الشهادات


كتابات عن أدونيس ( مقتطفات )

شهادات

ترجمها عن الفرنسية
يعقوب المحرقي



ختارات من الكتاب الوثائقي الذي أصدره معهد العالم العربي لمناسبة المعرض الاحتفائي الذي
أقيم
في الفترة بين 11 ديسمبر 2000 و 18 يناير 2001 :
Adonis
Un poète dans le monde d'aujourd'hui 1950-2000م
رونو ايكو جنفييف كلانسي ميشيل كامو
ماري - كلير بانكار ديمتري ت ـ اناليس انطون مقدسي
ايف بونفوي جوزيبي كونتي فيصل دراج
جان بيير فاي ماكوتو اوكا كرستينا سكاررزنسكا ـ بوشنيسكا
خالدة سعيد روفين سنير ستيفان وايدنر
الان جوفروي ميشيل دوغي اندريه ميكيل

الوجه السابع للنرد



رونو ايكو *

في الطريق الى القصيدة الشاملة بدأ رجل الكلام (تقريبا بالمعنى الحقيقي) يتقدم بزهو من يرى الفعل كالعمل، يقول أنا، وبقوة يهجيء ذاته، بصيغة المفرد جمع التاريخ الجمعي، أو ببساطة تعدد الوجوه يشكل كونيته، شخص مفرد. لقد قرر ان يكون ابدا وبالضبط كل واحد، أن يكون ولكن مخالفا ذاته والآخر، هذا الآخر المنتظر لمسخ ذاته.
وفي الطريق الى القصيدة الشاملة يحاول رجل مع كل كلمة بلوغ الاتساع اللامحدود.إن الشعر بالنسبة له هو رمية نرد على امل الوصول الى توليفة غريبة، وهذا الأمل هو القوة السابعة للنرد. و هو نحو الستة الآخرين وكثافتهم الداخلية ، المقتسمة سرا، حيث تتدارك يده كل كلمة جديدة، تطلق في افتتان وروعة احتمال عالم جديد.


 

الوقت العمودي للحضور



جنفييف كلانسي *

بهدمه العلاقة التصادمية بين العالم والإنسان، استطاع فكر الباطن ارساء علم حقيقي لكينونة المستقبل. شعر أدونيس متآزر مع قوى العناصر. والقصيدة إمكانية للدخول إلى باطن اللامرئي.حضور البعيد في ثياب جمال الأشياء، مثل الصحراء، المحيط، الشمس… تحرير اللغة من العلاقات التي تكرسها كممثلة لما يسمو على العالم واصله. تتفتح على الفضاء الداخلي الذي يردد صدى المجهول.



ما يسمو على الشعر عند أدونيس

ميشيل كامو *

احدى مسلمات الشاعر الساحر ادونيس هو المبدأ المطلق النسبية ، كل الحقائق وكل الاساليب تعرف بان كل شيء استعارة، يعرف بان تناقض اللغة الشعرية هو الايحاء بما يهرب من اللغة، ننسى دائما بان اللغة هي سور الصين العظيم. والشاعر الساحر يعبره منفتحا على صمت حي.
فمن هناك يفر الشاعر من سجن اللغة ( لاشعر بدون صمت ) قال روبيرتو خواروز. هذا الحضور القريب جدا، والبعيد جدا عن الصمت الحي بامكاننا دعوته وبلاتمييز بحضور المقدس او بوعي التنزيه، وهو ضرورة ملازمة للوعي ذاته. انه لمن نظام الاسرار الذي يحاول الشعر الادونيسي حامل الأسرار المستحيل لتقاسمها. إنها أسرار ـ إذا أمكن القول ـ مافوق شعرية لأنها تخترق الكلام والصمت، لأنها أعلي من الكلام و من الصمت. إنها الصنف الثالث المندمج سريا في التعارض الثنائي بين الكلام والصمت، هذا الثالث المندمج لم ولن يقل لنا أي شاعر ما هو. المعلم ايكارت اشار اليه عندما اثار مسألة (الكلام الثالث ) وهو ما لم يقل ولم يفكر فيه، ولم يعبر ابدا به. إن الصمت الشعري يمكن ان يصل اثناء حياته الى درجة عالية مضيئة من الصمت. هذا الصمت فقط بامكانه ان يخلصنا من العتمات و من خمول اللغة. انه ليس بالصمت الفارغ، فهو مليء وفائض بالحواس والدلالات الصامتة. لا يهم الاسم الذي يسمي الهاوية او الفجوة المختبئة في اللغة، بمعنى آخر يمكننا القول انه الهارب من المرجع المنفلت من كل لغة.
إن شاعرا ساحرا كأدونيس يستعمل وبحرية الكلمات كالسهام المنطلقة نحو
(اللاملفوظ) نحو النبع الصعب المنال، الذي لا ينضب، ولكونه إنسانا محدودا
فليس باستطاعته سوى الاقتراب منه ولن يتمكن ابدا من الوصول إليه.

