مختارات من شعر
سهراب سبهري
(إيران)
منتهى وحدتي
أنت أيها الجدير بدوار الأعالي
غناؤك يتردد على ذرى الفجر
تنهض في الحال نبتة للصلاة
أخلق جسرا يقذفني
حتى صخرة الصديق المنيعة
جسر من صلصال عذاباتي
أنا هناك ، مثل خزف العتمة ،
وتقطير الأسرار الأزلية
رأس تستند إلى حجر ، وهذا الهواء الصافي ،
وشجرة الدلب التي تتفتح على الفكر ،
والروح المترعة بفيض الصديق
كم هو رهيف نعاسي ، وكم هي عالية سحب الصلاة ،
كم هي جميلة غابة الحياة ، وأنا في منتهى وحدتي !
وحيد أنا
وأطراف أصابعي تجوس ينبوع الذاكرة ،
الحمام ينتفض على حافة الماء ،
وضحك الموج ينتشر ،
النحلة تجني خضرة الموت ،
وهذا البهاء يتفتح في القبضة المرتخية للريح
بك أنا ممتلئ ، يا ثغرة مشرعة في حديقة
حيث تتناغم الصنوبرة ، الفزع ، وذاتي
الآن هاهي ساعتي :
أيها الباب المشرع على الأعالي !
أيتها الدرب الموصلة إلى اللوتس الصامت للرسالة !
صخب الخطوة
تغضن يموج وجه بركة
تفاحة تتدحرج على الأرض
خطوة تتوقف ، الزيز يغني
صخب ، قهقهة : وليمة تفض حال الانتهاء
نعاس يصعد من العين صوب السماء
عابر يغادر وحيدا ، عابر يذهب دوننا
قيد يتفتت : أنا حلقاته الصغيرة
جرة تتهشم : أنا محتواها
هل لهذه الصخرة علاقة بي ؟
وهذه النحلة ، هل ستحلق باتجاهي ؟
صورة تتفتح . أين المرآة ؟
ابتسامة تشرق . أين الشفاه ؟
موجة تنهض . أين البحر ؟
أشم بلسما في كل مكان ، حاسة الشم بذاتها تفوح
من الجهات جميعها تنتهكنا الأشياء ، هرج هنا ، مرج هناك
ذاهب الى الأقاصي :
وهي تعود ، هي تعود .
من كتاب ( شرق الحزن ـ 1961)
نور ، أنا ، ورد ، ماء
لا سحب
لا رياح
جالس على شفير حوض :
سمك يسبح مرتعصا ، نور ، ورد ، ماء و انعكاسي
بهاء عذري لعناقيد الحياة
أمي تقطف الريحان
خبز ، ريحان و جبن ،
سماء صافية ،
شجرة البيتونيا يغسلها المطر
خلاص وشيك : ينشب في ورد الحديقة
كم من المداعبات لا يسكبها النور الحالم في كرة النحاس !
السلم الطالع إلى قمة الجدار
ينزل النهار على الأرض
خلف الابتسامة تختبئ أشياء عدة
ثقب في جدار الزمن
أرى عبره وجهي
كثيرة الأشياء التي أجهل سرها !
أعلم أني سأموت يوم أقتلع قذاة من العشب
أنطلق إلى القبة السماوية :
ألست مجنحا ؟
أشق دربا في العتمة :
أليست الفوانيس سلاحي ؟
كلي نور ، ممتليء برمل الضفاف ، بالأغصان و بأوراق الشجر
ممتليء بالطرقات ، الجسور ، الأنهار ، الأمواج ،
يفيض مني انعكاس ورق الشجر على الماء
ولكن كم هو عميق خواء ذاتي !
