صلاح عبدالصبور - مصر
صلاح عبدالصبور

عن الأهرام العربي المصرية ـ السبت - أغسطس 25
‏السنة 123-العدد 2001

من اعداد :
سيد محمود/ عزمي عبد الوهاب/
السيد رشاد/ مصطفى عبادة


صلاح عبدالصبور‏ ..‏ عودة الفارس النبيل

سؤال شغلنا ونحن نعد هذا الملف الذي بدأ برغبة في مواكبة ذكري رحيله العشرين وانتهي باكتشافات لا تقل درامية عن مسيرة الشاعر الراحل الكبير‏، فصلاح عبدالصبور الذي عاش بين عامي‏1931/1981، وقدم ستة دواوين شعرية‏ (‏ الناس في بلادي ـ أقول لكم ـ أحلام الفارس القديم ـ تأملات في زمن جريح ـ شجر الليل ـ الإبحار في الذاكرة‏)‏ بخلاف مسرحياته الشعرية وترجماته ومقالاته التي تكشف إلي جوار كتابه المهم (حياتي في الشعر) عن وعي نظري فائق وثقافة راقية‏.‏

اكتشفنا أن بيننا من يمارس الكتابة ويجهل صلاح عبدالصبور‏، كما اكتشفنا أن بيننا من يحاول قتله من جديد. وإذا كانت كلمة قد عجلت بنهاية صلاح عبدالصبور فإن كلمات أخري وردت في هذا الملف تعيد تقييمه والنظر إليه من جديد. وربما يحاول البعض الاعتذار عن حماقات واتهامات لم يمر يوم في حياة صلاح عبدالصبور من دون أن يتلقاها بشجاعة وبأسي‏.‏

والمدهش أكثر أن من لاموه وزايدوا عليه في علاقته بالسلطة هم الآن ورثته في المقاعد ذاتها‏، وإذا كان الراحل الكبير يملك شهوة لإصلاح العالم‏، دفعته لأن يقبل التعاون مع المؤسسة الثقافية لخدمة الثقافة والمثقفين، فماذا يملك ورثته الآن أكثر من الطموح وشهوته التي تصل بهم إلي حد التواطؤ مع السلطة لتخريب الثقافة وإفساد المثقفين‏!!!‏

في هذا الملف نجتهد في الاقتراب من العالم الشعري والإنساني لصلاح عبدالصبور عبر شهادات من أصدقائه وتلاميذه وشعراء ينتمون إلي أجيال تالية له تعمل جميعها علي تأمل تجربته ووضعها في سياقها الصحيح. ولم ننس أن نعيد البحث في تفاصيل الليلة الأخيرة التي عجلت بغيابه الجسدي عن عالمنا، لأن حضوره كشاعر لا يزال له القدرة علي أن يكون عابرا للأجيال، حيث لا تزال رؤيته لقضية الشكل الشعري، وعلاقة الشاعر العربي بالتراث العربي والعالم صالحة في بعض أجزائها لأن تكون حاملا جديدا لمشروع الحداثة العربية في معناها النهضوي الشامل‏.‏


فاروق خورشيد :

(الكلمة تقتل)

لا يزال الأديب فاروق خورشيد ـ رئيس اتحاد كتاب مصر ـ مساء كل ثلاثاء‏، وعلي مدار عشرين عاما‏، يوقد شمعة جديدة أمام مساحة الطاولة الشاغرة التي تلاصق كرسي صلاح عبدالصبور منذ غيابه عن اجتماع الجمعية الأدبية المصرية‏، الذي لم يغب عنه مرة واحدة‏، حتى غيبه الرحيل‏، وإذا كان تل الشموع الذائبة قد تحول إلي هرم ضخم‏، فإن هرما آخر من الألم ينمو عاما بعد عام في قلب خورشيد لرحيل أقرب الأصدقاء إلي هذا القلب‏.‏
(عجزت عن استيعاب عمق الصدمة‏، وأرفض رثاء صلاح عبدالصبور حتى الآن‏، والمرارة التي لا تزال في داخلي لموته أقوي من آثار الزمن، بل تزداد يوما بعد يوم‏).

