|
سهراب سبهري
ترجمة: محمد الأمين
يعتبر
الشاعر والفنان التشكيلي سهراب سبهري(1928-1980) من أشهر الشعراء الإيرانيين
المعاصرين. فبالرغم من النقد اللاذع الذي تعرض له طوال حياته من قبل
الوسط النقدي وأشهر مجايليه بسبب خلو منجزه الشعر من صدى الواقع الاجتماعي
الذي أعتبره شعراء الحداثة الإيرانية منذ نيما يوشيج الرائد الى نهاية
ثمانينات القرن الماضي ركيزة أساسية في الشعرية الحديثة الا ان مجاميعه
الشعرية حققت في السنوات العشرين الأخيرة أعلى مبيعات دور النشر الإيرانية
كما اعترف العديد من الشعراء المعاصرين بتأثيراته العميقة على منجزهم
الشعري.وتوالت البحوث والدراسات الجامعية. تمتاز تجربة سبهري بانبثاقها
من منظومة فكرية متماسكة قلما شهدتها الشعرية الفارسية منذ أفول المدرسة
العشق الذي يشكل وازعا رئيسا لأصل الإرادة . في العرفان الإسلامي.
وعبر لغة لم يكن لها أن تشق طريقها الى الذائقة العامة لولا اتسامها
بشفافية جد عالية وكأنها مجتزة من حنجرة الطبيعة. آخى العزلة وناصر
الطبيعة وكافح ضد التمايز بين الكائنات:
"أنا لا أعرف لماذا يقولون أن الحصان حيوان عفيف؟
أن الحمامة جميلة؟
لماذا لا يوجد نسر في قفص أحد؟"
الى أن هرمت يداه ظل سبهري أنيس النيلوفر، يحاول جادا العثور على الفرصة
الخضراء التي تُوهت وظل يستدرج الأنانية عسى أن يفتت سلاسلها باعتبارها
استلاب خفي لحرية الإنسان.
قصائد سبهري تأملات في حضرة الطبيعة (ينبغي غسل الأعين وتغيير النظرة)
كي تعاود الروح حضورها المتوهج وتكتسح العتمة التي داهمتها على حين
غرة. حتى وفاته فيها بقى سبهري وفيا لمدينته كاشان رغم تجواله في العالم
شرقا وغربا ، في مسقط رأسه كان جل تعلله أن يرافق عزلته خارج كاشان
وجغرافيتها:
"من أهل كاشان أنا لكن كاشان ليست مدينتي
مدينتي ضاعت
وأنا بالحمى شيدت مدينة في ضقة أخرى من الليل"
القصائد المترجمة هنا منتقاة من أعماله الشعرية الكاملة التي تحمل
عنوان الأسفار الثمانية والتي تشتمل على المجاميع الشعرية التالية:
"أنقاض الشمس"، ""موت اللون"، "حجم
الأخضر"، "حياة الأحلام"، "شرق الحزن"، "عدم
مطلق، رؤية مطلقة".إضافة إلى ملحمتيه الشعريتين: "وقع خطى
أقدام الماء" و"مسافر"
***
بشارة
سآتي ذات يوم برفقة بشارة
سأصب النور في الشرايين
وسأهتف: يامن سلالكم ملأى بالأحلام
عندي لكم تفاح الشمس الأحمر
سآتي
أعطي المتسول ياسمينة
أعطي المرأة الجميلة المصابة بالجذام أقراط أُخر
سأقول للأعمى: انظر يالروعة الجنينة!
سأصير بائعا جوالا
أجوب الأزقة هاتفا:
ندى ندى ندى
عابر سبيل سيقول: أنه ليل حالك
سأمنحه مجرة
على الجسر فتاة مبتورة الساقين
سأقلدها الدب الأكبر سأحصد كل السباب من الشفاه
سأقوض الحيطان
لقطاع الطرق سأقول:
ثمة قافلة في طريقها إليكم حمولتها البسمات
سأقطع الغيوم
سأعقد العيون بالشمس، القلوب بالحب
الظلال بالماء، الأغصان بالريح
سألحق حلم الطفل بترنيمة المهد
سأطلق الطائرات الورقية في الفضاء
سأسقي الأصص.
سآتي
مانحا الخيول والأبقار عشب الحنان الأخضر
سأمنح الجواد طستا طافحا بالندى
ثمة حمار هرم يأتي، سأبعد عنه الذباب
سآتي باذرا القرنفل على الأسوار
جوار كل نافذة سأقرأ قصيدة
لكل غراب أعطي سروة
سأقول للأفعى: يا لأبهة الضفدع
سأنثر السلم
سأسير
سألتهم النور
حينها سيكون لي صديق.
