صلاح عبدالصبور في الإنجليزية
لم تحظ أعمال صلاح عبدالصبور حتى الآن بنصيب كبير من عناية دارسي
الأدب العربي في اللغة الإنجليزية. ولعل ذلك أن المعنيين بتتبع الشعر
العربي الحديث في تلك اللغة هم قلة قليل. ربما لصعوبة فهم الشعر وتذوقه
على غير الناطقين بلغته. و الملاحظ أن ابرز الكتب التي نشرت بالإنجليزية
عن الشعر الحديث قام بها دارسون عرب أو ناطقون بالعربية.
ومنهم مثلا الدكتور منح الخوري، الأستاذ بجامعة كاليفورنيا، وهو لبناني
الأصل. فقد نشر : Poetry and the Making of Modern Egypt. - Leaden-
1971 (الشعر و بناء مصر الحديثة)
والدكتور مصطفى بدوي، الأستاذ بجامعة أكسفورد. وهو مصري، فقد نشر:
A Critical Introduction to Modern Arabic Poetry. Cambridge Univ.
Press- 1975
(مقدمة نقدية للشعر العربي الحديث)
و الدكتورة سلمى الخضراء الجيوسي. وهي فلسطينية . فقد نشرت :
Trends and Movements in Modern Arabic Poetry. Leiden- 1977
(اتجاهات ومذاهب في الشعر العربي الحديث).
و الدكتور صموئيل موره. الأستاذ بجامعة تل أبيب. وهو أصلا عراقي. فقد
نشر:
Modern Arabic Poetry 1800-1970 -Leiden - 1976 (الشعر العربي الحديث
- 1800-1970)
كما أن الذي ترجم مسرحية (مأساة الحلاج) إلى الإنجليزية أستاذ أمريكي
لبناني هو الدكتور خليل سمعان. الأستاذ بجامعة ولاية نيويورك.
وليس عجيباً و الحالة هذه أن يكون هم الدراسات السابقة و أمثالها هو
تقديم الشعر العربي الحديث أو ظاهرة من ظواهره الهامة = غالباً عبر
كل تاريخه - إلى القراء الأجانب. و في مثل هذا التقديم تعرض الخطوط
العريضة عادة. و يكتفي باللمحات و الشذرات، بدلاً من الدرس العميق
و التحليل المفصل لنتاج كل شاعر. وسنعرض في هذه السطور لما نشر عن
صلاح عبدالصبور في الكتب أولا، ثم لما نشر عنه في الدوريات بعد ذلك.
أولاً : ما نشر عنه في الكتب
واضح من عناوين الدراسات السابقة أن ما نشر بها عن صلاح عبدالصبور
لا يعدو أن يكون إشارات هنا وهناك. قد تطول وقد تقصر، وأنها ليست دراسات
عميقة مستفيضة.
و من أمثلة تلك الإشارات مثلاً قول ( موره) وهو يتحدث عن ظاهرة (التتميم)
أو (التضمين) أو ( الانسيابية) : Engiambment
(وعلى أي حال، فعلى حد علمي لم ينجح من بين الشعراء العرب في كتابة
الشعر المرسل مع استخدام (الانسيابية) سوى شاعرين، أولهما صلاح عبدالصبور
في قصيدة (أبي) المنشورة في ديوان (الناس في بلادي) (1956). و ثانيهما
يوسف الخال في قصيدته العظيمة (الحوار الأزلي) التي يتحدث فيها عن
الخلاص الروحي، ويستخدم رموزاً يهودية ومسيحية، في ديوانه (البئر المهجورة)
- 1958.
