صلاح عبدالصبور - مصر
دراسات

سمات أسلوبية في

شعر صلاح عبدالصبور

محمدالعبد

 (مصر)

1

يعد صلاح عبد الصبور أحد رواد مدرسة الشعر الحديث البارزين. وقد أسهم بنصيب عظيم في حركة التجديد الشعري شكلا ومضمونا، وحظي شعره- لقيمته الفنية العالية، ومحتواه الأيديولوجي المتميز- بدراسات نقدية كثيرة شغلت زوايا فنية مختلفة، كالتجديد في المضافين والموسيقى.. إلخ.، ولكنه- في مقابل ذلك- لم يحظ باهتمام مماثل على مستوى البحث اللغوي والأسلوب المتخصص. ولا يكاد الحديث عن لغة صلاح عبد الصبور يعدو- حتى الآن- إشارات وملحوظات سريعة مجملة، ترتبط- في مجموعها- بالنظر النقدي أكثر من ارتباطها بالتحليل اللغوي والأسلوب بالمعنى الدقيق.

ولا أستطيع هنا أن أزعم أن هذه الدراسة تقدم تحليلا لخصائص الاستخدام اللغوي في شعر صلاح عبد الصبور، وإنما هي- بالأحرى- مدخل لعرض بعض السمات اللغوية والأسلوبية الأساسية في شعره، وتحليلها نط ضوء الدراسات الحديثة في علم الأسلوب.

2

إن لغة الشاعر أو الأديب ليست مجرد علامات لغوية تطلق على مسمياتها، ولكنها- في جوهرها- تعبير عن جوانب عقلية وانفعالية يبدو فيها الخلق والإبداع. واللغة المستخدمة- على هذا النحو- تمثل أسلوبا بعينه. فالأسلوب هو ما يبدو في العمل اللغوي من تصوبر مؤثر للجوانب الإنسانية في اتساعها وعمقها عن طريق استخدام جميع طاقات اللغة (1). لاذا كان علماء اللغة يهتمون بجميع أنماط التنوع اللغوي linguistic variation، كالتنوع التاريخي والإقليمي والاجتماعي، ف!ن الأسلوب يعد أحد أنماط هذا التنوع. إن تحليل الأسلوب ليس إلا طريقة من طرق النظر في اللغة (2).

ويعنى التحليل- في جوهره- بتحديد السمات الأسلوبية- stylistic features للنص أو النصوص المدروسة. وتتميز هذه السمات بمعدلات تكرار عالية نسبيا، ولها أهمية خاصة في تشخيص الاستخدام اللغوي عند المبدع.

وتقوم دراستنا للسمات الأسلوبية على أساس خطوتين متتابعتين متكاملتين:

(الأولى): الوصف اللغوي المجرد للمثيرات اللغوية ذات القيمة الأسلوبية، وتعرف باسم  stylistic stimuli. وقد يلجأ الباحث اللغوي الأسلوبي إلى!الإحصاء؟ لقياس معدلات تكرار المثيرات أو العناصر اللغوية الأسلوبية: قلة وكثرة. وهو يستعين في ذلك بالدراسة الأدبية التي تساعده على تحديد النص المعيار norm الذي يقارن به نصه المدروس. ويكون النص المعياري بمثابة الخلفية للنص المدروس. وقد يجعل الباحث من خبراته الماضية أساسا للمقارنة (4).

و(الثانية) وصف التأثيرات الإخبارية الدلالية والجمالية لتلك المثيرات (5). ويضاف إلى ذلك تحديد قيمها الأسلوبية في إبداع المعنى، سواء من خلال الصيغ التي تصاغ فيها الخبرات والتجارب، أو من خلال التراكيب اللفظية، التي تقدم إمكانات مساعدة على إبداع المعنى من خلال اجتماع الألفاظ في وحدة عليا (6).

وقد حدد زايدلر  Seidler ثلاثة شروط لبيان نظام القيمة:

(1)               الانطلاق من معرفة اللغة؟ فعن طريق اللغة ذاتها يمكن – بحق- الاقتراب من القيم الأسلوبية، بوصفها صياغة للشعور الأنساق بالعالم.

(2) تأمل الجانب الإنساني في صورته اللغوية، لا تأمل اللغة بوصفها بنية شكلية منفصمة عن صورتها الإنسانية، أو تأملها، بوصفها نظاما من العلامات Zeichen يمثل مواضعات لغوية خارجية.

(3) النظر إلى فن اللغة  Sprachkunst، بوصفه منظومة من الطاقات الأسلوبية والعناصر الأسلوبية Organismus von Stilkraften und Stilementen (7).

3

ويمكن تحديد العناصر والمثيرات اللغوية الأساسية ذات القيم الأسلوبية في شعر صلاح عبد الصبور في النقاط التالية:

(1)  1 لح!نية.

(2)  التأنيث.

(3)  1 لتصغير.

(4)  1 لفعل.

(5)  الصفة وقيمتها الأسلوبية في المزاوجات المجازية.

(6)  رمزية الألوان.

(7)  المزاوجات الاسمية وقيمتها الأسلوبية.

(8)  مزاوجات اسمية خاصة:

(9)  التأثر بلغة الحياة اليومية.

(10)  التكرار وقيمته الأسلوبية.

وغنى عن البيان أن تلك المثيرات تختلف فيما بينها في معدلات تكرارها. وفى قيمتها الأسلوبية على النحو الذي نراه في تفصيل كل عنصر أو مثير منها على حدة، وذلك في ضوء المفاهيم والأفكار السابقة.

(أولا) القيمة الأسلوبية للتثنية:

يدخل المثنى في المقولة الصرفية المعروفة باسم مقولة العدد  Number-Category. ولا يدل المثنى في الاستخدام اللغوي في شعر صلاح عبد الصبور دائما على الاثنين دلالة إخبارية مجردة محددة، ولكنه يخرج عن ذلك- في حالات غير قليلة نسبيا (بلغت معدلات تكرارها على هذا النحو !والى 17 مرة)- إلى صورتين اثنتين:

(الأولى) دلالة المثنى على أكثر من واحد دلالة مطلقة.

(الثانية) قد يحمل المثنى قيمة أسلوبية بارزة، تعبر عن الرغبة في المشاركة والنفور من التوحد، وعدم الاكتفاء بالمفرد.

ومن النوع الأول قوله:

صنعت لك

عرشا من الحرير... مخملي

نجرته من صندل

ومسندين تتكى عليهما

ولجة من الرخام، صخرها ألماس

جلبت من سوق الرقيق قينتين

قطرت من كرم الجنان جفنتين

والكأس من بلور (8).

أو قوله:

لا، لا تنطق الكلمة...

حتى ولو ماجت بوجه النيل

أنسام ليلة صيف

حتى ولو رفت على أرغول

محرورة، نغمه

حتى ولوفى الرمل خط الإلف

حرفين ملويين (9).

أو قوله:

يا شجر الصفصاف: إن ألف غصن من غصونك الكثيفة

تنبت في الصحراء لو سكبت دمعتين (10).

فلا يراد بالمثنى هنا العدد المحدد بالاثنين، وإنما يعنى- فيما أرى عددا ما من الأشياء أو بعضا منها. ومن النوع الثاني قوله:

لو أننا كنا بشط البحر موجتين

صفيتا من الرمال والمحار

توجتا سبيكة من النهار والزبد

أسلمتا العنان للتيار

لو أننا كنا نجيمتين جارتين

من شرفة واحدة مطلبنا

في غيمة واحدة مضجعنا

نضئ للعشاق وحدهم وللمسافرين

نحو ديار العشق والمحبة (11).

فالإلحاح على صيغة المثنى انعكاس للرغبة في المشاركة والنفور من التوحد.

ولا شك أن صلاح عبد الصبور قد عمد إلي استخدام صيغة المثنى على هذا النحو- في بعض الأحيان- تأثرا باستخدامها في نحو العامية، التي ينصرف المثنى فيها، أحيانا، إلى الدلالة على ما زاد عن واحد زيادة مطلقة، دون التقيد بدلالة المثنى المألوفة في العربية. وقد نرى ذلك في قوله مثلا:

يطيب لي في آخر المساء أن أقول كلمتين

شفاعة أرفعها إليك يا سيدة النساء

الحب يا حبيبتي أغلى من العيون

صونيه في عينيك واحفظيه (12).

(ثانيا) القيمة الأسلوبية للتأنيث:

فضلا عن انتشار الكلمات المؤنثة في شعر صلاح عبد الصبور، على نحو استخدامها في اللغة، مثل: (طينة) و(حبوة) ونحوهما، نلاحظ ظاهرة أخرى هي تأنيث ما ألفت اللغة استخدامه مذكرا فحسب.

ومن تأنيث المذكر (بحر) في قوله:

وكانت السماء بحرة تموج بالحنان

والشمس والهلال في الخضم زورقان (13).

وتأنيث المذكر (بدر) في قوله:

يا عجباً كل مساء موعدي مع المضرج الشهيد

كأن منديل الشفق

كأن مدرج الهلال كفه ومعصمه

كأن ظلمة المساء معطفه

وبدرة السنا أزرار سترته (14).

وتأنيث المذكر (شعاع) في قوله:

وقيل لكم:

بأن حياتكم جس!ر، وأن بقاءكم مسطور

خطى تخطى بميقات إلى دار ببابين

نطوف بها كومض شعاعه العين (15).

كل قد يتعدى تأنيث المذكر إلى تأنيث المؤنث في الأصل؟ ومن ذلك تأنيث (كأس) في قوله:

وأنت يا حبيبي أسقيتني خمره

في كاسة مدوّره (16).

ولا شك أن هذه الظاهرة ترتبط بالظاهرة التالية وهى التصغير؟

فاذا كان (دال العاطفة) في التصغير هو الياء، فإن (دال العاطفة) في التأنيث هو التاء، لا سيما إذا أنث المذكر. وليس! التأنيث والتصغير إلا وجهين لقيمة أسلوبية واحدة هي التأثير وإثارة العاطفة عن طريق تأكيد الميل إلى ما قل وصغر ورق وحبب إلى النفس، في مقابل الإعراض عن وسائل تأثيرية أخرى، كالتكثير والتفخيم والتهويل.

(ثالثا) القيمة الأسلوبية للتصفير:

يلاحظ الباحث في العربية الحديثة- على مختلف مستويات الاستخدام اللغوي- قلة الاعتماد على التصغير، رمن ثم قلة تردد الألفاظ المصغرة. وكثيرا ما يستعاض عن (مورفيم التصغير) بكلمة (صغير) ومؤنثها، حتى في لغة الشعر الحديث ذاته. وفى ضوء ذلك، فانه تسهل علينا ملاحظة تردد الألفاظ المصغرة والتنبه إليها، لا سيما إذا ارتفع معدل تكرار هذه الألفاظ ارتفاعا نسبيا (بلغ حوالي 13 مرة). والحق أن التصغير في شعر صلاح عبد الصبور لم يخرج عن أغراضه المألوفة، كالتدليل والتمليح (17)، والتقليل (18) والتعظيم (19)، وإفادة قرب الزمان أو تقليله (20)، وتقليل عدد المصغر(21)، وإفادة صغر الحجم (22)، لان كانت هذه الأغراض في ذاتها تعبر عن تعدد القيم الأسلوبية للتصعير.

