صلاح عبدالصبور - مصر
شهادات عن الشاعر و التجربة

جريدة (الخليج) - الإمارات العدد 8124
الخميس 61 أغسطس 2001

خمسون سنة من الحزن و الإبداع

في ذكرى رحيله .. من يخاف صلاح عبدالصبور؟


خمسون عاما.. ترجل بعدها صلاح عبدالصبور، ونفض عن جسده ثياب الرماد، ومات ميتة.. تليق بشاعر.. وإنسان استثنائي.. يعرف قدر الكلمة.. لذا قتلته كلمة أو كلمات عندما فر الجميع هاربين من السفينة الغارقة، تاركين جثته في العراء.. تنوشها رياح السموم. كان "مهران " أو السندباد اسمه محمد صلاح الدين عبد الصبور وما بين ميلاده في 3 مايو 31!1 ورحيله مساء14 أغسطس 1981 خمسون عاما من المكابدة والسأم والحزن والإبداع، وما بين التاريخ الأخير وبين لحظتنا الراهنة عشرون عاما من التجاهل المريب. وصلاح عبد الصبور المولود في إحدى قري محافظة الشرقية بمصر، نزح إلى القاهرة طالبا بقسم اللغة العربية بكلية الآداب جامعة القاهرة وتردد على المقاهي التي تجمع الأدباء وذهب إلى جروبي ليرى الشاعر علي محمود طه في ركنه الخاص، وفي الجامعة كان يتحلق وأصحابه حول الشيخ أمين الخولي.
وكون صلاح عبد الصبور وأصدقاؤه الجمعية الأدبية المصرية، وكانت تضم فاروق خورشيد، عزالدين إسماعيل، عبد الغفار مكاوي، عبد الرحمن فهمي، واحمد كمال زكي، وحسبما يروي صلاح ذاته، وقد عمل بالتدريس بعد تخرجه لم يكن مدرسا ناجحا؟ وكان مفتشو اللغة العربية حين في يزرونه في الفصل يضيقون بما يخالون من إهمالي وقلة بضاعتي من العربية، حتى إن أحدهم كتب في تقريره عني أنني لا اصلح للتدريس.
وتعرف عبد الصبور قي ذلك الوقت على محمد فريد أبو حديد الذي اصلح ما بينه وبين وزارة التربية والتعليم إلى أن قدم استقالته منها في عام 1957 بعد ست سنوات وكان أبو حديد قبل ذلك قد أوصى احمد أمين بالاهتمام به فعهد إليه هو وأصدقاؤه بتحرير مجلة الثقافة وفيها نشر أول قصيدة له في الشكل الشعري الجديد بعنوان (أبي). ولذلك بعد استقالة من التدريس يمم وجه شطر الصحافة وعمل في مجلة روز اليوسف، وكانت قصيدته "شنق زهران " بطاقة التعارف بينه وبين النقاد فبعد نشرها اخذ كامل الشناوي ولويس عوض يبحثان عنه في المقاهي والمنتديات ليتبنيا موهبته. وصار صلاح رئيسا للقسم الأدبي بالمجلة وكاتب افتتاحياتها السياسية في بعض الأحيان لكنه ترك كل هذا ليعمل بالأهرام وظل بها شهورا يتقاضى مكافأة دون راتب محدد لان محمد حسنين هيكل لم يكن قد حدد بعد الراتب الذي يستحقه شاعر شهير مثل صلاح عبد الصبور.
وفى تلك الأثناء اتصل به ثروت عكاشة وزير الثقافة آنذاك ليكون مشرفا على إدارة التأليف والنشر، فوافق، وكانت نتيجة قراره أن اصدر هيكل أمراً بألا تنشر لصلاح قصيدة أو مقال أو خبر عنه مهما كان إذ كيف يقبل صلاح منصبا في وزارة الثقافة ويترك هيكل والأهرام، هذا ما تذكره عايدة الشريف في كتابها شاهدة ربع قرن الصادر عام 1995 عن الهيئة المصرية العامة للكتاب.

.. وبدأت الحرب

توجه إلى صدر صلاح عبد الصبور عندما قبل في العام 1975 رئاسة تحرير مجلة الكاتب بعد أن استقال من رئاستها احمد عباس صالح وكان ذلك توجها لدى النظام بتصفية كل ما يمت لحقبة عبد الناصر، وبات سوء الفهم لمواقف صلاح عبد الصبور جزءا من رؤية الجماعة الثقافية له، وطالبوه بالاستقالة هو الذي لم يكن يمتلك موردا للرزق سوى عمله ويمكن التعرف على طبيعة شخصيته من خلال موقف حصوله على جائزة الدولة التشجيعية عن مسرحيته مأساة الحلاج سنة 1967 فهو لم يدخر قيمة الجائزة لكنه أولم بها لأصدقائه.
وتتوالى المواقف وتصل إلى ذروتها حين بتولي رئاسة الهيئة المصرية العامة للكتاب فيجبره النظام على مشاركة الكيان الصهيوني المنبوذ في معرض القاهرة الدولي للكتاب وكان قبل ذلك قد عمل مستشارا ث!قافيا بالسفارة المصرية في نيودلهي ومن هناك أرسل إلى سهيل إدريس صاحب الآداب- خطابا يقول فيه: انك لا تدري كيف يقص الفرد عاريا منزوع السلاح أمام مؤسسات الدولة الشمولية.
وظل صلاح محافظا على صمته مستسلما للأسئلة: هل يقبع في بيته؟ ة.. هل يترك أسرته للريح "،! ولما استاءت السلطة من صمته رأت في الاحتفال بذكرى احمد شوقي مناسبة لاستمالته، عبر مبايعته أميرا للشعر العربي الحديث فدعت إحدى الجمعيات لذلك؟ لكن صلاح رفض تماما، مثلما رفض عرض لويس ع!ض إمارة الشعر عليه من قبل
لكنها كانت مناسبة لتصفية الحسابات فيكتب سميح القاسم قبل شهرين من رحيل صلاح الدرامي: ( تكريم الشاعر صلاح عبدالصبور من قبل السلطة الحاكمة في مصر تقدير له على مواقفه وولائه للسلطة وأطروحاتها الانهزامية وتصل المزايدة والبعد عن الحقيقة اقصاهما لدى القاسم فيكتب: الشاعر عبد الصبور يقف بحزم بحكم منصبه الوظيفي أمام الثقافة الجادة والمثقفين الملتزمين بقضايا الجماهير سواء عن طريق منصبه الوزاري أو رئاسته للهيئة العامة للنشر أو إشرافه على بعض المجلات الثقافية وهذا ما سنطرحه على شعراء الموجة.. التي تلت عبد الصبور. وبعد يومين من رحيل صلاح كان الشاعر احمد مطر يسخر بمرارة لا تليق بالكتابة عن شاعر مات كمدا كصلاح عبد الصبور. سنحاول بداية الوقوف على المناخ الثقافي الطارد في مصر لنعرف كيف كان عبد الصبور وحده في سبعينيات الرمادة التي مرت بها مصر. موسم الهجرة الخارجية سألت الشاعر احمد عبد المعطي حجازي عن ذلك؟ فأجاب: الثقافة المصرية بداية من السبعينات كانت نتيجة انقلاب كامل في الحياة المصرية وكان الحصاد شقيا وهجرة واسعة للمثقفين المصريين فمصر أصبحت طاردة لمثقفيها، هذا الخروج أدى إلى خلخلة الحياة الثقافية في مصر خاصة بعد أن تولي المسؤولية يوسف السباعي وعبد القادر حاتم ولم تكن علاقتهما بالمثقفين طيبة حتى أن المثقفين الذين ظلوا بمصر ولم يهاجروا، لم يسلموا من اتهامات الأجيال الجديدة، إذا كانوا مضطرين للعمل في إطار المؤسسات الموجودة مثل صلاح عبد الصبور كرئيس تحرير لمجلة الكاتب ورئيس الهيئة المصرية العامة للكتاب ثم مستشار ثقافي في الهند. هذا الخلل في الحياة الثقافية لم يؤد فقط إلى هجرة جيل وعزلة جيل جديد إنما كانت له نتائج فاجعة، وعندما مات صلاح عبد الصبور بالمستشفى القريب من بيتي، لم تكن المشادة التي حدثت بينه وبين الراحل بهجت عثمان هي السبب بل كانت هي القشة التي قصمت ظهر البعير لان السنوات العشر السابقة على هذه الحادثة بالنسبة لصلاح كانت حصارا وانتحارا بطرق مختلفة. محاكمة ظالمة هل كان صلاح عبد الصبور يقف بحزم- بحكم منصبه الوظيفي- أمام الثقافة الجادة. كما كتب سميح القاسم؟ ة الشاعر محمد سليمان أحد ابرز شعراء السبعينات في مصر بادرني قائلا: جيلكم حظه سيئ لأنه لم يعش زمن صلاح عبد الصبور كنا ندخل مكتبه في أي وقت ونتعامل معه بخشونة تناسب فورة شبابنا، وكان يقابل ذلك بسعة صدر وسماحة وجه، صلاح هو الذي قدمني شاعرا سنة 1971 في مجلة الكاتب وعدد الشعر الوحيد الذي صدر سنة 1972 وبالتالي فقد استفدت منه على المستويين الفني والنقدي، كانت له مجموعة من الآراء حول الأداء الشعري كنا نستهجنها في بداياتنا خاصة عندما يتحدث عن القيم الجمالية وان الشاعر قبل أن يهدر قيمة جمالية- عليه أن يبتدع بديلا. كان يتحدث عن التجريب الفني ويرى أن هم الشاعر الأول هو المحاولة الدائمة لتقديم الجديد الجيد والفني ! باختصار كان ضد التجريب العشوائي ولذلك كان أحد الرواد الذين اثروا في مجرى الحياة الشعرية العربية وله من النصوص قصائد مازالت حتى الآن حية وفعالة رغم انه لم يكن يوما شاعر مناسبات أو صوتا جهيرا مغنيا للأحداث الثورية، وازعم، يقول سليمان، إن البعض هاجمه بسبب ذلك لكنه كان ينطلق من ذاته ومجمل خبراته الفنية. من هنا كان صلاح هو الأقرب إلى الأجيال الحديثة ففي شعره يتصدر السرد أدواته الشعرية وهناك أيضا التفاصيل اليومية واللغة البسيطة التي تقترب من لغة الشارع، جملة من الأدوات التي هوجم بسببها في الخمسينات والستينات ولكنها كانت تؤسس لبلاغة شعرية جديدة. ظل صلاح يحاول التجديد بشكل حقيقي في البلاغة واللغة، وصار كل شيء صالحا للكتابة الشعرية مادام هناك شاعر حقيقي وتجربة حقيقية وصلاح من الشعراء المتأملين الكبار تبدو عبارته باردة متقشفة أحيانا، لكنه كان يعتمد على صورة كلية مركبة تقترب مما نتحدث عنه الآن من مشهدية. ويقول سليمان: صلاح كان شاعرا فقط لم يقترب من المؤسسة ولم ترض عنه السلطة في سنة 1976 أرسل إلى الهند مستشارا ثقافيا في الوقت الذي أرسل فيه حمدي الكنيسي إلى لندن، و لا تنس أن صلاح كان مغضوبا عليه لدرجة انه أمضى فترة من حياته بلا عمل، غير منضو تحت أي راية فهاجمه اليمين واليسار فمحمود أمين العالم كتب عنه مقالا يسخر فيه من حزنه في بلد يبني السد العالي. لم يكن شاعرا سياسيا كان مهموما بالوجود الإنساني ومشغولا بفكرة الزمن والحياة والموت ولذ ا مات دون أن يترك شيئا لبنتيه بعد أن حوكم محاكمة ظالمة متهما بالخيانة وهو منها براء. شاعر حزين أما الشاعر حسن طلب فيبدأ بتوصيف المشهد الشعري في منتصف السبعينات قائلا: انتشر على الساحة شعراء من كل نوع لا يجمع بينهم إلا انهم أصحاب موهبة متوسطة وذكاء شعري محدود وقد ساعد على انتشارهم أن صلاح عبد الصبور قد سافر إلى الهند وسبقه حجازي إلى باريس ومحمد عفيفي إلى العراق، وكان صلاح قبل سفره يرقب ذلك المشهد بمرارة و إحساس الرائد بخيبة أمله في مريديه. ويذكر حسن طلب أول لقاء له بصلاح عبد الصبور ا بمجلة الكاتب عندما قال له: أريد منك قصيدة لأنشرها وافضل أن تكون من نوع قصيدتك سوناتا الفوضى الزمكانية المنشورة في مجلة الآداب البيروتية وفي ربكة اللقاء الأول به نسيت أن اسأله: لماذا هذه القصيدة بالذات؟! وبعد أن توثقت علاقتي الشخصية بعبد الصبور أخذت أتردد على بيته طوال العام 1985 وكنت أقرا عليه قصائدي الجديدة واهتدي برأيه في مشكلاتي العاطفية أحببت فيه الإنسان الحقيقي الدافئ، وعدت إلى قراءة دواوينه لاكتشف المشترك . بيننا على ضيق مساحته، كنت فرحا باكتشاف نفسي في الوقت ذاته.

