|
أنا وصلاح عبدالصبور و الموت
لا يكشف حياة المرء شيء كما يكشفها موته. الحياة خط متحرك، والموت
دائرة تثبت الحركة وتنغلق عليها وتوقفنا أمام تفاصيلها التي كانت متناثرة،
ووقائعها التي كانت متباعدة متنافرة، فإذا هي في مجال الدائرة تتقارب
وتتواصل وتنسجم، فنفهم نحن هذا المسار الذي كان مشتتا في ضوء اجتماعه،
نفهمه في سكونه الأخير اكثر مما كنا نفهمه في تدفقه الجياش وتولداته،
حكيمة أو طائشة.
وإذا كان هذا القول يصدق على الناس جميعا، فهو عن صلاح عبد الصبور
اكثر صدقا وإلحاحا، لأن موته لم يكن مجرد خاتمة لحياته، بل هو مصداق
لها، حتى يمكننا أن نقول أن موته هو نهاية تجربته مع الموت، نهاية
توقعها هو دائما، وربما أرادها إرادة.
نعم إن موته دليل باهظ على صدقه، وإضاءة فاجعة لحياته تبطل كثيرا من
الأوهام عنه، وتكشف لنا صورا من العذاب الأليم الذي عاناه في روحه
وجسده، ونحن نحسبه مجرد كنز شعري استأثر به وحده فألح في استخراج روائعه
حتى كأنه استنفده أو كاد، وهو لم يكن في الحقيقة إلا متحدثا عن هول
يراه رأي العين، ملحا علينا في أن نضع يدنا على موطن دائه، وان نقترب
منه اقتراب الأخلاء الحميمين كان كثيرا ما يصيبه الأرق في السنوات
الأخيرة، فيلجأ إلى بعض أصدقائه القريبين يستعين بمسامرتهم في طلب
السكينة لروحه، وقد يشرب فيسرف أحيانا، وقد يقرأ من شعره فيستغرق،
وقد يغلبه البكاء. قال لط انه شرب هو ويوسف إدريس ثلاث زجاجات في ليلة
واحدة. وفي إحدى سهراته الأخيرة تناول مجموعة أشعاره فقرأها على أصحابه-
في الحقيقة لنفسه- من الغلاف إلى الغلاف. وفي سهرة أخرى في منزل صديقه
الأثير فاروق خورشيد أحس بتعب مفاجئ فاسترخى حتى مرت الأزمة، وتكرر
ذلك مرة أخرى في منزله. ولا شك أن هذا كان إنذارا مبكرا بما سيحدث
في منزلي. ومن المدهش أن هذا الإنذار الذي تكرر مرتين لم يثر قلقه
فلم يستشر طبيبا، فلعله الخوف من الموت، ولعله الرغبة فيه.
ليس للموت، إذن، في الكلام عن صلاح عبد الصبور هذا المعنى الأكاديمي
التقليدي، معنى الحد والفاصل والنهاية. إن الموت بالنسبة له هو المدخل
والبداية. بداية تأخرت في الزمن، لكنها السابقة في الوجود، فلا مفر
في الحديث عنه من هذا المدخل، حتى والمتحدث أخ له عرفه من البدايات،
ورافقه حتى مثواه الأخير.
كأنما كان صلاح ينتظر عودتي إلى مصر بعد ثماني سنوات من الغياب، ليختتم
الرحلة الطويلة التي قطعناها معا بين ذراعي. كأنما كان يطلبني أنا
بالذات ليقدم لي وحدي هذا المشهد الختامي المروع في قاعة استقبال المرضى
الكالحة البياض في أحد مستشفيات القاهرة، لق الثانية بعد منتصف الليل.
لعله كان يظن أني مصدق فيه قالة السوء، فأراد أن يشهدني على فداحة
الثمن الذي. كلفه إياه موقفه الحقيقي. ولعله توقع أن أكون عاتبا عليه
صمته والكلاب تطارد اسمي في كل أنحاء مصر وتجد في محوه أو تشويهه،
فأراد أن يواسيني بآخر خفقة في جناحه المهيض!
