صلاح عبدالصبور - مصر
علي الشرقاوي

عبد الصبور لا يغادر الذاكرة
(البحرين)

في أسفار الغوص بحثا عن لآلئ الكلمات
تلك الأسفار التي لا تعرف التوقف لمعاشرة التأمل أو النظر طويلا إلى مزارع الذاكرة المكتظة بأنواع من الحيوات اكثر من الحصر . ننسى العديد من الوجوه التي علمتنا كيفية السير في الطرق غير المطروقة و الأصوات التي قادت بوصلتنا المتنافرة الأهواء نحو أقاليم اكثر غرابة و اكثر جمالا و اكثر اختلافا . ننسى بعض الموانئ فيما البعض الآخر يبقى أقوى من المغادرة . ننسى بعض الوجوه فيما بعضها لا يمكن أن يغادر الذاكرة .
و صلاح عبد الصبور هو أحد الأصوات المزروعة في أقصى القلب لا يمكن أن يغادر ذاكرتي لأنني أتنفسه يوميا عبر كتاباتي . أراه في الحرف الذي يحاول المغايرة و أراه في الجملة الطامحة للخروج على المألوف و أراه في الجمل الاسمية و الفعلية و في الرمز و في الصورة .
أرى صلاح عبد الصبور في المسرح الشعري اكثر من تجربته الشعرية التي تحولت في تصوري إلى تاريخ تجربة اكثر من كونه تجربة ممتدة متنوعة متشظيّة تخرج عن قيد المكان و الزمان .
أراه سامقاً في ( مأساة الحلاج ) و متحولا في ( الأميرة تنتظر ) و مغتربا في ( مسافر ليل ) وهاجسا بالمغايرة في ( ليلى و المجنون )
أراه المؤسس و المعلم الأول الذي فجّر المسرح الشعري العربي و قذفه بعيدا إلى الأمام.
و أقول بصراحة انه بالرغم من قراءتي العديد من المسرحيات الشعرية العربية إلا إنني لم أتوقف أمامها كما توقفت أمام تجربة عبد الصبور والتي رأيت فيها إمكانية المسرح الشعري و قدرته على تقديم العديد من التراجيديات العربية إن حصل هذا المسرح على الشاعر المسرحي
الذي يمتلك موهبة مركبة معقدة متحاورة تحول لا نهائية الصورة الشعرية إلى فعل حي يتحرّك على خشبة المسرح في نفس الوقت الذي يحول فيه الحديث اليومي إلى عالم غريب غير مألوف أو مطروق .
مع صلاح عبد الصبور عرفت الفرق بين الشعر المسرحي و المسرح الشعري
بين أن يقدم المؤلف شعرا على خشبة المسرح و بين يقدم مسرحا حديثا يعتمد اعتمادا أساسيا على الكلمة الشعرية أو شعرية الكلمة و التي هي في تصوري الخاص لب الأعمال الخالدة من مؤلفي التراجيديا اليونانية حتى عصرنا الحديث .
و إذا كانت المسرحية بصورة عامة جنس وافد إلى الثقافة العربية من الغرب الأوروبي والذي هو بدوره أخذها من الحضارة الإغريقية أو الرومانية إلا أن جنس المسرح اصبح جزا من ثقافتنا المعاصرة بعد أن اصبح فعالية شبه يومية يذهب إليها الجمهور المحب لهذا النوع من الفعل.
و إذا كان العديد من النقاد العرب قد تحدث عن احتواء مسرح عبد الصبور على العديد من النواقص الفنية منها على سبيل الغنائية في الحوار التي عادة ما تؤدي إلى جمود فعل الشخصية المعتمدة على الشرح والذي بدوره يؤدي إلى موت الشخصيات الأخرى
إضافة إلى تقو يل الشخصية لآراء الشاعر أو المؤلف و جعلها تتحدث باسمه إلى الجمهور بما يعني إن الشخصية ليست في بعض ألا حيان إلا دمى يحركها المؤلف لا شخصيات حية لها أحلامها و طموحاتها و عذاباتها كما رأيناه واضحا خاصة في مسرحية ( مأساة الحلاج ) .
و لكن عبد الصبور لم يتوقف عند خشبة المسرح الأرسطي الذي يحاول تحويل الإيهام الذي يحدث على الخشبة أمام المشاهد إلى حقيقة بقدر ما تجاوزه إلى احدث النظريات الحديثة في المسرح المعاصر و بالذات المسرح التغريبي عند بر يخت كما في مسرحية ( بعد أن يموت الملك ) بالإضافة إلى الاستفادة من الرموز و لعبة المسرحية داخل المسرحية و إعطاء السينوغرافيا مكانة عالية كما في ( مسافر ليل ) ولا ننسى مسرح الغرفة التي يعني إمكانية تقديم بعض هذه المسرحيات في أي مكان دون الحاجة إلى خشبة المسرح التقليدي .
عبد الصبور بذر المسرح الشعري في البلاد العربية و قدم مجموعة من التجارب أو النماذج الطامحة إلى اختراق الزمان و المكان و التي حاولت المغايرة
هل أقول كل كتاب المسرح الشعري الذين جاءوا بعد عبد الصبور خرجوا من جلبابه ؟
نعم خرجوا من جلباب عبد الصبور و لكن لم أر من تجاوزه حتى ألان
هذا يعني أن عبد الصبور لن يغادر ذاكرة القارئ العربي
نعم لن يغادر الذاكرة .