ولا يتجلى دور التصغير في شعر صلاح عبد الصبور في التعبير عن تلك الأغراض بقدر ما يتجلى في اختياره المصغر وإيثاره إياه على نظيره غير المصغر. وهذا الاختيار دليل على تمتع الشاعر بحس لغوى مرهف؟ والإيثار دليل على تمتعه بحس لغوى واع. ويستطيع الشاهد التالي أن يوضح ذلك وببرهن عليه:

الصبح يدرج في طفولته         والليل يحبو حبو منهزم

والبدر لملم حول قريتنا             أستار أوبته، ولم أنم

***

ونجيمة تغفو بنافذتي                 لحظت شرودي لحظ مبتسم (23)


فهو يستخدم المصغر (نجيمة) بدلا من (نجمة) بقصد التعبير عن تولى الليل ونجومه الظاهرة.

ويرتبط بظاهرة التصغير في شعر صلاح عبد الصبور تردد الوصف بكلمة (صغير) ومؤنثها؟ كالبستان الصغير(24)، والفرش الصغير(25)، والفراش الصغير(26)، والمسيح الصغير(27)، والأذن الصغيرة (28).

وقد تخرج هذه الكلمة عن مألوف استخدامها في التعبير عن الحجم، أو الاتساع، أو الصغر في مقابل الكثير، إلى التعبير عن الضعف في مقابل الشدة، ومن ذلك (سحبة صغيرة) في قوله: جهز قلبنا الحنين، يا علم

في سحبة صغيرة من طرفك المعقود (29).

واستخدام الصفة هنا، للدلالة على هذا المعنى، مألوف تماما في لغة الحديث اليومي.

(رابعاً) القيمة الأسلوبية للفعل:

تدل نسبة الفعل إلى الصفة  Verb-Adjective Ratio كما أثبتت معادلة بوزيمان Busemann على ارتفاع نسبة الأفعال إلى الصفات في النصوص الشعرية، في مقابل انخفاضها في النثر (30).

وقد تشكلت معادلة بوزيمان في إطار أحد فروع علم اللغة الحديث، وهو علم اللغة النفسي Psycholinguistics " وقد أسفر تطبيق المعادلة عن إمكانات كبيرة لقياس درجة الاستقرار العاطفي عند الأفراد، خاصة في بحوث علم نفس الطفل، كما اكتشف أيضا وجود ارتباط مرتفع بين زيادة هذه النسبة واتصاف الشخصية بخصائص معينة، مثل الحركية، والعاطفية، وانخفاض درجة الموضوعية والعقلانية، وعدم توخى الدقة في التعبير إ (31).

وفد حاولت تطبيق هذه المعادلة على بعض العينات المختارة اختيارا عشوائيا من شعر صلاح عبد الصبور. وبلغ عدد القصائد إجمالا 12 قصيدة. وهى الملك لك، ورسالة إلى صديقة، من ديوان (الناس في بلادي)، والظل والصليب، و أغنية خضراء، من ديوان (أقول لكم)، وأغنية للقاهرة-، وحكاية قديمة، من (أحلام الفارس القديم) ء وانتظار الليل والنهار، ومذكرات رجل مجهول، ورؤيا، من (تأملات في زمن جريح)، وتأملات ليلية، وتوافقات، وتنويعات، من ديوانه (شجر الليل)*.

وإنما أكثرنا من عينات الديوانين الأخيرين لمقارنة معدلات تكرار الفعل ونسبته إلى الصفة فيهما، على أساس أنهما يمثلان إنتاجه في المرحلة الأخيرة، ولتشابههما الواضح في المضمون والصياغة، واختلافهما عن دواوينه الأولى التي تمثل إنتاجه في المرحلة الأولى والمتوسطة.

وتحسب نسبة. الفعل إلى الصفة على النحو التالي:

                 عدد الأفعال
ن ف ص = -------------------
                 عدد الصفات

وقد أثمرت الإحصاءات الإجمالية عن النتائج التالية:

(1) الناس في بلادي+ أقول لكم+ أحلام الفارس،:

                                 331
متوسط ن ف ص =   -----------     تقريباً
                                 155

(2) تأملات في زمن جريح + شجر الليل:

                                 303
متوسط ن  ف ص =   -----------      تقريباً
                                  184

وهكذا يبرهن الإحصاء- في حدود العينات المختارة للاختبار- على صحة معادلة بوزيمان.

ويمكن أن يستنتج من هذا الإحصاء ما يلي:

(1) ارتفاع معدلات ن ! ص ارتفاعا واضحا في جميع المراحل، فمتوسط النسبة في الدواوين الثلاثة الأولى هو 1، 2 تقريبا، ونما الديوانين الأخيرين 6، 1 تقريبا.

(2) ارتفاع معدلات تكرار الصفة في الديوانين الأخيرين من شعر صلاح عبد الصبور، عنها في الدواوين الثلاثة الأولى وهذا مما أدى إلى انخفاض !! ص في هذين الديوانين.

(3) يتطابق انخفاض !! ص في الديوانين الأخيرين مع ما بينهما من علاقة حميمة في المضمون والصياغة، حيث ينزع شعره فيهما إلى التأمل، وإعمال الذهن، وإبراز الفكرة الفلسفية، والحرص على تحديد أنواع الأشياء عن طريق الوصف.

(4) ويمكن أن يستنتج من انخفاض !! ص في الديوانين الأخيرين عن الدواوين السابقة، تمتع الشاعر في أواخر عمره بالاستقرار العاطفي والانفعال الهادئ. أو بعبارة أخرى: يمكن أن يستنتج من هذا الانخفاض بروز الموضوعية والعقلانية في المرحلة الأخيرة على حساب الحركية والعاطفية.

ومهما يكن من أهمية هذه المعادلة وطرافة نتائجها وإغرائها بالتطبيق، فلا شك أن القيمة العددية للفعل تظل عاجزة عن التوصيف الشامل الدقيق لخصائص الاستخدام اللغوي عند الشاعر، حتى يسندها الكشف عن مدى تميزه من الشعراء، أو على الأقل، عن مدى نجاحه في توظيف (الفعل) للتعبير عن قيم أسلوبية مختلفة.. إن للفعل في شعر صلاح عبد الصبور أهمية خاصة؟ فهو يحاول - من حيث البنية- الاعتماد على أحد أقسام الفعل لأغراض أسلوبية معينة، أو ابتكار صيغ فعلية جديدة، باشتقاقها من الأسماء الجامدة. وهو يعتمد على الفعل كثيرا- من حيث الدلالة- في إبداع المعنى، سواء باستخدامه استخداما حقيقيا أو استخداما مجازيا:

(1) يميل صلاح عبد الصبور إلى تضعيف صيغة (فغل) مخففة العين، كالفعل (طنن) في قوله (عن أمه):

وتهتف إن عثرت رجليه

وإن أزق الصيف أجفانيه

وإن !ثنت نحلة حوليه

باسم النبى (32).

ومن أمثلة ذلك أيضا استخدام (غفل) في مقابل (غل) كما يدل (اسم المفعول) في قوله:

صديقتي

عمى صباحا، إن أتاك في الصباح

هذا الخطاب من صديقك المحطم المريض

وادعى له إلهك الوديع أن يشفيه

وسامحيه، كيف يرجو أن ينمق الكلام

وكل ما يعيش فيه أجرد كئيب؟

فقلبه ك!سير

وجسمه مغفل إلى فراشه الصغير(33).

فاستخدام طنن ( طن، وغلل ( غل "بالتضعيف"، يعطى التعبير قيمة أسلوبية واضحة؟ فهو يغبر عن القوة ويدل على شدة الحدث؟ ولذلك فهو- كما يقول فندريس- يعبر عن قيمة انفعالية واضحة جدا (34).

(2) حاول الشاعر ابتكار صيغ فعلية جديدة عن طريق الاشتقاق. ويدخل ذلك تحت ظاهرة (التجديد اللغوي Neologismus التي تشتمل على الكلمات الجديدة والأبنية الجديدة. إن هناك تجديدات يشيع استخدامها، دون القصد إليها على أنها تحديد أسلوبي Stilistischer Neologismus (3). وفى مقابل ذلك، نجد نمطا آخر من التجديد اللغوى الذي تمثله الأبنية العرضية الفردية عند كاتب بعينه Okkasionelle individuell Bildungen . وترتبط هذه الأبنية بنص معين، ولا تحتاج إلى أن تدخل في الثورة اللفظية للنظام اللغوى Wortschatz des Sprachsystems . ولهذه الأبنية تأثير تعبيري expressiv ينبع من تأثير جدتها Neuheiteseffekt (36).

وتلعب التجديدات اللغوية الفردية العرضية دورا خاصا فى الشعر، وتعد أحد عناصر اللغة الفنية Kunstlersche Sprache وتجذب الكلمة الجديدة القارئ أو السامع بوصفها صورة قوية Kraftiges Bild ، وتد اعيا غير متوقع unerwartete Kombination . إنها تؤثر فى إحساسنا تأثيرا أقوى من القوالب الشائعة المألوفة (37).

ومن أهم الصيغ الفعلية الجديدة التي ابتكرها صلاح عبد الصبور عن طريق اشتقاقها من الاسم الجامد، الفعل (تجهنم) من (جهنم) في قوله:

ما يولد فى الظلمات يفاجئه النور،

فيعريه،

لا يحيا حب غوّار فى بطن الشك أو التمويه

أشباح الماضي بئس الرؤيا حين تجهنمها الغيرة فإذا لاقى قلبان ثقيلان الدنيا ظنا ما مات يكفن فى الكلمات الحلوة (38).

والحق أن هذا الاشتقاق اشتقاق (صبورى) محض، ولا أعرف أحدا من الشعراء استخدمه قبله.

وهناك اشتقاقات أخرى يشترك فيها صلاح عبد الصبور مع غيره من الشعراء؟ ومن ذلك اشتقاق الفعل (برعم) ص و(تبرعم) من الاسم (برعم) فى قوله:

قضت! قضت!

وعن ديارنا مضت


من بعد ما تكوّر النهد

وبرعمت عليه وردة، وسال شهد (39)

وقوله:

يا أملا تبسما

يا زهرا تبرعما

قلبي فريد

يغور فيه جرحه المديد (40).