والقصيدتان فذتان وممتازتان في الشعر العربي الحديث، سواء من حيث الشكل
أو المحتوى) (1)
أما التناول الطويل - نسبياً - لعدد من دواوين صلاح عبدالصبور، فيقدمه
مصطفى بدوي الذي كتب يقول :
(ومثل البياتي، كتب الشاعر المصري صلاح عبدالصبور (1931 - ) شعراً
واقعياً حول القرية، يكشف عن مدى التزامه الاجتماعي. في القصيدة التي
سمى بها ديوانه الأول ( الناس في بلادي)- 1057 )، و التي نشرت أولاً
في مجلة ( الأدب) في عام 1954 ، يقول :
الناس في بلادي جارحون كالصقور
غناؤهم كرجفة الشتاء في ذؤابة المطر
وضحكهم يئزّ كاللهيب في الحطب
خطاهم تريد أن تسوخ في التراب
ويقتلون ، يسرقون، يشربون، يجشأون
لكنهم بشر
وطيبون حين يملكون قبضتي نقود
ومؤمنون بالقدر )
ويستطر الشاعر من ذلك إلى تقديم صورة لعمه العجوز التقي، وهو يجلس
عند مدخل قريته. يسمر ساعات الغسق، محطاً بالرجال الذين يستمعون إليه
بانتباه كلهم وهو يحكي حكاية (تجربة الحياة)، وهي حكاية مؤلمة تبكيهم
وتحني رؤوسهم وتجعلهم (يحدقون في السكون، في لجة الرعب العميق) وتدفعهم
قوة القس إلى تساؤلات حول الغاية ممن كدح الإنسان في هذه الحياة، وحول
أساليب الله المستغلقة. فهو يرسل رسول الموت ليقبض روح غني ابتنى القصور
و امتلك ( أربعين غرفة قد ملئت بالذهب اللماع)، ثم يبعثها تتدحرج في
أعماق الجحيم، وتنتهي القصيدة بزيارة الشاعر للقرية وعلمه بأن عمه
المسكين قد مات.
( وسار خلف نعشه القديم
من يملكون مثله جلباب كتان قديم
لم يذكروا الله أو عزريل أو حرف (كان)
فالعام عام جوع
وعند باب القبر كان صاحبي خليل
حفيد عمي مصطفى
وحين مد للسماء زنده المقتول
ماجت على عينيه نظرة احتقار
فالعام عام جوع )
ثم يعدد الدكتور بدوي دواوين صلاح عبدالصبور التي نشرت قبل صدور كتابه
هو في سنة 1975. ولآخرها (تأملات في زمن جريح) 1981، ليستطرد قائلاً
L وخلافاً لما فعل البياتي، فقد انصرف صلاح عبدالصبور عن الشعر الملتزم
بغاية اشتراكية إنسانية، هي ما تجده في ديوانه الأول، إلى رؤية تزداد
ذاتيتها وتتراوح بين لون خفيف من التصوف، وتأملات مكتئبة نحو الموت،
بل ويأس أحياناً.
وق بدأ الاتجاه نحو التصوف يلاحظ في ديوان ( أقول لكم) كمال في مثل
هذه الأبيات على سبيل المثال:
( ذات صباح
رأيت حقيقة الدنيا
سمعت النجم و الأمواه و الأزهار موسيقى
رأيت الله في قلبي)
ويتزايد ميل الشاعر إلى تأمل الذات Introspection في (أحلاك الفارس
القديم). فبعد مقدمة شعرية قصيرة، يعتذر فيها الشاعر من أصحابه عن
رداءة الطعام الذي سيقدمه لهم في الديوان - فالأشجار لم تثمر هذا العام-
تطالعنا القصيدة الأولى بعنوان ( أغنية للشتاء) وتبدأ :
( ينبئني شتاء هذا العم أنني أموت وحدي
ذات شتاء مثله، ذات شتاء
ينبئني هذا المساء أنني أموت وحدي
ذات مساء مثله ذات مساء
و أن أعوامي التي مضت كانت هباء
وأنني أقيم في العراء
ينبئني شتاء هذا العام أن داخلي
مرتجف بردا
وأن قلبي ميت منذ الخريف
قد ذوى حين ذوت
أول أوراق الشجر
ثم هوى حين هوت
أول قطرة من المطر
و أن كل ليلة باردة تزيده بعدا
في باطن الحجر )
وفي نفس القصيدة يقرأ : أن خطيئته كانت شعره الذي من أجله (صلب).