‏ هكذا بدأ فاروق خورشيد شهادته الموجعة عن رفيق الدرب صلاح عبدالصبور‏، مشيرا إلي أنه في كل عام يصر ـ أي خورشيد ـ علي الاحتفال بعيد ميلاد صلاح عبدالصبور وحده‏، في منزله‏، كما كانا يفعلان معا في حياته‏.‏
(عبد الصبور كان كائنا مفرط الحساسية‏، مرهفا جدا‏، وكان شديد التأثر بأية كلمة مهما تكن‏، لذلك دائما ما كان يردد‏:‏ (الكلمة تقتل) وأذكر أنه حينما كان يتعرض لمهاترات وسخافات البعض يلجأ إلي في المنزل‏، يقرأ شعره بصوت جهوري ـ كأنه يريد أن يثبت لنفسه أنه موجود‏، وأنه لم يبع قضاياه ـ ويظل يقرأ ويقرأ حتى يتحول إلي اللون الرمادي‏، فكيف عن صراعه مع ذاته وقتها‏.‏لقد كان صلاح إنسانا متأملا‏، صادقا مع نفسه والآخرين‏، بداخله حزن عظيم‏، حزن كوني‏، جعله أبعد ما يكون عن الخواء‏، وكان يري أن الحياة موصولة بالحزن لأنها تقوم علي المتناقضات‏، وتنتهي بالموت وكان هذا الحزن ملكه‏، يسيطر عليه ويدفعه إلي أعلي درجات الإدراك لذاته‏، كان نبيلا يرفض العالم الموبوء‏، ويتوحد بداخله الهم الخاص بالعام، مثلما تجلي في تناوله لحادثة دنشواي مثلا في قصيدة (شنق زهران)‏.‏ والمدهش أن من هاجموا صلاح عبدالصبور لم يكونوا بحال يساريين شرفاء‏، كانوا مجموعة من المرتزقة والانتهازيين، وكان ما حدث مجرد مناورة منهم للضغط علي الحكومة لإزاحته من رئاسة التحرير‏، ولإفشال المجلة في عهده‏، لكن الذين كالوا له الاتهام بأنه باع القضية للسلطة هم أنفسهم الذين تمرغوا في تراب السلطة بعد ذلك، وبشكل حولهم إلي عصابة في مافيا الكسب، بينما ظل صلاح عبدالصبور نموذجا للأديب المترفع الذي مد يده للجميع خاصة الشباب الذين قدم معظمهم تحت مظلته وأولهم أمل دنقل‏.‏
وما يؤسفني أن الرجل لم ينل حقه من التكريم سواء في حياته أم بعد مماته‏، وما أخشاه الآن أن تكون مافيا الانتهازيين يريدون، بادعاءات تكريمه، أن يقفزوا على صلاح عبدالصبور ميتاً من أجل مزيد من الكسب‏، مثلما قفزوا علي كتفيه حيا‏).‏


عبد الغفار مكاوي :

أراه في أحلامي

ومن قائمة الأصدقاء نتوقف مع الدكتور عبد الغفار مكاوي أستاذ الفلسفة المعروف والذي يقول‏:‏
(كنا نسكن معا في مسكن واحد ما بين عامي‏56‏ و‏57‏ في المنيل‏، حيث نتقاسم كل شيء‏،) وبقدر حبي العميق والشديد له‏، كان اقترابنا حتى أنني كنت أشبه بأب صغير له‏، أرعي شئونه المادية من طعام وشراب‏، فقد كان يعمل طوال الليل‏، ناسيا إطعام نفسه‏، أو رعاية بدنه‏.‏

مما يزيد في ألمي‏، ويجعله متوهجا بقسوة في قلبي إنني عشت مأساة قاسية يوم رحيله‏، حيث كنا متفقين معا علي أن نلتقي صباح يوم السبت ـ الذي رحل فيه ـ لنجلس معا جلسة صداقة من تلك التي تعيد لكلينا ماء الحياة في الشرايين المتيبسة. ولأنني كنت مسافرا مساء ليلة رحيله‏، وحضرت مبكرا‏، فقد كان وقع الخبر مزلزلا علي نفسي‏، حتى إن صلاح يزورني كثيرا في أحلامي‏، وهو ما ينفي أي ظن في داخلي أنه مات‏، وإن كنت أدرك أنني برحيله فقدت أعظم وأعز الأصدقاء‏، وهو فقد لن أعوضه مدي الدهر وأظن أن الكلمة التي قتلته والتي خرجت من الرسام بهجت عثمان كانت مجرد نقطة النهاية لأعوام طويلة من الإحباطات والانكسارات‏، التي بدأت بصدمته المروعة في حبه لزوجته الأولي نبيلة التي كان يعشقها بجنون‏، لكن المفاجأة القاتلة منذ ليلتهما الأولي معا وما تلا ذلك من تصرفات جنونية‏، حفر جرحا عميقا في نفسه الحساسة‏، لم يندمل قليلا إلا بعد ارتباطه بالسيدة سميحة غالب التي كانت بالفعل سنده في الحياة‏، وهناك أيضا إحباطه الأكبر بعيدا عن الحب‏، هو الشعور بعبثية ما يفعله‏، فقد كان صلاح كما عرفته منذ بواكير الشباب قارئا عظيما يقدس الكلمة ولا يكف عن الإيمان بدورها في تغيير الحياة إلي الأفضل‏، لكنه كان كثيرا ما يصطدم بالحقيقة المرة وهي أن الكلمة في وطننا العربي لا تغير شيئا وهذا ما كان يحبطه‏، ويحوله إلي قمر يغيب في المحاق ولا يعود‏، حتى أنه في فترات حياته الأخيرة كان دائما يسأل بمرارة‏:‏ (أنا عايش ليه؟). وقد قوي فيه ذلك الإحباط الرغبة الدفينة في الموت لأنه كان ـ رغم شهرته العريضة ـ غير راض عن تأثيره كما يريد في محيطه العربي‏، وكان يصف دائما نفسه بأنه شاعر صارخ في البرية فبدت أعماله كأوهام أمام واقع مؤلم ومتحجر‏).‏

