قتلوا أبي فلماذا يتذكرونه الآن؟

معتزة عبدالصبور |
أنا مستفزة، لا أفهم سر الاهتمام المفاجئ بصلاح عبدالصبور، مرت
علي رحيله عشرون عاما من التجاهل والصمت المريب، فلماذا تهتم به الصحافة
والدولة الآن؟! مؤتمر في المجلس الأعلى للثقافة لثلاثة أيام، برامج
في القناة الثقافية، ما الذي يحدث؟! هل اكتشفتم فجأة أن هناك واحد
اسمه صلاح عبدالصبور؟ لماذا الاهتمام به الآن، هل تريدون ضرب أحد
به؟!.
هكذا تحدثت معتزة صلاح عبدالصبور بمرارة أفهمها، وكان علي أن أوضح
لها أنني لست الدولة ولا حتى الصحافة، لكنني ـ وزملائي ـ تربينا على
كلمات كتبها صلاح عبدالصبور، وتركتها تواصل الحديث:
(صلاح عبدالصبور كان قامة كبيرة، وعلي مدي عشرين عاما، منذ رحيله
في عام1981، يتجاهلونه تماما، ويتجاهلون حقوق ابنتيه ( مي ومعتزة)
حاولت مرارا الاتصال بإبراهيم المعلم تليفونيا لكنه لا يرد، اتصلت
به حتى يأتي لنا بحقوقنا من دار العودة البيروتية، باعتباره رئيس
اتحاد الناشرين العرب، ولأنه متعاقد معنا، وقد انتهي العقد.
لا أريد أن يهتم بصلاح عبدالصبور أحد، وأسألهم أين كنتم طوال عشرين
عاما منذ رحيله، أنا وعمتي كنا مندهشتين، ونسأل عن سر الاهتمام به،
قلنا: يمكن هيجيبوه وزير ثقافة!!.
** ولكن الأمر ليس علي هذا النحو القاتم، فالقناة الثقافية كما
ذكرت تعد برامج عنه، وهناك ملفات عنه نشرتها من قبل مجلتا القاهرة
وإبداع؟
في القناة الثقافية لا يعرفون أن هناك شاعرا اسمه صلاح عبدالصبور
هم يعرفون الشيخ الشعراوي فقط.
** هل تتذكرين تفاصيل الليلة الأخيرة في حياة صلاح عبدالصبور؟
قبل رحيل صلاح عبدالصبور ظهر في حياتنا فجأة الشاعر أحمد عبدالمعطي
حجازي ودعانا إلي حضور عيد ميلاد ابنته، وفي بيته كان هناك أمل دنقل
وبهجت عثمان، ود. جابر عصفور وآخرون لا أذكرهم، يجلسون في البلكونة
بينما الأطفال جميعا كانوا في إحدى الحجرات يسمعون الموسيقي.
وفجأة وجدت أمي تصرخ قائلة: قتلوه.... ورأيت أبي متوترا وهو يخرج
مع حجازي وجابر عصفور إلي الشارع، وسط ضجيج تلك اللحظات لم أفهم شيئا
لكنني أذكر أنني رأيت هذه البلكونة في منامي، لم يكن يجلس بها أحد،
وبالداخل تابوت وضعوه فوق الكراسي، ثم رن الهاتف، فرددت وكان علي
الجانب الآخر صوت يقول: أنا جابر عصفور، وقبل أن أرد سمعت طلقات
رصاص، ود. جابر يقول: خلاص.. خلاص.. حكيت لأبي حلمي، وكان
هادئا حين قال د. جابر شخص لطيف لا تنزعجي.
في اليوم التالي لتلك السهرة المربكة( الجمعة) كان البيت ممتلئا
بالناس، صحفيين وكتابا، وللمرة الأولي أعرف أن أبي كان مشهورا،
الوحيدة التي كانت ترتدي الأسود هي الفنانة سناء يونس( كانت صديقة
مقربة من أمي وأبي) ويبدو أنهم نبهوا علي الجميع ألا يلبسوا الأسود،
لكن البكاء فضح الأمر، ولم أكن أريد ـ كطفلة ـ تصديق حدث
الموت إلي أن سمعت أختي( مي) خالي يتحدث في التليفون عن ترتيبات
الجنازة.
** ألم يكن يعنيك متابعة تلك التفاصيل؟
أعرفها، لكن ذكرها يعطي أهمية للأشخاص، الوحيد المقرب إلينا بين
هؤلاء هو د. جابر عصفور.