كانت صداقتنا مختلفة اختلافا نوعيا- على الأقل بالنسبة لي- عن كل صداقة
أخرى. كنا متوادين مؤتلفين إلى درجة المكاشفة الحميمة، وكنا مختلفين
ومتنافسين إلى درجة الخروج أحيانا عن قواعد اللعب. كان كل منا يعرف
مزايا صاحبه كما يعرف عيوبه، وكنا متفاهمين دون اتفاق صريح غلى أن
صداقتنا تقوم بذاتها، فكأنها مستغنية عن مزايانا، وكأنها غير ضيقة
بعيوبنا، نوع غريب العلاقات الإنسانية مرسوم بتعقيد شديد، ففيه من
عواطف الأخوة، ومن تقاليد الزمالة، ثم لا يخلو أيضا من شرور الخلاف
والمنافسة.
كان لقاؤنا الأول في أواخر عام 1955 وكان فاترا غير متكافئ. فلسنا
ندين لهذا اللقاء بصداقتنا التي لم ت!بدأ حقا إلا في أواخر العام التالي
بعد أن أصبت قليلا من الشهرة، وضمنا عمل واحد في دار "روز اليوسف".
عندما التقينا لأول مرة، كنت شابا ني العشرين مغلقا على إحساس فادح
بالموهبة والاضطهاد، وكنت قد قرأت لصلاح الذي كان يكبرني بأربع سنوات
قصائده الطليعية التي بدت لي آنذاك نثرا بالمقارنة بشعري الرمزي. لكن
صلاح كان قد أصبح مشهورا ولم أكن أنا إلا شاعرا مبتدئا. وكان هو مدرسا
يعمل في إحدى مدارس القاهرة، وكنت عاطلا أبحث عن عمل في الصحافة التي
كانت لا تزال ملكية خاصة، بعد أن اعترضت وزارة الداخلية على تعييني
مدرسا في مدارس الحكومة.
أذكر، كان لقاؤنا في ساحة كلية دار العلوم، في نهاية يوم دراسي. لا
أذكر المناسبة التي ساقتنا لهذا اللقاء. لعلها كانت أمسية شعرية، ولكني
أذكر الإطار. كان عصر يوم خريفي، في ساحة الكلية التي بنيت في القرن
الماضي، ففي أسلوب عمارتها وفي شيخوخة أشجارها التي تخترقها الريح
وأسراب العصافير كآبة مرتجفة مخيمة، تزيد إحساسي بالغربة والعجز، نبهني
إلى وجوده صديق لا أذكره الآن، وكان هو جالسا على الطرف من دكة خشبية
فجلست على طرفها الآخر، وقدمت له نفسي، وتبادلنا كلمات قليلة فاترة
زادتني إحساسا بالوحشة فانصرفت.
كان في هذا اللقاء يبدو بسمرة وجهه وشاربه وأنفه الكبير وشفته السفلى
الممتلئة المسترخية جهماً شهوانيا عابثا مكتفيا بنفسه. ولم أستطع في
هذا اللقاء الأول أن الحظ ما في عينيه من جمال ونبل وانكسار.
أظن انه ظل يعطي لأول وهلة هذا الانطباع الخارج عن نفسه، فقد كان في
حقيقته، رقيقا متواضعا شديد الإقبال على الناس. لكن هذه المفارقة بين
الظاهر والباطن لم تقتصر على شخصيته، بل اطردت لتطبع كل جانب من جوانب
حياته الروحية والعملية. فصلاح عيد الصبور يبدو سعيدا ناجحا واثقا
من نفسه، بينما يقدم لنا شعره عالما مناقضا لذلك تماما. وصلاح يبدو
صديقا لكل الأطراف المتناقضة، لكنه في الحقيقة ليس مع أي طرف ولو كان
قريبا منه. انه مع نفسه.
في "روز اليوسف " وفي حمى المعركة التي خضناها أنا وهو،
بنجاح، ضد الشعراء المحافظين لم نعد تفترق. تجمعنا الموهبة والعمل
المشترك في مكتبين متلاصقين في غرفة واحدة، والسكن في منزلين متقاربين.