يبدو التشاؤم الغلاب للشاعر واضحاً في هذا الديوان وبخاصة في القصيدة
الأخيرة، (مذكرات الصوفي بشر الحافي) ص 263 وما بعدها) حيث يبدو العالم
عفناً مريضاً مرضاً لا شفاء منه، وحيث الإنسان في عيني الإله شيء (مخز).
ولا تخفي حدقة هذه الكآبة في الديوان التالي (تأملات في زمن جريح).
و الشاعر هنا يعاني من كابوس متكرر يطلق عليه فيه الرصاص، وتنزع أحشاؤه
ويعلق للعرض في أحد المتاحف. وهو يسلي نفسه بتخيل أنه يقطع أشلاء المارة
ويشكلها من جديد، و بتطوير أفكار مشابهة لذلك في العنف، كما في قصيدة
( حديث في المقهى). إن ما يبدو في ديوان (تأملات) هو عالم حزين، يجد
فيه الإنسان التعيس مهرباً مؤقتاً - في الجنس- من المرارة والشقاء.
كما هو الحال في قصيدة (أنثى) مثلاً .
وقد قدم صلاح عبدالصبور في كتابه ( حياتي في الشعر) 1969 - رؤية للشر
أخلاقية وروحية في أساسها، وهو يراه الآن شديد الشبه بالتصوف، ويخصص
حيزاً كبيراً للهجوم على النظرية الماركسية التقليدية، موضحاً أن الشعر
يؤكد القيم كالحقيقة و الحرية و العدل.
وهذا الاتجاه - وواضح انه استمرار لتطور بدأ من قبل - قد وطدته، ولاشك،
الهزيمة العسكرية العربية عام 1967، تلك الهزيمة التي شجعت على الانسحاب
من الواقع الخارجي المؤلم، وهو لا يقتصر على الشعر، و إنما يمكن ملاحظته
أيضاً في جوانب أخرى من الأدب العربي.
ثانياً : ما نشر في الدوريات
تكاد (مأساة الحلاج) أن تستأثر بكل ما كتب من مقالات حول صلاح عبدالصبور،
ربما لأنها ترجمت ونشرت بالإنجليزية منذ تسع سنوات، ومن ثم فقد وجد
الدارسون الناطقون بالإنجليزية، والأجانب عموما، نصاً متاحاً لعمل
كامل يعد من افضل أعمال الشاعر، فنشروا عنه مقالات عديدة. ويستأثر
مترجم المسرحية، الدكتور خليل سمعان، بنصيب الأسد مما كتب من مقالات
في الإنجليزية، فقد نشر في مجلة دراسات في الأدب المقارن (Comparative
Liteaure Stdies) مقالاً بعنوان :
(T.S. Eliot,s Influence on Arabic Poetry and Theatre) (أثر تي. أس.
أليوت على الشعر و المسرح العربيين). ثم نشر مع الترجمة مقدمة عنوانها
: تي . اس . اليوت وصلاح عبدالصبور: دراسة في العلاقات الأدبية بين
الشرق و الغرب).
(T.S. Eliot and Salah Abdel Sabour : Astudy in East -West Literay
Relations) ثم نشر في المجلة العالمية لدراسات الشرق الأوسط : ( International
Journal of M. E. S.)
مقالين أولهما عن : (Drama as a ehicle of Protest in Nasir,s Egypt)
(المسرحية باعتبارها وسيلة للاحتجاج في مصر في عهد عبد الناصر) والثاني
بعنوان :
( Islamic Mysticism in Modern Arabic Poetry and Drsms) (التصوف الإسلامي
في الشعر العربي الحديث و الدراما).
