صلاح عبدالصبور - مصر
عبده وازن



شاعر الذات المسحوقة

يحضر صلاح عبدالصبور في الذكرى العشرين لرحيله كما لو أنه لم يرحل، صورته ما برحت محفورة في ذاكرة قرائه، وموقعه في الحركة الشعرية العربية الحديثة لا يزال حيثما ينبغي له أن يكون. ولئن حل به بعض الظلم النقدي ولم ينصف عربياً كما يستحق أن ينصف، فهو يظل ذلك الشاعر العصي على التصنيف الجاهز والقادر علي مواجهة حكم الزمن. كأن صلاح عبدالصبور وجد ليبقي مشروعا أبديا لا يكتمل إلا في مستقبل ما، مستقبل يظل ربما مجهولا. بل كأنه يسعى دوما، حتى بعد رحيله إلى إكمال مشروع شعري وجد لئلا يكتمل. لا أدري لماذا يبدو لي صلاح عبدالصبور شاعر المستقبل لا الماضي، شاعر الأجيال التي تتوالى لا الأجيال التي عبرت. كأن في شعره جوهراً مفقودا ينبغي البحث عنه دوما. ولعله الجوهر الذي يصنع س! الفعل الشعري، سر الإلهام والإبداع في قصائده. قد تنتمي لغة عبدالصبور وتقن!ته الشعرية وموضوعاته إلى "تراث " الحداثة مثله مثل بدر شاكر السياب وعبدالوهاب البياتي ونازك الملائكة وسواهم. إلا أن "شيئاً" ما في شعره يظل عصيأ على حكم الزمن. "شيء" كالجمر الذي لا يخبو تحت الرماد، "شيء" ح!ين، غريب، غامض، كما يعثر الشاعر نفسه في إحدى قصائده. "شيء" يدفع شعره إلى المزيد من التوهج السري على رغم ملامح "الشيخوخة" التي لا تغفل أحدا. ينقل أحد النقاد عن صلاح عبدالصبور انه عندما سئل مرة عن أحم! قصائده إليه قال: "إنها القصيدة التي لم أكتبها بعد". هذه العبارة تنم عن معاناة أليمة وصادقة طالما كابدها الشاعر الرائد. إنها معاناة الشعراء الحقيقيين الذين يشعرون أنهم قد يقضون العمر بحث! مح!ن ء قصيدة تظل وهم قصيدة. لكن عبدالصبور خلال بحثه المضني والدؤوب عن تلك القصيدة- المثال كتب اجمل ما كتب بل أصدق ما كتب من قصائد خافتة الصوت، عميقة الأثر، قصائد محفوفة بخيبة الوجود وقلق اليقظة وألم الحياة. لم يكتب شاعر عن "الأنا" المسحوقة مثلما كتب صلاح عبدالصبور عن "أناه" المستحيلة "ذاتاً" متألمة ومعذبة في عالم هو بقايا عالم، وفي حياة هي أشبه ب (قاع البئر المعتم ". هنا تكمن إحدى خصال هذا الشاعر، بل ربما إحدى ملامح شعريته الفذة. فالانسحاق الذي لن يوفر القصيدة واللغة كلتيهما هو أقرب إلى انسحاق "الأنا" الصوفية، أو ، (أنا " الشعراء الملاعين" الذين أضاؤوا ليل اللغة في العالم. يرثي الشاعر نفسه كما لو انه يرثي صورة الشاعر المثالي الذي يمثل نموذج الضحية بامتياز. وكم كان عبدالصبور جريئا في "تحقير" ذاته حيال "ذات " المتنبي في إحدى قصائده نافيا عن نفسه موهبة اقتناص المعنى ومسبغا على المتنبي مواصفات البطولة والفحولة. لعل هذا "التحقير" أ الذاتي هو اجمل ما يمكن أن يعلمنا إياه هذا الشاعر الكبير، وكان هو تعلمه من المتصوفة، من الحلاج كما من المسيح، من بودلير وأبي العلاء وبقية الشعراء الذين عرفوا "محنة" الغربة في عالم ليس لهم. نقرأ صلاح عبدالصبور كما لو أننا نقرأه للمرة الأولى. قراءته تبدأ دوما ولا تنتهي، لا لصعوبة شعره أو"إغلاقه " بل لبساطته التي تخفي وراءها كثيرا من الحكمة والتأمل، وربما لتلقائيته التي تند عن حال غريزية حادة. صلاح عبدالصبور شاعر لا تستنفد بسهولة، بل هو شاعر لا يسقم مفاتيحه بسهولة، مفاتيح لأبواب هي غير مغلقة أصلا. فما لا يكتبه هو بمثابة الجذوة التي تعتمل في صميم ما يكتب. وما لا يقوله يظل ابد آ بمثابة الجرح المفتوح الذي لا يدمله الزمن مهما تقادم عليه. وليس من المستغرب أن يعبر الشاعر اكثر من مرة عن "العذاب " الذي يكابده في البحث عن "معنى الحرف ". فالشاعر الحقيقي في نظره هو الذي "يسعى جاهدا إلى أن يقبض على الشعر من خلال بحثه عنه ". يحفل شعر عبدالصبور بما لا يحصى من موضوعات وقضايا تختلف وتأتلف، تتناغم وتتناقض. فهو شاعر الوجود مثلما هو شاعر الحياة، شاعر العدم مثلما هو شاعر العالم، شاعر الهموم الماورائية والهموم اليومية، شاعر الحزن والليل، شاعر الإيمان