***
نيلوفر
كنتُ أعبر حدود الرؤيا
ظل مظلم لزهرة نيلوفر
كان ساقطا فوق كل هذه الخرائب
أية ريح متهورة ساقت بذرة النيلوفر الى مملكة رؤياي؟
خلق أبواب الأحلام، الزجاجية
في وحل المرايا الغائر
في كل الأمكنة
إذ كنت أموت قطعة قطعة
كانت زهرة نيلوفر قد نمت
كأنها تنسكب لحظة لحظة في أعماقي
وأنا في نغمة تبرعمها
أموت ذاتي
سقيفة الرواق تنهار
وساق النيلوفر يلتف حول الأعمدة
أية ريح متهورة ساقت زهرة النيلوفر الى مملكة أحلامي؟
لقد تبرعمت زهرة النيلوفر
ومن أحلامي الشفافة انبثقت سيقانها
كنت في عالم الرؤيا
جاء سيل اليقظة
فنحت عيني على أنقاض الأحلام
كانت النيلوفرة ملتفة حول حياتي
كنت أعدو في عروقها
وكأنها متجذرة في
أية ريح متهورة ساقت بذرة النيلوفر الى مملكة رؤياي؟
***
ماء
لانعكر الماء
هناك
عل? بعد مسافة
ربما ثمة حمامة تشرب الماء
او في غاب بعيد
عندليب يغسل أجنحته
أو في قرية جفنة تملأ.
لانعكر الماء
ربما يسيل هذا الماء الرقراق نحو ساق صفصافة
ليغسل حزن قلب.
ربما يد درويش تغمس كسرة خبز يابسة في الماء
امرأة حسناء دنت من ضفة النهر
فتضاعف جمالها .
كم عذب هذا الماء!
كم زلال هذا النهر!
يالصفاء أهالي القر? العالية
لتكن ينابيعهم متدفقة
لتكن أبقارهم حلوبة
أنا لم أر قريتهم
لاشك ان جنب أكواخهم آثار أقدام الله
المصباح هناك يضئ سعة الكلام
لاشك ان في تلك القر? الحيطان واطئة
والناس يدركون أية أزهار هي شقائق النعمان
لاشك ان الأزرق هناك ازرق
.برعمة تتفتح ..لأهل القرية خبر عنها.
يالها من قرية
ليكن طريقهم النيسمي مفعما بالأنغام
جيران الماء أدركوا معن? الماء ولم يعكروه
يستوجب علينا نحن أيضا إلا نعكره.
***
مسافر
عند الغروب في زحمة حضور الأشياء المجهد
ثمة نظرة متربصة تبصر حجم الوقت
وعلى الطاولة ضجيج فواكه ناضجة
ينساب نحو جهة إدراك الموت المبهمة
فيما الريح تهب لحاشية الحياة الوديعة
شميم المزرعة المترامي فوق بساط الفراغ
وكمهفاة يمسك الذهن سطح الوردة البراق
ويروح عن نفسه
نزل المسافر من الحافلة
يالها من سماء صافية
وخطف امتداد الشارع غربته.
عند الغروب
كان صوت ذكاء النباتات يطرق السمع
المسافر قادما
جالسا على مقعد وثير جوار العشب
قلبي منقبض
لكم منقبض قلبي
طوال الطريق كنت منشغلا بشيء واحد
وكان لون السفوح يخطف انتباهي
فيما خطوط الطرق منغمسة في حزن السهوب
بالها من وديان مدهشة
ـ والحصان هلا تذكرته؟
كان ناصعا كمفردة نقية
كان يعلف صمت الوديان الأخضر
ثم الغربة الزاهية للقرى المحاذية
ثم الإنفاق
قلبي منقبض
ولا شيء لا هذي اللحظات الشذية التي تنطفئ فوق أغصان النارنج
ولا هذي الصداقة الزائلة المتراوحة بين أغصان الليلك
لاشيء يحررني من هجمة الأطراف الفارغة
وها أنذا أتفكر
إن هذا الإيقاع الموزون للحزن سيبقى مسموعا إلى الأبد.
هوت نظرة المسافر على الطاولة
ياله من تفاح جميل
الحياة منتشية بالعزلة
وسأل المضيف
ـ ما تقصد بـ جميل؟
ـ أقصد فصاحة الأشياء عن حبها
والحب وحده الحب
يؤنسك بدفء تفاحة
وحده الحب
اقتادني إلى رحاب أشجان الحيوات
إلى مقام مكنني فيه أن أتحول إلى طائر
ـ وماذا عن نبيذ الحزن السحري؟
ـ انه يمنحك صوتا إكسيرياً مصفى
ينبغي أن نكون ممسوسين
وإلا فسيتعذر علينا الترنم بالدهشة بين مفردتين
والحب
سفر إلى الضياء الراعش لعزلة الأشياء
إلى صوت المسافات الـ..