الشاعر النذير

ومن ناحية أخرى فإن الشاعر حلمي سالم يدقق الواقعة الخاصة بمحمود أمين العالم قائلا: تناهى إلى أسماعنا أن العالم كتب مقالا حادا يتهم فيه صلاح عبد الصبور بالحزن والانعزال عن آلام الواقع وآهات المطحونين بل انه اتهم بتجاهل الإنجازات الاجتماعية والسياسية الثورية التي تحققها ثورة يوليو وكنت تسرعت وكتبت ما معناه أن العالم هاجم عبد الصبور في الستينات بسبب انه حزين وطالبه بأن يكتب عن ، الجمعيات الزراعية وعن بناء السد العالي والتأميمات وفوجئ العالم برأيي فكتب متألما" مطالبا إياي بتدقيق مصادري في نقل الآراء عن الآخرين و أشار إلى مقال له يتعرض فيه لشعر صلاح عبد الصبور ولم يفعل سوى انه عرض لنزعة الحزن المفرطة عنده والتي تقارب حدود اليأس والإحباط. ويواصل حلمي سالم: في مواجهة فساد العالم، وشهوة الشاعر لإصلاح الكون اختار صلاح أن يكون نذيرا لا مبشرا وفي هذا الاختيار يكمن التناقض بينه وبين الكثيرين من نقاده الذين رأوا أن على الفنان أن يكون مبشرا بالتخلص من الفساد بينما اختار هو أن يكون كاشفا له وهذا ما أعطى شعره مسحة من الحزن، ومع ذلك فهو في كتابه "حياتي في الشعر" يؤكد انه شاعر متألم لما يعانيه من فجيعة الوضع البشري، وليس حزينا بالطبع، وقد طالب النقاد المتفائلون بإبعاده من مدينة المستقبل السعيد لأنه لم يبشر بالفجر القادم من جوف الظلام. ويؤكد سالم أن صلاح لم يكن شاعرا من شعراء - تجربة الشعر الحديث فحسب لكنه كان صاحب رأي في الشعر وما يحيط به من قضايا ومشكلات وفي كتبه الكثير من الإشارات النقدية.
كتب إلى عبدالحليم

ويضيء الشاعر بدر توفيق جانبا يكاد يكون غير معروف عن صلاح عبد الصبور، تعرف عليه من خلال أقاربه الذين التقاهم " فقد التقى صلاح بالفنان عبد الحليم حافظ على مقهى بالزقازيق، وكان عبد الحليم يكبره بعامين وينتظر تعيينه مدرسا للموسيقى وقد أعطاه صلاح قصيدة لحنها كمال الطويل وكان عنوانها لقاء وتتكون من 12 بيتا تقليديا وبدأبها عبدالحليم حافظ حياته الغنائية ويذكر الكاتب والروائي سليمان فياض انه عندما صار عبد الصبور رئيسا لمجلس إدارة الهيئة العامة للكتاب كان يسعى إليه المثقفون فيلقاهم باسما ويحدثهم برفق الشاعر وبراءته ولا يرد صاحب عمل جيد خائبا وكانت تقع عليه بحكم منصبه مسؤولية معرض القاهرة للكتاب وكانت اتفاقية كامب ديفيد قد وقعت، وضغوط " إسرائيل " تتواصل على أجهزة الدولة باسم التطبيع ليكون لها جناح بالمعرض. ولم ينجح "الإسرائيليون ا في اجتذاب أحد من الجمهور لجناحهم الهزيل واستطاع بعض من شباب الجامعة اختراق الحصار الأمني و إنزال العلم "الإسرائيلي " وإحراقه فألقي القبض عليهم وحبسوا في قاعة بالمعرض لكن صلاح تدخل لإطلاقهم و أخذهم معه إلى مكتبه ولم يقل لهم شيئا، فقط استدار ناحية النافذة وبد ا لهم انه يرتعد، ورأوه يرفع يد ا إلى وجهه وكأنه يمسح دموعه ثم نظر لهم نظرة امتنان وجعلهم ينصرفون بسلام. ويرى فياض أن الرحيل المفاجئ لصلاح عرى الحياة الثقافية وفضح القسوة التي يتمتع بها المثقفون، قسوة تعذيب الذات وتعذيب الآخرين. فالكلمات الجارحة تتطاير بلا حساب، لكنها يمكن أن تقتل شاعراً شديد الاعتزاز بنفسه مثل صلاح عبدالصبور، الذي كان يدرك أن (الناس في بلادي) جارحون كالصقور.@

* * * * * * * * * * * **

أدونيس

عداوة الشعراء / صداقة الشعر

1

صلاح عبد الصبور وأنا من ( جيل) واحد. بل من عمر واحد، تقريبا. ليس
بيننا، كتابة أو سياسة، أي شيء مشترك. لكننا، مع ذلك، مؤتلفان في الأفق الذي يؤسسه الشعر. كأن بيننا ما يمكن أن أسميه، شعرياً، صداقة العداوة، وما يمكن أن أسميه، حياتياً، عداوة الصداقة.