ومن تلك الاشتقاقات الجديدة أيضا اشتقاق الفعل (طف! تم) من الاسم (طلسم) فى قوله:

جاء الزمن الوغد

صدئ الغمد

وتشقق جلد المقبض ثم تخدد

سقطت جوهرتي بين حذاء الجندي الأبيض

وحذاء الجندي الأسود

علقت طينا من أحذية الجض

فقدت رونقها

فقدت ما طلسم فيها من سحر مفرد

آه يا وطني  (41)

وكما قلت، ف!نه يصعب نسبة هذه الاشتقاقات الجديدة إلى صلاح عبد الصبور، فقد وردت أمثالها عند شعراء آخرين. ومن ذلك مثلا (برعم) التي وردت فى قول بدر شاكر السياب:

أواه لو يفيق

إلهنا الفتيّ، لو يبرعم الحقول (42).

إن هذه الاشتقاقات ترجع إلى أصل معروف، وعلاقة الربط بين الفرع والأصل هنا واضحة قوية. وتتجلى القيمة الأسلوبية للمشتق الجديد من توليد غير المعروف من المعروف؟ فسمات الجدة والطرافة فى ذاتها، تعد قيمة أسلوبية مهمة، من حيث غرابتها وإدهاشها ومفاجأتها القارئ أو السامع. وهى تدهشنا وتبهجنا دهشة الوليد الأول وبهجته، لا سيما إذا كانت مقبولة غير ممجوجة. وهذا ما نجده هنا فى الفعل (تجفنتم) مثلا؟ فالحاجة إلى التعبير عن نوع الحدث فى كيفية بذاتها، لا يغنى عنها فعل آخر، ولا يستطيع أن يحمل القيمة الشعورية نفسها، مهما كانت دلالته على الشدة والقوة، مثل: التهب، واضطرم، ونحوهما؟ لارتباط الأصل نفسه- وهو الاسم (جهنم)- فى الذهن والوجدان بدلالة أقوى من ذلك وأشد. إن ذلك يرجع- كما قلنا- إلى بقاء الأصل نواة المعنىSinnkern   .

(3) وكذلك حاول الشاعر توسيع دلالة بعض الأفعال، باستخدامها بمعنى آخر غير معناها الأصلي، ومن ذلك قوله:

كان فجرأ موغلا فى وحشته

مطر يهمي، وبرد، وضباب،

ورعود قاصفة

قطة تصرخ من هول المطر

وكلاب تتعاوى (43).

فالعواء صوت الذئاب، وقد جعله هنا، للكلاب أيضا، بالرغم

من وجود صوت (النباح). وبين (العواء) و(النباح) وحدة معنوية تجمعهما، هي الدلالة على الصوت العالي المسموع.

(4) وقد يستخدم الشاعر الفعل لتجسيد المعنوي، كالفعل (أرى) فى قوله:

ومضى عنى، وراحت خطوته

فى السكون

ونرى طلعته بين الضباب

وأرى الموت، فأعوي:

يا أبى (44)

ففي (أرى الموت) تجسيد للموت، كأنه كائن مدرك بالعين.

(5) وقد تتوالى الأفعال تواليا ملحوظا أحيانا، على نحو ما نجد فى المقطع التالي:

لا يمضى زمن حتى تتمدد أجنحة الظلمة

تتكوم عندثذ في عينيّ المرئيات

تتقارب فيها الأجسام وتتلاصق

تتواجه، تتعانق

تندمج وكوى فى الأفق المغلق

تبدو كتل أخرى من أركان نائية جهمه

تتكور أجساما

تتكسر جسما جسما، تتشكل هامات

قامات، أذرعة، أقداما

تتقدم نحوي حتى أخشى أن تصدمني

أتوقف، لا أثرى ماذا أفعل

فأعود إلى شباكي (45)

والحق أن الذي يلفت نظرنا هنا أساسا، ليس التوالي الكمي للأفعال، وإنما التوالي الكيفي؟ فالفعل في هذا المشهد ذي الطابع الدرامي، هو الذي يقود الحركة، وحر! حركة متطورة متجددة، ولكنها لا تتجه- في تطورها وتجددها- اتجاها أفقيا مسطحا، وإنما تسير في خط رأسي أو تصاعدي؟ إذ لا تعبر الأفعال عن الانتقال من حركة إلى حركة أخرى منقطعة عن سابقتها، وإنما تعبر عن علاقة طردية بين الحركات، حيث تكون الحركة اللاحقة نتيجة للحركة السابقة. والأفعال ترسم لنا هذا الخط الرأسي التصاعدي؟ فأجنحة الظلمة تتمدد، ونتيجة لذلك تتكوم المرئيات فى عيني الشاعر، ثم تتقارب الأجسام، ثم تتلاصق، ثم تتواجه، ثم تتعانق، ثم تندمج، ثم تهوي.

وإذا كان الفعل (تتمدد) هنا يمثل قاعدة الخط الرأسي، ف!ن الفعل (تهوى) يمثل قمته:

تهوى

تندمج

تتعانق

تتواجه

تتلاصق

تتقارب

المرئ           تتكوم             يات

أجنحة --------------- تتمدد -------------------- الظلمة

أما الحركة في المرحلة التالية (تبدو كتل... إلخ)، ف!ن اتجاهها لا يتغير أيضا، مع سقوط الأجسام- الذي يعبر عنه الفعل (تهوى)- وإنما تتغير صورتها فقط؟ فإذا كانت الحركة فيما سبق حركة ذاتية، أو ذات جالب واحد، بمعنى تغير الأجسام في ذاتها دون أن يظهر تأثيرها في نفس الشاعر، فإن الحركة هنا ذات جانبين:

(1) جانب ذاتي: يبدو في انتقال الأجسام- في المرحلة الجديدة-

وتحولها من صورة إلى صورة.

(ب) وجانب موضوعي: يبدو في نتيجة هذا الانتقال وتأثيره في نفس الشاعر، وهو خوفه، وتوقفه عن النظر، وحيرته، ثم اختياره العودة. ولا يخلو هذا المشهد من عوامل لغوية أخرى مساعدة، وتبدو هذه العوامل فيما يلي:

(أولا) التعبير بالفعل المضارع، الذي يقوم بوظيفة استحضار الحدث.

(ثانيا) إهمال حرف العطف مع الفعل أحيانا (في مثل: تتواجه، تتعانق... الخ) تأكيدا للإحساس بتغير الحدث- ومع الاسم أحيانا أخرى (في مثل: هامات، قامات... إلخ) تأكيدا للإحساس بانتقال الجسوم والمرئيات من صورة إلى أخرى انتقالا سريعا مفاجئا.

(6) ويستغل الشاعر (الفعل) كذلك في صنع المقابلة بين الأزمنة؟ كالمقابلة بين المضارع والماضي في قوله:

فحين يقبل المساء يقفر الطريق، والظلام محنة الغريب

يهب ثلة الرفاق، فض مجلس السمر (46).

حيث نجد المقابلة بين (يهب) و(فض).

أو قوله:

أعود يا صديقتي لمنزلي الصغير

وفى فراشي الظنون، لم تدع جفني ينام (47)

حيث نجد المقابلة بين (أعود) و (لم تدع)

(7) ويبرز دور (الفعل)- في استخدامه على المستوى المجازى- في تجسيد المجرد، وتصوير هيئته، مثل (ينقر الوداد) في قوله عن صديقه:

كان اسمه (نبيل)

وكنت في محبتي أدعوه بلبلي الحبيب

وكان راجف الجناح، دائب السفر

وكان حينما يعود ينقر الوداد من فؤادي (48)  

أو (مشى الملالة) كالكائن الحي في قوله:

طال الكلام.. مضى المساء لجاجة.. طال الكلام

وابتل وجه الليل بالأنداء

ومشت إلى النفس الملالة، والنعاس إلى العيون (49)

هكذا يسهم الفعل في تجسيم المجردات. وكما يقول Seidler فإنه عن طريق التجسيم  Verdinglichung تتكشف قيم الوضوح وقابلية الشيء للإبصار    Werte der Klarheit und Ubershaubarkeit(50).

(8) وقد يدخل الفعل مع الاسم نما مزاوجة مجازية طريفة، تعتمد- في إبداع المعنى- على علاقة (التضاد) بين طرفيها، مثل (موت الحياة) في قوله:

            .... ويظل يسعل، والحياة تموت في عينيه،

                                                إنسان يموت

           وعلى محياه القسيم سماحة الحزن الصموت (51).

(خامسا) القيمة الأسلوبية للصفة في المزاوجات المجازية:

يلاحظ الباحث في شعر صلاح عبد الصبور إلحاحه الشديد على خلق المزاوجات اللفظية المبتكرة بين الاسم والصفة، سواء كان ذلك باستغلال كلمة (حلو) ومقابلها (مر)، أو باستخدام كلمات أخرى كثيرة استخداما مجازيا.

وإذا كانت كلمة (حلو)- التي ترددت في شعره على نحو ملحوظ- قد استخدمت استخدامها المألوف للدلالة أحيانا على ما يذاق، مثل (الكأس الحلوة) (52)، فإن هذه الكلمة قد تزاوجت في أكثر الأحيان مع ما لا يذاق، كالمقلتين الحلوتين (53)، والكلمتين الحلوتين (54)، والأوقات الحلوة (55)، والكلمات الحلوة (56)، والشمس الحلوة كذلك (57).

وأغلب الظن أن تردد هذه الصيغة واستخدامها على هذا النحو، إنما هو انعكاس لكثرتها وتغليبها عل صفات أخرى في لغة الحديث اليومي Alltagsrede. ويمكن أن نلحظ ذلك- في يسر- في المراوحتين:

المقلتان الحلوتان في مقابل جميلتين

الشمس الحلوة في مقابل جميلة

كذلك استخدمت الصفة (مر) في بعض المزاوجات اللفظية استخداما مجازيا، وإن كانت هذه المزاوجات من النوع المألوف في الشعر العربي في عصوره المختلفة، مثل: الفجائع المرة (58)، والضنى المر(59).


وإنما يبدو الابتكار والغرابة في مزاوجات أخرى مثل (الجلال المر) في قوله:

وإن أتاني الموت، فلأمت محدثا أو سامعا

أو فلأمت، أصابعي نما شعرها الجعد الثقيل الرائحة

في ركني الليلي، في المقهى الذي تضيئه مصابح حزينة

حزينة كحزن عينيها اللتين تخشيان النور نما النهار

عينان سوداوان

نضاحتان بالجلال المر والأحزان (60).