دار الصديق
الى أ. سعدي
" أين دار الصديق ؟ "
صوت فارس يدوي في الفجر
حينها تتوقف السماء ، ولعتمة الرمل يقدم عابر غصن النور من بين شفتيه
،
مشيرا بأصابعه إلى شجرة حور بيضاء :
" ليس بعيدا عن الشجرة في زقاق كثيف الشجر
أشد خضرة من حلم الإله
حيث الحب أعمق زرقة من ريش التفاني
تذهب إلى أقصى الدرب
المنبثق من وراء البلوغ ،
ثم تعود إلى وردة العزلة
وعند خطوتين من الوردة تتوقف
قرب النافورة حيث تنبجس أساطير الأرض
هناك سيرجفك فزع شفاف ،
و في الألفة المتموجة لهذا الفضاء المقدس
ستسمع حفيفا :
سترى طفلا يقيم في أعالي صنوبرة منسولة الورق
به توق لافتتان حضانة عش النور
ستسأله :
أين دار الصديق ؟ "
إختلاج ظل الصديق
طويلة كانت الطريق إلى الشكل المبهم المبشر بالقرية ،
مليئة عيوننا بما يراه قمرها ،
الليل ينساب في اكمامنا
نعبر واد محل
ملء آذاننا حكايات خضراء للمراعي ،
تفيض حقائبنا بصدى عنيد للمدن البعيدة
الخشونة المتناسقة للأرض تتسرب تحت خطانا
أفواهنا تتلذذ ـ لحظتها ـ الراحة المتجددة
نعالنا خفيفة كأجنحة النبوة ،
تنزعنا من الأرض مع أوهى النسمات ،
عصانا تلبس ورق الربيع الخالد .
مع كل مواربة لأفكارنا تتكشف سماء
ومع خفقة الجناح المأخوذ بالفجر تخفق أيدينا
جيوبنا كانت مليئة بزقزقة صباحات الطفولة
كنا رفاق الحب
دربنا يحاذي القرى المتآلفة والفقر ،
يذهب في غيابه إلى لا منتهى الصفاء
نصل إلى حافة غدير ، نطل فيه بنظراتنا :
الليل يتبخر على وجوهنا
وفي أذن الصديق جواب لصوت الصديق
مشمس
نصغي لصخب الماء
ماذا تغسلون في جدول العزلة ؟
ثوب اللحظة صاف من البقع
وفي شمس نهاية ديسمبر يتفرغ
صدى الثلوج ،
حبل الرؤية ،
قطرات الوقت المعلقة
الطراوة تتشرب في القرميد ،
تغور في عظام النهار
عم نبحث إذا ؟
أبخرة الموسم تغلف كلماتنا
الفم بيت زجاجي للنبات حيث يتدفأ الفكر
هنالك أسفار تلمحك في الطرقات الضيقة لأحلامها
وفي القرى النائية ، تبتهج الطيور بلقائك
لماذا لا يدرك الرجال
بأن زهرة الكابوسين ليست مصادفة ،
وعين طائر الذعرة ذو الذيل الهزاز
تلبس ظل الأنهار التي جرت بالأمس ؟
لماذا لا يدركون
بأن الهواء جليدي
في الورود المستحيلة ؟
في بستان رفاق الرحلة
نادني
صوتك بلسم
صوتك كالنسغ الأخضر لهذا النبات الغريب
الطالع في أقاصي الوجع الحميم
في الثنايا الرحبة لهذا الوقت الصامت
أنا أشد وحدة من الأثر المعزول لغناء
يتلذذ الفراغ المتعرج للأزقة
تعال لأحدثك كم هي فسيحة عزلتي
العزلة التي لم تستطع التنبؤ بالاقتحام الليلي لحضورك ،
وهذه خصيصة الحب
لا أحد هنا
تعال ، فمعا سنختلس الحياة ،
وبين لقاءين سنقتسمها
تعال ، سنسعى لفهم شيء عن جوهر الحجر
و بعدها ، سنسرع نحو اكتشاف الأشياء
أنظر عقارب مسقط الماء
وهي تبعثر الوقت على ميناء الحوض
تعال لتذوب ككلمة على سطر صمتي
تعال اصهر في راحة يدي الكوكب المتوهج للحب
في هذه الشوارع الضاجة بالعتمة
أخاف الاقتران المريب بين الشك واللهب
أخاف الأسطح الخرسانية التي تثقل عصرنا
تعال لتنزع خوفي من المدن
حيث الأرض السوداء مرعى للرافعات
في عصر تقديس الفولاذ ،
افتح لي فضاءا حيث تتساقط الفاكهة ،