أليس هذا ما ينطبق، في الحالين، على العلاقات فيما بين الشعراء، بعامة؟ فأنت كشاعر "عدو" للشاعر الآخر، بطبيعة كتابتك الشعرية، لأنك تكتب ذاتك الخاصة، وتكتبها بطريقة مغايرة. وأنت، في الوقت نفسه صديقه لأنك سائر في أفق الشعر الذي يسير فيه، تسكنك الهواجس الإبداعية ذاتها التي تسكنه، ففي هذه الهواجس التي هي أساسياً، أسئلة تطرح على العالم، يتلاقى الخلاقون السائلون، فيؤلفون، على تباينهم، (أرضاً) واحدة - يتباعدون فيها، متجاورين، ويختلفون مؤتلفين.

لكن ما أفجع المفارقة هنا: كأننا، في الحالين، نحتاج جميعاً إلى الموت لكي يوثق الصداقة بحصر المعنى- الصداقة بين الإنسان والإنسان. فكأن الموت الذي يجتاح الحياة هو الذي يعلمنا أن نحبها، وكيف- أعني أن نحب طاقتها الأولى، وأجمل " وأكمل تعبير عنها: الإنسان، بذاته ولذاته. أليس الموت، إذن، الشعر الآخر الذي لا يكتشفه أكثرنا إلا بعد فوات الأوان؟

2

أن تكون اللغة في مستوى الأشياء، تلتصق بجلدة الحياة، المكسوة بغبار الأيام وتعب التأمل- ذلك هو الباب الذي دخل منه صلاح عبد الصبور إلى الشعر. أو لنقل إنها من سلالة شعرية تنحو هذا المنحى. وكان، في علاقته مع هذه الأشياء، يؤثر الوشوشة على الصراخ، والمؤالفة على المنابذة، والرضى على الغضب، في مناح من الحساسية شبه الفاجعة. وفي هذا ما ي!جعلني أميل إلى أن أصف شعره بأنه وسط لمسرجة الكآبة. وللهوامش مصادفات الذاكرة: زهرة هنا أكثر ذبولا، زهرة هنالك أقل عطشا.
ربما لذلك يمكن القول إننا لا نجد في "جيلنا" (لا أحب هذه الكلمة في الحديث عن الشعر)، من احتضن الطمي التاريخي- طمي الانسحاق، والصبر النبيل، والغبطة التي لا تكاد تتميز عن الفجيعة، أو الفجيعة التي لا تكاد تتميز عن الغبطة، والجسد الذي ينتظر، بحكمة الدهر، أن يتحول إلى رقيم في المملكة ا الهيروغليفية- مملكة السر، ومن سافر في أغواره واستنطقه،- أقول ربما لا نجد من فعل هذا كما فعله صلاح عبد الصبور. دون ادعاء - كأنه هو نفسه نخلة أو نافذة أو زهرة.

3

أما اختلافنا؟
لكن، أليس جوهريا للشعر أن يختلف الشعراء في النظر إليه، وفي كتابته؟
بلى، ذلك أن الشعر تعدد لا وحدة. فلئن كان من شيء نقيض للأحدية، فهو الشعر. والاختلاف هنا يكشف عن هذا التعدد ويؤكده. لكنه لا "ينفي" كما يتوهم بعض "المقاولين" في سوق (النقد)، وبعض الذين "يقرضون" الشعر كأنهم يكتبون (فروض إنشاء مدرسية)، وإنما (يثبت)، وهو "لا يسلب"، بل (يوجب).
كيف يرى شاعر إلى الحياة والعالم: ذلك هو امتداد لذاته. ذلك هو وجوده،
وقد صيغ كلاما. إن شاعرا آخر نقيضا يحتاج إلى ذلك الامتداد، لكي يزداد فهمه لذاته وللعالم. فالآخر وجه للذات: صوت كاشف ودفع يحرك ويكمل.
حين أقول، في هذا المستوى، إنني أختلف كشاعر عن الآخر، فإن قولي هذا لا يعني إنقاصاً من شعره، أو طعناً فيه. إنه يعني، بالأحرى، أنني أتبارى معه، من أجل المزيد من الكشف، في طرح الأسئلة على العالم، الأسئلة التي هي رئة الكتابة الإبداعية.

4

كان حوارنا، صلاح عبد الصبور وأنا، يدور حول قضايا كثيرة: مضمراً، حيناً، مداورة حيناً آخر، صامتاً في الأغلب. ونادراً ما كان علنيا- إلا من جهته هو، حيث كان يشير إلي، في أحاديثه الصحفية، ناقداُ بنوع من التهجم كنت أستغربه خصوصاً أنه كان يأخذني لطفه وتواضعه، حين كنا نلتقي، في بيروت أو القاهرة. وأذكر أنه، في حديثه، كان يحرص على قول رأيه، باحترام للرأي المخالف.
وكان، في حدود خبرتي، لا يمارس أسلوب الطعن بالآخرين والكذب عليهم، كما يفعل عدد من "الشعراء ". ومن هنا كنت أفاجأ، حين أقرأ بعض أحاديثه في الصحف، لأنها تقدم، فيما يتعلق بي، صورة مختلفة عن صورته التي أعهدها، في لقاءاتنا. وكنت أقول في ذات نفسي: لماذا لم يناقشني، مرة واحدة، وجها لوجه، بما يثيره علي في أحاديثه هذه؟ ثم أجيب: لعله يريد أن يستدرجني إلى نقاش علني؟ أم أن "مرض التهجم" الذي يوجه الصحافة الأدبية العربية ويغذيها، استطاع أن يصل إليه؟ في كل حالي، كنت أقرأ وأصمت، إذ ليس من عادتي ولا من طبيعتي أن أدخل في جدالي، أو أن أرد على أقوال الآخرين عنى، مهما كانت جارحة. ومع ذلك فإن هذه الطاهرة لم تؤثر على موقفي منه، ولم تقلل شيئاً من الاحترام الذي أكنه له، شاعرا وشخصاً.

كذلك، لم يكن يخفي إعجابه ببعض الشعراء أو ببعض القصائد. وأذكر، دائماً، بين المقالات التي كتبت عن "ديوان الشعر العربي" ومقدمته، مقالته الكريمة، المحبة أذكر أيضاً سهرة جمعتنا معا في القاهرة، طلب فيها إلى الشعراء الحاضرين أن يقرأ كل منهم شيئاً من شعره. وحين جاء دوري، رغب إلي بإلحاح، أن أقرأ ما كتبته عن الحسين (المسرح والمرايا، 1968): مقطوعات صغيرة كتبتها في القاهرة، وتحديداً حول مسجد الحسين. وفي حين أبدى إعجابه الكبير بها، كان، فيما يبدو لي، يتحفظ إزاء قصائد أخرى تشبهها، فنياً. وتساءلت: إن كان معجبا بهذه المقطوعات، فلماذا لا يعجب بما يشابهها؟ وفي محاولة لتفسير هذا التناقض، كنت أقول: ثمة نوعان من الإعجاب بعمل شعري ما: الإعجاب الفني الخالص، والإعجاب الانفعالي- التعاطفي. يقوم الأول على لذة البناء والإتقان والتناسق. ويقوم الثاني على لذة التذكر والتداعيات والتطابق بين ما في نفس القارئ وما يثيره العمل فيها. وكان إعجابه من النوع الثاني. لعل في هذا ما يقتضي الحديث عن بعض ما كنا نختلف عليه. أقول: بعض، لأن ما أكتبه هنا ليس بحثاً أو دراسة، وإنما هو، بالأحرى، أقرب إلى أن يكون خواطر أو شهادة. لذلك، سأقتصر على مسألتين: اللغة الشعرية، وعلاقة الإبداع بالبنية السائدة.