وتتجلى القيمة الأسلوبية للصفة هنا لا في قدرتها على الجمع بين المجرد والمحسوس تارة، أو بين المحسوسين تارة أخرى فحسب، وإنما تتجلى كذلك في استغلال الشاعر قدراتها الإيحائية، وإطلاق هذه القدرات دون التوقف عند معانيها الدلالية؟ (فالجلال المر)، مثلا، قد أوحى بالأسى واختفاء تجارب غير سارة، وقد توحي بالإباء والشموخ برغم الحزن، وقد توحي بالتجمل ورفض الواقع، وقد توحي بذلك كله، أو بدلالات أخرى فضلا عن كل ذلك.

وبالإضافة إلى ما سبق، تتوارد في شعر صلاح عبد الصبور عثرات المزاوجات اللفظية الوصفية المجازية، حيث تتمتع الصفة فيها بقدرات إيحائية عالية متعددة. ومن ذلك (الظلمة البلهاء)، التي توحي بطغيانها وامتدادها وتحديها دون وعى أو ترفق أو رحمة:

في معزل الأسرى البعيد

الليل، والأسلاك، والحرس المدجج بالحديد

والظلمة البلهاء، والجرحى، ورائحة الصديد (61).

ومن ذلك أيضا (الزمان الضرير)، دلالة على ما يلاقيه منه دون وجه حق، بعد أن فقد هذا الزمان قدرته على التمييز بين الناس والأشياء:

وافرح ... نعيش في مشارف المحظور

نموت بعد أن نذوق لحظة الرعب المرير والتوقع المرير

وبعد آلاف الليالي من زماننا الضرير(62).

وتبلغ الصفة داخل المزاوجة اللفظية درجة عالية من الإدهاش والغرابة والابتكار على نحو ما نجد في (الحزن الضرير) (63)، ل! البكاء الضرير) (64).

وقد يعبر عن فقدان الأشياء جدواها وغايتها بكلمة (عقيم)، مثل (الحزن العقيم) (65)، و(الحلم العقيم) (66)، أو كلمة (مجدب)، مثل (يوم مجدب) (67)، أو فقدانها حيويتها وقوتها ونضارتها بكلمة (مقفر) مثل (الضلوع المقفرة) (68)، أو ضياعها وعدم القدرة على إرجاعها إلى حالها  بكلمة (مكسور) مثل (الأمنية المكسورة) (9)، أو زيادتها ونمائها غير المرغوب ف 4 بكلمة (مخضل)، مثل (الجرح المخضل) (70).

وتبدو القيمة الأسلوبية للصفات السابقة في انطلاق الدلالات الإيمائية المثيرة في اتجاهات متشعبة متعددة. ويرجع تمتع هذه الصفات بالتعدد في الدلالة إلى عاملين أساسيين.

(أولهما) المزاوجة بين المجرد والمحسوس في كثير من الأحيان. (والآخر) هو عدم تطابق هذه الصفات- بعامة- مع الأسماء تطابقا إخباريا narrative مباشرا، لأنها قد انتزعت من حقولها الدلالية الخاصة إلى حقول دلالية أخرى مختلفة، في شكل مجازى استعاري. وفضلا عما سبق، تفصح صفات أخرى عن قدرة إيحائية فائقة في تصوير الحالات النفسية المعقدة، فقد تعبر عن النفور والضيق والوحشة، في مثل (الصمت الراكد) في قوله:

          الصمت راكد ركود ريح ميته

          حتى جنادب الحقول ساكته (71).

و(الخوف الداجي) في قوله:

             آه،

                ليس هو الليل،

                  بل الخوف الداجي،

                     أنهار الوحشة،

                       والرعب المتمدد

                            والأحزان الباطنة الصخّابة (72).

وقد تعبر عن الغضب والحزن وعدم الرضا، مثل (النفس

الذابلة)، ن! قوله:

وحينما تهتز أجفان

وتفلتين من شباك رؤيتي المنحسره

تذوين بين السماء والأرض

ويسقط الإعياء

منهمرا كالمطره

على هشيم نفسي المنكسره

كأنه الإغماء (73).

و (الرنة المنشرخة) في قوله:

وربما سألته، لأنه اتكا، ومال فرق بعضه، وزاد:

(وشت بك الأنغام، أيها الغلام)

(سني تقارب الخمسين، ربما يكون هذا اللفظ شارة

ا لوداد)

في صوتك الخفي رنة منشرخة

مشبوهة القصد، غريبة المرام (74).

والحق أن شعرنا العربي قد عرف بعض هده المزاوجات في عصوره المختلفة حتى العصر الحديث، (فالزمان الضرير) عند الشاعر يذكرنا (بالزمان الأعجمي) عند (إيليا أبو ماضي) (75)، و(الحظ ا لأعمى) عند (إبراهيم ناجى) (76). و(الفجائع المرة) و (الضنى المر) ونحوهما عند الشاعر تذكرنا (بالفراق المر) عند أبى تمام (77)، (والجفاء المر) عند ابن النبيه المصري (78). و (اليوم المجدب) عند الشاعر يذكرنا (بالزمن الجدب) عند ابن النبيه أيضا (79)، و (العمر الجديب) عند ناجى (80). و (الصمت الراكد) يذكرنا- مع اختلاف الطرف الأول بين المزاوجتين- (بالشمس الراكدة) عند في الرمة (89). و(الخوف الداجي) عند الشاعر يذكرنا (بالخطب الداجي) عند شوقي (82).

والحق أن شعر صلاح عبد الصبور، بالرغم من ذلك، قد احتوى على بعض المزاوجات الطريفة التي لا نكاد نجد لها مثالا في شعرنا القديم والحديث؟ وهى تعد من أكثر المزاوجات في شعره إثارة وغرابة وجدة إدهاشا، ومن ذلك (الصوت الرطب) في قوله:

وتقدم هذا المحبوب.. الشعر

وبأصابعه فك الختم وأفشى السر

أنشأت أغرد في صوت بالدمعة رطب

لليل، وللفجر الغافي بالباب

ولأصحابي (83).

حيث يتجلى (تراسل الحواس) في جعل حاصل المزاوجة:

صوت رطب= سمع + لمس.

وكأن الشاعر هنا يجعلنا نسمع بأيدينا. وقد يجعلنا نبصر بأيدينا كذلك، في المزاوجة ا ليل ناعم) في قوله:

أنا تدفيني الألفاظ الحرى

وتقفقفني الألفاظ الباردة الرعناء

لفظ حالم

قد يولد في ليل ناعم

في حضن النيل الباسم (84)،

ويتجل (تراسل الحواس) أيضا في المزاوجة (كلام مملح)، حيث يكون السمع باللسان:

وأنت يا جامدة الإحداق كالنجوم

يسيل من أشداقك الكلام أبيضا ومملحا

كالزبد المسموم (85).

وغنى عن البيان أن الانتباه ينصرف في إبداع هذه المزاوجات إلى الصفة أكثر من انصرافه إلى الموصوف، وجعل هذه الصفات من المدركات الحسية يؤدى إلى تعيين الموضوعات وإدراكها، وتحقيق هويتها، وتوسيع معانيها إنها تلقى على الموصوفات ضوءا باهرا، يبرزها، ويخرجها من حقلها المألوف. ولا ينبغي أن يفهم هذا الكلام- بالطبع- عق انصراف القيمة الأسلوبية إلى الصفة في ذاتها؟ لأنها قد تعجز عن حمل تلك الدلالات والإيحاءات في حقلها المعتاد. ومعنى ذلك أن الفضل في إبراز هذه القيمة وإعلانها يرجع إلى استخدام الصفة في مجموعة لفظية مجازية.

وإذا كان المجاز أو الاستعارة في الشعر ظاهرة أولية و primare Erscheinung كما يقول بيرمان Behrmann (86)، فان الذي يسترعى الانتباه هنا هو القدرة على خلق الاستعارة الجديدة، لإبداع المعنى الجديد. وقد اجتهد صلاح عبد الصبور إبداع المعنى عن طريق خلق مزاوجات مجازية تسير الصفة فيها في اتجاه مضاد الموصوف. وبذلك يتخلق معنى بكر لا عن طريق علاقة (المشابهة) التي توجبها البلاغة القديمة (87،، وإنما عن طريق علاقة (التضاد) بين طرفي المزاوجة: المستعار والمستعار نه. ومن ذلك (فرح جديب) في قوله:

ثم يمر ليلنا الكئيب

ويشرق النهار باعث! من الممات

جذور فرحنا الجديب (88).

حيث توحي الصفة بفقدان الموصوف ما يجعله كذلك، من رضا وبهجة وتعلق.

والربط بين لفظين متناقضين Oxymonron  في عبارة وصفية adjectival phrase من السمات التي يعرفها الشعر العالمي المعاصر مثل (الشعلة السوداء) عند راسين  Racine و(الشمس السوداء) Nerval، و(الشموس السوداء) عند هوجو  Hugo (89). ومهما يكن من أمر، فإن الذي لا شك فيه أن الأمثلة السابقة تدل على أن الشاعر قد ارتكز ارتكازا شديدا على المزاوجات المجازية بين الاسم والصفة، وجعل من هذه المزاوجات وسيلة أسلوبية stylistic device أساسية في شعره لإبداع الغاية الأسمى: المعنى. ومن حق صلاح عبد الصبور علينا أن نؤكد توفيقه في ابتكار مزاوجات جديدة، وفى تفوقه المدهش في اختيار الصفة للموصوف ومناسبتها له في ثوب. جديد كل الجدة. ويكفى للتدليل على ذلك المزاوجة (هموم معشبة) في قوله:

ا لإطار

قلبي المليء بالهموم المعشبة

وروحي الخائفة المضطربة

ووحشة المدينة المكتئبة (90).

حيث توحي الصفة بالكثرة والتشابك وصعوبة الخلاص.

ومن هذا النوع من المزاوجات كذلك (اليأس القاتم) في قوله:

ثم يصير الوهم أحلاما

لأنه مات، فلا يطرق سور النفس إلا حين يظلم المساء

كأنه أشباح ميتين من أحبابنا

ثم يصير الحلم يأسا قاتما وعارضا ثقيلا (91)

حيث لاتؤكد الصفة هنا معنى الشدة فحسب، بل تثير- في الوقت نفسه- الإحساس بالوحشة والضياع وفقدان الرجاء. والقتامة درجة من درجات اللون. وقد وظفها صلاح عبد الصبور توظيفا رمزيا بارعا على ما نرى في الفقرة التالية.

(سادسا) رمزية الألوان وقيمتها الأسلوبية:

لم تقتصر المزاوجات اللفظية في شعر صلاح عبد الصبور على الأنماط السابقة، وإنما تعدتها إلى استغلال الصفات اللونية في تشكيل مزاوجات تتجلى قيمتها الأسلوبية ف جعل لغته الشعرية لغة رامزة موحية، لا سيما إذا وضعت الصفة اللونية مع اسم غير متوقع في مزاوجة واحدة. وعدم التوقع هنا يعنى ضم الصفة إلى موصوف لم تألف اللغة وصفه بها. ولا يشترط نما هذا الموصوف- حينئذ- كونه حسيا أو مجردا، فكلاهما وارد في شعر صلاح عبد الصبور.