ـ . . . غارقة في المجاهيل
ـ كلا
إنما صوت المسافات الزاهية كالفضة
المتكدرة اثر سماعها للاشئ
دائما وحيد هو العاشق
هو والثواني يمضيان بيدين متشابكتين نحو الوجه الآخر للنهار
هو والثواني ينامان على حصير النور
ويدركان جيدا
ما من سمكة قط
استطاعت أن تحل انعطافات النهر
وفي منتصف الليالي ه و والثواني
يستقلان قارب الإشراق المندرس
هائمين في بحار البصيرة
مجدفين نحو مقام الدهشة
ـ نكهة حديثك
تجذب الإنسان إلى أزقة الحكايا
فيا للدم الطازج الحزين المنساب في عروق لحن كهذا.
***
كانت الباحة متوهجة
الرياح تهب
وكان دم الليل سائباً في صمتهما.
الغرفة فضاء ناصع للتفكر
يا لأبعادها المتواضعة
قلبي منقبض
لا أنوي أن اخلد للنوم
اتجه نحو النافذة
جلس على مقعد عتيق
ما زلت مواصلا سفري
أشعر أن زورقا ما يمخر أمواه العالم
وأنا منذ ألوف الأعوام
أغني لكوى الفصول مواويل طازجة لملاحين انقرضوا
وأجدف وأجدف
ترى إلى أين يقتادني السفر؟
في أي مكان سينطبع اثر القدم ناقصا
في أي مكان ستحل أنامل الفراغ الطرية
رباط الحذاء؟
أين هو المكان الذي يفرد فيه بساط للراحة
والتنصت لصوت إناء
يشطف بماء صنبور مجاور؟
وأنت في أي ربيع ستمكث
لتمتلئ سطيحة روحك بالأوراق الخضر.؟
ينبغي إرتشاف النبيذ
والسير فوق ظل يافع
وحسب.
أين سمت الحياة؟
من أي الجهات سأصل إلى الهدهد؟
أنصت انه ذات الحديث الذي لوع طوال السفر
نافذة الحلم
فأية نغمة كانت ترن في كل الطرق في أذنيك؟
فكر
أين هي النواة المحتجبة لهذا الترنم الغامض؟
أي وزن منعش ودافئ كان يثقل جفنيك؟
لم يكن السفر طويلا
أن مرور سنونوة يقلص وطأة الوقت
وفي محاورة الريح والصفيح
ترجع الشارات صوب مطلع الذكاء
لكن ماذا حدث في تلك البرهة
حين كنت تتأمل من شرفة الصيف جاجرود المضطرب
فحصدت الزرازير حلمك؟
كان موسما للحصاد
كلما حط زرزور على غصن شجرة
تورق كتاب الموسم
وكان السطر الأول
الحياة إغفاءة زاهية لإحدى دقائق حواء
كنت تتأمل
فيما ذهن الريح منفرطا بين البقرة والعشب
انظر
دائما ثمة شرخ على محيا المشاعر
دائما ثمة شيء كأنه نباهة الحلم
طري كخطوات الموت
يدركنا من الخلف
يربت على أكتافنا
فيما نرتشف عند الوقيعة دفء أنامله المشعة وكأنه سم لذيذ
وهل تذكر البندقية؟
ووجه الأرخبيل الهادئ؟
ففي ذلك الشجار الصدئ بين الماء والقاع
يبصر الوقت عبر موشور
ارتج ذهنك اثر اهتزاز القارب
دائما يصعد غبار العادة في لجة التأمل
دائما ينبغي معاودة السير بنفس طازج
وان تشهق وتزفر بعمق
كي يصير ناصعا وجه الموت..
***
أين حجر رينوس؟
قادم أنا من جوار شجرة
عليها بصمت أيدي الغربة الناعمة
للذكرى كتبت عبارة من وحي الكآبة
اسقوني النبيذ هلموا
عائد أنا من السياحة في ملحمة
وكالماء رقراق ومتلاش ع ظهر قلب
كحكاية سهراب والنبيذ السحري.
الى مزرعة طفولتي اقتادني السفر
وقفث كي يستقر قلبي
أنصت لحفيف فراشة
وحينما اشرعت الباب، انكفأت على وجهي اثر هجمة الحقيقة.
ثانية، تحت سماء المزامير
عندما استيقظت جنب ضفة نهر بابل
كان نغم البربط منطفئا
وحينما أصغيت بكاءات كانت تتوافد
وبضع برابط هائجة
تتأرجح بين أغصان الصفصاف الطري.
في تلك الرحلة كان الرهبان الطاهرون
يشيرون الى ستارة النبي ارميا المطفئة
وأنا بصوت عال أرتل سفر الجامعة
فيما فلاحون لبنانيون
يحصون في أذهانهم ثمار أشجارهم.
على قارعة الطريق
كان الأطفال العراقيون العميان
ينظرون الى خط مسلة حمو رابي.