5

أما عن اللغة الشعرية، فكان لكل منا رأيه وممارسته، وكنا على طرفي نقيض. كنت أتساءل، فيما أقرأ نتاجه، (ولعله كان يفعل الشيء نفسه بالنسبة إلى نتاجي): هل يكفي، لكي نخرج من التقليد في الموروث، ونؤسس مقاربة شعرية جديدة، أن نستخدم اللغة "البسيطة " أو "المبسطة"، أو اليومية العادية؟ وكنت أجيب دائماً، ولا أزال، أن هذا الاستخدام ليس، بحد ذاته، مهما، كما يزعم بعضهم، أو شعرياً، وإنما تتجلى أهمته وشعريته في كيفيته. ففي هذه وحدها، يمكن استكشاف أو تبين مدى تجاوز، أو تفجير اللغة الشعرية التقليدية، من جهة، وفتح آفاق جديدة للتعبير وطرقه، من جهة ثانية. فالشعر يمكنه، مبدئيا، أن يستخدم جميع الوسائل وجميع العناصر، بلا استثناء ولا حدود، شريطة ألط يظل شعرا، وأن يكون الإبداع هو الذي يسوغ النظرية ويدعمها، لا العكس.
صحيح أن الحياة التي يعيشها الإنسان العربي ترهقه، بجميع مستوياتها، حتى لتكاد أن تسحقه. وتحته وطأة هذا الإرهاق الساحق يميل بعض الشعراء، بتأثير بعض النظريات، إلى استخدام اللغة المرهقة هي أيضاً، تعويضاً أو عزاء، أو ربما، بحجة البحث عن المطابقة بين النفس المسحوقة واللغة المسحوقة في واقع مسحوق، مما يخلق نوعاً من الارتياح والطمأنينة. هكذا يكتبون، فنياً، بما أسميه لغة تحت اللغة تتطابق مع هذه الحياة العربية التي هي تحت الحياة.

وربما كان في هذا شيء مما يفسر الدعوة إلى اللغة الدارجة: اللغة التي عريت من البحث والتساؤل، واكتست بالحاجة العملية المباشرة. ولئن صحت افتراضاً، هذه الدعوة إلى لغة "الشعب"، بالنسبة إلى اللغة الإنكليزية، مثلاً، كما يدعو أليوت، (وهذا ما قد نجد له تفسيرا في تاريخية اللغة الإنكليزية، وتاريخية الإبداع فيها)، فإن المسألة، بالنسبة إلى، اللغة العربية، أكثر تعقيداً. ولبس ذلك، حصراً، بسبب الدين، عموما، والقرآن الكريم، خصوصاً، كما يذهب بعضهم إلى القول، و إنما بسبب الشعرية أيضاً، أو الإبداعية ذاتها. فمشكلات اللغة عندنا ليست في اللغة، بما هي لغة، كما يبدو لي، بقدر ما هي في بنية العقل والنفس- في الرؤيا الإبداعية، بمعناها الشامل. بتعبير أوضح: ليست اللغة العربية هي أ القاصرة، المتخلفة"، الميتة،... الخ، وإنما "العقل" العربي هو "القاصر"، "المتخلف"،... الخ، والإبداعية العربية هي القاصرة، المتخلفة، الميتة
واللجوء إلى اللغة "الدارجة"، أو (البسيطة) أو (المبسطة)، لا يؤدي آلياً
وبالضرورة، كما يتوهم بعضهم إلى تجاوز (القصور، التخلف والموت). فهذا اللجوء ليس، في أحسن حالاته، إلا نوعاً من الاستبهام.

صحيح أيضاً أن الحاجة إلى التبادل والإيصال تطغى شيئاً فشيئاً. لكن مسايرة الشاعر لهذه الحاجة تقوده إلى أن يرى اللغة مجرد وسيلة أو أداة، مما يتناقض مع الشعر ولغته. أو كأن هذه المسايرة تشبه القول: الشمس بعيدة، فلنصنع قرصاً يشبهها، ولننظر إليه على أنه الشمس. شعر (القرص) هذا، يشييع على أنه هو، وحده، شعر الشمس. لكنه واهن، فقير، معتم. وهو لا يولد إلا برودة الموت. ذلك أن اللغة التي يكتب بها ليست في مستوى الإنسان الخلاق، و إنما هي في مستوى الإنسان المستهلك، وحاجاته العملية السريعة. لذلك هي لغة بلا لغة، ولا تقدر أن تنتج إلا شعراً بلا شعر.

قد يكون في هذا ما يوضح بعض ما عنيته في الكلام على ما سميته، في مناسبات ومواضع كثيرة، ب (تفجير) اللغة الشعرية التقليدية، وما أسيء فهمه، وكان صلاح عبد الصبور بين الذين أساؤوا هذا الفهم، أو لعلي لم أحسن إيضاحه. فلم أقصد من هذا التفجير استخدام التراكيب الدارجة في لغة الحياة اليومية، أو المفردات النابية المبتذلة، أو الصيغ غير النحوية، أو الألفاظ الأجنبية والعبارات العلمية، أو التبسيط الصحفي، ما يوهم الذين يمارسون هذا الاستخدام أنهم (يجددون)، ظناً منهم أن هذه الأشياء لم يعرفها "الأقدمون"، وإنما عنيت تفجير البنية الشعرية التقليدية ذاتها، أي بنية الرؤيا وأنساقها، و"منطقها"، ومقارباتها. أو بعبارة أكثر إيجازاً: تفجير مسار القول، وأفقه.

أضيف إلى ذلك أن اللغة الشعرية أوسع وأبعد وأعمق من أن تتحدد بالمفردات والعبارات والصيغ. ثم أن أكثر الكتابات التي تلجأ إلى ذلك الاستخدام، عفوياً أو قصدياً- بحجة أن (الفصحى ماتت)، إنما هي، في بنيتها العميقة، "فصيحة" فصاحة تقليدية، وتعكس رؤيا تقليدية، ومقاربة تقليدية. وأبسط تحليل لهذه الكتابات يفضحها، بشكل ساطع. وهذه المفارقة تؤكد أن هذه الوسائل ليست أكثر من "حشو تقني". وفوق هذا كله، يعرف العارفون بالشعر أن الكتابة الشعرية العربية القديمة تحفل، منذ القرن التاسع (الثالث الهجري)، بمثل تلك الوسائل. فالعابر، اليومي، التفصيلي، الدارج حتى بألفاظه العامية، الشائعة (وهذا ما بمكن أن نسميه، موقتاً، ب "شعر الأشياء"، الحميمة أو الحيادية) يشكل نمطاً أساسياً من أنماط التعبير في الشعر العربي، بدءا من تلك المرحلة. ومن يريد أن يكون شيئاً من المعرفة عنه، يمكنه أن يقرأ شعراء كثيرين: أبا الرقعمق، ابن سكرة، ابن الحجاج، الواسانى، تمثيلاً لا حصراً. وفي (يتيمة الدهر) للثعالبي، نماذج كثيرة من هذا النمط.

المسألة إذن هي زلزلة "الجسد" ذاته، لا تغيير (الثوب). وهي، في أي حال، ليست مسألة (التفجير) النظري، أياً كان المقصود منه، وإنما هي مسألة الشعر. هل هذا (التفجير) شعر أم لا: تلك هي المسألة.

6

أما عن القضية الثانية، فكنت أقول ولا أزال، إن ثمة بعدين أساسيين يحددان حياة الإنسان، بالنسبة إلى الوضع الذي يعيش فيه - وهذا ما يصح، على الأخص في المجتمع العربي: بعد القبول، وبعد الرفض. الأول يعني التكيف مع السائد. ويعني الثاني تطلعاً نحو (المكبوت)، أو الممكن. ويتعذر أن نفهم حركة التاريخ، بنبضها الخلاق، استناداً إلى التكيف، لأن هذا نوع من السكون، من التوازن الجامد. الممكن، على العكس، هو المفتاح لفهم هذه الحركة فهماً صحيحاً. ذلك أنه يمثل الفاعلية المحركة للإنسان. فالإنسان ليس ما كان وحسب، وهو أكثر فما هو عليه: الإنسان، جوهرياً، أعظم من ماضيه و حاضره، لأنه خالق لمصيره: يصنع نفسه، باستمرار، ويصنع العالم كذلك، باستمرار.

هكذا يبدو لي آن إشكالية المجتمع العربي، بعامة، والثقافة العربية،
بخاصة، إنما هي في هيمنة السائد على الممكن، هيمنة نزعة التكيف على نزعة التجاوز، أو لنقل: هي في هيمنة بعد الجواب والتقليد، على بعد السؤال والإبداع. وهي، إذن، أعمق من أن تكون مجر إشكالية الفصحى والدارجة، (واستطراداً: إشكالية الكتابة بالوزن أو النثر)، فهذه ليست إلا نتائج أو مظاهر. والنظر إليها في معزل عن جذرها الأساسي، سطحي وعقيم.

من هنا يمكن القول إن هناك نوعين من الرفض في الحركة الشعرية العربية الحديثة: يتمثل الأول في الكتابة بأشكال تختلف، ظاهرياً، عن الأشكال التقليدية. لكننا حين نحلل هذه الكتابة، يتجلى لنا أن الرفض الذي تعلنه ليس إلا "ثوباً"، مختلفاً، موضوعاً أو ملصقاً على (الجسد) التقليدي ذاته. فنحن لا نقرأ في هذا النتاج، المكبوت / الممكن، وإنما نقرأ السائد / القامع. أوقد نقرأ هذا (مكسراً)- إن صح التعبير، في تشكيلات مختلفة. ومن هنا لا يصدم القارئ التقليدي لأنه لا يمس "جسده"، و إنما يلامس "زينته"، عدا أنه، إجمالاً، في مستوى الإدراك المباشر- أي أنه غير إشكالي.

