|
صلاح عبدالصبور، و المسافة التي
لا تضلل
سوريا/أمريكا
يمثل صلاح عبدالصبور أحد الالتماعات الأساسية في الذاكرة الشعرية العربية
المعاصرة، و التي ضمت كل من أدونيس و محمد الماغوط و بدر شاكر السياب،
سعدي يوسف، أنسي الحاج، توفيق صايغ، يوسف الخال و آخرين.
إذ يكفيه أن الإنجاز الذي حققته قصيدته، على مستوى تجاوز شعرية تقليدية
غنائية و الدخول في شكل جديد من أداء هذه الغنائية نفسها، لكن بنفسٍ
درامي خافت، كفل له إحداث أهم تغيير فني في الحساسية الشعرية آنذاك.
يعكس شعره روحاً مضطربة، قلقة تائهة، هي مزيج من طهرانية صوفية، لا
دينية، حاولت أن تقترب من الكلام اليومي وشئون وأشياء الحياة العادية
بإعادة حميمية لصياغته وتشكيله وفق منظور ومرجعية ثقافية للهدم والبناء
الشعريين الذين بقيا في إطار (النفي و الإثبات) معاً، يتراوح فيما
بينهما. وهنا تكمن أهمية هذا الإنجاز الذي لم
يتم تناوله بما يكفي من الإضاءة و المتابعة وبشيء من الالمام. خصوصاً
أن رومانتيكية كانت تمد أكثر من جسر بين عناصر قصيدته القائمة على
حسية فاغرة تحاول أن تنتهب العالم المحيط بها وتشكك به، تتلمسه بفاجعية
مشبوبة، ثم ترتد إلى نوع من صوفية حائرة طبعت أغلب أعماله بتوتر داخلي
مكتوم لا يرى أو يسمع إلا بالتحديق و الإنصات ملياً لشكل انبناء هذا
الصوت القادم من الأعماق.
هذه الفاجعية لديه حاولت أن تتماهى مع جوهر الوجود بوعي للغة على أنها
ليست قائمة بذاتها، وهنا تأتي مجاهدته بتحريرها من وعيها اللفظي، ومن
ثم زجها في سياق من الاستعمالات الجديدة لعناصرها لا أدري أنه قس شكل
استخدامه لها، على غير ما هو معتاد في تلك المرحلة، يكون قد قدم أو
أسس لمناخ إضافي للتعبير الشعري طبع غالبية الشعر المصري الحديث بسمة
الميل إلى السرد، باستثناءات نادرة، حيث تخلص من صدى الصوت القديم
وبناءاته الفنية بإدخال نثر الحياة و السرد و الحكاية إلى اللغة الشعرية
مع عدم انفصال هذه اللغة عن حقيقتها الغنائية إلا في بعض النتاجات
الشعرية الجديدة.
هذا الميل ظهر في النتاج الشعري اللبناني مع تخفف واضح من حمل هذه
الغنائية وتمثل أكبر لإنجازات الترجمة العالمية ونماذجها المعصرة.
كما ظهر هذا السعي في نتاج كل من سعدي يوسف ومحمد الماغوط وبعض إنجازات
الأجيال الشعرية اللاحقة في سوريا و الجزيرة العربية، مع تباين أداء
هذه الغنائية داخل نصوصهم. أما أنسي الحاج فقد أخذت مسارات كتاباته
أكثر من تحول.
يبقى التساؤل هنا ما إذا كانت تجربة صلاح عبدالصبور بعيدة عن نصوصه،
ومدى انقطاع صلاتها مع ما يجاورها حياتياً وفكرياً؟
تتحدد الإجابة بما يمكن رصده من جل نتاجه الشعري الذي تجلى شرطه الوجودي
و الثقافي فيه، ولتبدو الكتابة هنا نوعاً من المحاورة العميقة و المجروحة
بين الذات و العالم. لا على أساس القطيعة، وانما على أساس التجاور،
لذا بد صوته أليفاً و حتى ساطعاً بألفته. ذاهباً في الوهاد المضاءة،
داخلا معها في المسافة التي لا تضلل أو تعمي أكثر مما تهدي.
وربما أتى انسياقه إلى المسرح الشعري بمحاولة لخلق تقابل ما، بين
ما يكونه الصوت الشعري، وبين ما تفرضه احتمالات عناصر البنية الدرامية
في المسرح من (شخوص وأصوات و أحداث و أزمنة .. الخ) برغم قدرة الشعر
تكوين كل هذه المساحات داخله تحديداً النسيج الدرامي الذي تبتغيه بنية
القصيدة نفسها، و التواجد المشترك الذي تفترضه هذه العناصر فيما بينها،
سواء على مستوى التآلف أو التنافر، يفسر جزءا من الجهد الفني الذي
قام به صاحب (مأساة الحلاج)، بحمل هذه الإضافات خلقت لها حيزا جمالياً
مهماً في جسد القصيدة العربية، سعت لتجاوز (لغة شعرية معممة) كانت
جوهر التحدي لمدون الحلم الجماعي الضائع.@
نبوجرسي -أمريكا
26 - 8 - 2001
|