|
شاعر المناطق المحررة ..
معذباً بعقلانية الشك و دهشة التساؤل
لأنني لم أتعرف على صلاح عبدالصبور، لم أصحبه إلى مقهى، أو إلى منزل
صديق، لم أره إلا صورة في صحيفة أو مشهدا على شاشة، هكذا أسمر الوجه،
له شارب ظاهر، وأنف كبير، وشفة سفلى مملوءة ومدلاة قليلا. ولأنني أحيانا
أراقب ابنتيه: "معتزة ومي " وأنظر إليهما من بعيد وفي حنان
غامر، لأنني كذلك، يحق لي أن أعتقد أن صلاح عبدالصبور لم يمت أبدأ،
وأنه ما زال حناً، يكتب الشعر أو المسرحيات، وتسيل من عينيه فيوض من
الجمال والنبل ، والهزيمة. ويحق لي أيضاً أن أتساءل: ما دام صلاح عبدالصبور
حيا، فهل يمكن أن نعرف أراءه ومواقفه من أجيال الشباب ومما يكتبونه،
وكيف سيتعامل مع هذا الجمال العاري، هذا الجمال الفظ. ! أذكر أنني
في فاتحة السبعينات، عكفت على"أحلام الفارس القديم كنت أسمع صوت
صلاح يختلط بصوت المسيح، ويهمسان معا: "خذوا كلوا هذا هو جسدي،
خذوا اشربوا هذا هو دميم... الذي يسفك من أجل كثيرين ". وأذكر
أنني آنذاك تعلقت بثوبيهما: المسيح وصلاح، وعندما قابلت محمد سليمان
وجدته يعتز بعلاقته المباشرة مع صلاح، ويلح في التدليل على إنسانيته
وتواضعه. حكى لي أحمد طه، أنه سمع من بعض العاملات بالهيئة المصرية
العامة للكتاب أثناء ولاية صلاح عليها، أنهن في أيام القيظ كن يذهبن
إلى أحد حمامات الهيئة، ويجلسن على البلاط الأبيض النظيف، ويفردن سيقانهن
التماساً للبرودة الممتعة، حتى فاجأهن صلاح ذات ظهيرة، وقال في خجل:
ماذا يحدث لو رآكن أحد، ثم انصرف. وفي كل مرة سمعت فيها جابر عصفور
يذكر ويتذكر صلاح عبدالصبور، كان يختم ذكرياته بقوله: لا اثنان غلماني،
أولهما صلاح الذي علمني الثقافة، والثاني فلان الفلاني ". واذكر
أيضا أن صلاح في بداية رئاسته تحرير مجلة الكاتب، أواسط السبعينات،
قام بنشر مجموعة قصائد لعدد من
شبان تلك الأيام، قدم لها وهو يرى أنها تشفع له في التأكيد أن حركة
الشعر الجديدة قادرة على أن تبدع في كل يوم شعرا، وجديداً، ورأى أن
أحد الشبان تجاوز عفيفي مطر في تماسكه ومقدرته على بناء القصيدة، وتمنى
لشاب ثاني أن يكون قد تجاوزه هو. صحيح أنني لم أعد أذكر أحدا من هؤلاء
الشعراء الذين قدمهم صلاح باستثناء حلمي سالم لأنه ما زال من دون ادعاء
يحلم بأفق جديد، وسماء متوحشة، وما زال يملك تلك النبرة الرومانتيكية
العذبة، ويمنحها عمقا وأصالة باختبارات حياته وصورها، مثلما تمنى له
صلاح، وفي حملته المبكرة دفاعا عن الشعر الجديد ضد الأستاذ العقاد
سيكتشف أن الشعر العربي المعاصر في واد؟ والأستاذ العقاد في واد أخر،