والسهر حتى الصباح مع بقية زملائنا في المنازل، ومنتديات الأدب التي
كانت لا تزال قائمة، وفي المطاعم ومقاهي الفنادق الكبرى التي كانت
عامرة حتى أواخر الستينيات بحلقات مختلفة من الصحفيين والأثرياء والفنانين
والسياسيين، ولا تخلو أيضا من النساء. وفي كل هذا، في الشعر وفي الكتابة،
في الحب والصداقة، كان صلاح لامعا ناجحا مرموقا. !ا
كان في الخامسة والعشرين حين تحقق له كل شئ، الشهرة، والعمل اللامع،
والأجر المجزى، ورضى الجميع بما فيهم الدولة التي اختارته ضمن النادرين
من أبناء جيله لتخلع عليه أوسمتها وجوائزها، وتعهد إليه منذ أواسط
الستينات بإدارة عدد من أهم مؤسساتها الثقافية، فأين يكون مصدر شقائه
وإحساسه المدمر باليأس والهزيمة والموت، إذا أردنا أن نبحث عن هذا
المصدر في حياته الشخصية والعملية؟
في علاقته بالسياسة، كان صلاح الذي بدأ متعاطفا أيام الصبا مع "الأخوان
المسلمين" قد أخذ. يقترب في أوائل الخمسينيات من الشيوعيين، متأثرا
في ذلك بما كان للماركسية آنذاك من جاذبية شديدة ولمعان فاتن عند كثيرين
من الشباب المثقفين والأدباء والفنانين، يساعد في انتشارها بينهم تأجج
الحركة الوطنية، وظهور الوعي الطبقي، بالإضافة إلى ما سماد أروقة الجامعة
المصرية من تيار عقلاني، كانت محاضرات طه حسين. وأمين الخولي - في
كلية الآداب- تزيده قوة وتدفقا، ولهذين الأستاذين يدين صلاح بجانب
كبير من ثقافته. وفي هذا الإطار- علاقته بالماركسية والشيوعيين- استطاع
أن يفتك نفسه كشاعر من أس أ التقاليد الشعرية القديمة، ويخطو خطوة
واسعة نحو التجديد.
إلى هذه المرحلة كتب قصائده "شنق زهران" و "الناس ني
بلادي" و "أبي" التي لاقت شهرة واسعة سواء بما أثارته
من إعجاب أو بما أثارته من إنكار. لقد نجح في خلق لغة شعرية جديدة
تستفيد من العامية المصرية والموروثات الشعبية، وتصل ني الوقت ذاته
إلى مستوى من الغنائية والتجريد يمكنها من مخامرة القضايا الإنسانية
الكبرى والاستفادة من الشعر الأجنبي- تأثره باليوت مثلا في قصيدة "الملك
لك".
يعترف صلاح في كتابه لا حياتي في الشعر"بعلاقته ! بالفلسفة المادية
التي (كنت قد اقتربت منها اقترابا كبيرا، وبخاصة بعد تخرجي من الجامعة
عام 19511). لكن صديقا لنا مشتركا- طلب عدم ذكر اسمه- يؤكد أن صلاح
تجاوز الاقتراب الشديد من الماركسية إلى اقتراب شديد كان أشبه بالعضوية
من تنظيم شيوعي ظهر عام 1953 باسم (نواة الحزب الشيوعي)، وان صلاح
آنذاك كان يمر بأزمة عاطفية حادة أراد أن يتخطاها بالانهماك في النضال
السياسي. لكنه طلب إعفاءه من واجبات العضوية، وانسحب من التنظيم عام
1941.
وقد سألت الناقد محمود أمين العالم الذي كانت تربطه بصلاح في الخمسينيات
علاقة وثيقة، وهو في ذات الوقت ممن قادوا " نواة الحزب
الشيوعي " رأيه في هذه المسألة فنفى العلاقة التنظيمية وأكد علاقة
الصداقة. وأنا شخصيا أميل إلى ما يقوله محمود أمين العالم. فسوف نرى
هذا الموقف مطردا عن صلاح، أن يقترب ولا يعتنق، وان يميل دون أن ينخرط.
لكن شعر صلاح كان يقدم في تلك المرحلة كنموذج للأدب الذي يدعو له
النقاد الماركسيون، وقصيدته " عودة ذي الوجه الكئيب " التي
هجا فيها عبد الناصر أ كانت متداولة ني معتقلات الشيوعيين كعمل من
أعمال مقاومة الحكم العسكري.