 

" طقسي النسغ "

ماري - كلير بانكار *


هذا الشعر، نعم انه نسغ الجذور، أعماق وبدايات، تلك الاوراق التي تطاول السماء، يميل إلى الواقعية، تلك المنطلقة من ( الجسد السيد ) كما يميل الى المتخيل الصوفي. ظلام الروح، تصعد فيها نحو الوضوح، فما هذه الحيوية، في هكذا كلام هو ذاته في الصيرورة، انه يقودنا الى حرية تأسر الايقاع الكوني. انه طاقة وغموض، تفتح منظور الكشف. فكرة شعرية حارقة، غذاء للذكاء والحساسية معا : هذه التي يفتقدها عالم التقنيات والتعصب والذي في الغالب هو عالمنا.

 


أوقات، أمكنة، احتفالات

ديمتري ت ـ اناليس *

رجل من ابناء اليابسة ولكنه يحلم بالسفر، شاعر متجذر ومنفلت، مقاتل، عاشق
لسلام الحقول. مغني لليومي، مسكون ببرق تقاطع العالم، يجمع الماضي ليتكلم
بصوت الرغبة الغير محورة. أدونيس يقول الكلام الحقيقي للغة العربية، لأنه يعيد
تأهيلها في ذاته ويفتح لها كل الطرق، برهان هو في البداية تحد لذاته. انه ليس بشاعر
يتقبل قوى الماضي لتحديد المستقبل في حاضر ثابت. مثل كافافي هذا اليوناني الذي
تتبع التقاليد الحضارية الهلينستية في الشرق الاوسط حتى آخر أنفاسها. إن الحاضر
لدى ادونيس هو مستقبل الانسان العاري من اية مرجعية دينية، سياسية و حتى
ثقافية، يرسم وجه الشرق الجديد المتحرر من خموله و فولكلوره.

 

وحدة الفكر والشعر

انطون مقدسي *

انعت شعر ادونيس بالجسدي لان الشعر لديه هو مجمل الوجود كالجسد، فالجسد هو مجموع الاحاسيس التي يمتلك كل منها ايقاعه ولونه وشكله …
الاحاسيس التي تتحول لدى ادونيس الى صور واستعارات، حيث الجسد والحرف يصيران لغة فريدة.
من جهة اخرى يمتلك ادونيس قدرة عجيبة على تحويل كل الاشياء الى صور ومن ثم تحويلها الى شعر، يمنحها فضاءها الاكثر اتساعا، فكل مجموعة شعرية لادونيس ذات فضاء خاص.