وقد كان الأستاذ العقاد لهذا السبب، أبعد الناس عن الصلاحية لتخطيط
الشعر أو المساهمة في خدمته والمساعدة على ترقيته وتجديده، ثم نجده-
أعني عبد الصبور- يحلم لو استرجع العقاد سنواته العشرين الماضية- كان
العقاد في السبعين- وعاشها من جديد، جريئا، عاليا على الشبهات، مملوءا
بالخير والحكمة كما عاش العقاد الشاب، كم يتمنى، لو أن العقاد وقف
أمام الناس لا وراءهم، ولو كان نصف حماسته الفردية متجها نحو المجتمع،
ولو فتح قلبه للشباب، شباب الحياة الذي يتجذد، وشباب الأفكار الذي
يمتد على وطننا، وشباب الأدباء الذين أبعدهم عن مجلسه إلا المصفقين
والمهللين الذين يقولون إثر كل كلمة يقولها العقاد: "آمين آمين
". البارحة فقط فتحت عيني في الظلام، كان الزمان عصر يوم خريفي،
وكان المكان ساحة كلية دار العلوم التي بنيت في القرن التاسع عشر،
حيث برزت فجأة دكة خشب يجلس على طرفها صلاح عبدالصبور، وعلى الطرف
الآخر يجلس شخص ما، وكان الحوار بينهما مسموعا: - أما زلت تكتب الشعر
على طريقتك؟ - قلت لك، ذاك عهد مضى، أما الآن فأنا إنسان آخر، أصنع
شيئاً آخر. - هل فرغت مما تصنع؟ - أوشكت أن أنتهي، وبعده، سأضع قلمي
وورقتي على قارعة الطريق ليكونا عرضة للنهب ". بعد قليل !نهض
صلاح، فاهتزت الدكة الخشب واهتز الشخص الآخر، وتلجلج، وانتظر، مشى
صلاح بين الأشجار المسنة التي تخترقها الريح، وتخترقها أسراب العصافير،
تبعته، كان الجو صافيا، فتابعت أفكاره، حيث اعتناق مذهب أدبي لا يعني
أبداً اعتناق مذهب سياسي مناظر له، وأن التجديد في اللغة والأدب ليس
وقفاً على فئة بعينها، وأن الهدف من التجديد في الشعر ليس أن يصل الشعب
إلى فهم - الشعر، فلكل فن من الفنون رأى عام، ومع ذلك لكي تصبح أصيلاً
لا بد أن تخلص لطبيعتك الحسية، وأن للشاعرية إمارات هي: الرؤية الخاصة
واللغة المتميزة والموضوعات الأثيرة. وإذا كان الفيلسوف يحتاج إلى
ملكة الرؤية الشاملة أولا كم ملكة إدراك المفارقة والمشابهة فإن الشاعر
الحساس يقع على ملكة إدراك التمايز وتوحد الأشياء. وعليه فإن فروقا
كثيرة تفصل بين الشاعر الفيلسوف والشاعر الذي له فلسفة، بعد وقت مضاف
نظرت إلى الوراء ناحية"الدكة الخشب. كان الشخص الآخر ما زال يقف،
لم يعد ينظر إلى صلاح السائر إلى جواري، أصبح ينظر إلى شبح ضخم مخيف،
يظن انه هيكل صلاح. وكنت أدركت أنه يخاف من الشبح، وينال منه، ويتهمه
بأنه يبدو صديقا لكل الأطراف. لكنه في الحقيقة ليس مع أي طرف، انه
مع نفسه، وأنه يبدو سعيدا ناجحا واثقا من نفسه، تحقق له كل شيء، الشهرة