طالعت كل صحف العالم.
كان السفر مليئا بالسيول
فيما سقفه مأزوم ومسخم
يفوح برائحة الدخان اثر صخب الآلة
وعلى الرمال، قناني نبيذ فارغة.
تجاور شقوق الغريزة وظلال الاحتمال.
في منتصف الطريق،
كان صوت السعال يصاعد من مصحات المسلولين
بينما العاهرات يتابعن بنظراتهن
دخان الطائرات النفاثة،
الممتد في سماء المدينة، الزرقاء
الأطفال يلاحقون الطائرات الورقية
كناسو الشوارع يرددون الأناشيد
فيما الشعراء الكبار
يصلون على وريقات مهاجرة.
وطريق السفر النائي يمضي بين الإنسان والحديد
قاصدا جوهر الحياة الخفي
متصلا بغربة ساقية يافعة
ببرق صدفة صامتة
واتساع لون بألفة لحن.
الى المناطق الاستوائية اقتادني السفر
وكم اتذكر تحت اشجار البانيان الصامدة
جملة ولجت في مستنقع الذهن
كن واسعا، وحيدا مطأطئ الرأس وصلدا.
قادم أنا من صحبة الشمس
أين هو الظل؟
لكن مازالت القدم دائخة اثر تشعب الربيع،
رائدة الحصاد تفوح من يد الريح
وحاسة اللمس مغمى عليها.
خلف غبار مزاج النارنج
في هذا التجاذب الزاهي
من يعلم في أية نقطة من الموسم ستستقر صخرة عزلتي؟
مازال الغاب يجهل أبعاده المتناهية
مازالت الأوراق تستقل الحرف الاول من مفردة الريح
مازال الانسان يسر شيئا للماء
وساقية حوار تسري في ذاكرة العشب
وعلى مدار الشجرة
ثمة دوي لجناح طائر هو الحضور الغامض لسلوك الانسان
همس همهمة يأتي. المحاور الوحيد لرياح العالم أنا.
لي فقط، همست انهار العالم سر الفناء الطاهر.
هناك على قارعة سرناك
فسرت معنى أقراط التيبت ذات الماركة العرفانية
لآذان فتيات بينارس الخالية من الأقراط
فيا نشيد صباح الفيدوات
ضع على كتفي كل ثقل الطراوة
فأنني مصاب بحمى التكلم
ويا كل اشجار الزيتون الفلسطينية
حدثيني عن وفرة ظلالك
حدثي هذا المسافر الوحيد القادم من سياحة الطور المحموم
بحمى التكـلم.
لكن ذات يوم سيمحى التكلم
وفراشات الحواس المنتشرة
ستخلع البياض على شوارع الهواء
فياللقصائد التي انشدوها لهذا الحزن الموزون.
لكن، مازال شخص ما واقفا قرب شجرة
فارس ما ماكث خلف بوابة المدينة
حلم معركة القادسية الهنئ
يثقل جفنيه النديين.
مازال صهيل خيول المغول المارقة
يصاعد من مزارع البرسيم الهادئة
مازال التاجر اليزدي يغمى عليه جنب طريق الحرير اثر تنشقه توابل الهند
وقرب هامون مازلت تسمع
استولى الشر على أرجاء الأرض
ألف عام انقضى
لم نسمع نغمة استحمام
ولم تنطبع صورة فتاة على الماء.
في منتصف الطريق على ضفة جمنا
كنت جالسا
محدقا بمشهد تاج محل الراجف فوق الماء
حيث الديمومة الرخامية للحظات الاكسيرية
واتساع الحياة في جسد الموت
انظر ان الجناحين الكبيرين
مازالا يواصلان رحلتهما الى حافة روح الماء
انظر ثمة قدحات مدهشة جوار اليد
شارة واحدة فحسب
الحياة ضربة هادئة على حجارة المغارة،
في مسير السفر
شطفت طيور روضة النشاط
غبار التجربة عن عيني
ودلتني على عافية سروة
جلست جوار تال
ورحت أترنم بدفء
إجلالا للمشاعر التي أضاءت أعماقي.
لابد من العبور
ومرافقة الآفاق النائية
وأحيانا نصب خيمة في شرايين كلمة
لابد من العبور
وأحيانا التهام حبة توت من مطلع غصن..
كنت أتمشى محفوفا بالغزل
وكان الموسم موسم البركة
وتحت قدمي كانت تدهس أعداد الرمال
امرأة سمعت ذلك
دنت من النافذة،ألقت نظرة على الموسم
كانت في بدء ذاتها
وكانت يدها البدوية تحصد بحنان
ندى اللحظات من مشاعر الموت.