وسنعرض الآن في إيجاز للمقالين الأخيرين، أما المقال الأول و المقدمة
فنفضل أن نتناولها في مقال لوي ترمين L. Tremaine (شهود عيان في مأساة
الحلاج وجرمية قتل في الكاتدرائية). ( Witnesses to the Event in Ma,sat
al-Hallaj and Murder in the Cathedral) لأن مقال تريمين تعليق على
مقال الدكتور سمعان، وهو يسير في نفس الخط الذي تسير فيه المقدمة.
أما المقال الذي نشره الدكتور سمعان في ( International Journal of
M. E. S.) بعنوان ( المسرحية باعتبارها وسيلة للاحتجاج في مصر في عهد
عبدالناصر)، فيقرر فيه الكاتب أن صلاح عبد الصبور، وهو واحد من ابرز
كتاب المسرح العربي المعاصر، الذين عاشوا فترة الستينات في القاهرة،
قد عانى ما عاناه المثقفون المصريون في تلك الفترة، واختار عن وعي
حياة الحلاج واستشهاده ليطلق صرخة من القلب ضد ما يعتبره هو فساداً
سياسياً. ثم يقدمن الكاتب ملخصاً سريعا للمسرحية، مبرزا أن صلاح عبدالصبور
نشر (المأساة) - والعنوان مختار عن عمد- خارج وطنه، وقد قوبل نشرها
بالترحاب (كقمة الشجاعة الاشتراكية). والكتب يرى أيضاً هذا الرأي،
ويروي أن صلاح عبدالصبور قد حاول أن يصف الأوضاع بدراسة وبلاغية ورصانة.
واستخدم الحلاج ليتحدث نيابة عنه حول الفقر على النحو التالي :
( الحلاج :
فقر الفقراء
جوع الجوعى، في أعينهم تتوهج ألفاظ لا أوقن معناها
أحيانا أقرأ فيها
" ها أنت تراني
لكن تخشى أن تبصرني
لعن الديان نفاقك"
أحيانا أقرأ فيها
"في عينك يذوي إشفاق ، تخشى أن يفضح زهوك
ليسامحك الرحمن"
قد تدمع عيني عندئذ . قد اتألم
أما ما يملأ قلبي خوفاً، يضني روحي فزعاً
وندامة
فهي العين المرخاة الهدب
فوق استفهام جارح:
(أين الله)
و المسجونون المصفودون يسوقهمو شرطي
مذهوب اللب
قد اشرع في يده سوطاً لا يعرف من في راحته قد وضعه
من فوق ظهور المسجونين الصرعى قد رفعه
ورجال ونساء قد فقدوا الحرية
تخذتهم أرباب من دون الله عبيدا سخرياً )
ثم يقتبس الكاتب أبياتاً أخرى كثيرة يرى أن بعضها يدين السلطة، وبعضها
يدين المحاكمة ونظام الحكم المفلس .. وهكذا (4)
أما المقال الثاني الذي نسر بتاريخ لاحق في نفس المجلة (نوفمبر 1979)
حول التصوف الإسلامي في الشعر العربي و الدراما، فيبدؤه الكاتب بمقدمة
عن التصوف وعن تاريخ الحلاج. ثم يتبعها بتقديم صورة الحلاج في ديوان
البياتي ( سفر الفقر والثورة) وصورته في (مأساة الحلاج)، مكتفياً تقريباً
بأشعار كل من الشاعرين، ومبرراً ذلك بقوله : ( في هذه الدراسة يسمح
للفنانين أن يعرضا بنفسيهما وجه نظرهما، فالكاتب يقوم فقط بدور المرشد
الذي يقدم المتكلمين إلى المسرح، وينبه إلى الملامح البارزة لما يقولون،
ويوضح المغزى، ويلخص المحتوى كله) و بعد أن يلاحظ أن القراء عادة ما
يضيقون بالاقتباسات الطويلة ويتخطونها في قراءتهم، يقرر أن هذا لو
حدث بالنسبة لهذه الدراسة فسيكون خطأ فادحاً، لأن المقتبسات هنا هي
الدراسة).