 

عنف وسلام

ايف بونفوي *


يجسد أدونيس إبداع التجميع في خريطة، ولكن حيث يجب ذلك ـ كما يبدو لي ـ خريطة يتعلم كل من يأتيها المطالبة كما يجب وبقدر ما يجب بادانة الأوهام، الكذب، وبالحب كما يجب. وهذا جيد من طرف اولئك الذين يحتاجهم القرن القادم اشد الاحتياج. هؤلاء الذين سيساعدون على الفهم بانه عن طريق الشعر فقط وبعد جهد من النضال ضد الكلمات المزيفة و الافكار المستهلكة، الأفراد و كذلك اللغات تستطيع البدء في اقتسام الفاكهة بدرجة ثابتة في النفس. فاكهة شجرة حياة حيث لا نسمع اليوم الا من البعيد غناء العصافير وصوت الريح في أوراقها.


أدونيس / عوليس

جوزيبي كونتي *

ادونيس لا يعود إلى بيته، انه لا يقوم بالعودة على ذاته ولا برحلة عودة الروح في بحثها عن الجذور وحقيقتها. إن أدونيس هو عوليس جديد، لا يعرف حدود،قطع الحبل الذي يربطه بالشاطئ، كالمصغي إلى أغنيات عرائس البحر. وكأنه قطع الحبال التي تشده الى الصارية. انه عوليس المحب لهيجان الأمواج، وحركة البحر الاستعارية اكثر من أي حقل اخضر أو أية ارض أخرى.
عوليس منفي، يسكن كلماته ومنفاه. ملك ايثاكا، شاعر شرقي يحمل المعرفة كاشفة الأسرار والتي بإمكانها الصعود بالخطى ـ كتلك التي حملت النبي إلى السماء ؟ حامل للغة تذهب إلى سرد قصص لا تعرفها أو لا تقدر على سردها، هذه الأمواج هي الأبطال الخالدون لحركة البحر الخالدة.
بعد بحثه عنه في أولى قصائده المهداة اليه ( في البحث عن عوليس ) يصفه لنا ادونيس في (ارض بلا عودة ) :
ان عوليس ادونيس مسكون بالتراجيديا، فنحن نقرأ في ملامحه قلقا مألوفا وغريزيا جدا والذي نستطيع دعوته ب(الصديق).


البحث عن الحقيقة

فيصل دراج *

يضع ادونيس وباستمرار كلمة ( الحقيقة) بين قوسين، قوسان دائمي الحضور، لأنه و بمنطق الشعر فان البحث عن الحقيقة دائم ولا متناه.
وهذان القوسان يمنحان (الحقيقة الشعرية ) وهي دلالة مضادة لدلالة (الحقيقة ) التي تدافع عنها أشكال معرفية أخرى : الحقيقة الدينية مثلا والتي لا تنسجم سوى باليقين و (الحقيقة الأيديولوجية ) والتي تطابق العصر الذي يضمن لها نجاحها وبغض النظر عن الحقيقة العلمية التي تعتمد على التحليل والاختزال والتجربة ….الخ، الحقيقة للشعر الصادق هي مشروع لا بداية له ولا نهاية، ذات أبعاد تتسع باستمرار.


النفري أدونيس مهيار

جان بيير فاي *

من النفري الى أدونيس، ما يمسك بخناقنا، ها هي رحلة عظيمة ـ ولنذكر من يجهل ذلك ـ بأنها طريق الينبوع، لان ما يسيل فيها هو كتابتنا ذاتها، والتي بدونها سنجد آثار عصانا على الأرض. ولنذكر بالتحديد بأننا إذا كنا نقارن بالنفري فان ذلك يعني المقارنة بأدونيس، لأنه وبفضله تعرفنا على النفري. في كتيب متفرد صدر عام 1989. إن أول أو من أوائل مكتشفي النفري كان ابن عربي، بعدها ساد صمت طويل على مسامعنا من ابن عربي الى ادونيس حتى لو كان هناك وفي هذا الفضاء مكتشفون آخرون.


أدونيس مجددا

ماكوتو اوكا *

ادونيس شاعر عربي، يحمل في داخله هذه الصحراء، استعارة القدرة على التجدد، كما الصحراء التي تجسد (الفراغ ذاته) تستطيع ان تتجدد : هذا هو الحدس الأول الذي تجد فيه القدرة الإبداعية الشعرية لدى ادونيس مصدرها، ومنها يسيل أيضا الإعجاب الشديد الذي اكنه له.