وهناك من الوقائع التي شهدتها بنفسي ما يدل على أن علاقة صلاح بالشيوعيين
ظلت طيبة إلى قيام الوحدة المصرية السورية التي انحسرت في أعقابها
الماركسية انحسارا كبيرا فكرا وتنظيما. في ذلك الوقت بدأ صلاح مرحلة
جديدة في الفكر والسياسة والشعر أيضا. لقد انحاز للفكر القومي العربي
وعبر عن هذا/ الانحياز فيما كتبه من مقالات نظرية وتعليقات سياسية.
وتخلى في الشعر عن ا محاولته في خلق فصحى لا مصرية " وارتد إلى
نوع من الرومانتيكية في لغته وهمومه الشعرية عبر عنها ديوانه الثاني
(أقول لكم) الذي صدر في عام الانفصال 1961.
لكن صلاح الذي ابتعد عن الماركسية مقتربا من القومية، ما لبث أن ابتعد
عن القومية أو الناصرية بتعبير ربما كان أدق، ودخل مرحلة أخرى هي المرحلة
الليبرالية التي ستعقبها مرحلة أخيرة انصرف فيها تماما أو كاد عن العقائد
الاجتماعية والسياسية، واستغرقته المشكلات الميتافيزيقية وخاصة مشكلة
الموت التي لم ينشغل بها كقضية فحسب، بل عاناها معاناة كاملة مما جعل
بعض النقاد يصفون هذه المرحلة الأخيرة في حياته وفكره بالعدمية.
أستطيع أن أقول أن عقيدة صلاح عبد الصبور السياسية كانت دائما! رقيقة،
أو انه كان دائما ميالا لا معتقدا، في علاقته بالناصرية. وهذا ما يفسر
تردده وتقلباته اكثر مما يفسرها خوفه من بطش السلطة أو رغبته في إرضائها،
وان كنت لا استبعد أن يكون الخوف أو الرغبة سببا من الأسباب، لا السبب
الأول ولا السبب الوحيد.
أن نقد صلاح للأفكار السلفية والماركسية والناصرية لا تنقصه الحرارة
ولا الصدق، ولقد خرج على الناصرية في عهد عبد الناصر، بل خرج عليها
في أزهى وأقوى مراحلها عام 1965 كما أشهد بنفسي وكما يشهد شعره المكتوب
في تلك الفترة. فلو كان راهبا أو راغبا لآثر الصمت آنذاك. صحيح انه
اضطر بعد ذلك إلي مجاملة النظام اكثر من مرة مما سبب له إحساسا مرا
بالندم والسخط كل نفسه، لكن هذا الخطأ لم ينج منه مثقف مصري واحد في
ذلك الوقت، حتى الموالون للنظام الذين كان يدفعهم الخوف من الشك في
ولائهم إلي إعادة تأكيده، ولماذا لا يكون صلاح مثله مثل كثير من المثقفين
أيضا يكن الحب لعبد الناصر وهو في ذات الوقت يتمنى سقوطه؟ أليس الزعيم
الفرد هو الأب الذي يحبه الأبناء ويتمنون في ذاته الوقت أن يقتلوه
كما يذهب فرويد؟
بعد هزيمة 1967 لم تعد المشكلة مشكلة ديموقراطية، فقد شمل الخراب والعقم
والموت والفساد والخطيئة وجه العالم وبدا صلاح طائر اللب، لا تقع يده
على شيء صلب ولا تشيم روحه بارقة أمل.
من تلك الفترة التي تحول فيها صلاح عن الناصرية إلى أن غادرت مصر عام
1974 لم ينقطع جدلنا واختلافنا حول عبد الناصر وان لم نتخاصم أبدا،
بل ربما كنا في خلافنا متعاطفين. كنت متحمسا لعبد الناصر، مدركا في
ذات الوقت ألوان الظلم والقهر والفساد التي تقع في زمنه، وكان صلاح
في أول الأمر يتحدث عن الحرية بمفهومها الليبرالي الذي لم يكن يصرح
به تصريحا و إنما كان يفهم ضمنا من كلامه. وان ظل مع ذلك ينقد المجتمعات
الرأسمالية، أو على الأصح يندد بالفقر فقد كان تنديده بالنظم الشمولية
أشد.