هذا النتاج، أخيراً، يحجب الوعي، على مستويين: سياسي، وثقافي- نقدي. فهو، من الناحية الأولى، يكون بطبيعته جزءاً من بنية النظام السياسي- الثقافي السائد. وهو، من الناحية الثانية، (يفرض)- بقوة انخراطه في السائد- نفداً لا يدرسه ك(مشروع) وك(مستقبل)، كما هو الشأن في النتاج الإبداعي، ولا يعنى بما تمكن تسميته ب(حركية النص). إنه نقد يدرس (حزام) النص، لا النص ذاته. والنقد هنا، كهذا النتاج الذي ينقده، غير إشكالي- أي غير تاريخي، بالمعنى الحركي الخلاق، عدا أنه يحجب الوعي، هو أيضاً.

أما النوع الثاني من الرفض فيتمثل في الارتباط العضوي بإشكالية الواقع/ الممكن، في تاريخية الإبداعية العربية، أي في التاريخ العربي ككل. الرفض هنا هو نفسه إشكالي: مع المجتمع وضده في آن، داخل "لغته" وخارجها في آن. وهو يتجاوز المفردة وصيغ التعبير: يتجاوز مجرد التشكيل الأزيائي، إلى ما سميته ب (زلزلة الجسد). إنه رؤيا شاملة- موقفاً، وتعبيراً، وبنية. إنه التاريخ كله، بتناقضاته كلها، من أجل آن يكون إشارة إلى كتابة تاريخ آخر.

7

مع ذلك، ليست الآراء أو النظريات ألا نوافذ نطل منها. أو ليست إلا إشارات في طريق البحث عن مزيد من الضوء. فهي لا تصنع أي شاعر، ولا تسوغ أي شعر.

الإبداع يلغي النظرية، ومن الشعر نفسه تنبغ المفهومات، وليس العكس. ولعل الدلالة الأساسية للنظريات والآراء تكمن في أنها تكشف عن التمزقات و التململات والتطلعات داخل ثقافة ما، في مجتمع ما. وفي هذا تبدو أهمية الوعي النظري- إبداعياً، لدى الشاعر. فدون هذا الوعي قد يساعد في خنق الوعي عند القراء الذين يتوجه إليهم، ويثبت السائد، مخمداً الرغبات الإنسانية التي هي، عمقياً، نزوع نحو اختراق السائد.

8

سلاماً لصلاح عبد الصبور عدواً / صديقاً في الشعر.

مجلة (الكرمل) العدد الرابع 0 خريف 1981

* * * * * * * * * * * **

أحمد عبدالمعطي حجازي


أنا وصلاح عبدالصبور و الموت

لا يكشف حياة المرء شيء كما يكشفها موته. الحياة خط متحرك، والموت دائرة تثبت الحركة وتنغلق عليها وتوقفنا أمام تفاصيلها التي كانت متناثرة، ووقائعها التي كانت متباعدة متنافرة، فإذا هي في مجال الدائرة تتقارب وتتواصل وتنسجم، فنفهم نحن هذا المسار الذي كان مشتتا في ضوء اجتماعه، نفهمه في سكونه الأخير اكثر مما كنا نفهمه في تدفقه الجياش وتولداته، حكيمة أو طائشة.

وإذا كان هذا القول يصدق على الناس جميعا، فهو عن صلاح عبد الصبور اكثر صدقا وإلحاحا، لأن موته لم يكن مجرد خاتمة لحياته، بل هو مصداق لها، حتى يمكننا أن نقول أن موته هو نهاية تجربته مع الموت، نهاية توقعها هو دائما، وربما أرادها إرادة.
نعم إن موته دليل باهظ على صدقه، وإضاءة فاجعة لحياته تبطل كثيرا من الأوهام عنه، وتكشف لنا صورا من العذاب الأليم الذي عاناه في روحه وجسده، ونحن نحسبه مجرد كنز شعري استأثر به وحده فألح في استخراج روائعه حتى كأنه استنفده أو كاد، وهو لم يكن في الحقيقة إلا متحدثا عن هول يراه رأي العين، ملحا علينا في أن نضع يدنا على موطن دائه، وان نقترب منه اقتراب الأخلاء الحميمين كان كثيرا ما يصيبه الأرق في السنوات الأخيرة، فيلجأ إلى بعض أصدقائه القريبين يستعين بمسامرتهم في طلب السكينة لروحه، وقد يشرب فيسرف أحيانا، وقد يقرأ من شعره فيستغرق، وقد يغلبه البكاء. قال لط انه شرب هو ويوسف إدريس ثلاث زجاجات في ليلة واحدة. وفي إحدى سهراته الأخيرة تناول مجموعة أشعاره فقرأها على أصحابه- في الحقيقة لنفسه- من الغلاف إلى الغلاف. وفي سهرة أخرى في منزل صديقه الأثير فاروق خورشيد أحس بتعب مفاجئ فاسترخى حتى مرت الأزمة، وتكرر ذلك مرة أخرى في منزله. ولا شك أن هذا كان إنذارا مبكرا بما سيحدث في منزلي. ومن المدهش أن هذا الإنذار الذي تكرر مرتين لم يثر قلقه فلم يستشر طبيبا، فلعله الخوف من الموت، ولعله الرغبة فيه.

ليس للموت، إذن، في الكلام عن صلاح عبد الصبور هذا المعنى الأكاديمي التقليدي، معنى الحد والفاصل والنهاية. إن الموت بالنسبة له هو المدخل والبداية. بداية تأخرت في الزمن، لكنها السابقة في الوجود، فلا مفر في الحديث عنه من هذا المدخل، حتى والمتحدث أخ له عرفه من البدايات، ورافقه حتى مثواه الأخير.
كأنما كان صلاح ينتظر عودتي إلى مصر بعد ثماني سنوات من الغياب، ليختتم الرحلة الطويلة التي قطعناها معا بين ذراعي. كأنما كان يطلبني أنا بالذات ليقدم لي وحدي هذا المشهد الختامي المروع في قاعة استقبال المرضى الكالحة البياض في أحد مستشفيات القاهرة، لق الثانية بعد منتصف الليل. لعله كان يظن أني مصدق فيه قالة السوء، فأراد أن يشهدني على فداحة الثمن الذي. كلفه إياه موقفه الحقيقي. ولعله توقع أن أكون عاتبا عليه صمته والكلاب تطارد اسمي في كل أنحاء مصر وتجد في محوه أو تشويهه، فأراد أن يواسيني بآخر خفقة في جناحه المهيض!


كانت صداقتنا مختلفة اختلافا نوعيا- على الأقل بالنسبة لي- عن كل صداقة أخرى. كنا متوادين مؤتلفين إلى درجة المكاشفة الحميمة، وكنا مختلفين ومتنافسين إلى درجة الخروج أحيانا عن قواعد اللعب. كان كل منا يعرف مزايا صاحبه كما يعرف عيوبه، وكنا متفاهمين دون اتفاق صريح غلى أن صداقتنا تقوم بذاتها، فكأنها مستغنية عن مزايانا، وكأنها غير ضيقة بعيوبنا، نوع غريب العلاقات الإنسانية مرسوم بتعقيد شديد، ففيه من عواطف الأخوة، ومن تقاليد الزمالة، ثم لا يخلو أيضا من شرور الخلاف والمنافسة.

كان لقاؤنا الأول في أواخر عام 1955 وكان فاترا غير متكافئ. فلسنا ندين لهذا اللقاء بصداقتنا التي لم ت!بدأ حقا إلا في أواخر العام التالي بعد أن أصبت قليلا من الشهرة، وضمنا عمل واحد في دار "روز اليوسف".
عندما التقينا لأول مرة، كنت شابا ني العشرين مغلقا على إحساس فادح بالموهبة والاضطهاد، وكنت قد قرأت لصلاح الذي كان يكبرني بأربع سنوات قصائده الطليعية التي بدت لي آنذاك نثرا بالمقارنة بشعري الرمزي. لكن صلاح كان قد أصبح مشهورا ولم أكن أنا إلا شاعرا مبتدئا. وكان هو مدرسا يعمل في إحدى مدارس القاهرة، وكنت عاطلا أبحث عن عمل في الصحافة التي كانت لا تزال ملكية خاصة، بعد أن اعترضت وزارة الداخلية على تعييني مدرسا في مدارس الحكومة.