احمني تحت الأغصان ،
بعيدا عن الاصطفاق المعتم للمعادن
إذا توجب وصول مكتشف المناجم الصباحية
لا تنسى أبدا تنبيهي
سأصحو حين يبزغ فجر الياسمين خلف إشارات أصابعك
حينها
احك لي قصة القنابل التي تساقطت أثناء نومي ،
والخدود التي بللها الندى ساعة غفوتي ،
وكم من البطات عبرت فوق البحار
وهذه الأوقات المضطربة ،
حيث تعبر سلاسل المدرعات أحلام الأطفال ،
أخبرني : تحت أقدام أي ملجأ
أوثق الكناري الخيط الأصفر لغنائه
ما هذه البضائع البريئة التي تصل مرا فئنا ،
والتي لا تعي أبدا الموسيقى الإيجابية للبارود ،
وأي مذاق تفرزه نكهة الخبز المجهولة
في قصر الأنبياء ؟
مشتعل بروح وهاجة كنار الاستواء ،
سأجلسك على عتبة بستان
من كتاب ( فضاء أخضرـ 1967 )
والآن سقوط الألوان
شبيه بسر الولادة ،
ترافق اللحظات السنة العالقة بين جفنين
في الأعالي المتصببة بالمواعيد
ينتصب رويدا رويدا
محراب النور
كانت الواقعة منسوجة برهبة مقدسة
تغور في الهيكل الأساسي للحجر
وفي قبضة الكثافة الطرية للهواء ،
يدندن صوت في الريح
شوق الصديق
من مستهل المطر
وحتى أقاصي الخريف ،
كان الفضاء مليئا
بالمحن الهاربة كريش الحمام
وعند توقف المطر
كان المشهد في فوضى
السهول الواسعة المبللة
تزول فجأة
وفي أفواهنا المليئة انتظارا
يسيل قوس قزح .
هذا المساء حضور مطلق
هذا المساء
سيشرع لدخول الكلام
باب الحلم الغريب
ستكون للريح كلمتها
ستسقط التفاحة ،
تتدحرج على عفة الأرض المرضعة ،
ستبلغ الوطن الغائب لليل
سينهار سقف وهم
ستبصر العين
الضمير الكئيب لسلطان النبات
سيتسلق لبلاب ،
ملتفا حول رؤيتنا للإله
يفيض سر ككأس مترعة
ستتعفن ببطء جذور زهد الوقت
على طريق الظلمات
ستطلق الشفاه الناطقة بالماء شررا
وسيكشف قلب المرآة الأسرار
هذا المساء سيهز النسيم القادم من حارة الصديق
جذع الروح ،
ناثرا الدهشة تويجة تويجة
في أقاصي الليل
ستجرب حشرة في أعماقها
الحصة الخصبة من العزلة
من جوف كلمة ( فجر )
سينهض الفجر .
خطوات الماء
قربانا لليالي الصامتة لأمي
خطوات الماء هذه .
آت من قاشان
حياتي لم تكن على قدر من القسوة
لدي ما أعيش به ، طرف من ذكاء ، شيء من مهارة
أم أرق من ورق الشجر
أصدقاء أنقى من الماء الجاري
و إله موجود في مكان ما ، قريب :
بين أوراق القرنفل ،
وتحت شجرة الصنوبر السامقة ،
على الوجه اليقظ للماء ،
في قوانين عالم النبات
مسلم أنا
لي في اتجاه مكة وردة
وكغطاء رأس للصلاة ينبوع
ولي النور كتربة للصلاة
السهل سجادتي
أتوضأ على ارتعاش نوافذ الضياء
يسيل القمر في دعائي
تسيح الوان قوس قزح
عبر ورعي يشف الحجر
كم هو شفيف بلور صلاتي
أستهل الصلاة عندما تثير الريح
أذان المؤذن على منارة السرو
أبدأ صلاتي حين يسبح العشب
بتكبيرة الإحرام ،
عندما تقوم الموجة استجابة له
قبلتي على حافة الماء
قبلتي تحت أشجار السنط
قبلتي نسمة في مهب من بستان الى بستان ، من مدينة الى مدينة
الضوء الساطع للحديقة المزهرة حجري الأسود
آت من قاشان
أحترف الرسم :
أحيانا وبسحر الألوان أخلق قفصا
وأبيعه لكم ، يا أصدقائي ،
لينتعش فيه قلبكم الوحيد
بغناء نباتات الخشخاش السجين
ليس سوى الوهم ، سوى الوهم !