كان موهوبا في السخرية، ظريفا ومرا. وكان يستخدم موهبته هذه بتفوق
في تسفيه حماستي مستشهدا بالوقائع اليومية التي كانت في غالب الأحيان
ضدي وكانت أنباؤها تصل إليه دائما قبلي، بل كانت تصلني عن طريقه، فأواجهه
بالمظالم الموروثة وأتحداه بشرف الغايات ومشروعيتها، مستخدما في ذلك
سلاحا.. مفلولا بالنسبة له من الكلام المنطقي والعاطفي، ثم نتوقف بعد
ساعات وقد أنهكنا التعب دون أن يتزحزح آنيا عن موقفه شعرة. وهكذا في
كل لقاء.
لم يكن صلاح في ذلك الوقت معارضا بل كان رافضا، لم يكن ضد السلطة
وحدها، بل كان يسخر أيضا من المعارضة، ولم تكن. الليبرالية بالنسبة
له نظاما بل كانت شاهدا على رفضه للاستبداد. وهو في الحقيقة لم يكن
يدافع عن الليبرالية و إنما كان يدافع عن فكرة الحرية التي لم يكن
متأكدا تماما من أن نظاما بالذات قادر على تحقيقها كما يشتهي، ولذلك
انتهى إلى اليأس والاشمئزاز والسخرية من كل شيء، فلم يحمل نفسه عناء
معارضة السلطة أو تأييدها. لقد أصبح ينكر أن يكون لهذه المطلقات قيمة
في ذاتها منفصلة عن الأشخاص الذين يمثلونها، وصار يفاضل بين أفراد
وأفراد لا بين أفكار وأفكار. ومن هنا نشأت بينه وبين بعض المسؤولين
في السلطة علاقة مزدوجة، فهو يقدر لهم لطفهم أو، ذكاءهم، ويكن في الوقت
نفسه رفضا شديدا للنظام الذي يمثلونه. والمشكلة التي وقع فيها بعد
ذلك هي أن نجاحه الوظيفي صار عبئا عليه، لأنه وصل به إلى مناصب اصبح
فيها على الرغم منه ممثلا للنظام الذي يرفضه. هذا هو التعقيد! الذي
لم يكن بعض منتقدي صلاح على بينة منه.
منذ أن غادرت مصر أوائل عام 1974 إلى أن عدت إليها صيف هذا العام التقينا
مرتين، الأولى في بغداد ربيع 1977 في مهرجان المتنبي، والأخيرة التي
كانت الفاجعة.
قي بغداد عاتبته على قبوله رئاسة تحرير مجلة " الكاتب "
بعد أن قام وزير الثقافة وقتذاك يوسف السباعي بطرد رئيس تحريرها أحمد
عباس صالح الذي أخذ يفسح صدر المجلة للمعارضين. نعم، أن المجلة مجلة
حكومية، فهي إن لم تكن مضطرة للتأييد الصريح فليس لها الحق في المعارضة
الصريحة. وربما زاد الموقف حرجا إصرار احمد عباس صالح على رفض الحلول
التي اقترحت عليه، ولنفرض -كما يقال- انه لم يقصد بهذه الصلابة وجه
الحق خالصا، بل أراد أن يحقق من وراء هذا الموقف منفعة شخصية. لكن
قبول صلاح لرئاسة مجلة طرد رئيسها السابق بسبب آرائه خطأ كبير.
ما لم يقله صلاح- ولعله خجل من التصريح به- إن وزير الثقافة طبع اسمه
على المجلة قبل موافقته. وأصدر العدد الجديد بالفعل واضعا صلاح أمام
الأمر الواقع فلم يعد أمامه إلا أحد أمرين : أما أن يعلن رفضه لما
حدث على الملأ، فيكلفه هذا الاستقالة من منصبه في وزارة الثقافة والتعرض
للبطالة إن لم نقل للجوع، و إما أن يقبل الأمر الواقع ويسكت على هذه
" الخدمة " التي أغتصبها" منه الوزير اغتصابا. هكذا
جاءته الطعنة الأولى من الحكومة، وتبين. له بعدها انه لا يستطيع دائما
أن يحافظ على عدم انتمائه، وان السلطة لا يهمها ما يبطن ما دامت تستطيع
أن تضع اسمه على ما تظهر.