أذكر، كان لقاؤنا في ساحة كلية دار العلوم، في نهاية يوم دراسي. لا أذكر المناسبة التي ساقتنا لهذا اللقاء. لعلها كانت أمسية شعرية، ولكني أذكر الإطار. كان عصر يوم خريفي، في ساحة الكلية التي بنيت في القرن الماضي، ففي أسلوب عمارتها وفي شيخوخة أشجارها التي تخترقها الريح وأسراب العصافير كآبة مرتجفة مخيمة، تزيد إحساسي بالغربة والعجز، نبهني إلى وجوده صديق لا أذكره الآن، وكان هو جالسا على الطرف من دكة خشبية فجلست على طرفها الآخر، وقدمت له نفسي، وتبادلنا كلمات قليلة فاترة زادتني إحساسا بالوحشة فانصرفت.
كان في هذا اللقاء يبدو بسمرة وجهه وشاربه وأنفه الكبير وشفته السفلى الممتلئة المسترخية جهماً شهوانيا عابثا مكتفيا بنفسه. ولم أستطع في هذا اللقاء الأول أن الحظ ما في عينيه من جمال ونبل وانكسار.
أظن انه ظل يعطي لأول وهلة هذا الانطباع الخارج عن نفسه، فقد كان في حقيقته، رقيقا متواضعا شديد الإقبال على الناس. لكن هذه المفارقة بين الظاهر والباطن لم تقتصر على شخصيته، بل اطردت لتطبع كل جانب من جوانب حياته الروحية والعملية. فصلاح عيد الصبور يبدو سعيدا ناجحا واثقا من نفسه، بينما يقدم لنا شعره عالما مناقضا لذلك تماما. وصلاح يبدو صديقا لكل الأطراف المتناقضة، لكنه في الحقيقة ليس مع أي طرف ولو كان قريبا منه. انه مع نفسه.
في "روز اليوسف " وفي حمى المعركة التي خضناها أنا وهو، بنجاح، ضد الشعراء المحافظين لم نعد تفترق. تجمعنا الموهبة والعمل المشترك في مكتبين متلاصقين في غرفة واحدة، والسكن في منزلين متقاربين. والسهر حتى الصباح مع بقية زملائنا في المنازل، ومنتديات الأدب التي كانت لا تزال قائمة، وفي المطاعم ومقاهي الفنادق الكبرى التي كانت عامرة حتى أواخر الستينيات بحلقات مختلفة من الصحفيين والأثرياء والفنانين والسياسيين، ولا تخلو أيضا من النساء. وفي كل هذا، في الشعر وفي الكتابة، في الحب والصداقة، كان صلاح لامعا ناجحا مرموقا. !ا

كان في الخامسة والعشرين حين تحقق له كل شئ، الشهرة، والعمل اللامع، والأجر المجزى، ورضى الجميع بما فيهم الدولة التي اختارته ضمن النادرين من أبناء جيله لتخلع عليه أوسمتها وجوائزها، وتعهد إليه منذ أواسط الستينات بإدارة عدد من أهم مؤسساتها الثقافية، فأين يكون مصدر شقائه وإحساسه المدمر باليأس والهزيمة والموت، إذا أردنا أن نبحث عن هذا المصدر في حياته الشخصية والعملية؟
في علاقته بالسياسة، كان صلاح الذي بدأ متعاطفا أيام الصبا مع "الأخوان المسلمين" قد أخذ. يقترب في أوائل الخمسينيات من الشيوعيين، متأثرا في ذلك بما كان للماركسية آنذاك من جاذبية شديدة ولمعان فاتن عند كثيرين من الشباب المثقفين والأدباء والفنانين، يساعد في انتشارها بينهم تأجج الحركة الوطنية، وظهور الوعي الطبقي، بالإضافة إلى ما سماد أروقة الجامعة المصرية من تيار عقلاني، كانت محاضرات طه حسين. وأمين الخولي - في كلية الآداب- تزيده قوة وتدفقا، ولهذين الأستاذين يدين صلاح بجانب كبير من ثقافته. وفي هذا الإطار- علاقته بالماركسية والشيوعيين- استطاع أن يفتك نفسه كشاعر من أس أ التقاليد الشعرية القديمة، ويخطو خطوة واسعة نحو التجديد.
إلى هذه المرحلة كتب قصائده "شنق زهران" و "الناس ني بلادي" و "أبي" التي لاقت شهرة واسعة سواء بما أثارته من إعجاب أو بما أثارته من إنكار. لقد نجح في خلق لغة شعرية جديدة تستفيد من العامية المصرية والموروثات الشعبية، وتصل ني الوقت ذاته إلى مستوى من الغنائية والتجريد يمكنها من مخامرة القضايا الإنسانية الكبرى والاستفادة من الشعر الأجنبي- تأثره باليوت مثلا في قصيدة "الملك لك".

يعترف صلاح في كتابه لا حياتي في الشعر"بعلاقته ! بالفلسفة المادية التي (كنت قد اقتربت منها اقترابا كبيرا، وبخاصة بعد تخرجي من الجامعة عام 19511). لكن صديقا لنا مشتركا- طلب عدم ذكر اسمه- يؤكد أن صلاح تجاوز الاقتراب الشديد من الماركسية إلى اقتراب شديد كان أشبه بالعضوية من تنظيم شيوعي ظهر عام 1953 باسم (نواة الحزب الشيوعي)، وان صلاح آنذاك كان يمر بأزمة عاطفية حادة أراد أن يتخطاها بالانهماك في النضال السياسي. لكنه طلب إعفاءه من واجبات العضوية، وانسحب من التنظيم عام 1941.
وقد سألت الناقد محمود أمين العالم الذي كانت تربطه بصلاح في الخمسينيات علاقة وثيقة، وهو في ذات الوقت ممن قادوا " نواة الحزب
الشيوعي " رأيه في هذه المسألة فنفى العلاقة التنظيمية وأكد علاقة الصداقة. وأنا شخصيا أميل إلى ما يقوله محمود أمين العالم. فسوف نرى هذا الموقف مطردا عن صلاح، أن يقترب ولا يعتنق، وان يميل دون أن ينخرط.

لكن شعر صلاح كان يقدم في تلك المرحلة كنموذج للأدب الذي يدعو له النقاد الماركسيون، وقصيدته " عودة ذي الوجه الكئيب " التي هجا فيها عبد الناصر أ كانت متداولة ني معتقلات الشيوعيين كعمل من أعمال مقاومة الحكم العسكري.

وهناك من الوقائع التي شهدتها بنفسي ما يدل على أن علاقة صلاح بالشيوعيين ظلت طيبة إلى قيام الوحدة المصرية السورية التي انحسرت في أعقابها الماركسية انحسارا كبيرا فكرا وتنظيما. في ذلك الوقت بدأ صلاح مرحلة جديدة في الفكر والسياسة والشعر أيضا. لقد انحاز للفكر القومي العربي وعبر عن هذا/ الانحياز فيما كتبه من مقالات نظرية وتعليقات سياسية. وتخلى في الشعر عن ا محاولته في خلق فصحى لا مصرية " وارتد إلى نوع من الرومانتيكية في لغته وهمومه الشعرية عبر عنها ديوانه الثاني (أقول لكم) الذي صدر في عام الانفصال 1961.

لكن صلاح الذي ابتعد عن الماركسية مقتربا من القومية، ما لبث أن ابتعد عن القومية أو الناصرية بتعبير ربما كان أدق، ودخل مرحلة أخرى هي المرحلة الليبرالية التي ستعقبها مرحلة أخيرة انصرف فيها تماما أو كاد عن العقائد الاجتماعية والسياسية، واستغرقته المشكلات الميتافيزيقية وخاصة مشكلة الموت التي لم ينشغل بها كقضية فحسب، بل عاناها معاناة كاملة مما جعل بعض النقاد يصفون هذه المرحلة الأخيرة في حياته وفكره بالعدمية.

أستطيع أن أقول أن عقيدة صلاح عبد الصبور السياسية كانت دائما! رقيقة، أو انه كان دائما ميالا لا معتقدا، في علاقته بالناصرية. وهذا ما يفسر تردده وتقلباته اكثر مما يفسرها خوفه من بطش السلطة أو رغبته في إرضائها، وان كنت لا استبعد أن يكون الخوف أو الرغبة سببا من الأسباب، لا السبب الأول ولا السبب الوحيد.

