولها الروايات المتشفية والحكايات الثأرية والإشاعات الجارحة لفرادة الموت ورهبته، والمجترحة لبطولات قولية استثنائية جابهت لحظات ندم قاتلة للشاعر ..القتيل أصلاً، … ماذا يمكن أن يكون هذا الشاعر الضالع في سياسات النظام وتخطيطاته بالنسبة لنا مقارنة بشاعرنا الأثير …وثائرنا الخطير …أمل دنقل في النصف الثاني من الثمانينات، أي بعد سنوات على ذلك الرحيل الفجائعي للشاعر الصموت في حزنه المميت …؟!.

الغريب أن قصيدة واحدة لعبدالصبور نجحت تماما في تبديد ذلك الإحساس المتحيز ضده والذي زادته المقارنة بين الشاعرين تحيزا علنيا قاسيا…، كان أستاذنا في قسم اللغة العربية بجامعة الكويت الدكتور جابر عصفور قد جابه رفض بعضنا المغمغم لدراسة أي قصيدة لصلاح عبدالصبور بحزم غير معتاد حيث أمرنا بالتحضير لدراسة قصيدة " أغنية من فيينا" والاستماع أثناء ذلك لأغنية الفنانة أسمهان الشهيرة "ليالي الأنس في فينا"، استكشافا لفكرة التناص بين القصيدة والأغنية، وبحثا عن ذلك الخيط غير المرئي بينهما إلا عبر عنوان مشترك.

لقد فتحت هذه القصيدة ـ التي كانت تطبيقا شعريا لفكرة روائية سادت كثيرا في الخمسينيات والستينيات عبر عناوين كثيرة مثل "الحي اللاتيني" لسهيل إدريس و"موسم الهجرة إلى الشمال " للطيب صالح وغيرها، كــوة مضيئة ولجت من خلالها عالم سحري حزين لشاعر أكثر حزنا، وبدا الشعر الحديث من خلال ديوان عبدالصبور رغم غنائيته أكثر التصاقا بواقعية جديدة وحميمة، وبذلك الجانب الأكثر بؤسا في تجربة الشاعر العربي مع القصيدة الجديدة، ومن خلال هذه الكوة بدا عبدالصبور في امتثاله للغة اليومية في تحديداتها وتصاريفها وإخضاعها لشاعرية الحزن والصمت بين شوارع الضجيج رائدا يقف بالتوازي تقريبا مع الريادات الشعرية الأخرى في ديوان الشعر العربي خلال النصف الثاني من القرن العشرين. ولعل في تفاصيل الحياة اليومية ومفرداتها ما جعل من قصيدة عبدالصبور نموذجا غير علني للقصيد السبعيني الذي احتفى بتلك التفاصيل، ورسم خريطته الشعرية من خلال أجوائها الموسيقية ومفرداتها العادية، وحزنها المقيم في جلجلة الغضب الصموت حد الموت الذي ترصد الشاعر النبيل في ليلة ضجت بالأصدقاء وانتهت بمشهد الشاعر وهو يعبر نحو أفقه الأخير بين أطياف الكلام الكثير لهؤلاء الناس ..
فالناس في بلادي جارحون كالصقور
غناؤهم كرجفة الشتاء في ذؤابة المطر
وضحكهم يئزّ كاللهيب في الحطب
خطاهمو تريد أن تسوخ في التراب
ويقتلون، يسرقون، يشربون،يجشأون
لكنهم بشر …@


عبدالعزيز موافي - مصر

الهيلينية في شعر صلاح عبدالصبور


تظل القصيدة في مختلف اشكالها، نتاجا للتفاعل الخلاق بين التجربة والثقافة.
فالتجربة هي تجل للذات، بينما الثقافة تعبير عن الموضوع. ولأن كلا منها متغير بالضرورة، بتغير الذوات والعصور، والاماكن، تصبح القصيدة (الحقة) هي القصيدة المتفردة. وعلى ذلك، فانه مهما ساد نمط من الثقافة في عصر ما، فان الذات تقوم باعادة انتاج تلك الثقافة، كي تنحي بعض عناصرها. مقابل اعلاء عناصر أخرى. وتلك العملية التي تشبه التباديل والتوافيق الرياضية، عادة ما تؤدي بالشاعر الى التفرد، كما تحيل القصيدة الى بصمة فنية، تتشابه - من حيث الشكل العام - مع بصمات اخرى، لكنها تظل - في العمق منها - كونا مغلقا، وقائما بذاته.