ومن أمثلة النوع الأول المزاوجة (خطو مخضر) في قوله:

كان طفلا عندما فر عن البيت وولى

من سنين عشرة، ذات مساء، كان طفلا

وافتقدناه، وناديناه في أحلامنا

وانتظرنا خطوه المخضر في كل ربيع

وشكونا جرحه خلاننا (92).

وتبدو قيمة الصفة اللونية هنا في خلق دلالات متشعبة غير مباشرة؟ فالاخضرار رمز البركة والدعة والراحة، وكأن الخطو المخضر هنا هو الخطو الذي يجلب البهجة والراحة والبركة.


ومن أمثلة النوع الثاني المزاوجة (المحبة الخضراء) في قوله:

أهل بلادي يصنعون الحب

كلامهم أنغام

ولغوهم بسام

وحين يسغبون يطعمون في صفاء القلب

وحين يظمأون يشربون نهلة من حب

ويلغطون حين يلتقون بالسلام

- عليكم السلام

- عليكم السلام

لأن من ذرى بلادنا ترقرق السلام

وفاض من بطاحها محبة خضراء مثل نبتة الحقول (93).

حيث تكتسب المحبة لونا يرمز إلى ما تتمتع به من خصوبة وبركة ونماء وتجدد.

والحق أن صلاح عبد الصبور قد استغل هذا اللون، فأبدعت ريشته به مزاوجات مجازية أروع إبداع وأكثر طرافة. ويتجلى هذا بوضوح في المزاوجة (الأنغام الخضراء) في قوله:

في ليلة صيف

وقع أحد الشعراء البسطاء

أنغاما ساذجة خضراء

ليناجى قلب الإلف (94).

فهو يرسم النغم باللون، أو بعبارة أخرى: يجعلنا نسمعه بالعين.

ويلاحظ الباحث في شعر صلاح عبد الصبور أن أكثر الألوان تواردا في شعره هما الأخضر والأبيض؟ ففضلا عما سبق، اشترك اللون الأخضر في مزاوجات مجازية أخرى مثل (بحر السعد الأخضر) (95) وغيرها.

أما اللون الأبيض، ف!ن دلالاته العامة هي الصفاء والطهارة والسلام. ولكن هذه الدلالات تمتلك خصوصيتها وفقا للموصوف في كل مزاوجة، مثل (البسمة البيضاء) (9)، أي التي لا رياء فيها، (والأفراح البيضاء) (97) أي الخالصة التي لا يشويها شائبة، و(الرقة البيضاء) (98)، أي الطاهرة العفيفة التي لا خلاعة فيها ولا سخف، و(البشارة البيضاء) (99)، أي التي تبعث التفاؤل والأمل، و(الكلام الأبيض) (100)، و(الألفاظ البيض) (101)، أي التي تنشر في النفس الطمأنينة والسلام وراحة البال!

ولا تخلو قائمة الألوان في شعر صلاح عبد الصبور من اللون الأسود، وإن كانت مزاوجاته نادرة، على نحو ما في (الخوف الداجي) (102) التي مرت بنا، و(الأنغام السوداوية) (103).

ومن ناحية أخرى، تقابلنا صفات الألوان ودرجاتها في مزاوجات عدة. وتكاد تتساوى صفات الشحوب والدكنة مع الصفات المقابلة لها. فمن النوع الأول (الغمامة الشاحبة) (104)، و(اليأس القاتم) (10). ومن النوع الثاني (الرحمة الزهراء) (106)، النور الرائق) (107).

واذا كان شعرنا العربي قد استغل تلك الدلالات الرمزية للألوان، واعتمد عليها في إبداع المعنى، على نحو ما نجد في (الوصال الأخضر) عند ذي الرمة (108)، و(النغمة الخضراء) عند الأعمى التطيلى (109)، وابن زيدون (110)، و(الحق الأبيض) عند البهاء زهير (111)، و(النغمة البيضاء) عند أبى تمام (112)، و(الأماني البيض) عند الأعمى التطيلي (113)... إلخ، فإن هناك بعض المزاوجات التي لا نكاد نجد لها مثيلا في شعرنا، مثل (النور الصدئ) في قوله:

أنذرنا من قبل أن يجئ

بأن يوما مجدبا تقدمه

وظل يلتف على أرواحنا

حتى تهتكت خيوط نوره الصدئ (114).

وتتجلى صورة الإبداع هنا في نقل صفة (الصدأ) من حقل دلالي يختلف اختلافا تاما عن الحقل الذي تنتمي إليه كلمة (النور)؟ وهر نقل غير متوقع، يبعد عن التوارد الذهني والعاطفي المباشر. فإذا كان (الصدأ) في المعادن، فقد عقد الشاعر بينه وبين النور علاقة معنوية، قد يفهم منها الدلالة على النور الضعيف الباهت؟ ف!ذا كان النور يظهر ما تحته أو ما حوله، فهو هنا نور صدئ لا يمكنه ذلك.

(سابعا) المزاوجات الاسمية وقيمتها الأسلوبية:

فضلا عن وفرة المزاوجات المجازية التي تبنى من العنصرين: اسم + صفة، تقابلنا في شعر صلاح عبد الصبور مزاوجات أخرى تتعاقب فيها الأسماء؟ وتبنى من اسم+ اسم. وتتكون هذه المزاوجات أحيانا من محسوس+ مجرد، مثل (جذور الفرح) في قوله:

ثم يمر ليلنا الكئيب.

ويشرق النهار باعثا من الممات

جذور فرحنا الجديب (115).

و(سيقان الندم) في قوله:

سوخي إذن في الرمل، سيقان الندم

لا تتبعيني نحو مهجري، نشدتك الجحيم

وانطفئي مصابح السماء

كمط لا ترى سوانح الألم

ثيابي السوداء (116).

وفيهما يقوم المحسوس بوظيفته الدلالية في تشخيص المجرد، وفى

إيثار (الجذور) و(السيقان) ما يوحي بالامتداد والتأصل.

ومن ذلك أيضا المزاوجة الطريفة (أهداب الذكرى) في قوله:

زرنا موتانا في يوم العيد

وقرأنا فاتحة القرآن، ولملمنا أهداب الذكرى

وبسطناها في حضن المقبرة الريفية (117).

حيث توحي كلمة (الأهداب) فيها بحداثة الذكرى وقصرها ومعاودتها مرة بعد مرة (قابل ذلك باستعمال الجذور والسيقان في المزاوجتين السابقتين).

وقد تبنى المزاوجة من: محسوس+ محسوس. و(ذا كانت المزاوجة من كل "النوع مألوفة أحيانا مثل (أجنحة الظل) (118)، فهي لا تخلو من الجدة والغرابة أحيانا أخرى مثل (عروق الشمس) (119)

(ثامنا) مزاوجات اسمية خاصة:

فضلا عما سبق، نجح صلاح عبد الصبور في إبداع المعنى عن طريق الجمع بين اسمين من حقلين دلاليين مختلفين على نحو جديد ومبتكر. لاذا كان لكل كلمة في اللغة مزاوجاتها المألوفة، فإن الخيال الشعري يخرج الشاعر- أحيانا- عن عرف اللغة إلى رؤية علاقات حتمية جديدة بين الألفاظ التي لا تترابط ظ في الاستعمال العادي. وتأخذ هذه العلاقات في شعر صلاح عبد الصبور أربع صور مختلفة، هي:

(1) خلق علاقة مناسبة بين طرفي المزاوجة.

(2) الاعتماد في إبداع المعنى أحيانا على علاقة التضاد.

(3) وضح الاسم في غير موضعه المألوف أحيانا.

(4) تسمية الشيء بغير اسمه الذي يطلق عليه عادة.

وتتجلى مهارة الشاعر في خلق علاقة المناسبة في اختيار الطرف الأول

من المزاوجة، الذي يؤكد معناه معنى الطرف الثاني ويجسم هيئته، ويحوله من شئ مجرد مدرك محسوس. ومن أمثلة ذلك في شعر صلاح عبدالصبور المزاوجات التالية:

(أ) (شراع الظن) في قوله:

تظل حقيقة في القلب توجعه وتضنيه

ولوجفت بحار القول لم يبحر بها خاطر

ولم ينشر شراع الظن فوق مياه!ا ملاح

وذلك أن ما نلقاه لا نبغيه

وما نبغيه لا نلقاه (120).

ففي هذه المزاوجة يفاجئنا هذا التناسب العجيب الذي يخلقه الشاعر بين طرفيها؟ فالأول يناسب الثاني من حيث دلالته الإيحائية - هنا- على التردد العاصف، والقلق، والانتقال من حال إلى حال.

(ب) ومن هذه المزاوجات كذلك ا لقم التذكار) في قوله:

عودوا يا موتانا

سندبر في منحنيات الساعات هنيهات

نلقاكم فيها، قد لا تشبع جوعا، أو تروى ظمأ

لكن لقم من تذكار

ح!ى، نلقاكم في ليل آت (121).

ولا شك أن هذه مزاوجة (صبورية) بكر؟ وهى توحي بالتذكر

مرة بعد مرة، كما يضع الآكل في فمه لقمة بعد لقمة.

وقد يعتمد الشاعر على المزاوجة بين محسوسين، ولكن تبقى مهارته

في اختيار الطرف الأول ظاهرة أيضا. ومن ذلك (حوائط الظلمة)، في قوله:

وهكذا مات النهار

ومال جنب الشمس، واستدار

وانطفأت نوافذ المرضى، وأنوار الجسور

في أعين الحراس والمآذن

تكومت حوائط الظلمة في مداخل البيوت والمخازن (122).

حيث يتناسب الطرف الأول مع الثاني، من حيث دلالته على الانحصار والوقوع في أسر الظلمة التي تكومت حوائطها.

وقد يجاوز الشاعر- في إبداع المعنى- علاقة (التناسب) بين الطرفين إلى علاقة (التضاد)، أي الجمع بين الشيء وضده في مزاوجة واحدة. ومن ذلك (جدول اللهيب) في قوله:

لقد بلوت الحزن حين يزحم الهواء كالدخان

ثم بلوت الحزن حينما يفيض جدولا من اللهيب.

   نملأ منه كأسنا، ونحن نمضي في حدائق التذكرات (123).