والخيبة، شاعر العزلة والتأمل، شاعر الحب واليأس والسأم... أما الشعر لديه فهو كما يصفه حقا "صوت إنسان يتكلم". وعندما يكون الشعر صوت الإنسان المتكلم يصبح فادرأ على أن يستوعب ما لم يستطع أن يستوعبه سابقا. بل يصبح قادرا أن "يشعرن " كل ما يصادفه. ولعل سر صلاح عبدالصبور يكمن في قدرته السحرية على "شعرنة" الحياة في تفاصيلها الصغيرة وأشيائها النافلة وأمورها الصغيرة. سره انه انزل القصيدة أو رفعها إلى مرتبة "الكلام " اليومي ولكن من غير أن يفقدها ابدأ سحرها السري وكثافتها الوجدانية وعمقها الوجودي. ولعل هذا الطابع هو " العيب " الذي أخذه عليه النقد " المحافظ " والتقليدي جاهلا فرادته الخاصة التي ستنعكس لاحقا على الأجيال المقبلة. إلا أن عبدالصبور كان مدركا كل الإدراك أن من ضمن ما أضاف إلى القصيدة التفعيلية "لهجة الحديث الشخصي الحميم " كما يعبر. هذه اللهجة هي التي شرعت القصيدة العربية الجديدة على الأشعري سواء أكان مفردة أم عبارة أم مرجعا... ويكفي احصاء "المعجم " اليومي والأشعري في قصائد عبدالصبور حتى تبين بوضوح محاولة الشاعر المستميتة في كسر هالة الفصاحة والبلاغة والخطابية التي طالما هيمنت على الشعر العربي. يكفي أن يقول الشاعر جهارا "آه لو استفرغ ما في أمعائي.. " كي تتضح صورة "اللعنة" الشعرية كما تجلت لدى شعراء الحداثة في العالم. كم أصاب صلاح عبدالصبور حين اعتبر نفسه غير معني بمعركة الشعر الحر التي دارت بين بدر شاكر السياب ونازك الملائكة وسواهما، وراح كل شاعر حينذاك، يضع نفسه في مقدم الثورة التفعيلية. علماً أن عبدالصبور يستحق تمام الاستحقاق أن يكون في طليعة الشعراء الحديثين في العالم العرب!ي وليس في مصر فقط. وقد أغمطه بعض النقاد العرب حقه فعلا ولم يلقوا ضوءا على تجربته الريادية. ومن هؤلاء نازك الملائكة نفسها في كتابها الشهير "قضايا الشعر المعاصر" وقد أخذت عليه "ركّة الإيقاع وضعف البناء وتنفير السمع " مستندة إلى مقطع شعري، هو برأيي المتواضع من اجمل الشعر: \ وحين يقبل المساء/ يقفر الطريق/ والظلام محنة الغريب ". وتأخذ عليه الملائكة أيضا "الطابع المرسل " في بعض القصائد مسدية إليه النصح من عليائها. ولعل "الطابع المرسل " هو من السمات النادرة التي ميزت قصائد عبدالصبور التفعيلية وهو ما أمد تلك القصائد بحال انسيابية متهادية وبعيدة كل البعد من الخطابية والجلجلة الإيقاعية والتهويم اللفظي. ونجح عبدالصبور حقا في التخفف من ثقل القوافي وفي اعتماد الجمل الشعرية الطويلة وقد خلا بعضها من القافية مما أسبغ على قصائده حالا أخرى من " الخفوت " الإيقاعي الجميل. فصوت صلاح عبدالصبور صوت خافت أصلا ولكن في معناه الشعري أو المجازي. فصوته هو صوت الشاعر المتألم والمتأمل، صوت الشاعر الغريب والمقتلع، صوت الشاعر المجروح والمخنوق. أما الناقدة سلمى الخضراء الجيوسي فامتدحت "الرقة المؤثرة" في بعض شعره والبساطة التي تسم الكلمة المفردة لديه و اللهجة الحميمة"، لكنها أخذت عليه "الرخاوة" في العبارة والحشد والمواربة. وأساءت (بل أخمذت) في قراءة قصيدته الشهيرة "أقول لكم " معتبرة أن هذه العبارة (أقول لكم) هي عبارة "خطابية متعمدة". وفاتها حق! أن عبدالصبور هنا يؤدي لعبة "القناع " مستعيرا هذه العبارة من يسوع الناصري في معناها الصوفي والإصلاحي. ولعل هذا ما أشار إليه الناقد المصري احمد عبدالحي في كتابه عن شاعر " الناس في بلادي ". كم يبدو مظلوما صلاح عبدالصبور عربيا. وربما ساهم بعض النقد المصري في هذا الظلم العربي عندما حصر الشاعر في هويته المصرية. علمه أن عبدالصبور شاعر عربي مثلما السياب شاعر عربي ونزار قباني وأدونيس وسواهم. هذا الشاعر الذي عرف كيف يوفق بين التراث والمعاصرة بين الثقافة العربية والثقافة الغربية، بين إليوت والحلاج، بين بودلير وأبي العلاء، حركت به أن يكون شاعرا وشاعرا فقط. ولعل الأجيال، كل الأجيال ستظل تردد مع صلاح عبدالصبور هذا زمان السأم!@



الصفحة الرئيسية