ولأن التجربة التي تشكل الخبرة العاطفية رهن بذات الشاعر وحدها، ومن هنا يصعب تحليلها، فان ما يمكن اخضاعه للتحليل - بالفعل - هو الثقافة. وتعود أهمية تحليلها الى كونها هي التي تشكل رؤية الشاعر للعالم، وبالتالي فانها تستدعي الادوات التي تؤمر تلك الرؤية. ثم أنها. في نهاية الأمر - هي الروح التي تشيع في التجربة الذاتية، سحر الانتقال من الخاص الى العام، فتضفي عليها الحيوية والديمومة.
ان ثقافة الشاعر لا يمكن ان تكون نتاج عنصر ثقافي محدد، ولكنها جماع لخبرات عديدة، تتمثل في خبرة الحياة والقراءة والمشاهدات. ولان هذه الخبرات غنية ومتجددة دوما، فان الذاكرة - عادة - ما تقوم بتنحية بعض العناصر، مقابل سيادة عناصر اخرى. على ان العناصر التي يتم ازاحتها، لا تختفي تماما، لكنها قد تكون أخطر تأثيرا، حيث انها تعمل في اللاشعور، وبالتالي يصعب على الشاعر ان يتقطع أية مساحة - ولو محدودة - من حريتها. وقد تتمكن بعض العناصر الثقافية من السيطرة على الوعي الظاهر، كما تسيطر عن اللاشعور. وفي هذه الحالة، تصبد دراسة السمات الثقافية لدى الشاعر اكثر يسرا. وهذا الافصاح لا يشي بالسطحية، بقدر ما يشير الى تحديد عوالم الشاعر، وبالتالي يشير الى امكانية الولوج فيها. وهبتا لهذا التصور، فاننا نرى أن عالم صلاح عبدالصبور الشعري هو الاكثر تحديدا لان عناصر الثقافية تبدو واضحة في مختلف مستويات الشعور واللاشعور. ان هذه العناصر هي مزيج من عناصر عربية واسلامية، تشكل ثقافة الموروث في الاطار العام، اضافة الى بعض العناصر الفلكلورية، وهذا المريع من الثقافة الاقليمية، يتنافذ مع ثقافة كونية وافدة، تتمثل في الثقافة الهيلينية.
لذا فانه من خلال تداخل الكوني والاقليمي، تتأسس ثقافة صلاح عبدالصبور في العمق منها، عن عنصرين أساسين: الثقافة الصوفية ذات المنحى الاشراقي، وتنتج عن ثقافة الموروث، والثقافة الهيلينية ذات المنطق العقلي، تفرزها ثقافة الوافد.
ولاننا نتصور ان عناصر الثقافة الهيلينية، الى جانب الصوفية هي أهم مرتكزات الذاكرة الشعرية لدى صلاح عبدالصبور، فاننا سوف نتناولها بالبحث. ونحن نرى بداية انه يكن اختزال العناصر الثقافية بها، الى عنصرين أساسيين:
1- المعرفة بالتصورات.
2- اسطرة الواقع.

* المعرفة بالتصورات:
يرى هيجل ان الفلسفة معرفة بالتصورات، بينما الفن معرفة بالصور. والفارق بين الحالتين، ان التصورات هي سمة أمنية، تتسم بانها تجرد مفردات العالم والعلاقات الرابطة فيما بينها، ثم تحيل كل ذلك الى افكار، اما الصور، فهي على العكس - سمة حامية، تجسد الافكار من خلال رؤيتها بالحواس، وتردها الى العالم مرة اخرى، كي تستحيل الى علاقات ومفردات.