فالمزاوجة هنا لا تأخذ الصورة الطردية: ا مع 2، وإنما تبدو في صورة أخرى هي الصورة العكسية: ا ضد 2 ، فقد جمعت المصاحبة الأخيرة بين الماء (جدول) والنار ا لهيب)، أي جمعت في الخيال الشعري بين شيئين لا يجتمعان في الواقع والطبيعة. وتتجلى القيمة الأسلوبية للمزاوجة هنا في تعميق الإحساس بالمعنى عن طريق الجمع بين العناصر المتضادة، فلم يعد (الجدول)- كما نألف- يثير فينا الإحساس بالراحة والسكينة والهدوء العميق، بل تحول من الاستخدام الجديد إلى مثير للرعب والفزع والعذاب.

ومن علاقة التضاد أيضا المزاوجة (دوامة السكون)، في قوله:

أعود يا صديقتي لمنزلي الصغير

وفى فراشي الظنون، لم تدع جفني ينام

مازال في عرض الطريق تائهون يطلعون

ثلاثة أصواتهم تنداح في دوامة السكون

كأنهم يبكون (124).

ففي (دوامة السكون) تتصاحب الحركة مع السكون في آن واحد، فالسكون هنا ليس سكونا سالبا، بليدا، يسمح للشاعر بأن يسمع فيه صوتا آخر غير صوته هو، وإنما هو سكون موجب، حن، متصل، لا يتوقف. ولا شك أن الخيال الشعري هو المسئول هنا عن خلق مثل هذه المزاوجات ذات العناصر المتضادة في الواقع، وكأن الشاعر يريد أن يولد المعنى من اللا معنى.

وقد يلجأ الشاعر- أحيانا- إلى وضع الاسم في غير موضعه المألوف. ويبدو ذلك في منح ما يرى فحسب صوتا مسموعا، نحو (حفيف النجوم)، وكأنه يجمع ب!من ما يسمع صوته في الأرض (الشجر) وما يرى سناه في السماء (النجوم):

وقالت لي:

بأن النهر ليس النهر، والإنسان لا الإنسان

وأن حفيف هذا النجم موسيقى

وأن حقيقة الدنيا ثوت في كهف

وأن حقيقة الدنيا هي الفلسان فوق الكف (125).

وتداخل العناصر الكونية على هذا النحو في اللغة الشعرية نجده كذلك في (حقل السماء)، في قوله:

وفجأة أورق في حقل السماء نجم وحيد

ورث في الصمت البليد ريش طائر فريد (126)


وتبدو تسمية الشيء بغير اسمه الذي يطلق عليه عادة في نقل كلمة (الأسراب) من دلالتها على جماعات الطير، إلى الدلالة على الجماعات من الناس كذلك، وهو نوع من توسيع المعنى:

وفى نفس الضحى الفواح

خرجت لأنظر الماشين في الطرقات، والساعين للأرزاق

وفى ظل الحدائق أبصرت عيناي أسرابا من العشاق

وفى لحظه

شعرت بجسمي المحموم ينبض مثل قلب الشمس

شعرت بأنني امتلأت شعاب القلب بالحكمة (127).

وقد يقصد إلى هذا النقل- أحيانا- للتهكم أو الاستهزاء، كتفك كلمة (ثغاء) التي تطلق على صوت الماعز، وإطلاقها على أصوات الندامى والمتسكعين:

ويضحكون ضحكة بلا تخوم

ويقفر الطريق من ثغاء هؤلاء (128).

(تاسعا) التأثر بلغة الحياة اليومية:

يختلف الشعر الحديث عن الشعر التقليدي اختلافا شديدا في هذه المسألة. فالشعر الحديث- بعامة- قد تأثر بلغة الحياة اليومية تأثرا واضحا، سواء على مستوى استخدام بعض الكلمات المرتبطة بلغة الحديث اليومي، أو على مستوى العبارات ونظام تركيب الجملة. والذي لا شك فيه أن هذا الاتجاه إلى الإفادة من معجم العامية ونظم تراكيبها، إنما هو انعكاس لطبيعة الموضوعات التي عالجها هذا الشعر، فقد برزت فيه قضايا الإنسان المعاصر ومشكلاته وتفصيلات حياته اليومية، بما فيها من إحساس بالغربة والضياع والتعقد والاضطراب الفكري والروحي. ولم يكن مناسبا أن يعبر عن تلك الموضوعات بلغة خطابية على طريقة الواقعية الكلاسيكية، ولا بلغة ذاتية محافظة على طريقة الرومانسية ورموزها. وإنما كان من الضروري التعبير عن تلك الموضوعات في إطار واقعية جديدة. في ضوء ذلك، كان طبيعيا أن يبحث الشاعر الحديث عن لغة جديدة تستطيع أن تصوغ موضوعاته الحياتية الجديدة. وقد وجد رواد هذا الشعر- ومن أبرزهم صلاح عبدالصبور- في دعوى ت. س. إليوت. T.S.Eliot ما يتمشى مع نزعتهم. لقد انتهى إليوت إلى صياغة قانونه المعروف الذي ينص على:

"إن الشعر يجب ألا يبتعد ابتعادا كبيرا عن اللغة العادية اليومية التي نستعملها ونسمعها" (129).

ولا يعنى هذا القانون بالطبع " أن يكون الشعر نفس الكلام الذي يتكلمه الشاعر ويسمعه بحذافيره، ولكن يجب أن يكون بينه وبين لغة الحديث في عصره ما يجعل سامعه أو قارئه يقول: هكذا كنت أتحدث لو استطعت أن أتحدث شعرا" (930).

لقد أكد أليوت " أننا لا نريد من الشاعر أن يقتصر على المحاكاة الحرفية لطريقته هو في الكلام العادي، وطريقة أسرته وأصدقائه وحيه الخاصة، لكن ما يجده في هذه البيئة هو المادة الغفل التي يجب أن يصنع منها شعره" (131).

وقد تمثلت هذه الدعوى في شعرنا الحديث بعامة تمثلا واضحا،

ويقف صلاح عبدالصبور فيها موقفا وسطا، بين من اعتنق هذه الدعوى على حذر وتحرز من جيل الرواد، مثل بدر شاكر السياب، ومن بالغ في تطبيقها والاعتماد عليها من الأجيال التالية، أمثال كمال عمار، وفتحي سعيد وغيرهما (132). وإن كان صلاح عبد الصبور فد مال في ديوانيه (تأملات في زمن جريح)، و (شجر الليل)، إلى اللغة الشعرية المكثفة، التي لا تأخذ من لغة الحياة اليومية الا بقدر يسير جدا.

وعلى مستوى الألفاظ المفردة تمتلئ القائمة بألفاظ تتوارد في لغة الحياة اليومية، وننأى عنها لغة الشعر التقليدي غالبا، مثل: الاستفراغ (133)، ورائحة الصديد (34 1)، والذباب (35 1)... إلخ. أو ألفاظ ترتبط بمعجم اللغة العامية، ويميل عنها الشاعر التقليدي إلى نظائرها التي لا تكاد العامية تعرفها، مثل: خلطة (36 1)، وقرف (37 1)، ووساخة (38 1)، والأفعال (باس، (139)، و(بص) (940)... إلخ.

من ناحية أخرى، تتكرر في شعره عبارات التحية والوداع(141)، وعبارات شعبية أخرى مثل (التبات والنبات) (142)، وعبارات تفتتح بها الحكايات الشعبية، مثل (كان يا ما كان) (143)، ...! لخ.

أما التركيب النحوي في شعر صلاح عبد الصبور، فقد تأثر تأثرا واضحا بنحو اللغة العامية. ومن الأمثلة على ذلك الحال المنفى بعد الفعل (مضى) في قوله:

ومضى، ولاحس ولا ظل كما يمضى ملاك (144).

وكأن التركيب هنا مقيس على العبارة العامية (وراح ولا حس ولا خبر). (وتأمل استعمال الشاعر كلمة! حس! أيضا بعد (لا) النافية).

ولعل هذا التأثير قد امتد كذلك إلى توالى الفعلين تواليا مباشرا، على نحو ما في قوله:

وقفت أمامكم ورفعت كفى قائلا: هيا

هنا إنسان...

يريد يدير في فكيه ألفاظا يدحرجها إلى الإنسان (145).

وذلك كقولنا في العامية المصرية (عايز يدوّر)، حيث يستخدم اسم الفاعل بمعنى الفعل.

وأغلب الظن أن الجمع بين (الكاف) و(مثل) في (كمثل)، إنما هو من تأثير لهجات الخطاب تأثيرا مباشرا.

ومن ذلك توله:

عرفت أن قلبك الأسيان

كمثل قلبي،

شارد يبكى على دمامة الزمان (146).

أو قوله:

لأن الحب قهار كمثل الشعر

يرفرف في فضاء الكون.. لا تعنو له جبهه وتعنو جبهة الإنسان

أحدثكم- بداية ما أحدثكم- عن الحب (147)

والحق أن الجمع بين (الكاف) و(مثل)، أو (الكاف) و(شبه) وقع في الشعر العربي القديم. ومن ذلك قول الأعشى: كميت يرى دون قعر الإني

كمثل قذى العين يقذى بها (148)

وقوله:

كوني كمثل التي إذ غاب وافدها

أهدت له من بعيد نظرة جزعا (149)

أو قوله:

والأرض حمالة لما حمل الله وما إن ترد ما فعلا

يوما تراها كشبه أردية الخمس ويوما أديمها نغلا (150)

ومع ذلك، فإنني أحسب أن التأثير المباشر في استخدامها إنما يرجع إلى لغة الخطاب الدارجة، التي تأتي فيها (كمثل) في آخر الجملة عادة، نحو: الذهب رخص، والدولار كمثل!

لقد ترك أسلوب الحديث اليومي والسرد أثره واضحا في (حجم الجملة) عند صلاح عبد الصبور، إنها تطول حيث الاستغراق العاطفي أو التأمل الفكري أو ؤ!يد التفصيلات، وتقصر حيث الوثبات العاطفية المفاجئة المتقطعة، والخروج المباشر من فكرة إلى فكرة، دون التقيد الصارم بالتنظيم والترتيب. ولنأخذ مثالا عل ذلك هذه الأسطر من قصيدة (شنق زهران 18- 19):

1- وثوى في جبهة الأرض الضياء

2- ومشى الحزن إلى الأكواخ، تنين له ألف ذراع

3- كل دهليز ذراع

4- من أذان الظهر حتى الليل.. يالله

5- في نصف نهار

6- كل هذى المحن الصماء في نصف نهار

7- مذ تدلى رأس زهران الوديع

8- كان زهران غلاما

9- أمه سمراء، والأب مولد

10- وبعينيه وسامه

11- وعلى الصدغ حمامه

12- وعلى الزند أبو زيد سلامه

13- ممسكا سيفا، وتحت الوشم نبش كالكتابة

14- اسم قرية

15- (دنشواي)

16- شب زهران قويا

17- ونقيأ

18- يطأ الأرض خفيفا

19- وأليفا.