وقفت وكانت شمس التغزل سامقة
كنت مواظبا على تبديد الأحلام
محصيا ضربات نبتة غريبة تطرق الذهن
كنا نظن أننا بلا حاشية
كنّا نظن أننا عائمون بين النصوص الأسطورية لزهرة ريباس متشنجة
وان ثوان من الغفلة هي حصيلة كينونتنا..
كنا في مطلع العشبة الخطرة
حينما هوت علي نظرة امرأة:
جاءت وقع خطاك ظننتها الريح تلاعب ستائر بالية
كنت قد سمعت رنين خطاك جوار الأشياء
ـ أين هو حقل الخطوط
ـ انظر الى التموج، الى تشظي جسدي
الشاسع؟ ـ من أية جهة سأصل إلى السطح
وأملأ امتدادي حد حافة الكأس الرطبة
عطشا
في أيما مكان ستصير الحياة ظريفة كما انكسار أنية
متى سيدر سر الفطر لعاب الحصان؟
ـ وفي حشد الأيادي الجميلة، سمعنا، ذات يوم
إيقاع اقتطاف عنقود.
ـ في أيما مكان جلسنا على العدم
وغسلنا أيادينا ووجوهنا بدفء تفاحة؟
ـ قدحات المستحيل تصاعد من الكينونة
ـ في أيما مكان سيصير رعب التأمل لطيفا
وأكثر خفاء من مسار الطائر نحو الموت؟
في محاورة الأجساد لكم كان طريق الصفصافة نيرا
إي السبل تفضي بي الى مزرعة المسافات؟
لابد من العبور
انها همسة الريح، لابد من العبور
ومسافر أنا أيتها الرياح الدائمة
خذوني الى رحاب تشكل الوريقات
الى طفولة ملوحة المياه
والى ان يتكامل جسد العنب
املأوا أحذيتي بنشاط الجمال
ارفعوا لحظاتي الى ذرى الطيور
ودعوها تتسامى في سماء الغريزة الناصعة
وأحيلوا حادثة كينونتي المجاورة للشجرة
الى صلة مفقودة وطاهرة
وحين أتنفس العزلة
بعثروا شبابيك مشاعري.
ابعثوني لمطاردة الطائرة الورقية للأيام تلك
ابعثوني الى خلوة أوجه الحياة
ودلوني على مقام الهباء الملائم
***
وقع خطى أقدام الماء
من أهل كاشان أنا
دهري لا بأس به
لي كسرة رغيف، نتفة ذكاء، رأس إبرة ذوق
لي أُم أفضل من أوراق الشجر
أصدقاء أنقى من ألماء الرقراق.
لي إله في هذا الجوار:
بين أزهار الليلك هذه، عند الصنوبرة الشامخة تلك\
فوق وعي للماء
فوق قانون النبتة.
مسلم أنا
قبلتي وردة حمراء
مصلاتي النبع
تربتي النور
سجادتي السهل
إني أتوضأ بنبضات النوافذ
في صلاتي ينساب القمر،يسرح الطيف
خلف صلاتي يتجلى الحجر
لقد تبلورت كل ذرات صلاتي
إني أُقيم الصلاة حينما:
تنطق الريح آذانها،فوق منارة السرو
إثر تكبيرة الإحرام
إثر "قد قامت" الموج
كعبتي على حافة الماء
كعبتي تحت أزاهير الأكاسيا
كعبتي كالنسيم تتنقل من بستان الى بستان
من مدينة الى اخرى.
"حجري الأسود"" ضياء الجنينة.
من أهل كاشان أنا
الرسم مهنتي
أحيانا أبتدع من اللون قفصا أبيعه لكم
كي يترطب قلب عزلتكم بغناء الشقائق الحبيسة فيه
ياللخيال! ياللخيال!
أعرف أن قماشة الرسم بلا روح
أعرف أن حوض لوحتي بلا اسماك.
من أهل كاشان أنا
ربما انحدرت من سلالة عشبة من الهند
او آنية خزفية من تراب السيلك
ربما انتسبُ الى إمرأة داعرة من بخارى.
أبي بعد مجئ الخطاطيف، مرتين
بعد سقوط الثلج مرتين
وبعد إغفاءتين في الرواق
خلف ألأزمنة
مات.
حينما مات أبي كانت السماء زرقاء
فزت أمي من نومها مدهشة، وازهوت أختي حُسنا.
حينما مات أبي ،كان الحراس شعراء
سألني البقال : كم من البطيخ تريد؟
سألته: رطل قلب مبتهج بكم؟
كان أبي يرسم
كان يصنع الأوتار
كان أيضا ذا خط جميل.
حديقتنا كانت جنب فئ المعرفة
كانت محل انعقاد الشعور بالنبتة
حديقتنا كانت نقطة التقاء النظرة والقفص والمرآة
حديقتنا، ربما كانت قوسا من دائرة السعادة الخضراء.