مأساة الحلاج وجريمة فتل الكاتدرائية. ومنذ أن ترجم الدكتور خليل سمعان
مأساة الحلاج وهو يعتقد أن صالح عبدالصبور قد تأثر في كتابتها بمسرحية
اليوت (جريمة قتل في الكاتدرائية). وذلك واضح حجته في العنوان الذي
اختاره للمسرحية بعد ترجمتها وهو (جريمة قتل في بغداد) (Murder in
Baghdad) لكي يلفت انتباه القارئ منذ الولهة الأولى إلى مسرحية اليوت
( Murder in the Cathedral) . وقبل أن ينشر الدكتور سمعان الترجمة،
نشر مقالاً في مجلة (Comparative Liteaure Stdies) سبق أن أشرنا إليه،
و إن كنا لم نستطع لسوء الحظ - أن نحصل عليه، ومع ذلك فقد وجدنا العوض
عن هذا المقال ي المقدمة التي كتبها الدكتور سمعان للترجمة الإنجليزية
للمسرحية، التي عنوانها ( تي سي اليوت وصلاح عبدالصبور: دراسة في العلاقة
الأدبية بين الشرق والغرب) هذا فضلا عن أن مقال الدكتور (لوي تريمين)
الذي يختلف اختلافاً قويا مع مقال الدكتور سمعان، يلخص ما ورد في ذلك
المقال. وسوف نعرض أيضا لمقال الدكتور تريمين في شيء من التفصيل، بعد
أن نعرض في إيجاز ما ورد في مقدمة الدكتور سمعن للترجمة الإنجليزية.
توضح هذه المقدمة أولاً أن أي علاقة بين المسرحيتين لا يمكن أن تقوم
على المصادفة أو توارد الخواطر، نظراً للاختلاف الشديد بين الثقافتين
التين ينتمي إليهما الشاعران. ثم يقرر الكاتب أنه سيدرس اثر اليوت
على صلاح عبدالصبور من خلال ربط مسرحية اليوت (جريمة قتل في الكاتدرائية)
بمسرحية صلاح عبدالصبور ( مأساة الحلاج)، ويقدم عرضاً موجزاً لتاريخ
حياة الحلاج، موضوع المسرحية، لينتقل من ذلك إلى عرض أحداث المسرحية
في إيجاز، ثم يقول : أن التشابه بين مسرحية اليوت، جريمة قتل في الكاتدرائية،
ومسرحية عبدالصبور، مأساة الحلاج، تشابه يلفت النظر. فكلتاهما كتبت
ف الشعر الحر ويف فصلين، وكلتاهما تتناول أحداثاً تاريخية ودينية تشكل
جزءاً حقيقياً من الثقافة التي ينتمي إليها كاتبها. و كلا الشاعرين
يقطع النظم مقطوعات جد بليغة من النثر، وهو نثر يثير التقاليد الدينية
الخاصة بكل منهما. و الدافع الحقيقي للاستشهاد في كلتا الحالتين مبهم
: في مقدمة المسرح يقف الفرسان (في مسرحية اليوت) و (مسرحية عبدالصبور)
تقف المجموعة التي تصيح مطالبة بصلب الحلاج، و من خلفهم قف إنسان غير
واضح المعالم وهو الملك هنري في مسرحية اليوت، وقضاة عبدالصبور الذين
يدينون الحلاج بأسلوب يشبه أسلوب بيلاطوس Pilate في حكمه على المسيح.
حيث يقدم اليوت مسالة استعداد بيكت للسعي إلى الموت الذي يلوح أمامه،
ويثير عبدالصبور مسالة مشابهة، من خلال المريدين الذين يزعمون أنهم
قد تسببوا في استشهاد الحلاج بناء على رغبته. وهكذا فان المسرحيتين
في أبعد مستوى لهما ترتكزان على إرادة الاستشهاد.