أعرف بأنه في حوض لوحتي
لا تنساب أية سمكة
آت من قاشان
ربما يكون أسلافي
نبتة معجزة من الهند
أو إناء خزفي من تلال (سيلك)* الأثرية
ربما لي كسلف
عاهرة خرافية من بخارى ؟
موت أبي أعقبه هجرتان للسنونو ،
موسمان لسقوط الثلج ،
موسمان من النوم على السطح ، في ضوء النجوم
مات أبي خلف موكب الوقت
كانت السماء زرقاء حين وفاته
قفزت أمي من سريرها جاهلة لماذا
صارت أختي تزهو جمالا
عند موت أبي كان جميع الشرطة شعراء
سألني البقال :
" كم رطلا من البطيخ تريد ؟ "
أجبته :
" بكم تبيع غراما من سكينة الروح ؟ "
كان أبي يرسم أحيانا ،
يصنع آلات ( تار ) * ويعزف بطريقته
كان خطاطا ماهرا
حديقتنا تمتد الى الطرف المظلل من المعرفة
هناك حيث تنعقد رابطة الكائن والنبات
حديقتنا كانت مركزا لالتقاء البصر ، القفص والمرآة
ربما كانت حديقتنا القوس الذي تصفه الدائرة الخضراء للسعادة
في ذلك اليوم قضمت في الحلم فاكهة الإله النيئة
شربت ماءا نقيا من كل فلسفة
قطفت توتا نقيا من كل علم
عندما تتفجر قشرة رمانة
تصبح اليد دافقة للرغبة
عندما تهم القبرة بالغناء
يجيش القلب بوهج الحب
حينا تلصق العزلة وجهها بالنوافذ
وخز الرغبة يؤجج الأحاسيس
يستسلم الفكر للألعاب المسلية
لم تكن الحياة غير مطر عيد وربيع ،
شجرة دلب مسكونة بطيور الزرزور الساحرة
لم تكن الحياة حينها ،
سوى ما يشبه طواف عرائس ونور ،
نفحة من الحرية
لم تكن الحياة حينها
سوى حوض موسيقى
ابتعد الطفل بخطى خافتة ، ثم اختفى في طريق النحل
طويت حقائبي ، هاجرا مدينة الأحلام الرهيفة
ملء قلبي شوق إلى النحل
توجهت إلى وليمة العالم ،
ويممت صوب سهل الكآبة ،
ناحية الورق المفرط للعرفان ،
صوب الشرفة المضاءة للمعرفة
تجاوزت درجات الدين
إلى الأزقة الضيقة للشك ،
إلى الهواء المنعش للانفلات
إلى الليلة الرطبة للحنان
حيث رأيت شخصا في الجهة الأخرى للحب
توجهت صوب المرأة ،
حتى ضوء اللذة ،
حتى خفوت الرغبة ،
حتى خفقان جناح العزلة
كم من أشياء لم أشاهدها على هذه الأرض :
رأيت طفلا يتنشق عطر القمر
رأيت قفصا بلا باب حيث يسرح النور
سلما روحانيا يتسلقه الحب
ليصل إلى سقف عالم الملكوت ،
رأيت امرأة تخفق النور في هاون
في الظهيرة على مفرش بسط الخبز ، الخضار ،
صحن من الندى ووعاء ساخن من الحب
رأيت شحاذا يطرق من باب لباب
مستجديا غناء القبرات
وكناس شوارع ساجدا أمام قشرة بطيخ
رأيت نعاجا تقضم طائرات ورقية ،
حمارا يقاسم الشعير سره ،
بقرة أتخمها علف (النصائح )
رأيت كتابا بحروف بلوريه ،
قرطاسا خلقه الربيع
بعيدا عن الخضرة ، رأيت متحفا
وبعيدا عن الماء مسجدا
وقرب سرير لاهوتي يائس
رأيت إبريقا خزفيا يفيض أسئلة
رأيت بغلا محملا بحكم وأمثال عقيمة ،
جملا حاملا على ظهره سلة ملؤها مفاهيم خاوية ،
صوفيا يجر في خرجه اسم إله غائب
رأيت قطارا ينقل نورا
رأيت قطارا يحمل اللاهوت ،
و كم كان ثقيلا حمله !