السعادة و القيامة

كرستينا سكاررزنسكا ـ بوشنيسكا *


اكتشاف أدونيس غوص في جمال شعره، شعر غير مألوف لعصرنا، شعر كوني، وبوجوه متعددة، منفتح على الانسان وأسئلته وفي ذات الوقت غائر في فضاءات وأعماق الخيال الشعري اللامحدودة.



مواقف أو اليوتوبيا المضادة

خالدة سعيد *

عندما استعيد في ذهني اليوم مجلة (مواقف) وما كانت تمثله بحيويتها والتزامها كمغامرة جماعية ومعركة على جميع الجبهات الاكثر حساسية من الثقافة العربية، فان صورة تقفز الى ذهني، صورة طفل عنيد وحالم، يركض وسط حقول طينية نحو مدينة مجهولة ليقرأ قصيدة أمام جمهور يجهله. مقدما بذلك على بدأ تحقيق حلمه بتغيير مصيره باللجوء الى قوة وحيدة هي الشعر، وفي ذات الوقت أرى اليوم رجلا ستينيا طفلا (ذات الطفل ) والذي بعد ان طور حلمه عبر مغامرة (مواقف) يحمل نفس الحلم العنيد الى ضفاف الحوار الكوني.


شاعر الأسرار والجذور … ادونيس الحلاجي

روفين سنير *

برسمه مثلثا متساوي الأضلاع مكونا من الفن، التصوف و الواقع يحقق ادونيس نوعا من (القصيدة القناع )التي يستطيع فيها ومن خلال القناع الفني مصالحة الفاني والخالد، المنتهي والأبدي، الحاضر وما يتجاوزه.
فالحلاج في القصيدة كما ادونيس في الواقع يجسد التقدم المستمر للماضي نحو الحاضر والى المستقبل. وهو ما تحتويه تجربة كل إنسان على امتداد تاريخه، مما يثبت القدرة اللامتناهية في تجربة الانسان للولادة من جديد. هذا الإحساس يتعزز في ذات القارئ من خلال فعل القراءة ومن خلال قطبي التناقض (شتاء ـ موت، ربيع ـ تجدد ) الحياة ومن خلال اسم الشاعر ذاته حيث اسم ادونيس أيضا ملازم لفكرة الموت والانبعاث.

أدونيس والفكر الألماني : بين نيتشه وهايدغر

ستيفان وايدنر *

لم تعد لدينا يوتوبيا اجتماعية، سياسية، دينية أو حتى إنسانية ولم نعد نلحق الشعر بأي من الطموحات العظيمة. فالرغبة العنيفة في تحطيم حدود العالم الذي نعيش فيه قد انعدمت في الغرب اليوم. وقد يكون هذا درسا جيدا استقيناه من العلاج المميت الذي أوصت به أيديولوجيات القرن العشرين. واقل ما يمكننا القول هو ان هذه نظرة أحادية الجانب. أدونيس وبتجاربه الخاصة ومن خلال شعره ودراساته يرمي الى تجسيد ما هو مضاد للعادة والخنوع المتفشيان والى شجاعة استمالة النفوس. هذه رؤية لحداثة اكثر إنسانية. انه المدافع عن ضرورة القول ووسيطه التقليدي ـ الشعر، المنارة، المنتدى، البرلمان ـ ضد المقاربة النفعية للتقني والذي يحول كل شيء بما فيه الانسان الى مادة خام أولية. وهكذا فأدونيس الرائي يستطيع القول بانه آت من المستقبل. في حضور قوله وحيث انه لو سمح لنا باستعارة مصطلحات هايدغر لتطبيقها على ادونيس المستقبل حاضر. ولكن لدينا في الغرب فان ادونيس لم يكد يصلنا من إقليم آخر من العالم، بتجارب وأفكار علينا تأملها بجدية، فباستطاعتنا الاستفادة كثيرا من هذه التجارب. ولدينا الكثير مما نأخذه من أدونيس.