ومن أهم خصائص المعرفة بالتصورات ان التجريد ينشأ - بالاساس - عبر التركيز على علاقات العلية والسببية، وهي علاقات بالضرورة غير شعرية. وعلى الرغم من ذلك، فان صلاح عبدالصبور يعترف بشغفه بتك العلاقات الى درجة "المرض":
"انا مريض بالسؤال عن العلة في كل شيء. وهو مرض اورثتني اياه قراءات فلسفية عابرة واصابة عارضة بالتأمل، لم استطع ان أعالجها في صباي وشبابي، فبقيت معي حتى اعتاب شيخوختي، واظنها متظل معي حتى ابواب الآخرة". ومن الواضح ان تحليل كتاب (حياتي في الشعر) في نفس الاتجاه، سوف يؤدي الى نتائج يقينية، لا تحتل اللبس. فالى جانب (مرض العلة) كما وصفه، نجده في موضع آخر يؤكد على ذلك التصور: (الكون لا يجبني، ولأني احمل بين جوانحي- كما قال شيللي - شهوة لاصلاح العالم، وهذه الشهوة هي القوة الدافعة في حياة الفيلسوف والنبي والشاعر، لان كلا منهم يرى النقص فلا يحاول أن يخدع نفسه عنه، بل يجتمد في ان يرى وسيلة لاصلاحه... ان التعبير بالصور أعمق اثرا من التعبير باللغة المجردة، وكثيرا ما أدرك الانبياء والفلاسفة ذلك، فاصطنعوا منهي الشعراء، ففي آثار كل نبي عظيم او فيلسوف كبير قبس من الشعر). ان عبدالصبور يوحد بين الشاعر والنبي والفيلسوف على مستوى الغايات (اصلاح العالم)، ثم يوحد بينهم ايضا على مستوى الوسائل (المجاز). ومع الاتفاق في الغايات والوسائل، فان الاخلاتفات بينهما لن تكون - بالتالي - سوى اختلافات عرضية. وعلى ذلك، فانه كما يمكننا ان نجد داخل كل نبي وفيلسوف شاعرا، فاننا بالمثل - يمكن ان نلمح داخل كل شاعر نبيا او فيلسوفا. فالسياق العام الذي يؤدي اليه تحليل قصائد عبدالصبور، اضافة الى مقولاته، يجعل من القصيدة نقطة التقاء لثلاثة من أساليب المعرفة:
1 المعرفة بالصور، التي ينتمي اليها الشاعر.
3- المعرفة بالتصورات، التي ينتمي اليها الفيلسوف.
4- المعرفة بالالهام، التي ينتمي اليها النبي.
واذا كان من الممكن تلمس لخلال الشاعر والفيلسوف بسهولة، داخل شعر صلاح عبدالصبور، الا ان المعرفة بالالهام لم تستدع النبوة، بقدر ما استدعت (الخرقة). وبالتالي فقد شغل المتصوفة مكانة الانبياء، داخل نصه الشعري، ومن هنا، يظل شعر صلاح عبدالصبور نسيجا متداخلا من المنطق العاطفي والمنطق العقلي، مضافا اليهما المنطق الاشراقي، كما يصبح التجانس الكوني على المستوى الشعري، مرادفا لوحدة الوجود على المستوى الفلسفي، والحلول على مستوى التصوف.
على ان الجمع بين عناصر شتى داخل تركيبة الشاعر، انما هو صدى لتأثير الثقافة الهيلينية، التي تجعل من الفيلسوف نقطة التقاء للرياضي والطبيب والعالم واللغوي... الخ، ولهذا السبب، كان من الطبيعي ان يتداخل المنطق العاطفي، الذي يعتمد على التفكير بالصور مع المنطق العقلي، الذي يتأسس على المعرفة بالتصورات، اي ان المنطق الاشراقي لا يسلم - بدوره - من تأثير المنطق العقلي، عند صلاح عبدالصبور، لذا يمكن لنا أن نلمع الحلاج وهو يتوق الى ان (... يوفق بين القدرة والفكرة، ويزاوج بين الحكمة والفعل). هذا ما أدى به الى ان يحاول ان يحدث (تكاملا بين اللوجوس والبراكسيس... بين الكلمة والفعل برباط وثيق). واذا كانت مأساة الحلاج" تقع في منطقة وسطى بين الشعر والتصوف، فانها - من ناحية اخري - تزاوج بين التصوف والفلسفة فالسجين الثاني في المسرحية، كان يعود الى امه في نهاية كل يوم، ليحدثها عن: الجوهر والذات