في الأسطر السابقة يمكننا- في يسر- ملاحظة ما يلي:

(1) تطول الجملة في الاستهلال، والتقديم للحكاية، ورسم خطوطها العامة، على نحو ما نجد في الجزء الأول بعامة، لا سيما الجملة الأولى والثانية، والجملة التي تشغل السطرين 6، 7.

(2) مع الانتقال المفاجئ من فكرة إلى فكرة بالإخبار والوصف، تقصر الجملة، وتبنى- حينئذ- من وحدتين أو ثلاث وحدات صرفية، كالجمل: أمه سمراء- الأب مولد- بعينيه وسامه- على الصدغ حمامه.... الخ.

(3) (القطع) بين عناصر الجملة؟ وهذا القطع كالوقفة القصيرة التي يقفها المتحدث للتفكير وتصيد ما نقص من كلامه. ونجد ذلك في قوله: شب زهران قويا- ونقيا، يطأ الأرض خفيفا- وأليفا.

(4) صياغة التشبيه البليغ عن طريق (القطع) أو الفصل بين المشبه والمشبه به، كما نرى في السطر الثاني، الذي يبدو كقولنا: (آدي محمد ماشى هناك، أسد يهز الأرض)!

(5) في هذه الجمل القصيرة المتوالية يختزل ما يمكن اختزاله أو إسقاطه من وحدات صرفية اعتمادا على دور السياق في الإفهام والتوصيل. ومن ذلك الضمائر وحروف العطف والأسماء الموصولة، أي الأدوات اللغوية الرابطة. ويبدو ذلك في العبارات: تحت الوشم: نبش كالكتابة- اسم قرية- دنشواى، في مقابل: أ نبش كالكتابة هو (بمثابة) اسم قرية (ندعى) دنشواى،.

(6) الحرص على إفهام السامع؟ ويبد وذلك هنا في قوله: ا في نصف نهار! بعد قوله ! من أذان الظهر حتى الليل !، لتحديد المدة الزمنية تحديدا واضحا.

(7) إعادة بعض العبارات وتكرارها بهدف التوضيح والتأكيد كذلك، على نحو ما نفعل في حديثنا الحى، ويتجلى ذلك هنا في إعادة عبارة (في نصف نهار). وقد تكرر بعض الكلمات بهدف التفصيل والإضافة، كتكرار كلمة (ذراع).

ويبدو التكرار في شعر صلاح عبد الصبور أكثر جرأة؟ حين تتكرر الكلمات السياقية contextual words (151) في أسطر متوالية تواليا مباشرا، على نحو ما نجد في قوله مثلا:

وجه حبيبي خيمة من نور

شعر حبيبي حقل حنطه

خدا حبيبي فلقتا رمان

جيد جيبي مقلع من الرخام

نهدا حبيبي طائران توأمان أزغبان

حضن حبيبي واحة من الكروم والعطور

الكنز والجنة والسلام والأمان

قرب حبيبي (152).

وهذه الأبيات- كما يقول الدكتور محمد النويهي- تستثير نظائرها من الصور والأنغام في شعرنا الدارج، من أمثال: عيونها.. عيون غزلان. وشعرها.. سبل جمال، ومناخيرها... نبقة من الشام، وحنكها.. خاتم سليمان. وسنانها.. لولى ومرجان. ورقبتها.. بلاط حمام. وصدرها.. فحلين رمان (153). كذلك، فقد لاحظ الدكتور النويهي- وهى ملحوظة ذكية صائبة- (أن كلمة (حبيبي) التي تتكرر في الأبيات لها نبرة مختلفة تماما عن نبرة كلمة (الحبيب)، حين تأتي في الشعر المقلد. فنبرتها هنا هي النبرة الحية الساخنة التي نسمعها في كلامنا في الواقع، وفى الجيد من! أغانينا " (154).

وينبغي الإشارة هنا إلى أن تمثل لغة الحديث اليومي على هذا النحو، قد زود شعر صلاح عبدالصبور بقيمة أسلوبية إضافية، تبدو في المناسبة الذكية الواعية بين طبيعة الموضوعات وطبيعة اللغة المستخدمة للتعبير عن تلك الموضوعات. وفى ديوانيه (تأملات في زمن جريح) و(شجر الليل)، اللذين يغلب علبهما الطابع الصوفي الفلسفي التأملي، يضعف التأثم بلغة الحياة اليومية إلى حد كبير، وإن ظل النسيج العام لشعره مصطبغا بهذه اللغة. وفى الحالين: التمثل في الدواوين الأخرى، وضعفه في هذين الديوانين، تبقى المناسبة كامنة- باختصار- في مراعاة الحدث الكلامي speech-event للمقام speech-situation، أو بالعبارة المشهورة: مراعاة الكلام لمقتض الحال.

                أو ليس ذلك جوهر البلاغة؟

(عاشرا) التكرار وتيمه الأسلوبية:

يعد التكرار repetition ظاهرة لغوية من حيث اعتماده- في صوره البسيطة المركبة- على العلاقات التركيبية syntagmatic relations بين الكلمات والجمل. وهو يعد- في علو معدلات تكراره- وسيلة بلاغية ءح أ 7 ح 4 ا، ح !ه، ح ث!* ذات قيم أسلوبية مختلفة. ويمكننا- وفقا للتصنيف العام عندما أولمان (155)- التمييز بين نمطين أساسيين للتكرار في شعر صلاح عبد الصبور:

(الأول) التكرار البسيط. Simple repetition

و(الآخر) الأنماط المركبة للتكرار complex patterns of repetition

وإذا كان هذا التصنيف يجرى على أساس تركيبي، فإن لكل نمط مما سبق صورا بلاغية أخرى.

أما النمط الأول، فيمكن أن نجعله لتكرار الكلمة- أيا كان الجنس الصرفي الذي تنتمي إليه- في جملة واحدة أو في عدة جمل متوالية. ويمكننا- على أساس شكل التكرار وقيمته الأسلوبية معا- أن نجد لهذا النمط في شعر صلاح عبد الصبور صورا صغرى متعددة:

(1) تكرار الكلمة- السياق contextual-word   على نحو ما رأينا في تكرار كلمة (حبيبي) مثلا في قصيدة (أغنية حب) السابقة. وتبدو قيمته هنا في إبراز أهمية الكلمة المكررة في السياق، وجعلها بمثابة (المركز) الذي يدور حوله الحديث.

وقد تلعب الكلمة- السياق دورا أخطر من ذلك، فتكون كالنغمة الأساسية key-note التي تصور المشهد بكامله، وتعبر عن جو القصيدة العام. ومن ذلك تكرار كلمة (حياة) في قوله:

وأتى السياف مسرور وأعداء الحياه

صنعوا الموت لأحباب الحياه

وتدلى رأس زهران الوديع

قريتي من يومها لم تأتدم إلا الدموع

قريتي من يومها تأوي إلى الركن الصديع

قريتي من يومها تخشى الحياه

كان زهران صديقا للحياه

مات زهران وعيناه حياه

فلماذا قريتي تخشى الحياه؟ (156).

ويعرف هذا النمط- على المستوى التركيبي الخاص- باسم Epipher أي تكرار اللفظ في نهاية عدة جمل أو أجزاء من الجمل  Satzteile يتلو بعضها بعضا تواليا غير مباشر(157).

ولكننا نلاحظ- من ناحية أخرى- تكرار (قريتي...) لارتباط الكلمة- السياق بها، أو لارتباطها بالكلمة السياق. وتكرارها هنا جاء في بداية عدة جمل متوالية؟ وهذا الشكل يعرف باسم Anapher (158).

فاذا انتقلنا إلى التفسير الأسلوبي، رأينا أن كلمة (حياة) قد تكررت في الأسطر التسعة السابقة ست مرات. وهى لا تلعب دورها هنا أساسا من مجرد التكرار العددي، و إنما هي التي تقوم بدور (المقابل) للحالة الشعورية المسيطرة. إن الخوف هنا ليس خوفا من الموت، كما تقضى الطبيعة الإنسانية، و إنما هو خوف من الحياة. ولذلك يرتكز الشاعر على كلمته المكررة للحض على البقاء والترغيب في الحياة، ونفى الخوف منها. وقد عبر الشاعر عن ذلك بوسائل بلاغية مختلفة:

(أ) المقابلة ببن أعداء الحياة وأحباب الحياة.

(ب) التعلق بالحياة وأسبابها وإن تسلط الموت، ويبدو ذلك في عبارة:

مات زهران وعيناه حياة.

و(زهران) هنا هو الرمز الذي يجسد معاق الصراع ضد الموت (ولاحظ إيثار "العينين" هنا).

(ج) الاستنكار والتوييخ في عبارة:

فلماذا قريتي تخشى الحياة؟

ومر الأمثلة على هذا النمط كذلك كلمة (انكسار) في قوله:

هجم التتار

ورموا مدينتنا العريقة بالدمار

والأفق مختنق الغبار

وهناك مركبة محطمة تدور على الطريق

والخيل تنظر في انكسار

الأنف يهمل في انكسار

العين تدمع في انكسار

والأذن يلسعها الغبار(159).

هنا يسيطر مشهد الدمار الذي ألحقه التتار بتلك المدينة العريقة، وتسهم كلمة (انكسار) هنا في تعميق الحالة الشعورية المسيطرة؟ وهى الحقد والثورة والغضب لهذا الدمار، لا بدلالتها فحسب، بل بتكرارها كذلك في جمل قصيرة متوالية، لتصوير الانفعال الحاد بهذا المشهد.

ولا شك أن هنالك وسائل تعبيرية أخرى مساعدة، هي:

(أ) إهمال واو العطف في الجمل المشتملة على الكلمة المكررة،

على نحو يظهر التوالي المفاجئ السريع لجزئيات المشهد.

(ب) الإخبار في هذه الجمل المتوالية بالفعل المضارع، الذي يقوم بوظيفة تصوير الحدث واستحضاره:

الخيل تنظر- الأنف يهمل- العين تدمع.

(ج) اشتمال كلمة (انكسار) ذاتها على الراء في آخرها؟ وهو يوصف بأنه (صوت مكرر).

(2) تكرار الكلمة للتعبير عن انفعال معين، بدلا من التعبير

على نحو منطقي يحكمه (الحصر) المفرع. إنه- كما يقول فندربس- تعبير عن الانفعال الذي يصحب التعبير عن عاطفة قد دفعت إلى أقصاها (.16). هذه العاطفة لا يناسبها- حينئذ- الحد والحصر والتقييد. وهو يمد العبارة بزيادة في القوة، ويدل على الوفرة ومجاوزة الحد المألوف. ويمكننا أن نسمى هذا النوع باسم (التكرار الانفعالي). ومن أمثلته تكرار الفعل (تسيل) في قول الشاعر:

ومات أبى، والدموع تسيل تسيل على وجنتيه

وفي كفه مزقة من رداء حرير (161).