أدونيس شاعر في عالم اليوم

الان جوفروي *

قراءة ادونيس رحيل حول الأرض، رحلة لا يتوقع أي كان نهايتها.
بالنسبة لأدونيس كما للشاعر نوفاليس الإنسان ليس وحده الناطق، فالكون أيضا يتكلم، كل شيء يتكلم وبلغات لامتناهية. وبالكلام عن كل شيء الى الجميع يشمل ادونيس كل فرد بذاته وكأنه نقطة انطلاق كونية اخرى ممكنة. إن أعماله يمكن النظر إليها وتفسيرها كغزو حقيقي لكل الثقافات المحيطة بالحضارة العربية قبل الإسلام وبعده. انتقام ؟ لا.. إنها إجابة على حالة شديدة الإبهار، كما تبدو ناقمة ضد خسف الثقافة العربية من قبل الإمبرياليات الغربية، ولكن أيضا ضد انطواء الثقافة العربية على ذاتها و جمودها الديني الذي حولها منذ قرون الى حالة رهيبة من الانكماش.

 

حرس لأدونيس

ميشيل دوغي *

نحن في هذه المرحلة، نحن الأوربيون حداثيون وما بعد ـ حداثيون، ولكننا صم على ما يبدو عن هذه الحداثة القديمة التي يستعيد استذكارها ادونيس وبغرابة وذلك بالصعود الى قرننا التاسع عشر ـ عصر الشعراء والذي كان مناسبة له ليعود بإبداعها الى هذه الحداثة القديمة ـ كالسر المحفوظ ( مستقبل صارم) رامبو، لو أننا فقط نلتفت الى هذا الشرق : لو أن (الحداثة رؤية قبل أن تكون إنتاجا ). لو كان صحيحا أن ( تكون الحداثة مشكلة كان على الانسان العربي مواجهتها قبل الإنسان الغربي قبل عشرة قرون تقريبا أحاول القول انساننا الصناعي بدون النقد الهايدغري ولكن بنوع من الرؤية
على شكل حكاية، والتي هي أيضا حكاية انقسام البشرية الى شطرين :
الغربي والآخر …. سأسمى حكايتي ( الوسائل هي الغايات ) وهذا هو برهانها : ليس فقط ( الرعب الاقتصادي ولكنه شيء آخر اكثر رعبا )

 


الشاعر … المدينة والكلام

أندريه ميكيل *

ترجمة عبد الكريم حسن

" لم تعد هذه المدينة
أفقا او مدارا
ينبغي ان نؤسس حتى نراها
ونرى اننا نراها،
نظرا لا يزال جنينا
لغة لا تزال دفينة …"