كنتُ أقضمُ، في الحلم، فاكهة الله النيئة
كنتُ أشرب الماء دونما تفلسف
كنتُ أقطفُ ألتوت بلا دراية
وكلما انفلعت رمانة
أضحت اليدُ نافورة للأماني
أحيانا تلصق العزلة وجهها على زجاج النافذة
يأتي الشوق مطوقا بيديه عنق الإحساس
كان الفكر يلعب
كانت الحياة كزخة عيد
كشجرة سنار مكتظة بالزرازير
كانت الحياة آنذاك صفا من النور والدمى
باقة حرية كانت
حوضا من الموسيقى، كانت.
الطفل رويدا رويدا نأى عن زقاق الجدار
حزمتُ متاعي، هاجرا زقاق مدينة الأماني الخفيضة
ممتلئا قلبي بغربة الجراد.
ذهبت الى ضيلفة الدنيا :
إلى سهل الحزن
الى حديقة العرفان
وغلى إيوان قناديل المعرفة ذهبتُ
تجاوزتُ درجة المذهب
حتى بلغتث نهاية زقاق الشك
أدركتُ هواء الغنى المنعش
الى ليل المحبة المبتل ذهبت
وإلى لقاء شخص في الجهة الأخرى من الحب
ذهبتُ ، ذهبت الى المرأة
إلى قنديل اللذة
إلى صمت الرغبة
رايتُ فوق الأرض اشياء:
طفلا يشم القمر
قفصا بلا باب فيه يلتاع الضوء
سُلما يتسلقه العشق نحو سطيحة الملكوت
رأيتُ إمرأة تطحن النور بمهراس ..
على مائدتهم المبسوطة
كانت الظهيرة خبزا
خضرة كانت
كانت ندى ووعاء محبة ساخن
رأيتُ شحاذا يتسول غناء القبرة من باب الى باب
رأيتُ نعجة تجتر ورقة طائرية
أتانا يفهم معنى الأحراش
في مرتع النصيحة رأيت بقرة متخمة بعلف النصائح.
رأيت شاعرا يخاطب زهرة السوسن ب "أنتن "
رأيت كتابا مفرداته من البلور
رأيت ورقة من قماشة الربيع
رأيتُ متحفا نائيا عن الخضرة
مسجدا بعيدا عن الماء
وعلى وسادة فقيه يائس، إبريقا طافحا بالسؤال.
رأيتُ إتانا حمله الإنشاء
رأيت جملا حمله سلة الحكمة والأمثال الخاوية
رأيت صوفيا زادهُ "تنتاها ياهو"
رأيتُ قطارا ينفل النور
رأيتُ قطارا مثقلا بالفقه
رأيت قطارا فارغا محملا بالسياسة
رأيتُ قطارا محملا ببذور النيلوفر وغناء الكناري
رأيتُ ذرات تراب جلية على زجاج نافذة طائرة محلقة في أوج الأعالي
رأيتُ عرف الهدهد
صورة ضفدع في بُركة
ذبابة تجتاز زقاق العزلة
والرغبة النيرة لعصفور غادر للتو شجرة السنار
متجها نحو الأرض.
رأيتُ بلوغ الشمس
العناق الجميل بين دمية وفجر
السلالم المفضية الى بيت أزهار الشهوة
السلالم المفضية الى سرداب الكحول
السلالم المفضية الى قانون زوال وردة الجوري
والإدراك الرياضي للحياة
السلالم المفضية الى بيت الإشراق
السلالم المفضية الى منصة التجلي.
هناك في الأسفل
كانت أمي تشطف أكواب الشاي بذاكرة الشط
كانت المدينة مرئية
كان النمو الهندسي المتفاقم للاسمنت والحجر والحديد واضحا
واضحة كانت الباصات ذات الأسطح المقفرة الطيور
بائع الورد إذ يعرض بضاعته في المزاد.
ثمة شاعر ينصب أرجوحة بين شجرتي ياسمين
صبي يرشق المدرسة بالحجارة
طفل يبصق نواة المشمش على سجادة أبيه البالية
ماعز يشرب الماء من خارطة بحيرة خزر.
حبل الغسيل كان واضحا ومشدة الصدر.
عربة تنتظر مكث الحصان
الحصان ينظر إغفاءة الحوذي
الحوذي يترقب الموت.
كان الاحتفال واضحا
كان الموج واضحا
الثلج والصداقة والكلمة والماء
وصور الأشياء مرتسمة على سطح الماء
وظل الخلايا الندي في بقعة دم.
سمت الحياة الندية.
رحلة البذرة الى الوردة
رحلة اللبلاب من بيت الى بيت
رحلة القمر الى الحوض
اندلاع البيلسان من التربة
اندلاع البيلسان من التربة
نسكاب عريشة العنب اليافعة على الجدار
زخة الندى على جسر الرؤيا
قفزة البهجة من خندق الموت
عبور الحادثة من وراء الكلام.