والعمل المرموق والأجر المجزي ورضا الجميع، بينما يقدم لنا شعره عالما
مناقضا لذلك، فأين يكون مصدر شقائه وإحساسه المدمر بالت س والهزيمة
والموت. تركت الشخص والشبح متواجهين وأسرعت خلف صلاح، وخلف رؤاه. كان
الأدب جامدا وحتى نهاية القرن التاسع عشر، وكان لا يؤدي دورا، وعندما
تغلغل الإدراك ب ن الأدب هو التفسير الفني للحياة، وأنه يمت بالقرابة
للموسيقى والرسم، تجدد الأدب، وبفضلى الكتاب المتأثرين بالغرب، عرفنا
كيف نمسك القلم، ونكتب كلاما له شكل، لعله- الشكل- مأخوذ من الغرب،
وله معنى، لعله نابع منا، أما التراث فلا حياة له من دون عرضه على
الحاضر، وما لا يقبل هذا العرض يصبح عبئ!، خصوص! أن الفارق الرئيس
بين الأدب التقليدي، أعني أدبنا، والأدب الأوروبي هو هذه القدرة المعمارية
التي نفتقدها. فالفن في أفضل أحواله إعطاء شكل لأشياء لا شكل لها،
إضافة إلى انه احتجاج دائم. وأعظم الفنانين هم المحتجون سواء على أسلوب
التعبير في عصرهم، أم على أسلوب الحياة ذاتها. واحتجاج الفنان يتجه
إلى محاولة التغيير ولأن المجتمعات أكثر تعقيدا من براءة الفنان، فإنها
لا تسمح له بهذا التغيير، فيرتد، إما إلى التصوف، أو العزلة، أو العدم،
أو مغامرات الأسلوب والشكل، أو الأحلام، أو الانتهازية، أو سرقة الأقنعة،
قناع الكاتب الجبار الذي يباع بسبعمئة جنيه في دار الكتاب المصري-
اللبناني، قناع الشاعر الأوحد الذي يشيع على الأرصفة بأقل من خمسة
جنيهات، قناع رامبو يوزع كهدية على كل تذكرة سفر إلى أفريقيا السوداء
لمن يرغب. بعدما خرجنا من ساحة كلية دار العلوم وتخلصنا من الأنفاس
المحمومة للشخص الآخر والشبح الذي يخيفه، صفا صلاح وتألق، وكشف عن
قليه. كان قلبه يجمع التجربة الشعرية الجديدة والقيم الكلاسيكية في
آن واحد، وكذلك كانت حيرته بين ذاته وموضوعه تجعله أحيانا غير قادر
على عبور الجسر الواصل بينهما، والذي كانت كل أخشابه مقتلعة من أشجار
الحزن، حيرته التي كانت بين الحلاج وبشر الحافي، كانت بين السطحية
والبساطة، بين الشهادة الشخصية والشهادة على جماعة، بين الناي والمزمار،
بين إخفاء تجربته القومية الضعيفة والهشة وبين إظهارها، تلك الحيرة
التي جعلته يستبدل قيودا بقيود، أخف وأيسر توصيلا للكلام، وجعلته وهو
طليعة الشعراء الحديثين في مصر يكتفي باللعب المجهد في المناطق المحررة
الصغيرة والضيقة. كان يكمل ولا يهدم، يكمل ولا ينقضن أو ينقض، لذا
ظل يمارس عمله، الشعري كرسول، وجعلته- أعني حيرته- يبحث عن أبواب للخروج،
تصدرها باب الفناء في صوفيته الاجتماعية، في إيثاره الدفء والمحبة.