أن نقد صلاح للأفكار السلفية والماركسية والناصرية لا تنقصه الحرارة ولا الصدق، ولقد خرج على الناصرية في عهد عبد الناصر، بل خرج عليها في أزهى وأقوى مراحلها عام 1965 كما أشهد بنفسي وكما يشهد شعره المكتوب في تلك الفترة. فلو كان راهبا أو راغبا لآثر الصمت آنذاك. صحيح انه اضطر بعد ذلك إلي مجاملة النظام اكثر من مرة مما سبب له إحساسا مرا بالندم والسخط كل نفسه، لكن هذا الخطأ لم ينج منه مثقف مصري واحد في ذلك الوقت، حتى الموالون للنظام الذين كان يدفعهم الخوف من الشك في ولائهم إلي إعادة تأكيده، ولماذا لا يكون صلاح مثله مثل كثير من المثقفين أيضا يكن الحب لعبد الناصر وهو في ذات الوقت يتمنى سقوطه؟ أليس الزعيم الفرد هو الأب الذي يحبه الأبناء ويتمنون في ذاته الوقت أن يقتلوه كما يذهب فرويد؟
بعد هزيمة 1967 لم تعد المشكلة مشكلة ديموقراطية، فقد شمل الخراب والعقم والموت والفساد والخطيئة وجه العالم وبدا صلاح طائر اللب، لا تقع يده على شيء صلب ولا تشيم روحه بارقة أمل.
من تلك الفترة التي تحول فيها صلاح عن الناصرية إلى أن غادرت مصر عام 1974 لم ينقطع جدلنا واختلافنا حول عبد الناصر وان لم نتخاصم أبدا، بل ربما كنا في خلافنا متعاطفين. كنت متحمسا لعبد الناصر، مدركا في ذات الوقت ألوان الظلم والقهر والفساد التي تقع في زمنه، وكان صلاح في أول الأمر يتحدث عن الحرية بمفهومها الليبرالي الذي لم يكن يصرح به تصريحا و إنما كان يفهم ضمنا من كلامه. وان ظل مع ذلك ينقد المجتمعات الرأسمالية، أو على الأصح يندد بالفقر فقد كان تنديده بالنظم الشمولية أشد.

كان موهوبا في السخرية، ظريفا ومرا. وكان يستخدم موهبته هذه بتفوق في تسفيه حماستي مستشهدا بالوقائع اليومية التي كانت في غالب الأحيان ضدي وكانت أنباؤها تصل إليه دائما قبلي، بل كانت تصلني عن طريقه، فأواجهه بالمظالم الموروثة وأتحداه بشرف الغايات ومشروعيتها، مستخدما في ذلك سلاحا.. مفلولا بالنسبة له من الكلام المنطقي والعاطفي، ثم نتوقف بعد ساعات وقد أنهكنا التعب دون أن يتزحزح آنيا عن موقفه شعرة. وهكذا في كل لقاء.

لم يكن صلاح في ذلك الوقت معارضا بل كان رافضا، لم يكن ضد السلطة وحدها، بل كان يسخر أيضا من المعارضة، ولم تكن. الليبرالية بالنسبة له نظاما بل كانت شاهدا على رفضه للاستبداد. وهو في الحقيقة لم يكن يدافع عن الليبرالية و إنما كان يدافع عن فكرة الحرية التي لم يكن متأكدا تماما من أن نظاما بالذات قادر على تحقيقها كما يشتهي، ولذلك انتهى إلى اليأس والاشمئزاز والسخرية من كل شيء، فلم يحمل نفسه عناء معارضة السلطة أو تأييدها. لقد أصبح ينكر أن يكون لهذه المطلقات قيمة في ذاتها منفصلة عن الأشخاص الذين يمثلونها، وصار يفاضل بين أفراد وأفراد لا بين أفكار وأفكار. ومن هنا نشأت بينه وبين بعض المسؤولين في السلطة علاقة مزدوجة، فهو يقدر لهم لطفهم أو، ذكاءهم، ويكن في الوقت نفسه رفضا شديدا للنظام الذي يمثلونه. والمشكلة التي وقع فيها بعد ذلك هي أن نجاحه الوظيفي صار عبئا عليه، لأنه وصل به إلى مناصب اصبح فيها على الرغم منه ممثلا للنظام الذي يرفضه. هذا هو التعقيد! الذي لم يكن بعض منتقدي صلاح على بينة منه.
منذ أن غادرت مصر أوائل عام 1974 إلى أن عدت إليها صيف هذا العام التقينا مرتين، الأولى في بغداد ربيع 1977 في مهرجان المتنبي، والأخيرة التي كانت الفاجعة.
قي بغداد عاتبته على قبوله رئاسة تحرير مجلة " الكاتب " بعد أن قام وزير الثقافة وقتذاك يوسف السباعي بطرد رئيس تحريرها أحمد عباس صالح الذي أخذ يفسح صدر المجلة للمعارضين. نعم، أن المجلة مجلة حكومية، فهي إن لم تكن مضطرة للتأييد الصريح فليس لها الحق في المعارضة الصريحة. وربما زاد الموقف حرجا إصرار احمد عباس صالح على رفض الحلول التي اقترحت عليه، ولنفرض -كما يقال- انه لم يقصد بهذه الصلابة وجه الحق خالصا، بل أراد أن يحقق من وراء هذا الموقف منفعة شخصية. لكن قبول صلاح لرئاسة مجلة طرد رئيسها السابق بسبب آرائه خطأ كبير.
ما لم يقله صلاح- ولعله خجل من التصريح به- إن وزير الثقافة طبع اسمه على المجلة قبل موافقته. وأصدر العدد الجديد بالفعل واضعا صلاح أمام الأمر الواقع فلم يعد أمامه إلا أحد أمرين : أما أن يعلن رفضه لما حدث على الملأ، فيكلفه هذا الاستقالة من منصبه في وزارة الثقافة والتعرض للبطالة إن لم نقل للجوع، و إما أن يقبل الأمر الواقع ويسكت على هذه " الخدمة " التي أغتصبها" منه الوزير اغتصابا. هكذا جاءته الطعنة الأولى من الحكومة، وتبين. له بعدها انه لا يستطيع دائما أن يحافظ على عدم انتمائه، وان السلطة لا يهمها ما يبطن ما دامت تستطيع أن تضع اسمه على ما تظهر.
لاحظت في بغداد أن صلاح أصبح يشرب بنهم وبرغبة ملحة في تدمير ذاته. اذكر انه كان في السنوات الماضية يشرب أقل ويبتهج اكثر. كان يشرب اقل مني بكثير. لكنه في هذه المرة اصبح يشرب كثيرا ونادرا ما يبتهج. لم يكن في الحقيقة يبتهج، كان يتكلم، وأصبح يدافع عن نفسه، وقد يبتسم أو يلقى بتعليقاته الساخرة، لكن المرارة أصبحت لديه أرجح من الخفة والظرف. وهكذا كان في المرة الأخيرة.
منذ وصلت إلى مصر ونحن في لقاء متصل. كنت أتوقع أن يكون إدراج اسمه في قوائم المقاطعة العربية قد وجه إليه طعنة مسمومة. وكنت أعلم- على عكس المعلومات التي بلغت لجان المقاطعة العربية- انه حاول كل ما في وسعه أن يمنع اشتراك الإسرائيليين في معرض الكتاب الدولي، ولم يسعه في النهاية بعد أن اقتحمت الشرطة مكتبه في المعرض، وفتشت حقيبته خلال تعقبها للمتظاهرين المحتجين على اشتراك الإسرائيليين- لم يسعه إلا أن يقدم استقالته من منصبه لوزير الثقافة الذي اعتذر له وأقنعه بسحب الاستقالة، لكنه فوجئ باسمه وقد اصبح مقاطعا بتهمة التعامل مع اسرائيل- ساء ما يزعمون!- وهكذا جاءته الطعنة الأخرى من المعارضة، فالمعارضة كالحكومة لا تهمها النوايا، وبإمكانها هي أيضا. تأخذك بالظن وان تضع اسمك في المكان الذي لا تحب. تماما كما وضع يوسف السباعي اسمك على مجلة الكاتب! أخبرته أن عدة صحف عربية نشرت حقيقة ما حدث في معرض الكتاب، وان كثيرا من المثقفين الذين صادفتهم في الخارج يحترمونه ويدافعون عنه. نزلت كلماتي بردا وسلاما عليه، وأدرك أني لم اكن أواسيه أو أطيب خاطره بكاذب القول، بل أقول له الحقيقة، ففتح قلبه يحدثني عما يرى ويعاني.
لم يكن صلاح عبد الصبور مؤيدا للنظام، بل كان موظفا كبيرا في الحكومة، لم يكن أيضا ضمن صفوف المعارضة التي تتكلم بلغة عبد الناصر لأنه كان يرى أن العهد الحالي ليس إلا امتدادا أو استطرادا منطقيا للعهد الذي سبقه.
هذا هو ملخص رده على صديقنا المشترك بهجت عثمان الذي تجاوز الحد في حديثه معه خلال السهرة التي أقمتها في منزلي بمناسبة عيد ميلاد ابنتي ودعوت إليها، صلاح وبهجت عثمان، وأمل دنقل وجابر عصفور، أحس صلاح بتعب مفاجئ وضيق في التنفس فحملناه أنا وجابر إلى المستشفى المجاور. بعد دقائق مات على ذراعي بينما رفيقنا الثالث يحاول الاتصال بأستاذ القلب الذي وصل على الفور، لكن بعد فوات الأوان!