حرب روزنة ضد أمنية النور
حرب درجة سلم ضد قدم الشمس الممتدة
حرب العزلة ضد أغنية
حرب ملهاة بين الأجاصات وزنبيل خاو
حرب دامية بين الرمانة والأسنان
حرب النازيين ضد ساق نبتة مغناج
إشتباك الببغاء مع الفصاحة
حرب التربة ضد برودة الجبين.
هجوم بلاط المسجد على السجود
هجوم الرياح على معراج فقاعات الصابون
هجوم فيلق الفراشات
على برنامج إبادة الآفات الزراعية
هجوم أسراب الجراد على عمال أنابيب المياه
هجوم معسكر قصب الناي على حروف الرصاص
هجوم مفردة على فك الشاعر.
فتح قرن بأكمله بيد قصيدة
فتح مزرعة على يد زرزور
فتح زقاق بتحيتين
فتح مدينة بأحصنة من خشب
فتح عيد بدميتين وكرة.
مقتل خشخاشة خنقا، على فراش الظهيرة
مقتل حكاية في زقاق الحلم
مقتل كآبة بأمر من نشيد
اغتيال صفصافة بمرسوم حكومي
اغتيال شاعر كشيب بزهرة البيلسان.
كل شئ كان واضحا فوق الأرض
القانون يتمشى في زقاق اليونان
البوم ينعق في الجنائن المعلقة
الريح في منعطف خيبر
تسوق لفافة من الخس نحو الشرق.
فوق بحيرة الشذرة الهادئة يترنح زورق ملئ بالورود
في بينارس ثمة قنديل أبدي وهاج يشع في مطلع كل زقاق.
رأيثُ الناس
رأيت المدن
رأيت السهوب
الجبال، الماء والتراب
رأيت النور والظلمة
النباتات رأيتها في النور وفي الظلمة
رأيت الحيوات في النور
رأيت الحيوات في الظلمة
رأيت الانسان في النور والظلمة.
من أهل كاشان أنا لكن كاشان ليست مدينتي
مدينتي ضاعت
وأنا بالحمى شيدت مدينة في ضقة أخرى من الليل
في هذا البيت، قريب أنا من أسماء الأعشاب الرطبة المجهولة
إني أنصت لشهقات الجنينة
وزفرات العتمة حين تنساب من وريقة مهجورة
وسعال نير يفد من وراء شجرة
وعطسة الماء المنبثقة من أحجار صلدة
وسقسقة النورس من سقف الربيع
وصرير نافذة العزلة
الصدى المشذب لانسلاخ جلد الحب المبهم
وتراكم رغبة الطيران فوق جناح
إني أنصت لتشقق أبهة الروح
وقع أقدام التمني
وقع خطى الدم في الأوردة
وخفقات قلب ليلة جمعة
وصهيل الحقيقة النقي النائي
أني أنصت لعصف الأنثى
ودبيب خفي الأيمان في زقاق الشوق
هطول المطر على أهداب الحب الندية
على نغمات البلوغ الحزينة
وأناشيد شجيرات الرمان.
تشظي زجاج البهجة ليلا
وتمزق وريقة الجمال
عصف الريح حين تُملي وتفرغ إناء الغربة.
قريب أنا من قلب الأرض
لي دراية بمصير الماء، بطبائع الشجرة الخضراء
روحي منسابة نحو جهة الأشياء، البكر
يافعة روحي
تسعل أحيانا إثر الشوق
روحي عاطلة عن العمل:
نحصي قطرات المطر وشقوق القرميد
لها أحيانا وجود حقيقي كما أحجار العثار.
لم أر شجرتي حور متخاصمتين
أو صفصافة تبيع ظلها للأرض
سدرة تهب غصنها للغراب
أينما صادفت وريقة أزهر حنيني
شتلة خشخاش عمدتني بسيل الكينونة.
كما جناح فراشة أعرف وزن السحر
كأصيص أصغي لموسيقى النمو
كزنبيل ممتلئ بالثمار مفعم بحمى النضج اللاهبة
كحانة أقبع في تخوم الكسل
كبناية مطلة على البحر قلق من التجاذبات السامقة لغيمة
ما تريد من شموس ، ماتريد من إنعقادات،ما تشاء من وفرة
قانع أنا بتفاحة أو بشم فسيل أو بابونج
لي قناعة طاهرة بمرآة
أنا لا أضحك لو أن بالون إنفجر
أو فلسفة شقت القمر نصفين
أني اعرف دوي أجنحة الفراشة
ألوان بطن النعجة
إثر أقدام الماعز
أعرف جيدا أين ينمو الريباس
متى يأتي الزرزور
متى يغني الدراج
متى يموت الباز
أعرف معنى القمر حين الصحراء غافية
معنى الموت في ساق الأمل
معنى توت اللذة بين أسنان في برهة المضاجعة
الحياة عادة جميلة
لها أجنحة وزغب بحجم الموت
لها قفزة بسعة الحب
الحياة ليست شئ يغادر أذهاننا من على رف العادة
الحياة جذبة يد تحصد
طلع تين أسود في فم صيف، فج
شجرة تنأى في عين حشرة
شعور غريب في قرارة طائر مهاجر
الحياة صفيرقطار في منعطف جسر
تأمل مزرعة من نافذة مغلقة في طائرة
الحياة خبر عن مركب في الفضاء
لمس عزلة القمر
شم وردة في كوكب آخر .