** والآخرون؟
لا يعنونني في شيء، حجازي مثلا يتصيد أي فرصة ليشتم صلاح عبدالصبور،
وكان يجب ألا يفعل ذلك بعد موته، رآني مرة في الأوبرا عبر لقاء حضره
وزير الثقافة، فقال لي: يا معتزة أنا زي بابا.. ولو عاوزة حاجة
أنا موجود لكنه لن يكون مثل أبي، من يريد أن يفعل شيئا لابنتي صلاح
عبدالصبور، يفعل ذلك في صمت وهدوء، ومن المؤكد أن حجازي سيكون آخر
من يفعل ذلك لأجلنا، المقربون من أبي نعرفهم دون طنطنة أو دعاية.
** هل هي مرارة تخلي المثقفين عن ابنتي عبدالصبور؟
طبعا بشكل جارح ومهين، فعندما تكون لنا حقوق مادية يتعاملون معنا
علي أنهم يقدمون معروفا لنا، علي طريقة: إحنا مطلعين قرشين لكم.
** وحقوق النشر في هيئة الكتاب؟
د. سمير سرحان لم يتخل عنا علي المستوي الإنساني، بشكل عام المسألة
تتعلق بأسلوب التعامل، في أي بلد آخر، الاهتمام بالكاتب يكون كبيرا
بعد وفاته، ولأننا ليست لدينا قوانين صارمة في حقوق النشر، فـ دار
العودة تسرقنا منذ30 عاما، وهم لا يملكون
حقوق نشر كتب صلاح عبدالصبور.
ولن أنسي عمري دموع أمي، عندما كانت تمر بظروف صحية سيئة، ولما احتاجت
فلوس أرسل لها مدبولي خمسة آلاف جنيه، وهو الذي يوزع كتب أبي تحت
الترابيزة رغم أن صلاح عبدالصبور وعددا من المثقفين هم اللي شالوا
مدبولي من علي الرصيف وجابوا له المكتبة اللي خلته مليونير.
هناك مصالح مترابطة بين اتحاد الناشرين العرب ودار العودة ومدبولي،
وفي النهاية نحن
لا نعنيهم في شيء.
** ما شكل التكريم الذي يليق بهذا الشاعر الكبير؟
صلاح عبدالصبور موجود، لن تحييه الأنظمة والحكومات أو تميته، وآخر
شيء أفكر فيه هو السعي إلي التعاقد، حين تعرض هيئة المسرح عملا له،
لكن عندما يقدم لي سامي خشبة ـ أيام كان مديرا للبيت الفني للمسرح
ـ13 ألف جنيه، وفي الوقت نفسه، وفي القاعة التي تحمل اسم صلاح،
يكون هناك عرض لكاتب أقل قامة من عبدالصبور وتكون قيمة عقده25 ألف
جنيه، فماذا يعني هذا؟
ثم بعد ذلك يأتي مخرج أسمه خالد جلال( مدير مسرح الشباب) ليعرض
من خلال وسيط تقديم (بعد أن يموت الملك) دون مقابل، رفضت طبعا وقلت
للمخرج: لن آخذ منك شيئا، بشرط أن تعرض العمل في أي مكان خارج هيئة
المسرح، ما يحدث إهانة لصلاح عبدالصبور، أنوشكا ويحيي الفخراني كل
منهما يحصل علي45 ألف جنيه في العرض، وكذلك الفريد فرج، إنهم لا
يحترمون تراث هذه الأمة، ففي مهرجان المسرح التجريبي جاءت فرقة حرة
من رومانيا وعرضت (مسافر ليل) فقال لي البعض كيف توافقين على الرقص
والغناء في نهاية العرض، وأنا لن أعترض على أي شكل فني.
** في حوار مع سميحة غالب أشارت إلي أن صلاح عبدالصبور كان قد انتهي
من كتاب الحديقة الموحشة وهو مختارات من شعر أبي العلاء المعري، مع
تقديم وتحليل لها وهناك أيضا بدايات كتبها لمسرحيتين: عنترة والزير
سالم إضافة إلي مشروعات أخري لم تكتمل، أين هذا التراث الآن؟
كانت أمي تبكي بسبب مشكلة خاصة بواحد نسيت أسمه الآن.
** أحمد عنتر مصطفي؟
ما أعرفه أنه استولي علي قصيدة طويلة عنوانها عندما أوغل السندباد
وعاد كانت
مجلة (فصول) تعد محورا عن عبدالصبور، فأرسل د. عزالدين إسماعيل،
يطلب الأعمال
التي لم تنشر، وأعادها مع أحمد عنتر مصطفي، لكنه تاه في السكة،
فلم يأت إلي
الآن، تذللت لطوب الأرض من أجل أن يعيدوا هذه القصيدة، لكنه لا يزال
يحتفظ بها
لنفسه، فهل يتخيل أنه أحد ورثة صلاح عبدالصبور؟!