لاحظت في بغداد أن صلاح أصبح يشرب بنهم وبرغبة ملحة في تدمير ذاته.
اذكر انه كان في السنوات الماضية يشرب أقل ويبتهج اكثر. كان يشرب اقل
مني بكثير. لكنه في هذه المرة اصبح يشرب كثيرا ونادرا ما يبتهج. لم
يكن في الحقيقة يبتهج، كان يتكلم، وأصبح يدافع عن نفسه، وقد يبتسم
أو يلقى بتعليقاته الساخرة، لكن المرارة أصبحت لديه أرجح من الخفة
والظرف. وهكذا كان في المرة الأخيرة.
منذ وصلت إلى مصر ونحن في لقاء متصل. كنت أتوقع أن يكون إدراج اسمه
في قوائم المقاطعة العربية قد وجه إليه طعنة مسمومة. وكنت أعلم- على
عكس المعلومات التي بلغت لجان المقاطعة العربية- انه حاول كل ما في
وسعه أن يمنع اشتراك الإسرائيليين في معرض الكتاب الدولي، ولم يسعه
في النهاية بعد أن اقتحمت الشرطة مكتبه في المعرض، وفتشت حقيبته خلال
تعقبها للمتظاهرين المحتجين على اشتراك الإسرائيليين- لم يسعه إلا
أن يقدم استقالته من منصبه لوزير الثقافة الذي اعتذر له وأقنعه بسحب
الاستقالة، لكنه فوجئ باسمه وقد اصبح مقاطعا بتهمة التعامل مع اسرائيل-
ساء ما يزعمون!- وهكذا جاءته الطعنة الأخرى من المعارضة، فالمعارضة
كالحكومة لا تهمها النوايا، وبإمكانها هي أيضا. تأخذك بالظن وان تضع
اسمك في المكان الذي لا تحب. تماما كما وضع يوسف السباعي اسمك على
مجلة الكاتب! أخبرته أن عدة صحف عربية نشرت حقيقة ما حدث في معرض الكتاب،
وان كثيرا من المثقفين الذين صادفتهم في الخارج يحترمونه ويدافعون
عنه. نزلت كلماتي بردا وسلاما عليه، وأدرك أني لم اكن أواسيه أو أطيب
خاطره بكاذب القول، بل أقول له الحقيقة، ففتح قلبه يحدثني عما يرى
ويعاني.
لم يكن صلاح عبد الصبور مؤيدا للنظام، بل كان موظفا كبيرا في الحكومة،
لم يكن أيضا ضمن صفوف المعارضة التي تتكلم بلغة عبد الناصر لأنه كان
يرى أن العهد الحالي ليس إلا امتدادا أو استطرادا منطقيا للعهد الذي
سبقه.
هذا هو ملخص رده على صديقنا المشترك بهجت عثمان الذي تجاوز الحد في
حديثه معه خلال السهرة التي أقمتها في منزلي بمناسبة عيد ميلاد ابنتي
ودعوت إليها، صلاح وبهجت عثمان، وأمل دنقل وجابر عصفور، أحس صلاح بتعب
مفاجئ وضيق في التنفس فحملناه أنا وجابر إلى المستشفى المجاور. بعد
دقائق مات على ذراعي بينما رفيقنا الثالث يحاول الاتصال بأستاذ القلب
الذي وصل على الفور، لكن بعد فوات الأوان!
ليس الحزن هو مفتاح شعر صلاح عبد الصبور كما يظن دائما نقاده المخدوعون
بكلمة "الحزن" التي تتناثر في أشعاره الأولى كما يتناثر
الطعم فوق فخ مموه، فآخذوه بما حسبوه ميلا عاطفيا لا يبرره سبب موضوعي
في الواقع.
ورد هو فقبل التهمة بعد أن عدلها فقال انه ليس حزينا ولكنه متألم،
ثم برر ألمه بأسباب موضوعية خفيت على النقاد ولم تخف على الفنانين
أو- كما في تشبيهه- فئران السفينة الذين يستشعرون غرقها قبل أن تغرق
بالفعل (حياتي في الشعر).