ليس الحزن هو مفتاح شعر صلاح عبد الصبور كما يظن دائما نقاده المخدوعون بكلمة "الحزن" التي تتناثر في أشعاره الأولى كما يتناثر الطعم فوق فخ مموه، فآخذوه بما حسبوه ميلا عاطفيا لا يبرره سبب موضوعي في الواقع.
ورد هو فقبل التهمة بعد أن عدلها فقال انه ليس حزينا ولكنه متألم، ثم برر ألمه بأسباب موضوعية خفيت على النقاد ولم تخف على الفنانين أو- كما في تشبيهه- فئران السفينة الذين يستشعرون غرقها قبل أن تغرق بالفعل (حياتي في الشعر).
لقد اضطر إلى مجاراة النقاد فثبت التهمة على نفسه و إن أنكر أنها خليقة فيه. ففي الواقع مبرر كاف للحزن والألم. وها هي السفينة قد غرقت بالفعل كما رأى في نبوءاته السوداء لا كما كان يرى النقاد. ولو كان صلاح في اعترافاته النثرية قريبا من نفسه كما كان في شعره لرد على هؤلاء النقاد بأن داءه ليس الحزن، وليس الألم، وليست له أيا كان اسمه علاقة بالواقع، و إنما داؤه الموت، موته، وموت العالم. وهل كانت نجاة السفينة برادة صلاح عن هذا الاستغراق الراعب في وجه هذه البئر المعتمة؟
في الخمسينات وأوائل الستينيات، وصلاح في زهرة شبابه وقمة شهرته، ومصر تتغير وتتقدم وتنتصر- على الأقل في الظاهر- والكل يشعر بالعافية في الواقع وفي نفسه، واللغة حماسية وكلمة الهزيمة منسية منبوذة، كان صلاح عبد الصبور هو الشاعر الوحيد الذي اكتشف كلمة الهزيمة وأعاد لها الاعتبار:
(وأنا اعتنقت هزيمتي ورميت رجلي في الرمال)
قصيدة " هجم التتار "- الديوان الأول
(إني انهزمت، ولم أصب من وسعها إلا الجدار)
قصيدة (السلام- الديوان الأول
(لا تبكنا، يا أيها المستمع السعيد فنحن مزهوون بانهزامنا)
قصيدة (أغنية لليل)- الديوان الثالث
لا علاقة لهذه الهزيمة التي يتكلم عنها صلاح بواقعه الشخصي أو بواقع المجتمع. نعم ، إن صور الخراب والعقم والموت سادت شعره، وأصبحت أكثف وأمر بعد هزيمة 1967، ولكنها لم تبدأ معها، بل بدأت مع الانتصارات. وربما يكون إحساسه بالهزيمة قد استفحل بعد كارثة يونيو (حزيران). لكن هذه 10 لكارثة لم تخلق فيه هذا الشعور من العدم. ثم أن المسألة لم تعد مسألة هزيمة بالمعنى المباشر، أي في تجربة بالذات أو في معركة محدودة، و إنما أصبحت هزيمة الوجود الإنساني كله. إنها خيبة أمل في الحياة. وإذا كانت الهزيمة، كلفظ، تتردد في عدد محدود من قصائده، فكلمة الموت تسود كل أشعاره، ليست الكلمة فحسب وما اكثر ترددها و إنما الخراب، العقم، الفساد، الخطيئة، الندم، الصقيع، 1 لانهيار، الذبول، 1 لانكسار، السم، الصبح الميت، الريح الملعونة.. كل الديوان، مفردات وصورا، وموضوعات، وتركيبات، وإيقاعات.
يرتبط الموت في كل مرحلة من مراحل شعر صلاح بموضوع ما. لكن الموتى يظل البذرة الأولى، أو الدورة التي تأكل كل بذرة وتبقى.

في الديوان الأول يرتبط الموت بالاستبداد والقهر.
(ذات مساء، حط من عالي السماء أجدل منهوم ليشرب الدماء
…….
معذرة صديقتي، حكايتي حزينة الختام لأنني حزين)
قصيدة " رحلة في الليل "
(الحزن قد قهر القلاع جميعها وسبى الكنوز وأقام حكاما طغاة)
قصيدة (ا لحزن) إما في الديوان الثاني فالموت موتان : موت رضى مرتبط بشجاعة الروح كما في قصيدة " موت فلاح "، وموت تافه مرتبط بالعجز والجبن والتردد، فهو موت في الحياة:
(أنا رجعت من بحار الفكر دون فكر
قابلني الفكر ولكني رجعت دون فكر
أنا رجعت من بحار الموت دون موت
حين أتاني الموت لم يجد لدي ما يميته
وعدت دمن موت !
قصيدة "الظل والصليب" بداية من الديوان الثالث " أحلام الفارس القديم؟ يصبح الموت انحلالا غير مفهوم لقوى الإنسان والطبيعة، وعنصر فساد في الكون لا علاج له. انه هنا موت العالم أو الموت المطلق:
(ينبئني شتاء هذا العام أن داخلي مرتجف برداً
وان قلبي ميت منذ الخريف)
قصيدة " أغنية للشتاء "- أحلام الفارس القديم
(كان مغنينا الأعمى لا يدري
أن الإنسان هو الموت)
قصيدة " تنويعات "- شجر الليل

(معذرة، نختصر الكلام
فالجثث الكثيرة التي دفنتها عاما وراء عام
تريد أن تنام)
قصيدة " استطراد أعتذر عنه "- تأملات في زمن جريح
(... لكن الأشياء
لمستني واعتصرتني
حتى أصبحت هواء
يتسرب في المحو)
قصيدة " تجريد 1 "- الإبحار في الذاكرة
من أين جاءته فكرة الموت إذا لم يكن من واقع حياته ولا من واقع اجتمع؟
لم يبق إلا طفولته أو ثقافته، أما الطفولة فليست لدورينا مصادر تكشفها،
وان ذكر في كتابه (حياتي في الشعر) ما يفهم منه مواظبته على كتابة مذكراته اليومية، فلعلها تنشر حتى تضيء لنا بعض جوانب هذا اللغز. و أما الثقافة، فقد يخطر لي أن أتذكر اهتمام الوجوديين المصريين بمشكلة الموت، عبد الرحمن بدوي في كتابه " الموت والعبقرية " وزكريا إبراهيم في دروسه التي كان يلقيها في الجامعة في أواسط الخمسينيات حول مشكلة الموت عقب عودته من فرنسا. لكن صلاح لم يكن مغرما بالوجودية ولم يذكرها ضمن مصادر ثقافته في كتابه المشار إليه.
هل كان صلاح عبد الصبور يريد حقا أن يموت كما أشرت إلي ذلك اكثر من مرة؟
لست أعلم أن صلاح قد حاول الانتحار أبدا، ولم يصرح في اعتراف شفوي أو مكتوب بالتفكير فيه، ونحن لا نستطيع أن نعامل شعره معاملة الاعتراف الحقيقي، فنبني نتائج على مثل قوله
(فكل ما أريد قتل نفسى الثقيلة)
من قصيدة " الخروج "- ديوان " أحلام الفارس القديم ".

لكن في كتابه (حياتي في الشعر) إشارة تدفعنا إلى التساؤل حول علاقته بفكرة الانتحار، وذلك قوله عن شدة تأثره في صباه الباكر بما كان يقرأ " فلم أكن في ذلك الوقت أعرف اللعب بالأفكار، بل الحياة فيها، ولو قرأت في تلك الفترة كاتبا يبشر بالانتحار ومس حديثه قلبي لانتحرت".

لقد ألف كتابه هذا عام 1968 وهي ذات الفترة التي كرس فيها كل شعره تكريسا تاما للحديث عن الموت كما ذكرت من قبل، فهل يكون حديثه عن الانتحار صدى لاستغراقه الفني في موضوع الموت؟ أم أن هذا الاستغراق الفني على أ العكس من ذلك صدى لفكرة الانتحار التي أرجح أنها راودته بإلحاح في هذه المرحلة؟.
أشعر أنني افهم الآن صلاح أفضل مما فهمته في حياته. ولهذا أحس بندم شديد، ويتضاعف شعوري بالخسارة، لأني لم أبذل مثل هذا المجهود لفهمه وهو بجانبي، وهو قريب يلبي دعوتي أو يدعوني، فيجيب على أسئلتي ويفرط لي كل أسراره. كان سيفرح فرحا عظيما وهو يراني أهتم به هذا الاهتمام وأكن له هذا الحب الذي أصابتنا فيه عدوى الأيام الخشنة، فكنا معه خشنين ونحن أول المجروحين المتألمين.

باريس 9 نوفمبر (تشرين الثاني) 1981

مجلة (الكرمل) العدد الرابع - خريف 1981




الصفحة الرئيسية