هذا ليس ميراثنا الشخصي، وكل المثقفين يعرفون هذه الواقعة، لكنهم
يشعرونني بأن إعادة القصيدة مسألة صعبة ومستحيلة، إذن فالكل متواطئ
باللامبالاة علي الأقل، والمدهش أن عنتر مصطفي يقول: سأعيدها بس
توقع لي علي ورقة تمنحني حق استخدام القصيدة في الكتاب بتاعي. وعزالدين
إسماعيل عندما سئل عن الواقعة
قال: والله أنا مش عارف!!
** هل كنت تشعرين بالضغوط الواقعة علي صلاح عبدالصبور؟
لم يكن يعكس عصبيته علينا، كان توتره داخليا، كنا نشعر بحزنه بشكل
خاص، حين يتمشى في البيت جيئة وذهابا، فهو كان متجاوزا، متسام،
متسامح يتمتع بحكمة كبيرة.
** هل كانت لديه طقوس خاصة أو يطلب أشياء معينة عندما يكتب؟
لم يكن يعيش دور الفنان أو يصنع إرهابا في البيت، كان يلعب معنا،
وبعد نومنا يدخل حجرة المكتب متأخرا، وكان وقت القراءة مقدسا لديه،
ولذا علم نفسه اللغات التي يترجم عنها إلي العربية، إذا نظرت في كتاب
من كتبه مثل بودلير أو مالارميه تجد تحت كل كلمة وأخري خطا وبجواره
المعني، كان يريد قراءة بودلير أو إليوت في لغتيهما الأصليتين، ولم
يكن خريج الجيزويت أو فكتوريا، تعلم في مدرسة حكومية وعندما جاء من
الزقازيق كان لديه مشروع أن يكون صلاح عبدالصبور الشاعر الكبير، وفي
النهاية لم يعط أحدا مبررا لكي يكرهه، لأنه علي المستوي الإنساني
ترك الناس يؤذونه، ليس ضعفا منه، لكنه كان يري الأبعد والأرقى، بعيدا
عن المكاسب المؤقتة التي لم يحققوا سواها.
** وكيف انتهت مشكلة كتاب في جريدة؟
التقيت شوقي عبدالأمير في القاهرة، وكأنني كنت في حضرة ت. إس.
إليوت الذي جاء لينشر لشاعر مبتدئ اسمه صلاح عبدالصبور، وتكلم بشكل
غير لائق، حين سألته عن العقد، فقال: نحن نعطي للورثة2000 دولار
ولو مش عاجبك بنشطب صلاح عبدالصبور،
كان أحد فناني الكاريكاتير حاضرا، فقدم مشهدا تمثيليا فاشلا.
أرسلت خطابا إلي مدير اليونسكو قلت فيه: عليكم باختيار واجهة لطيفة
لتمثيلكم، أو علي الأقل شخص ليست لديه عقد نقص أو شعور بالدونية تجاه
المصريين أحسست في كلام عبدالأمير بعدوانية شديدة، وكان يتخيل أنه
يستطيع شراء المثقفين.
** أيضا بعد عرض فيلم (كرسي في الكلوب) انتقد البعض أداءك لدور
فتاة ليل وأنت ابنة صلاح عبدالصبور؟
كتب فتحي العشري كيف تقوم ابنة أمير الشعراء والسيدة الفاضلة سميحة
غالب بدور فتاة ليل في فيلم مقاولات، وأخذ ينعي الأدب والأخلاق،
لم أفهم علاقة أبي وأمي بالموضوع، واندهشت كيف يكون مسئولا عن صفحتي
سينما في أكبر جريدة عربية، أرسلت ردا للأستاذ إبراهيم نافع فنشر
العشري جزءا منه مع تعقيب، بعثت ردا آخر، كتب الأستاذ إبراهيم نافع:
ينشر فورا بلا تعقيب.
وقرر العشري أن يحارب البنت العيلة، وإمعانا في الشر اتصل بأحد المنتجين
قائلا له:
انس صفحتي الأهرام لو وقعت عقدا مع معتزة.
** هل استفدت كونك ابنة صلاح عبدالصبور؟
بحكم تربيتي في بيت مثقف، بالمعني الحقيقي للثقافة التي تنعكس على
مستوي السلوك، الآن أستطيع أن أكشف المثقف الحقيقي من المدعي، لا
أنبهر بأي شخص لأن الثقافة سلوك راق، جيلنا فيه المدعون أكثر من المثقفين،
لكنني أحاول أن أكون ابنة تليق باسم صلاح عبدالصبور.@
|