الماهية والاسطقسات،
القاتيغوريا،
ويوناني لا يفهم
ومن ناحية اخرى، نجد ان الخيط الرئيسي داخل مسرحية "بعد ان يموت الملك"،. يتمثل في (الصراع بين "الايروس" و"الثاناتوس".. بين مبدأ الحياة الذي يمثله الشاعر، ومبدأ الموت الذي يمثله الملك)، كما يتصور ماهر شفيق فريد. واذا كنا في حاجة للاستشهاد بمقولة أخرى لصلاح عدالصبور، لنؤكد على المنحى العقلي لشعره، والذي يعكس تأثره بالثقافة الهيللينية بالتفاعل مع ذروة تجليها، وهي الفلسفة، نجد انه يرى (ان التجربة الشعورية لا تعني بالضرورة التجربة العاطفية الشخصية وحدها، وانما تعني كل فكرة عقلية أثرت في رؤية الانسان للكون او الكائنات. فضلا عن الاحداث المعاينة، التي قد تدفع الشاعر او الفنان الى التفكير). وهو هنا- ينقل برؤية الشاعر الى تخوم الفيلسوف. وبعد ان استشهدنا بالعديد من مقولات صلاح عبدالصبور، لكي نؤكد على اتجاه المعرفة بالتصورات، خصوصا ان النماذج المسرحية التي أوردناها، تؤكد على ذلك بالفعل، فاننا في حاجة الى تلمس هذا الاتجاه من خلال شعراء حتى تتأكد تلك الفرضية، التي نرى انها تنسحب على كل انتاجه: نثرا وشعرا وسرحا.
على أن آلية المعرفة والتفكير بواسطة التصورات عنده. تتوزع على ثلاثة محاور رئيسية:
* التناص.
* المقولات المهيمنة.
* المعارضة الاسلوبية.
والتناص عنده يكاد يقوم بوظيفة واحدة، هي احداث نوع من المعارضة الشعرية، لنصوص فلسفية سابقة عليه: هل ماء النهر هو النهر؟ (ص 420)
وهذا السطر الشعري اعادة انتاج لمقولة هيراقليطس: "انك لن تعبر النهر مرتين".
كما ان التناص، يطال أشهر مقولات سقراط الفلسفية على الاطلاق، والتي يوردها صلاح عبدالصبور بنفس كلماتها: يا أيها الانسان / اعرف نفسك (ص 258)
اضافة الى انه يستقدم نفس الصياغة اللغوية لقانون (بقاء المادة):
حزني لا يفنى / ولا يستحدث (ص 449) أما النصوص التي تعتمد عن "المقولات المهيمنة " فكثيرة، حيث يتم الاتكاء على عدة مقولات فلسفية، تمثل محاور مركزية داخل نص سلاح عبدالصبور الشعري. وأهم تلك المقولات هي مقولة "اليقين":
حينما التقينا يا حبيبتي، أيقنت / مفترقان (ص 415) ثم يترو في موضع آخر:
لكنني أبحث عن يقين (ص 415)
وهو لا يتصور ان البحث عن اليقين فعل فردي، لان الذات الجمعية - بدورها- انما تحاول العثور على يقينها الخاص. وحين لا تجده، تفقد تواؤمها مع المستقبل:
حين فقدنا جوهر اليقين / تشوهت أجنة الحبالى في البطون (ص 428)
واليقين عند صلاح عبدالصبور قد يقترن بالفعل، لكنه نتيجة لعناصر الصراع بداخله بين المنطق العقلي والمنطق الاشواقي، قد يؤدي الى انتصار "القلب". كرمز للمعرفة بالالهام - على العقل:
نكسر، ثم نشكر قلبنا الهادي / ليرسينا على شط اليقين، فقد أضل العقل مسرانا (ص 343)
والى جانب مقولة (اليقين)، هناك مقولات مهيمنة أخرى مثل (الحكمة)، تتحرك داخل القصيدة بطريقة مركزية: ارتفعت حكمته متى مست قلبه،/ فتسمم بالحكمة (ص 53)
ويتراسل عبر مقولة الحكمة المغلق العقلي والمنطق الاشراقي أيضا:
شعرت بأنني ملأت شهاب القلب / بالحكمة (ص 345)
والشاعر يتصور ان الحكمة تسير في اتجاه محدد، فاذا انعكس مسارها كانت النتائج مروعة:
ومات، اذ ساموه ان يغترف الحكمة / بالمقلوب / نامي، ايا صديقتي المقربة / بدائك الأليم / واستفرغي حكمتهم في ثوبك القديم (ص 443)
وتظل هيمنة المقولة ممتدة عبر كل أعمال عبدالصبور الشعرية:
شبعت حكمة وفطنة / رويت رؤية وفكرا (ص 544)
وتتكرر نفس العبارة تقريبا في موضع آخر:
وربما / لو زدت حكمة وفطنة ورؤية / وفكرل / عرفت ان قلبك الأسيان / كمثل قلبي (ص544)
وكما ترتبط الحكمة بالحياة، عند صلاح عبدالصبور، فانها ترتبه - أيضا- بالموت:
هل استخفى في ذكرى أيام الفرح الوردية؟ / أم استلقى في حكمة أيام الحزن الزرقاء / مقهورا، انتظر هدأة موتي (ص 563)
ولأن العلاقة بين الشاعر والحكيم وطيدة عند صلاح عبدالصبور، فانه من الطبيعي ان تمحى الفواصل بين الشعر والحكمة. لذلك نرى ان المنطق العاطفي كثيرا ما يتدخل والمنطق العقلي:
انحسر الحب / ولم يبق سوى الشعر / هرما، وحكيما مقهورا (ص 574)
أما الموت فحين يعمل الى ذروة تجريده، يستحيل الى مقولة (العدم) وتظل العلاقة بين الموت والحياة، حين يتم تجسيدها، خاضعة لرؤية (بيتس)، التي يستند اليها صلاح عبدالصبور في احدى قصائده:
الانسان هو الموت (ص 517)
ومن خلال هذا التصور، فان شعره ينحاز باتجاه فعل الفناء، فلا يثير العلاقة بين الموت والحياة كقضية وجودية وكونية كبرى، بل كبدهية لا تحتمل الاثبات:
فلو عاش الذي ماتا،/ فأين يعيش من ولدا؟ (ص 339)
ومن هنا يطرح الشاعر تساؤلا آخر، ليحاول ان يثبت ما لا يمكن اثباته:
وما الانسان ان عاشا../ وان ماتا؟ (ص 340)
على ان العلاقة بين فعل الموت / الحياة والتي تمثل دورة الكون، يتم التعبير عنها من خلال التراسل فيما بينهما، والذي يتم ادراكه بالوسائل العقلية:
من موته انبثقت صحوتي (ص 217)
وعندما ينتفي هذا التراسل، ينفرد الموت وحده بالهيمنة على الذاكرة الشعرية. وهنا تحل لفظة (العدم) - بظلها الفلسفي- بديلا عن الموت فان كان الموت فعلا انسانيا، أي يمكن تجسيده وتصوره داخل العالم، فان عبدالصبور يجرده تماما من خلال استخدام مقولة (العدم) وبالتالي، ينتفي عن الموت تجسيده، ويستحيل الى فكرة مجردة:
في الصباح يعقد الندمان مجلس الندم / ليسمعوا حكاية الضياع في بحر العدم (ص 17)
وقد تتراسل الحياة، تحت تأثير الغريزة الخالقة لدى الشاعر، مع مفهوم العدم، لتستمر دورة الكون مرة أخرى:
يحكى لهم حكاية.. تجربة الحياة / حكاية تثير في النفوس لوعة العدم (ص 188)
واذا كانت بعض المقولات الفلسفية تتوزع داخل دواوين صلاح عبدالصبور، باعتبارها مقولات مهيمنة، فان مقولة (الفلسفة) ذاتها، تطرح داخل تلك الدواوين بشكل سافر:
لم يكن كدأبنا / يلفظ بالفلسفة الميتة (ص 289)
او ان يقول في موضع آخر:
هاقد سلمت لكم.. قد سلمت / ضاقت بسماتي / لم تنفعني فلسفتي / عجزت عن عوني معرفتي (ص 460)
كما تتناثر داخل الدواوين، بعض المقولات الفلسفية العارضة، التي تأتي لتؤكد على فرضية التفكير بواسطة التصورات لدى صلاح عبدالصبور، فالى جانب (اليقين) و(الحكمة) و(العدم) نجد ان هناك مقولات اخرى، مثل (الجوهر):