رأيت قطارا محملا بالسياسة
( كم كانت فارغة حمولته ! )
رأيت قطارا محملا ببذور اللوتس و بغناء الكناري ،
وعلى ارتفاع آلاف الأقدام
بدا وجه الأرض من كوة الطائرة :
تاج الهدهد
بقع أجنحة الفراشات
ظل الضفادع في الحوض
سرب ذباب في درب العزلة
ومن شجر الدلب إلى الأرض المستضيفة لرغبة العصفور الشفافة
و بلوغ الشمس
وتزاوج العروسة بالفجر
سلالم تصعد إلى القنن الملتهبة للشهوات ،
سلالم نازلة إلى كهوف الثمالة ،
سلالم تقتحم قانون فساد الوردة ،
تقود إلى الإدراك الرياضي للحياة ،
تصعد حتى الإشراق
سلالم تتوقف عند ذروة تجلي الكائن
أمي هناك في الأسفل
تغسل الفناجين في ذاكرة النهر
كانت الدنيا جلية في الأسفل :
تفاقم هندسي للإسمنت ، للحديد والحجر
أسطح بلا عصافير ، مئات الباصات
باعة ورد يدللون لبيعه
وبين شجرتي ياسمين
علق شاعر أرجوحة
تلميذ يرمي بحجر جدار المدرسة
طفل يتف نواة مشمشة
على سجادة رثة حيث يصلي أباه
وعلى خريطة جغرافية ،
يستقي ماعز من ماء قزوين
صدرية ترفرف في الريح على حبل غسيل
رغبت عجلة العربة في إيقاف الحصان
رغب الحصان في نوم الحوذي
تمنى الحوذي مجيء الموت
هجرة البذرة إلى تويج الزهرة
هجرة اللبلاب من بيت إلى بيت
إغفاءة القمر في ماء الحوض
انبثاق زهرة الثلج من القشرة الصلبة للأرض
جريان غصن الكروم على أطراف الجدران
مطر الندى على جسر النعاس
فرح منطلق من هاوية الموت
هرب الحدث من الناحية الأخرى للكلام
صراع الكوة و رغبة النور ،
صراع السلم والسيقان المنطلقة نحو الشمس ،
صراع العزلة والصوت الهارب ،
صراع كتل الكمثرى وفراغ السلة ،
صراع رمانة مع الضرس التي تقضمها ،
صراع الببغاء وفصاحة الكلام
صراع سخونة الجبهة وبرودة تربة الصلاة
انقضاض قيشاني المساجد على السجود
انقضاض الريح على صعود فقاعات الصابون
انقضاض فيالق الفراش على برنامج (مكافحة الآفات )
انقضاض اليعاسيب على عمال السباكة
انقضاض ريش الكتابة على حروف الرصاص الثقيلة
انقضاض الكلمات على فك الشاعر
فتح قرن على يد قصيدة
فتح حديقة على يد زرزور
فتح شارع على يد تحيتي سلام
فتح مدينة بكاملها على يد خيول خشبية
فتح عيد على يد عروستين و بالون
مقتل دمية صغيرة خنقا تحت وسادة القيلولة
مقتل حكاية في زاوية درب النعاس
مقتل كآبة بقرار متعجرف للنشيد
مقتل القمر بنيون مستبد
مقتل صفصافة باكية بأمر الدولة
مقتل شاعر مرهف على يد زهرة الثلج
كل شيء كان مرئيا على الأرض :
" القانون يسود حي اليونانيين
البومة تغني في (الحدائق المعلقة)
تدوي عبر ممر خيبر ،
تدفع الريح صوب الشرق الباقة الشائكة للتاريخ
ينساب قارب محمل بأريج على بحيرة (نيغين) * الوادعة
وفي بنارس ، في زاوية كل طريق
ينير قنديل ازلي . "
آت من قاشان
ليست مسقط رأسي
لقد أضعت ، ويا للأسف ، مدينتي
بحماس وغضب ،
بنيت بيتا في الطرف الآخر لليل
هنا في هذا البيت قريب أنا من الاسم المجهول الرطب للعشب
اسمع دوي تنفس الحديقة ،