إن القضية الجوهرية في كلتا المسرحيتين ليست هي الأحداث نفسها و إنما
الدوافع الكامنة وراءها، ولا يمكن أن يكون بيكت قد سعى إلى الاستشهاد،
لأن هذا يشكل خطيئة، وفقاً للتعاليم الكاثوليكية الإنجليزية لأليوت،
ومع ذلك فهذا السعي إلى الاستشهاد يشكل أخطر إغواء لبيكت، وهو إغواء
نابع من ميوله الخاصة.
أما الاستشهاد في مسرحية عبدالصبور فقد سعى إليه الحلاج في صراحة،
وبحرية. فالحلاج يحب الله إلى درجة التضحية بالذات في سبيله. ولكن
مع التكشف التدريجي للمسرحية يبرز أمامنا هذا السؤال : أحقا كان حنين
الحلاج لحبيبه (سبحانه) هو الذي يدي حتما إلى الاستشهاد، أم أن موت
الحلاج ثم - بالأحرى- عقاباً له على الخطيئة التي ارتكبها بالبوح بعلاقته
بربه؟ أهو عدم الحيطة ما قاد إلى استشهاد الحلاج ؟ أن النهاية تترك
مبهمة.
ونحن نعلم - من المسرحية ومن التقليد الصوفي - أن البوح بالسر المقدس
خطيئة، ولكننا لا نعلم ما إذا كان الحلاج قد حكم عليه الله أو الإنسان.
ولا ما الدافع وراء الحدث. وفي مسرحية صلاح عبدالصبور يلوح وكأن مصدر
الحدث هو الله لا الإنسان لان الضحية نفسه مستقلا عن إرادة الله. يختار
الشهادة. ومع ذلك ففي المسرحيتين يترك الشعر قضية الدوافع الأساسية
مبهمة. هل صادف بيكت الاستشهاد أم اختاره؟ أكان استشهاد الحلاج باختياره
أم عقاباً له . لا القارئ يعلم ولا البطل.
ولكن القتيلين مع ذلك متقبل لمصيره بابتهاج. يقول بيكت : ( إن كل شيء
يسير نحو إنجاز بهيج). ويسعى الحلاج إلى متعة منح حياته لله.
و يوضح (سمعان) أن الفرق بين موقف الرجلين - المتمثل في تطوع الحلاج
بمنح حياته لله من جهة، وقناعة بيكت بتنفيذ المقدور من جهة أخرى- هذا
الفرق ناجم عن الاختلاف بين المسيحية الصحيحة orthodox وبين التصوف
الإسلامي. موضحاً الفروق بينه وبين الإسلام كدين. ثم يشير سمعان في
ختام مقاله إلى أن المادة التي يستخدمها عبدالصبور، وان كانت تختلف
كثيراً عن مادة اليوت، فمن الواضح أنه قد وجد في الألوان التكتيكية
عند اليوت ما أفاده في معالجة مادته هو. سواء من حيث البناء، في عدد
الفصول وفي استخدام الكورس، أو من حيث المضمون في غموض الدافع وراء
الحدث. وتأثير اليوت يمكن ملاحظته في تفاصيل أخرى، وفي بعض اعملا عبدالصبور
الأخرى.
و أما اثر هذه الحركة التجديدية علي الشعر و المسرح العربيين بعامة،
فلا شك أن كليهما يمر (بفضلها) بتغيرات ثورية. وبخاصة فيما يتعلق بالشكل
والبناء، وبالأساس الجمالي لفنون المسرح العربي والوليدة.
شهود عيان في مأساة الحلاج وجريمة قتل في الكاتدرائية
(يتبع …)
عن مجلة (فصول) المجلد الثاني-
العدد الأول- أكتوبر 1981
|