|
منزل الأقنان
في جيكور
منازل فانزع الأبواب عنها تغد أطلالا
خوالٍ قد تصكّ الريح نافذة فتشرعها إلى الصبح
تطل عليك منها عين بوم دائب النوح .
وسلّمها المحطم ، مثل برج دائر ، مالا
يئن إذا أتته الريح تصعده إلى السطح ،
سفين تعرك الأمواج ألواحه
***
وتملأ رحبة الباحه
ذوائب سدرة غبراء تزحمها العصافير
تعد خطى الزمان بسقسات ، و المناقير
كأفواه من الديدان تأكل جثة الصمت
وتملأ عالم الموت
بهسهة الرثاء ، فتفزع الأشباح تحسب أنه النور
سيشرق ، فهي تمسك بالظلال وتهجر الساحه
إلى الغرف الدجية وهي توقظ ربة البيت :
"لقد طلع الصباح". وحين يبكي طفلها الشبح
تهتهده وتنشد : " يا خيول الموت في الواحه
تعالي و احمليني ، هذه الصحراء لا فرح
يرفّ بها ولا أمن ولا حب ولا راحه " .
***
ألا يا منزل الأفنان، كم من ساعد مفتول
رأيت ومن خطى يهتز منها صخرك الهاري
وكم أغنية خضراء طارت في الضحى المغسول
بالشمس الخريفية ،
تحدث عن هوىً عاري
كماء الجدول الرقراق ! كم شوقٍ و أمنيه !!
وكم ألم طويت وكم سقيت بمدمعٍ جاري !!
وكم مهد تهزهز فيك : كم موت وميلاد
ونار أوقدت في ليلة القرّ الشتائية !!
يدندن حولها القصاص : " يحكى أن جنية …"
فيرتجف الشيوخ ويصمت الأطفال في دهش و إخلاد
كأن زئير آلاف الأسود يرنّ في واد
وقد ظلوا حيارى فيه ، ثم ترنّ أغنيه :
" أتى قمر الزمان .. " ودندن القصاص : "جنيه"
وبؤسهم المرير : الجوع و الأحزان و السقم
وطفل مات لما جفّ درّ - ماتت المعزى
وجاعت أمه فالثدي لا لبن ولا لحم .
سمعت صراخها و الليل ينظر نجمه غمزا،
وولولة الأب المفجوع يخنق صوته الألم.
***
ولو خيّرت أبدلت الذي ألقى بما ذاقوا
ممضّ ما أعاني : شلّ ظهر و انحنت ساق .
على العكاز أسعى حين أسعى، عاثر الخطوات مرتجفا
غريب غير نار الليل ما واساه من أحد
بلا مال، بلا أمل ، يقطع قلبه أسفا.
ألست الراكض العدّاء في الأمس الذي سلفا ؟
أأمكث في ديار الثلج ثم أموت من كمد
و من جوع ومن داءٍ و أرزاء ؟
أأمكث أم أعود إلى بلادي ؟ آه يا بلدي
و ما أمل العليل لديك شحّ المال ثم رمته بالداء
سهام في يد الأقدار ترمي كل من عطفا
على المرض وشدّ ضلوع الجائعين بصدره الواهي
وكفكف أدمع الباكين يغسلها بما وكفا
من العبرات غفي عينيه ، إلا رحمة الله ؟؟
**
ألا يا منزل الأفنان ، سقتك الحيا سحب
تروّي قبري الظمآن ،
تلثمه وتنسحب !
لندن 3 - 1 - 1963
|