صوت العتمة المنسابة من ورقة الشجر ،
صرير سعال الضوء خلف الشجرة ،
عطس الماء في شقوق الصخور
السنونو متقطرا من سقف الربيع ،
اصطفاق درفات نوافذ الوحدة ،
الهمس الشفاف للحب الذي يغير بغموض جلده ،
رغبة الأعالي الكثيفة وهي تدوي في الجناح ،
سلطة الروح في تصدعها بصرير ساخر
أسمع خطى الوجد ،
الوطأ القاسي للدم في الأوردة ،
النبض الصباحي للآبار حيث يطير الحمام
الحمى المسائية في قلب أيام الجمعة
أسمع سريان القرنفل في مواربة الفكر ،
الصهيل الشفاف للحقيقة في البعيد
أسمع الرعشة الخفيفة للمادة
ورثاثة نعال الأيمان على درب الوجد
و طبطبة المطر :
على أجفان الحب الندية ،
على موسيقى البلوغ الحزينة ،
على الغناء الإرجواني للرمان
وضجة واجهات الفرح في انهمارها الليلي
وتمزيق قرطاس الجمال ،
و مضخة الريح التي تملأ وتفرغ جسد الغربة
قريب من جذور الأرض
أجس نبض الورد
أصيخ إلى القدر السائل للماء ، الاخضرار المألوف للشجرة
تسري روحي في العفة الطرية للأشياء
روحي ما تزال يافعة ،
أحيانا وبقوة الرغبة يخنقها السعال
روحي العاطلة تتفرغ لاستقبال الأشياء :
تعد قطرات المطر ومفاصل القرميد
روحي محسوسة كحجر
على الطريق
لم أشهد البتة حقدا بين شجرتي حور
لم أشهد البتة صفصافة تبيع ظلها للأرض
وشجرة بق تهب غصنها للغربان
حيث ترتعش ورقة يبتهج برعم التوق
عمدتني ثمالة شجرة خشخاش في دوار الصيرورة
مثل جناح حشرة أعرف وزن الفجر
مثل مزهرية أصيخ إلى همس التكاثر
مثل سلة مليئة بفاكهة أشهد حمى التحولات
مثل كهف مقفر أقف على حدود السأم
مثل منزل على شاطئ البحر
أرقب تدفق الموج الذي يدعوني إلى إيقاعه الأبدي
من الشمس حيث تشاء ! من الاتحاد مثلما ترغب !
من الفيض كما تريد !
أكتفي وبسهولة بتفاحة ،
مثلما أكتفي بعطر بابونج ،
أكتفي بمرآة ، بود شفاف
لا أصرخ عند انفجار بالون
لا أسخر حين تشق فلسفة ما القمر نصفين
أعرف حفيف جناح طائر الفري ،
لون ريش الحباري ، واثر حوافر اليحامير
أعرف جيدا منبت الراوند ، ساعة قدوم الزرزور ،
موعد غناء الحجل و موقت موت النسر
أعرف كيف ينهض القمر في حلم الصحراء
أعرف حضور الموت في تويجة الرغبة ،
وسعادة بمذاق التوت يولدها العناق الشهواني
الحياة بمجملها عادة جميلة
للحياة أجنحة بسعة الموت ،
اندفاعة مدوخة كالحب
الحياة ليست هذا الشيء الذي ننساه أنت و أنا ،
بعد فقدانه في عش العادة
الحياة هذه اليد الممدودة لقطاف وشيك
لأولى التينات السوداء من الفم اللاذع للصيف ،
ما تمنح الشجرة من بصيرة للعيون المتعددة للحشرات ،
غرابة إحساس الطيور المهاجرة ،
صفير قطار ينحرف في حلم جسر ،
الحياة ظل يتناسل في المرآة ،
وردة " بسلطة الأزل " ،
هي : أرض تتكاثر بخفق قلوبنا ،
هندسة ساذجة ورتيبة لتنفسنا
علينا بغسل عيوننا
علينا ان نرى بطريقة مختلفة
علينا بتطهير كلماتنا
على الكلمة بذاتها ان تتحول الى ريح ،
بذاتها تتحول الى مطر
علينا بطي مظلات المطر