يحكى صلاح ويقول: أذكر أنني حين كنت أعمل بالتعليم، كنت أدرس تلاميذي
إحدى قصائد شوقي الشهيرة ومنها هذا البيت: "والدين يسر، والخلافة
بيعة / والأمر شورى، والحقوق قضاء" فطلبت إليهم أن يفكوا عنه
أربطة الوزن والقافية ليصبح: الخلافة بيعة، والأمر شورى، والحقوق قضاء،
والدين يسر. وسألتهم بعد ذلك، هل بقي في البيت شعر، ولعلني- الضمير
يعود إلى عبدالمنعم رمضان- أرى الآن في طريقة اختبار الشعرية التي
اعتمدها صلاح خللا واضحا يقوم على نكران أهمية الصوت وأهمية علاقات
التجاور بين الحروف والكلمات، وان الإطاحة بها إطاحة بركيزة أساسية،
وإذا طلبنا من تلاميذ صلاح أن يفكوا أربطة الوزن والقافية عن بعض شعره:
"وشربت شايا في الطريق./ ورتقت نعلي/ ولعبت بالنرد الموزع بين
كفي والصديق " ليصبح: "وقي الطريق شربت شايا، ونعلي رتقت،
وبالنرد الموزع بين كفي والصديق لعبت ". هل بقي في هذا الشعر
شعر، إن صلاح يجعلني مضطرا أن أسأل نفسي كيف يمكن عملا فني! أن يقف
خارج دائرة القيمة المتغيرة التي يحتلها في تفكير الأجيال البشرية
المختلفة. فجأة طلب مني صلاح أن أذهب ثانية إلى ساحة الكلية، هنالك
سأرى مشهدا طريفا. ذهبت كان الشبح يحاصر الشخص الآخر، ويلقي كلمات
يبدو أن روحا خفية لقنته إياها، كنت أشم رائحة روح صلاح تملأ الجو
وتهيمن عليه: هل تعلم أن العلم المستقر هو الجهل المستقر؟ - هه، وأنه
إن لم يعمل الخاص على أنه خاص هلك؟- هه، وأن الخوف مصحوب المعرفة وإلا
فسدت؟- هه، وأن وزن معرفتك أيها السيد كوزن تدمك؟- هه هه... فجأة وقف
خلف الشبح وكأنهم أعوانه: السادة ت. س. إليوت، ستيفن سبندر والطالب
(ت) الذي كان يدرس الفلسفة، قال الطالب: أنني لا اعتقد بأن هنالك
أي تصنيف جمالى مطلق إلا إذا كان هنالك إله. أحنى إليوت رأسه وكأنه
يصلي، وتمتم: إن ذلك هو ما توصلت إلى الإيمان به. عندما عدت إلى عبدالصبور
كان مثل أسطورة تبتسم، تذكرت انه كان بالنسبة لشعراء فترة أوائل السبعينات
أشبه بالأسطورة، وأن مصيره يشبه كثيرا مصير إليوت، فهو عند بعضهم جنرال
التلميح وأمير نشر التأثيرات في الشعر المصري، والقائد الذي دفع حدود
اللغة إلى الأمام، وهو عند آخرين شاعر ثائر سرعان ما تحول إلى رجعي
في آرائه السياسية، غامض في معتقداته الدينية. لكنه عند الجميع كان
ذلك الشاعر المثقف ثقافة أثارت الشكوى أحيانا عند خصومه الذين يظنون
بأن الشعر يجب ألا يرتبط بمثل تلك الثقافة التي تجفف ينابيع الحياة
والتجربة فيه. كان صلاح عند الجميع ذلك الشاعر الشكاك الليبرالي المعذب
بشكوكيته وليبراليته، المعذب بالعقلانية ودهشة التساؤل والبحث عن الشاعر
الحكيم، إن من تلك السلالة التي ترغب في توسيع الحدود وفي عبورها،
والتي تعرف أن الذائقة محدودة والذوق راحة يد، تنبسط وتنقبض، تحب وتكره،
وأن الفن غير محدود، وان ما تكبرهه الذائقة ليس بالضرورة خص، ولذا
فإن هذه السلالة تحارب أحيانا في سبيل توفير حقوق الوجود لآداب قد
لا تحبها، وتقف ضد سلالة أخرى تسعى إلى زراعة أسلاك شائكة جديدة على
الحدود، سلالة أخرى عقائدية، قومية، صلفة، متكبرة، مغرورة، ضيقة الأفق،
تزعم أن معارفها وحدها شمس المعارف التي تتنزل أشعتها على رقاب الخلف
وتلتف حولها. صلاح عبدالصبور ينتسب تماما إلى السلالة الأولى التي
تضم طه حسين. في اليوم التالي ذهبت وحدي إلى ساحة كلية دار العلوم،
برزت فجأة دكة خشب، يجلس على طرفها الأول طه حسين، وعلى الطرف الآخر
يجلس شخص ما، أظنه الأستاذ العقاد، وكان الحوار بينهما مسموعا:- أما
زلت تكتب على طريقتك؟- نعم ولكنني أنتظر أحد أبنائي.- من؟ - الشاعر
المقتول عدو التفاهة، هل تعرفه؟@
|