الحياة شطف آنية.
الحياة هي العثور على درهم في ساقية الشارع
الجذر المربع للمرآة
الحياة وردة أسها الأبدية
حاصل ضرب الأرض بنبضات قلوبنا
الحياة هندسة بسيطة مستوية الأنفاس
لأكن أينما كنتُ
لي السماء لي النافذة والـتأمل
الهواء والحب
لي الأرض
ماضير إن نما أحيانا فطر الغربة؟
ولنأكل في الصباح الخبز والجبن
ولنزرع فسيلا في منعطف كل حديث
ولنبذر السكوت بين هجاءين
ألا نقرأ كتابا لا تهب منه الريح
أو كتابا لم تتطرا فيه قشرة النسيم
أو تتباعد فيه المسامات
ألا نطالب الذبابة بمغادرة أنامل الطبيعة
ألا نطالب النمر مغادرة بوابة الخليقة
ولنعلم أن الحياة تختل إن نقصت منها دودة
ولو لم يكن الموت
لكانت اليد تبحث عن شئ ما
ولو لا النور لاختل قانون الطيران البهي
وبلا مرجان، سيكون مضطربا ذهن البحر.
لنشم عطر أطلسيات المشفى
علينا أن لا نستفسر عن نافورة الحظ
عن قلب الحقيقة الأزرق
عن ليل الأسلاف ونسيمهم
ما من فضاء خلفنا
ما من طائر يشدو
لاريح تعصف وراءنا
مغلقة نافذة الصنوبرة الخضراء
خلفنا تراب وتاريخ منهك.
الى البحر إذن نلقي فيه شباكنا
وننتزع الطراوة من الماء.
إن ذرة رمل من ساحل بحر
توجز الشعور بثقل الكينونة.
علينا ان لا نسب القمر ان داهمتنا الحمى
أحيانا حينما تصيبني
أرى القمر يهبط الى الأرض
أرى غناء السهرة متألقا
أحيانا، ثمة جرح في قدمي يسرد لي كل تفاصيل الأرض
على سرير المرض رأيت حجم الوردة مضاعفا
رأيت قطر النارنج وشعاع الفانوس
علينا أن لانخشى الموت
الموت ليس نهاية الحمائم
ليس الموت الا جندب مقلوب
الموت منساب في ذهن ورود الاكاسيا
الموت عشبة في مناخ الفكر
في نواة ليل القرية ، يتحدث الموت عن الفجر
مع عنقود عنب يفد الى الفم
الموت مسؤول عن موت جناح فراشة
أحيانا يحصد الموت الريحان
أحيانا يشرب الموت الفودكا
وأحيانا يجلس في الظل محدقا بنا.
علينا ان لانغلق الباب بوجه المصير الحي
الوافد من وراء الصنوبرات
لنزيح الستارة
لندع المشاعر تتنفس
لندع البلوغ يبيت تحت البتلة التي يشاؤها
لندع الغريزة تلهو
تخلع حذاءها لتقفز من على أكتاف الورود
نحو الفصول
لندع العزلة تغني
تكتب شيئا.. تسير في الشوارع
لنكن بسطاء
إن أمام كوة مصرف
أو تحت شجرة
ليس شأننا معرفة سر الوردة الحمراء
ربما تتلخص مهمتنا بالسباحة في بحيرة خرافتها
أن ننصب الخيام خلف المعرفة
أن نغسل أيادينا بجذبة وريقة
أن نتجه نحو المائدة
أن نولد في الصباحات مع اشراقة الشمس
أن ندع الهيجان يطير
أن ندع الندى يتقاطر فوق الفضاء واللون والصوت
والنافذة والوردة
أن نثبت السماء بين مقطعي مفردة "وجود"
ان نفرغ ونملا رئاتنا بالأبدية
أن ننزل عب المعرفة عن أكتاف السنونو
أن نسترد الاسم من الغيم
من السنار والبعوض والصيف
ان نتسلق أقدام المطر الطرية نحو ذروة الود
ان نشرع الأبواب بوجه الإنسان والنور والنبات والحشرات
ان نهرول بين النيلوفر والزمن
نحو الحقيقة.
إيلاف
2004 الأربعاء 15 ديسمبر
|