ربما كان علينا أن نقرأ القصيدة لوحة، واللوحة قصيدة، فكلتاهما، القصيدة واللوحة تأخذاننا إلى ما وراء الكلمة و الصورة … إلى فضاء آخر. عالم يدعونا الفنان ـ وديا ـ إلى استكشافه معه كما لو انه هو نفسه لم يكن اكثر من رسول لهذا الاكتشاف المنذور أبدا للاكتشاف.
لقد أراد أدونيس لنفسه أن يكون شاعرا بين الناس … أراد أن يكون شاعر المدينة. ولكن أية مدينة ؟ هو لا يقول لنا أين تكون. وتطوف في خاطرنا هذه او سواها مما اجتباه الشاعر واجتبيناه اللهم إلا تلك التي يشير إليها بالبنان.
لنقل أنها المدينة كما أرادها الناس وشكلوها لحياة وقدر هما حياتها وحسب وقدرها وحسب.
ولكن، ما أن ينفك اللغز، أو يتهيأ لنا انه انفك حتى يلغز من جديد، فتكف المدينة عن أن تكون ما كانت، بل إنها تتوقف ـ أما توقفنا عند السطر الأول
حتى عن أن تكون. فلأنها مثالية، إن المدينة لا تلبث أن تتواري عندما تقوم.
وأدونيس يقول لنا ذلك، إنما يقوله بطريقة أخرى. انه ينكر على المدينة ـ وفق رؤيته لها ووفقا لما هي عليه ـ ادعاءها في أن تكون مدينة ساعية وراء حياتين متضادتين ومتكاملتين.
فمن جهة هناك الأرض التي خططت بعناية قصوى، تخوما وسكنى وصورا منسوجة على منوالها، جدرانا وأبوابا ونقاط تفتيش وولاء للمدينة. ومن جهة أخرى، هناك المدينة التي تطامنت نفسها فراحت تصدر نفسها : سلطة ومجدا وإبداعا. لا يقف في وجهها إلا الأفق الذي يمكن أن يكون أي شيء إلا ان يكون حاجزا لانه ما أن تدركه المدينة حتى يطل بها على ما لا يحد من الأراضي التي تغري بالامتلاك. ويبقى انه بين هاتين الحياتين كان لابد للمدينة من الاختيار فهي ما كانت لتكون لهذه وتلك، و إنما لواحدة منهما وحسب، اللهم إذا كان لها حقا أن تملك الخيار. وإذا كان لها ذلك فهل أتاح لها
إمكان البقاء ؟ ….. إن الشاعر يسوق كلماته في تتال محكم الترتيب. فلقد جاء الأفق، ومن ثم ـ و لأنه انطوى حيث قوى المدينة لم تكن كافية أو لم تعد ـ جاء المدار، وبدوره انطوى هذا الأخير في دوامة التاريخ وفقا لما يخبرنا به السطر الأول في أساه المطبق.
علينا أن نعود إلى البدايات…. الأسس…. لكي نختبرها ـ لاشك ـ لكن ـ
لو تملينا في الأمر عن كثب ـ فلكي نعيد صوغها كما كانت في البدء…. نؤسسها على حد ما يقول النص بشكل حدي ومطلق. وعندها سنكتشف هذه المدينة … نكتشفها ونبدعها في آن واحد ….
عندها سنراها، أو نراها من جديد … وسنحلم بها … بل اكثر من ذلك، سوف يرتد كياننا بأجمعه في هذه النظرة التي ألقيناها عليها.
ولكن، هل الأمر على هذا الجانب من البساطة ؟ إن الشاعر يتخطانا، هو ذا
وقد نأى إلى البعيد.. وهي ذي المدينة ـ التي لم تكن مدينة أو كانت مدينة تختصر كل المدن ـ وقد أضحت أسيرة نظر عار عن التحديد لانه نظر جديد أبدا.. أبدا حائر ككل ما هو منذور للولادة … مفعم بما لا حدود له من الأمل والقلق و كلاهما، المدينة والنظر، مجسد في ما هو هذه اللغة التي ما انفكت تتحدى المادة التي خرجت منها إلى الحياة، اعني جسد الشاعر وصوته… كلماته وجسد كلامه. وانه لكلام مكنون كما المدينة مكنونة في أسسها، وكما الجنين في رحم أمه… ـ مثلهما ـ ينتظر الولادة، غير انه ـ على النقيض منهما ـ ينتظر ويبقى على انتظار.
هكذا تجد المدينة أخيرا، مدينة أدونيس، نفسها، بفضل الشاعر الذي يرفع عنها عوادي التاريخ.. يعيد إليها كل طاقات العالم، بدءا بطاقة الروح. فالمدينة هي المكان الذي تتشكل فيه كل لوحة، وكل قصيدة … هي التي ما فتئت تقول لنا، وتعيد القول، إن بالصورة أو بالكلمة، انه في البدء كان الكلام، كان الكلام ـ على الدوام ـ بدءا.

(جريدة الحياة / العدد 13811 )