وكواحد من أقرب أصدقائه معرفة به كشف لنا د‏.‏ عبدالغفار مكاوي عن الخفايا التي توزعت صلاح عبدالصبور المبدع المسئول في ذات الآن‏، وهو ما اتخذه البعض رأس حربة للهجوم علي صلاح عبدالصبور‏، يقول د‏.‏ مكاوي‏:‏
(كنت أشعر بألمه العميق لأنه كان يخدم نظاما ليس راضيا عنه‏، وهو أيضا غير قادر علي مواجهته لأنه في النهاية موظف لا يملك سوي راتبه وحينما كنت أناقشه أحيانا كان يقول لي‏:‏ (هأعمل بطل وأدخل المعتقل وأترك أولادي يتشردون ويجوعون). لكننا لا نجرؤ أن نقول إنه نافق السلطة ببيت شعر واحد‏، بل كان يؤدي مهام عمله‏، وظل مخلصا لفنه رغم كل الضغوط‏، هو أيضا جعل هذه السلطة لصالح الأدباء‏، كان صلاح كالنسر الطيب المحلق بحنو فوق الصغار‏، وكان ذلك يرهقه ورغم هذا واصل حتى اللحظات الأخيرة لرحيله دعمه وتشجيعه لعشرات الأدباء والشعراء لأنه ببساطة كان قادرا علي الحب والعطاء‏).‏

أحمد كمال زكي،

شعر يدل على الشاعر

ويستكمل الدكتور أحمد كمال زكي الأستاذ بجامعة عين شمس حديث الذكريات بقوله‏:‏
(كنا معا في كلية الآداب في جامعة القاهرة وكنت أسبقه بعامين‏..‏ فضلا عن رئاستي لاتحاد الطلاب وإشرافي علي إقامة الندوات الأدبية‏.‏ ولأن صلاح كان صغير السن ولا يزال في الفرقة الأولي‏، فلم أكن أدعوه ليشارك في الأمسيات مما جعلني هدفا لضغوط شديدة من مجموعة من زملاء في مقدمتهم فاروق خورشيد‏.‏ الأمر الذي دفعني إلي لقاء صلاح وقلت له‏:‏ (أسمعني) فقال لي (سأسمعك لكن في لجنة الشعر). فأعجبتني ثقته بنفسه وبالفعل ألقي قصيدته في اجتماع اللجنة فكانت جميلة وجديدة‏..‏ حتى إنها لفتت الأنظار بشدة ومن هنا نشأت بيننا صداقة عميقة‏..‏ أسفرت في النهاية عن تكوين الجمعية الأدبية المصرية في شارع قوله بعابدين‏.‏ وكان أبرز مؤسسيها مجموعة الأصدقاء فاروق خورشيد‏، د‏.‏ عز الدين إسماعيل ود‏.‏ عبد الغفار مكاوي‏.‏ بالإضافة لي‏.‏ وقد أثارت اجتماعات وأنشطة الجمعية انتباه الأساتذة والشباب علي السواء‏.‏ الذين توافدوا علي مقرها ليستمعوا إلي أشعارنا‏، من هنا انطلقت فكرة التوجه إلي الناس بعيدا عن الشعارات والأيديولوجيا‏، وقد كان صلاح عبد الصبور هو الشاعر الأول فينا بلا منازع‏.‏
لكنه كان أسوأ المجموعة إلقاء للشعر‏.‏ وحينما كنا نطلب منه تغيير طبقات صوته‏..‏ كان يرفض باعتزاز باعتبار أن شعره ـ وليس إلقاؤه ـ يدل عليه كما كان يرفض أن يلقي أحد غيره أشعاره‏، كذلك كان يكتب الشعر في أي وقت حتى لو كنا نلعب طاولة أو كوتشينة فقد كان الشعر لديه فعلا تلقائيا وليس متعمدا‏ً).‏