لقد اضطر إلى مجاراة النقاد فثبت التهمة على نفسه و إن أنكر أنها خليقة
فيه. ففي الواقع مبرر كاف للحزن والألم. وها هي السفينة قد غرقت بالفعل
كما رأى في نبوءاته السوداء لا كما كان يرى النقاد. ولو كان صلاح في
اعترافاته النثرية قريبا من نفسه كما كان في شعره لرد على هؤلاء النقاد
بأن داءه ليس الحزن، وليس الألم، وليست له أيا كان اسمه علاقة بالواقع،
و إنما داؤه الموت، موته، وموت العالم. وهل كانت نجاة السفينة برادة
صلاح عن هذا الاستغراق الراعب في وجه هذه البئر المعتمة؟
في الخمسينات وأوائل الستينيات، وصلاح في زهرة شبابه وقمة شهرته، ومصر
تتغير وتتقدم وتنتصر- على الأقل في الظاهر- والكل يشعر بالعافية في
الواقع وفي نفسه، واللغة حماسية وكلمة الهزيمة منسية منبوذة، كان صلاح
عبد الصبور هو الشاعر الوحيد الذي اكتشف كلمة الهزيمة وأعاد لها الاعتبار:
(وأنا اعتنقت هزيمتي ورميت رجلي في الرمال)
قصيدة " هجم التتار "- الديوان الأول
(إني انهزمت، ولم أصب من وسعها إلا الجدار)
قصيدة (السلام- الديوان الأول
(لا تبكنا، يا أيها المستمع السعيد فنحن مزهوون بانهزامنا)
قصيدة (أغنية لليل)- الديوان الثالث
لا علاقة لهذه الهزيمة التي يتكلم عنها صلاح بواقعه الشخصي أو بواقع
المجتمع. نعم ، إن صور الخراب والعقم والموت سادت شعره، وأصبحت أكثف
وأمر بعد هزيمة 1967، ولكنها لم تبدأ معها، بل بدأت مع الانتصارات.
وربما يكون إحساسه بالهزيمة قد استفحل بعد كارثة يونيو (حزيران). لكن
هذه 10 لكارثة لم تخلق فيه هذا الشعور من العدم. ثم أن المسألة لم
تعد مسألة هزيمة بالمعنى المباشر، أي في تجربة بالذات أو في معركة
محدودة، و إنما أصبحت هزيمة الوجود الإنساني كله. إنها خيبة أمل في
الحياة. وإذا كانت الهزيمة، كلفظ، تتردد في عدد محدود من قصائده، فكلمة
الموت تسود كل أشعاره، ليست الكلمة فحسب وما اكثر ترددها و إنما الخراب،
العقم، الفساد، الخطيئة، الندم، الصقيع، 1 لانهيار، الذبول، 1 لانكسار،
السم، الصبح الميت، الريح الملعونة.. كل الديوان، مفردات وصورا، وموضوعات،
وتركيبات، وإيقاعات.
يرتبط الموت في كل مرحلة من مراحل شعر صلاح بموضوع ما. لكن الموتى
يظل البذرة الأولى، أو الدورة التي تأكل كل بذرة وتبقى.
في الديوان الأول يرتبط الموت بالاستبداد والقهر.
(ذات مساء، حط من عالي السماء أجدل منهوم ليشرب الدماء
…….
معذرة صديقتي، حكايتي حزينة الختام لأنني حزين)
قصيدة " رحلة في الليل "
(الحزن قد قهر القلاع جميعها وسبى الكنوز وأقام حكاما طغاة)
قصيدة (ا لحزن) إما في الديوان الثاني فالموت موتان : موت رضى مرتبط
بشجاعة الروح كما في قصيدة " موت فلاح "، وموت تافه مرتبط
بالعجز والجبن والتردد، فهو موت في الحياة:
(أنا رجعت من بحار الفكر دون فكر
قابلني الفكر ولكني رجعت دون فكر
أنا رجعت من بحار الموت دون موت
حين أتاني الموت لم يجد لدي ما يميته
وعدت دمن موت !