أكرم قطريب

 


صلاح عبدالصبور، و المسافة التي لا تضلل
سوريا/أمريكا


يمثل صلاح عبدالصبور أحد الالتماعات الأساسية في الذاكرة الشعرية العربية المعاصرة، و التي ضمت كل من أدونيس و محمد الماغوط و بدر شاكر السياب، سعدي يوسف، أنسي الحاج، توفيق صايغ، يوسف الخال و آخرين.
إذ يكفيه أن الإنجاز الذي حققته قصيدته، على مستوى تجاوز شعرية تقليدية غنائية و الدخول في شكل جديد من أداء هذه الغنائية نفسها، لكن بنفسٍ درامي خافت، كفل له إحداث أهم تغيير فني في الحساسية الشعرية آنذاك.

يعكس شعره روحاً مضطربة، قلقة تائهة، هي مزيج من طهرانية صوفية، لا دينية، حاولت أن تقترب من الكلام اليومي وشئون وأشياء الحياة العادية بإعادة حميمية لصياغته وتشكيله وفق منظور ومرجعية ثقافية للهدم والبناء الشعريين الذين بقيا في إطار (النفي و الإثبات) معاً، يتراوح فيما بينهما. وهنا تكمن أهمية هذا الإنجاز الذي لم
يتم تناوله بما يكفي من الإضاءة و المتابعة وبشيء من الالمام. خصوصاً أن رومانتيكية كانت تمد أكثر من جسر بين عناصر قصيدته القائمة على حسية فاغرة تحاول أن تنتهب العالم المحيط بها وتشكك به، تتلمسه بفاجعية مشبوبة، ثم ترتد إلى نوع من صوفية حائرة طبعت أغلب أعماله بتوتر داخلي مكتوم لا يرى أو يسمع إلا بالتحديق و الإنصات ملياً لشكل انبناء هذا الصوت القادم من الأعماق.
هذه الفاجعية لديه حاولت أن تتماهى مع جوهر الوجود بوعي للغة على أنها ليست قائمة بذاتها، وهنا تأتي مجاهدته بتحريرها من وعيها اللفظي، ومن ثم زجها في سياق من الاستعمالات الجديدة لعناصرها لا أدري أنه قس شكل استخدامه لها، على غير ما هو معتاد في تلك المرحلة، يكون قد قدم أو أسس لمناخ إضافي للتعبير الشعري طبع غالبية الشعر المصري الحديث بسمة الميل إلى السرد، باستثناءات نادرة، حيث تخلص من صدى الصوت القديم وبناءاته الفنية بإدخال نثر الحياة و السرد و الحكاية إلى اللغة الشعرية مع عدم انفصال هذه اللغة عن حقيقتها الغنائية إلا في بعض النتاجات الشعرية الجديدة.
هذا الميل ظهر في النتاج الشعري اللبناني مع تخفف واضح من حمل هذه الغنائية وتمثل أكبر لإنجازات الترجمة العالمية ونماذجها المعصرة. كما ظهر هذا السعي في نتاج كل من سعدي يوسف ومحمد الماغوط وبعض إنجازات الأجيال الشعرية اللاحقة في سوريا و الجزيرة العربية، مع تباين أداء هذه الغنائية داخل نصوصهم. أما أنسي الحاج فقد أخذت مسارات كتاباته أكثر من تحول.
يبقى التساؤل هنا ما إذا كانت تجربة صلاح عبدالصبور بعيدة عن نصوصه، ومدى انقطاع صلاتها مع ما يجاورها حياتياً وفكرياً؟
تتحدد الإجابة بما يمكن رصده من جل نتاجه الشعري الذي تجلى شرطه الوجودي و الثقافي فيه، ولتبدو الكتابة هنا نوعاً من المحاورة العميقة و المجروحة بين الذات و العالم. لا على أساس القطيعة، وانما على أساس التجاور، لذا بد صوته أليفاً و حتى ساطعاً بألفته. ذاهباً في الوهاد المضاءة، داخلا معها في المسافة التي لا تضلل أو تعمي أكثر مما تهدي.

وربما أتى انسياقه إلى المسرح الشعري بمحاولة لخلق تقابل ما، بين ما يكونه الصوت الشعري، وبين ما تفرضه احتمالات عناصر البنية الدرامية في المسرح من (شخوص وأصوات و أحداث و أزمنة .. الخ) برغم قدرة الشعر تكوين كل هذه المساحات داخله تحديداً النسيج الدرامي الذي تبتغيه بنية القصيدة نفسها، و التواجد المشترك الذي تفترضه هذه العناصر فيما بينها، سواء على مستوى التآلف أو التنافر، يفسر جزءا من الجهد الفني الذي قام به صاحب (مأساة الحلاج)، بحمل هذه الإضافات خلقت لها حيزا جمالياً مهماً في جسد القصيدة العربية، سعت لتجاوز (لغة شعرية معممة) كانت جوهر التحدي لمدون الحلم الجماعي الضائع.@

نبوجرسي -أمريكا
26 - 8 - 2001