أو تكرار الفعل (صغرا) في قوله:

في قلب العاجز ماذا يلقى العاجز

ماذا يهب العريان إلى العريان

إلا الكلمة

والجلسة في الركن النائي،

قزمين ودودين

صغرا صغرا، حتى دقا (162).

وذلك في مقابل (تسيل في غزارة، أو غزيرة، أو تظل تسيل،

ونحو ذلك)، أو (صغراجدا) ونحوه، مما لا يخفى ما فيه من (فتور) في الإحساس، و(نثرية) في الصياغة.

أما التكرار المركب، فله كذلك عدة صور فرعية منها:

(1) تكرار عبارة أو جملة بذاتها، أو إعادة صياغتها مرة أخرى

عن طريق التغيير في العلاقات التركيبية بين عناصر الجملة، بالتقديم

أو التأخير أو الحذف أو الإضافة... إلخ. ومن النوع الأول، وهو الشائع في شعر صلاح عبد الصبور، وفى الشعر الحديث بعامة،

لا سيما في نهاية المقاطع أو نهاية القصيدة (التي تكون غالبا جملة المطلع)- قوله:

أين أعلق نذكاراتي

والحائط منهار؟

أين أسمر حزني، شغفي

أفراحي، ولهى، تلهفي

والحائط منهار؟ (163)

حيث يكون تكرار الجملة الحالية (والحائط منهار) كالنور العالي

الذي يقوم بوظيفة التحذير والتنبيه حين يكون الإحساس بالتردد والمجرة. ولا شك أن في هذه الأسطر عوامل لغوية مساعدة لنقل هذا الإحساس، كالاستفهام، وتزاحم الكلمات الدالة على احساسات متناقضة.

وقد لا تتكرر الجملة بذاتها أحيانا، وإنما يعتورها التغير اللفظي الذي يعكس التفكير في ا!عور والانفعال، أو بعبارة أخرى، يعتورها التعديل اللغوي الذي يعكس التعديل في مسار العاطفة.

ومن أمثلة ذلك تكرار عبارة (بحر عميق) في قوله:

جارتي مدت من الشرفة حبلا من نغم

نغم قاس، رتيب الضرب، منزوف القرار

بيننا يا جارتي بحر عميق

بيننا بحر من العجز رهيب وعميق (164).

فقد عذل التركيب (بحر عميق) للإحساس بنقصان ما يلزم التعبير عنه، وهو تحديد جنه ووصفه بصفة أخرى.

وقد يأخذ هذا النوع من التكرار صورة أخرى، هي التكرار

لا للحاجة إلى الإضافة والتعديل، بل للرغبة في التأكيد؟ كقوله: طفلنا الأول قد عاد إلينا

بعد أن تاه عن البيت سنينا

كان طفلا عندما فر عن البيت وولى

من سنين عشرة، ذات مساء، كان طفلا (165).

فلا شك أن (كان طفلا) الثانية فضلة أو زائدة عن الحاجة؟ لأنها ليست (كان طفلا) الأولى؟ فبالرغم من أنها هي (كان طفلا) الأولى في اللفظ، إلا أنها ليست هي هي (كان طفلا) الأولى في المعنى، فإذا كانت الأولى لمجرد الإخبار، فالثانية وسيلة بلاغية للتأكيد. وهى أبلغ من أية وسيلة نحوية أخرى للتأكيد.

(2) ويدخل في التكرار المركب كذلك تكرار الجملة على نحو يختلف عما سبق. فالانتباه هنا لا يتجه إلى الجملة المكررة بأسرها بقدر ما يتجه إلى التصرف في تغيير موقع إحدى كلماتها ووظيفتها النحوية. ويعرف هذا النمط باسم التكرار عن طريق التلاعب اللفظي. ومن ذلك قول صلاح عبد الصبور:

أنا رجعت من بحار الفكر دون فكر

قابلني الفكر، ولكنى رجعت دون فكر

أنا رجعت من بحار الموت دون موت

حين أتاني الموت، لم يجد لدي ما يميته

وعدت دون موت (166).

فالجملتان المكررتان هنا هما:

رجعت دون فكر

و

رجعت/ عدت دون موت

وأحسب أن انتباهنا لا يوجه هنا إلى تكرار هاتين الجملتين بكاملهما، بقدر ما يوجه إلى التلاعب اللفظي بكلمة (فكر) في الأولى، و(موت) في الثانية (ولاحظ التمهيد لتكرار الجملة الأولى ب: قابلني الفكر، والتمهيد لتكرار الثانية ب: حين أتاني الموت... إلخ).

وفد يأخذ التكرار عن طريق التلاعب اللفظي Wiederholung mit Hilfe von Wortspielen صورة فرعية أخري، حيث تظهر الكلمات هنا تشابها صوتيا، وأصلا اشتقاقيا واحدا، مع اختلافات صرفية (167).

ومن ذلك قوله:

وأعلم أنكم كرماء

وأنكم تحبون القريض وأهله الشعراء


وأنكم ستغتفرون لي التقصير عن سبق إلى تعبير

وعن تدوير ما يمتد في الدنيا إلى كلمات

وعن تنغيم هذا الزمن الموحش موسيقى

وعن وحشة موسيقى السماء بقلبي الموحش (168).

(3) ومن التكرار المركب أيضا هذا النمط الذي يشبه (الفلاش باك flash-back). وتقدم لنا قصيدة (أبى) هذا النوع، فهي تبدأ بجملة تلخص جوهر الحدث الذي تحكيه أو خلاصته. ثم تتوالى الجمل الأخرى التي تصور أحد مشاهده، فإذا ما انتهت تلك الجمل، تكررت الجملة الأولى، ثم يستأنف مشهدا آخر جديدا، وهكذا. والجملة المكررة معطوفة بالواو على محذوف، وشر عن ذلك بالنفط الثلاث. والمحذوف هو- بطبيعة الحال- الحكاية بكاملها التي يحكيها لنا بعد ذلك تفصيلا في مشاهدها المختلفة.

تبدأ القصيدة بجملة:

... وأتى نعى أبى هذا الصباح

ثم تتوالى جزئيات المشهد الأول:

نام في الميدان مشجوج الجبين

حوله الذؤبان تعوي والرياح

ورفاق قبلوه خاشعين

وبأقدام تجر الأحذية

وتدق الأرض في وقع منفر

طرقوا الباب علينا

فتتكرر هذه الجملة:

وأتى نعى أبى (169).

وهكذا بعد انتهاء كل مشهد. والمشهد الواحد هنا كالقصة أو الفيلم السينمائي. وليست الجملة التي يبدأ بها أول الخيط، ولكنها آخره المقلوب.

(4) ومن أنماط التكرار المركب بالإضافة إلى ما سبق، ما يمكن أن نسميه باسم (التكرار التصويري)، قياسا على (الموسيقى التصويرية)، حيث يلعب تكرار الجملة اللغوية عند الشاعر دور الموسيقى التصويرية بعينه في الفيلم السينمائي. ولنتأمل مثلا على ذلك تكرار (مطر بهمي، وبرد، وضباب) في قوله:

كان فجرأ موغلا في وحشته

مطر بهمي، وبرد، وضباب

ورعود قاصفة

قطة تصرخ من هول المطر

وكلاب تتعاوى

مطر بهمي، وبرد، وضباب (170).

فالأصوات تتوالى: قصف الرعود، وصراخ القطة، وعواء الكلاب. وكل صوت منها يعبر عن حدث جديد، أما الخلفية فلا جديد فيها ولا تغيير؟ فمازال المطر بهمي. ومازال البرد والضباب.

(5) وهناك نمط آخر طريف للتكرار يختلف عما سبق، يتمثل في سمات أسلوبية في شعر صلاح عبد الصبور المحافظة على الجملة الأساسية مع اختزال أحد مكونات الجملة المكررة في كل سطر حتى تتلاشى، ثم يبدأ (العد التنازلي) لمكونات الجملة الرئيسية، حتى انتهى بأصغر مكوناتها التي يسمح بها النظام النحوي. ونجد ذلك في قول صلاح عبد الصبور:

أرتد إلى هذى الفكرة كل مساء

مثل صدى يرتد إلى صوت

تبغي أن تعرفها يا جاسوس الوقت؟

لا، إ! أكتمها عنك

بل إ! في الحق

لا أعرف كيف أعبر عنها لك

لاشيء يعينك... لاشيء يعينك

لاشىء يعينك.. لاشىء يعين

لاشىء يعينك، لاشيء

لاشىء يعينك

لاشيء

لا...(171)

وأحسب أن هذا النمط من التكرار ليس (تشكيلا بثريا) مجردا، وإنما هو وسيلة تعبيرية وموسيقية مهمة؟ إنه يشبه- إلى حد كبير- (القفلة الموسيقية) التي تسبق، أو يمهد لها، باختزال مدة (الاستغراق الزمني) للجملة الموسيقية كاملة؟ فتكون النغمة هادئة، بطيئة، متكسرة، حتى تنتهي الجملة بأصغر وحداتها النغمية.

وأرد أن أشير هنا إلى محاولة الشعر الحديث استغلال طريقة الكتابة

في جعلها ومميلة إيضاحية لأداء جزء معين من القصيدة على النحو الذي يريده الشاعر؟ لنشترك معه فيما يحس به. ومن أمثلة ذلك في شعر صلاح عبد الصبور قوله:

أحس أ! خائف،

وأن شيئا في ضلوعي يرتجف

وأنني أصابني العن، فلا أبين

وأنني أوشك أن أبكى

وأنني،

         سقطت،

                    في،

                            كمين (172).

فلا شك أن الفصل بين الكلمات التي تتألف ط منها الجملة على هذا النحو، وانفراد كل كلمة منها بسطر كامل، على غير!!: مألوف، بل على كير ما يسمح به النظام النحوي العادي، إنما هو (كالتصوير البطيء) لحدث السقوط، حيث يكون من الضروري هنا أن نقرأ كل كلمة من تلك الكلمات، بإشباع أصوات اللين، والوقوف عليها وقفة قصيرة.

وهكذا يجعل الشاعر من طريقة الكتابة عنصرا أسلوبيا تعبيريا خارجيا، أي لا يعتمد على اللغة ذاتها. إنه تصوير- بالكتابة- للمدة الزمنية التي تتخلل النطق بهذه الكلمات عندما (يقتضي الحال) نطقها على هذا النحو.

 

*لم تشتمل هذه الدراسة على الديوان الأخير للشاعر (الإبحار في الذاكرة)  1979  (المؤلف)،.

الهوامش

(يتبع)

 

عن مجلة (فصول) المجلد الثاني – العدد الأول – أكتوبر 1981

الصفحة الرئيسية



الصفحة الرئيسية