قصيدة "الظل والصليب" بداية من الديوان الثالث " أحلام
الفارس القديم؟ يصبح الموت انحلالا غير مفهوم لقوى الإنسان والطبيعة،
وعنصر فساد في الكون لا علاج له. انه هنا موت العالم أو الموت المطلق:
(ينبئني شتاء هذا العام أن داخلي مرتجف برداً
وان قلبي ميت منذ الخريف)
قصيدة " أغنية للشتاء "- أحلام الفارس القديم
(كان مغنينا الأعمى لا يدري
أن الإنسان هو الموت)
قصيدة " تنويعات "- شجر الليل
(معذرة، نختصر الكلام
فالجثث الكثيرة التي دفنتها عاما وراء عام
تريد أن تنام)
قصيدة " استطراد أعتذر عنه "- تأملات في زمن جريح
(... لكن الأشياء
لمستني واعتصرتني
حتى أصبحت هواء
يتسرب في المحو)
قصيدة " تجريد 1 "- الإبحار في الذاكرة
من أين جاءته فكرة الموت إذا لم يكن من واقع حياته ولا من واقع اجتمع؟
لم يبق إلا طفولته أو ثقافته، أما الطفولة فليست لدورينا مصادر تكشفها،
وان ذكر في كتابه (حياتي في الشعر) ما يفهم منه مواظبته على كتابة
مذكراته اليومية، فلعلها تنشر حتى تضيء لنا بعض جوانب هذا اللغز. و
أما الثقافة، فقد يخطر لي أن أتذكر اهتمام الوجوديين المصريين بمشكلة
الموت، عبد الرحمن بدوي في كتابه " الموت والعبقرية " وزكريا
إبراهيم في دروسه التي كان يلقيها في الجامعة في أواسط الخمسينيات
حول مشكلة الموت عقب عودته من فرنسا. لكن صلاح لم يكن مغرما بالوجودية
ولم يذكرها ضمن مصادر ثقافته في كتابه المشار إليه.
هل كان صلاح عبد الصبور يريد حقا أن يموت كما أشرت إلي ذلك اكثر من
مرة؟
لست أعلم أن صلاح قد حاول الانتحار أبدا، ولم يصرح في اعتراف شفوي
أو مكتوب بالتفكير فيه، ونحن لا نستطيع أن نعامل شعره معاملة الاعتراف
الحقيقي، فنبني نتائج على مثل قوله
(فكل ما أريد قتل نفسى الثقيلة)
من قصيدة " الخروج "- ديوان " أحلام الفارس القديم
".
لكن في كتابه (حياتي في الشعر) إشارة تدفعنا إلى التساؤل حول علاقته
بفكرة الانتحار، وذلك قوله عن شدة تأثره في صباه الباكر بما كان يقرأ
" فلم أكن في ذلك الوقت أعرف اللعب بالأفكار، بل الحياة فيها،
ولو قرأت في تلك الفترة كاتبا يبشر بالانتحار ومس حديثه قلبي لانتحرت".
لقد ألف كتابه هذا عام 1968 وهي ذات الفترة التي كرس فيها كل شعره
تكريسا تاما للحديث عن الموت كما ذكرت من قبل، فهل يكون حديثه عن الانتحار
صدى لاستغراقه الفني في موضوع الموت؟ أم أن هذا الاستغراق الفني على
أ العكس من ذلك صدى لفكرة الانتحار التي أرجح أنها راودته بإلحاح في
هذه المرحلة؟.
أشعر أنني افهم الآن صلاح أفضل مما فهمته في حياته. ولهذا أحس بندم
شديد، ويتضاعف شعوري بالخسارة، لأني لم أبذل مثل هذا المجهود لفهمه
وهو بجانبي، وهو قريب يلبي دعوتي أو يدعوني، فيجيب على أسئلتي ويفرط
لي كل أسراره. كان سيفرح فرحا عظيما وهو يراني أهتم به هذا الاهتمام
وأكن له هذا الحب الذي أصابتنا فيه عدوى الأيام الخشنة، فكنا معه خشنين
ونحن أول المجروحين المتألمين.
باريس 9 نوفمبر (تشرين الثاني) 1981
مجلة (الكرمل) العدد الرابع - خريف 1981
|