علينا البقاء تحت المطر
على الفكر والذاكرة أن يتشرباه
علينا اتباع المدينة في استقبال المطر
لقاء صديق تحت المطر
نبحث عن الحب تحت المطر
نتوحد وامرأة تحت المطر
نستسلم للهو تحت المطر
نكتب ، نتحدث أو نزرع نباتات الدودية الأرجوانية تحت المطر
فليست الحياة سوى تعميد أبدي ،
وضوء في نافورة الحاضر الأزلي
لنرفض الكتاب حيث لا ريح تهب ،
كتاب حيث الوردة لا تضوع طراوة ،
هناك حيث الحياة سجينة فضاء الرؤية
لا نتمنى البتة أن يغادر الذباب أصابع الطبيعة
أو أن يترك الفهد عتبة الخلق
ستتألم الحياة حين تفتقد الدودة
كما يختل نظام شجرة محرومة من قضم الطفيليات
وعندما يفنى الموت ،
عبثا ستبحث يدنا عن شيء ما
وإن خذلنا النور ،
سيتحول منطق الطيران الحي
ولنعلم : قبل خلق المرجان
كان فراغ دائم يسكن فكر البحار
خلفنا يجر تعب التاريخ ،
خلفنا تصب ذاكرة الموجة في الضفاف
قواقع الموت الباردة
فلنذهب صوب البحر ،
نرمي فيه شباكنا
نستخلص الطراوة
لنخطف من الشاطئ حبة رمل ،
لنجس بهذه الإشارة
الثقل الهش للوجود
ونحن في الحمى علينا أن لا نسب ضوء القمر
( أحيانا وأنا في الحمى رأيت القمر نازلا إلى الأسفل ،
حيث تطال اليد سقف الملكوت
رأيت أيضا طائر النغر يجيد الغناء
أحيانا حتى الجروح الغائرة في باطن قدمي
تدربني دون مواربة على وعورة الدرب
أحيانا عند سرير المرض تتراكم الورود كسطح البرتقالة
يضيء شعاع القنديل الكون )
علينا أن لا نهاب البتة الموت :
هو لا ينهي حياة الحمام
ليس زيزا منقلبا على ظهره
الموت يتجول في الفضاء الذهني لشجر السنط
يسكن الواحة الطرية للفكر،
الروح الليلية للقرية ، يبشر برسالة الفجر
الموت يذوب في الفم مع عنقود العنب
يغني في حنجرة طيور أبو الحناء
يلون جمال أجنحة الفراشات
أحيانا يقطف ورق الريحان
ينتشي ببعض كؤوس الفودكا
جالس في الظل أحيانا يرميك بنظرة
نعرفها جميعا
ألا يملأ أوكسجين الموت الرئتين باللذة ؟
علينا أن لا نغلق أبدا الباب أمام الكلام الحي للمصير
الذي ينادينا رغم ختام الأصوات
ليست مهمتنا فض سر الوردة
فعند الضرورة نستطيع أن نسبح في سحر الزهرة
ننصب خيمتنا في الطرف الآخر من المعرفة
أو نغمس أيدينا في سحر ورقة
نجلس بعدها إلى طاولة الوليمة
وعند الفجر ، حين تشرق الشمس نولد من جديد ،
نطلق بحرية حماسنا
فلنسقي بالعذوبة حس الفضاء ،
باللون ، بالصوت وبالنوافذ
ولندع السماء تتسرب بين مقطعي الكائن
لنفرغ ولنملأ رئاتنا بنسمة الأبدية
لنخفف الكاهل الرهيف للسنونو من حمل المعرفة الثقيل ،
لننزع الأسماء عن الغيوم ،
وعن أشجار الدلب ، والبعوض ، والصيف
ولنستعر الآثار الندية للمطر ،
نتسلق أعالي الحب
و نفتح الباب للإنسان ، للنور ، للنبات ، للحشرة
وربما علينا اتباع
نداء الحقيقة
بين الرؤية السحيقة للوتس
وراهن قرننا .
قاشان ، شنار 1964
" سيلك : موقع أثري قرب قاشان .
" بحيرة في كشمير .
من كتاب ( عدم كلي ، إبصار كلي ـ 1977 )