أبكي جوهرة / سيدة الجوهر / الجوهرة الفرد (ص 521) وهنا - ايضا- مقولة (المنطق):
سنين طوال، في بطن اللجاج، / وظلمة المنطق (ص 343)
ولا يخلو الامر من استخدام مقولة (الهيولي):
لتنحل صفاء وهيولي (ص 482)
وقد يذكر بديلا عن كلمة الفلسفة، اسم فيلسوف مثل ستراط:
سقراط.. محق حين تجرع كأس الموت / ومافر (ص 420) واضافة الى التناص الفلسفي والمقولات الفلسفية المهيمنة والعارضة، يظل هناك نوع من المعارضة الاسلوبية في شعر صلاح عبدالصبور لتركيب العبارة الفلسفية. قد لا تعتمد على "المقولات" التي لها قوة الاصطلاح، لكنها تعتمد على "السياق" الذي ينتظمها:
أبحث عنك في الخطى المفارقة / يقودها الى لا شيء، لا مكان (512)
ولان الفلسفة - بالاساس - تلوح تساؤلات الانسان في العالم، وعن قضاياه الكونية الكبرى، فان شعر صلاح عبدالصبور يمتليء كثيرا بتلك التساؤلات الفلسفية، التي تؤكد على الحيرة. العقلية، اكثر مما تؤكد على الحيرة الحدسية التي تميز الخطاب الشعري:
يحرقون في السكون / في لجة البحر العميق والفراغ والسكون / ما غاية الانسان من أتعابه؟ / ما غاية الحياة؟/ يا أيها الاله (ص 188)
ولهذا، فان الشعر على غرار التركيب الاسلوبي الفلسفي، يقرر:
كان يريد أن يرى النطام في الفوضى / وان يرى الجمال في النطام (ص 469)
وأخيرا، فانه يرى:
خلف اشتباه الوهم والمجاز والخيال.../ حقائق الاشياء والاحوال (ص 469)
على ان صلاح عبدالصبور لا يتوقف عند حدود الفلسفة الكلاسيكية، بل يتجاوزها الى المقولات الفلسفية الحديثة،مثل "السأم" و "الملل" و "الاغتراب" و "اللاجدوى":
انسان هذا العصر سيد الحياة / لانه يعشها سأم / يزني بها سأم / يموتها سأم (ص 323)/ ايضا / حتى سأم التكرار نفسه (ص 560)
ولا يمكن ان ينسى- في خضم المقولات الحديثة - مقولة الاغتراب:
أنا مغترب في انحاء الكون (ص 595) / واخيرا: / يهرب من شغف اللاجدوى للفعل اللامجدي/ يهرب من صحراء اللافعل الى قاع اللارغبة / فيداهمه سيف اللاجدوى/ يثوي في حجر اللاجدوى/ واللارغبة / واللافعل / يموت (ص 578)
أسطرة الواقع تتم اسطرة الواقع في شعر صلاح عبدالصبور، من خلال الاتكاء على عناصر الاسطرة الهيلينية بالاساس. ولئن كانت تلك الاسطورة قد تفشت في الشعر العربي في حقبتي الخمسينات والستينات الا ان تعامل صلاح عبدالصبور معها يظل متميزا. فهو لا يتعامل مع الاسطورة من خلال الاستخدام المباشر، لكن من خلال الاستخدام الجزئي لاحد عناصرها، مع ادغامه داخل السياق، حتى يصبح جزءا عضويا منه. وبالتالي تصبح الاسطورة مضمرة في تضاعيف النص الشعري، وليست منفصلة عنه، لذا فان القارىء الذي قد يجهل الاسطورة الاصلية، يستمر في قراءاته للنص دون التوقف امام الفراغ المعرفي، لانه لا فراغ بالفعل. فقد تم ادماج الدلالة المضمونية للاسطورة داخل السياق الشعري، لا الاسطورة نفسها.
وبينما تتسع الاسطورة الهيلينية لمئات الاساطير الضمنية، فان صلاح عبدالصبور لم يتعامل سوى مع الاساطير الرئيسية في الثقافة الاغريقية، دون ان يلفت الى روافدها. وبالتالي، فان استخدامه للاسطورة كان يستدعي الرصد العاطفي والعقلي لها، من خلال شيوعها.
ولعل أكثر الاساطير التي اتكأ عليها صلاح عبدالصبور، كانت اسطورة (الميدوزا) ذلك الكائن الذي يشبه المرأة، وهي امرأة قبيحة الوجه، شعرها يتكون من افعوانات ملتفة. وتقول الاسطورة ان من ينظر الى (الميدوزا) مباشرة، فانه يستحيل الى حجر على الفور:
أبكي جوهرة / من يدم النظر اليها / يرتد اليه النظر المحسور / قد يمسخ حجرا، او في موضعه يجمد (ص 521)
وفي موضع آخر:
فليس من يطلبني سوى "أنا" القديم / حجارة أكون لو نظرت للوراء (ص 402)
واذا كان سياق التحول الى حجر يقودنا باتجاه التحولات الكونية في الاسطورة الهيلينية، فان اهم تلك التحولات هو "مسخ الكائنات":
شممت خطة البهار، ثم غصت في البحار / حين رأيت رأي العين طائرا برأس قرد/ وحينما اراد ان يقول كلمة نهق / كان له ذيل حمار / رأيت في المنام انني أقود عربة / تجرها ست من المهاري/ وفجأة تحولت خيولها قطط/ صارت قططي دببة (ص 424)
أما اسطورة اوديميوس، كما اوردتها (الاوديسا)، فانها تمثل نقطة ارتكاز رئيسية داخل دواوين صلاح عبدالصبور:
أنا رجعت من بحار الفكر دون فكر / أنا رجعت من بحار الموت دون موت (ص 322)
الا ان اهم ما يميز تناول اسطورة اوديسيوس، ان عبدالصبور يركز على لحظة غياب البطل باعتبارها (عقدة) الاسطورة:
جاء الزمن المنحط، فحط على القصر الاجلاف / جعلوه مخزن منهوبات / مبغى/ ماخورة (ص 524) وتيجة لهذا الغياب، فان ذاكرة الشاعر تستدعي - بشكل مضمر - صورة بنيلوبي:
.. ومهجتي على الفراش كل ساعة تميل / وأغزل التراب في سكينتي / وأصنع الاكفأن، ثم انجز التابوت (ص 242)
وهناك - ايضا - اسطورة (ايكاروس)، والذي صنع جناحين وألصقهما بجلده بالشمع، وحينما طار اقترب من كثير من الشمس أذابت الشمع، فسقط على عليائه الى أعماق البحر:
وطرت بين الشمس والسحابة، / ونمت بين أحضان ربة الكتابة (ص 506)
وأيضا:
ريح ألقته للسفح / وهو في جوف الآفاق الممتدة ( ص 387)
كما ان عبدالصبور، الذي يرتبط دائما بطرح التساؤلات، عندما يتعرض لاسطورة أوديب، فانه لا يستند سوى على جزئية طرح الأسئلة التي يلقيها أبوالهول:
هذا "أبوالهول" المخيف / نصب السرادق عند باب مدينتي للقادمين (ص 204)
وطبقا لهذا التصور، يصبح طرح الاسئلة التي تصعب الاجابة عليها، أقرب الى (الرؤيا الهولية)، خصوصا حين تصبح الاجوبة بيد القدر وحده:
أه / ليس هو الليل / بل القدر / الرؤيا الهولية / وسقوط الحاضر في المستقبل (ص 441)
واخيرا، تتبقى أسطورة (انتيجوني)، التي تمثل الصراع بين القانون الشعري الذي يقضي بدفن جثة أخيها، والقانون الوضعي الذي يستلزم تركها في العراء:
أنت،/ ألم أدفنك منذ عام / أيتها الجثة الغريبة
وفي النهاية، نعتقد أننا أكدنا بالفعل على تأثر صلاح عبدالصبور بعناصر الثقافة الهيلينية، وأجبنا بذلك على تساؤل رئيسي، ظل يبحث عن اجابة:
لماذا تلك العقلانية في شعر صلاح عبدالصبور؟
---------------------
هوامش:
* الاستشهادات النثرية من كتاب (حياتي في الشعر).
* الاستشهادات الشعرية من كتاب الأعمال الكاملة.
----------------
مجلة (نزوى) العدد العشرون