جابر عصفور

قامة صلاح عبدالصبور

أما الدكتور جابر عصفور أمين عام المجلس الأعلى للثقافة فقد بدأ الحديث عن قيمة صلاح عبد الصبور الشعرية مؤكدا‏:‏
(صلاح عبد الصبور مظلوم من المؤسسة النقدية العربية‏، لظروف وأسباب كثيرة‏، نحن حسب ظروفنا خصصنا من مجلة فصول عددا خاصا له‏، وكان في خطتنا أن نخصص عددا آخر في الإصدار الجديد، لكن للأسف لا يعرف الرأي العام الأدبي في مصر، خاصة الأجيال الطالعة، أنه لا يوجد شاعر كبير بعد أحمد شوقي سوي صلاح عبد الصبور‏، وأنه إلي الآن لا يوجد شاعر في مصر في قامة صلاح عبد الصبور‏، مهما حدث من ادعاءات أو ارتفاع في الأصوات‏، صلاح شاعر فذ بكل معني الكلمة وسيظل علامة من علامات الشعر العربي‏، إذا تكلمت عن الريادة فصلاح عبد الصبور‏، إذا تكلمت عن شمول الرؤية وعمقها فهو يتمتع برؤية شاملة شديدة العمق‏، إذا تكلمت عن البدء في آفاق جديدة فهي من إنجازات صلاح عبد الصبور‏، فكرة تقريب لغة الشعر من لغة الحياة فهو حاضر بقوة وهو سيد هذا الاتجاه‏، فكرة تنوع إيقاعات القصيدة حتى في دائرة التفعيلة‏، فكرة تنويع الأوزان داخل القصيدة الواحدة لخلق ما يمكن أن يكون حركات أشبه بحركات السيمفونية‏، فكرة الأقنعة التراثية وتعميقها وتوظيفها في التعبير عن الأزمة الوجودية للإنسان‏، فكرة البداية بأن المجد للإنسان في ديوانه الأول‏، كل ذلك صلاح عبد الصبور‏، وإذا تكلمت عن فكرة استقطار اللغة لتؤدي إيقاعات معينة‏، فذلك هو‏، ولديه ميزة لا توجد لدي أي شاعر عربي آخر‏، هي فكرة الوعي التشكيلي للقصيدة‏، فكرة الإحكام الشكلي للقصيدة لتصبح وحدة شكلية بنائية‏، والحس العميق بالسخرية‏، وفكرة الحداثة العقلانية‏، فهو كان يرفض فكرة الانفلات الأدونيسي التي تميز بها أدونيس مثلا‏، فكرة البحث عن النظام في الفوضى والجمال نفسه يصبح نظاما كان يريد أن يري الجمال في النظام‏، والنظام في الفوضى، ووجود أكثر من نموذج للشاعر‏، فكرة الشاعر النبي (أقول لكم) لكن في نفس الوقت فكرة الشاعر المقاتل‏، الذي لا يكتفي بإطلاق كلماته لتحملها الريح السواحة‏، وليس من المصادفة أن كل مسرحيات صلاح عبد الصبور بلا استثناء بطلها الشاعر صاحب الموقف‏، كما أنه منجم استعارات. وأرسطو يقول إن الاستعارة هي علامة الموهبة الطبيعية. وأنا شخصيا عندما أقرأ صلاح عبد الصبور أستصغر ما كتبته عنه لكن مع الأسف شغلتني عنه الأعباء العامة‏).‏


حلمي سالم :

كان نشيد إنشادي

تركنا شهادة عصفور وتوجهنا إلي شعراء أصحاب تجارب تالية لتجربة صاحب (شجر الليل) ولم تخل من محاولات التمرد عليه وبدأنا بالشاعر حلمي سالم الذي يقول‏:‏
تأثرت في بداياتي بصلاح عبدالصبور أشد التأثر‏، وهو بلا شك واحد ممن حببوا إلي التوجه إلي كتابة الشعر الحر‏، أو شعر التفعيلة‏، والفرار من عمود الشعر التقليدي‏، الذي ساد لقرون‏، وكانت قصيدته (أحلام الفارس القديم) نشيد الإنشاد بالنسبة لي لسنوات عديدة‏، حيث كنت أنشدها لنفسي‏، ولأصدقائي‏، عن ظهر قلب‏، في يوم عيد ميلادي من كل سنة‏، وكنت أمضي في الشوارع مرددا بيني وبين نفسي‏:‏
( قد كنت فيما فات من أيام‏/‏ يا فتنتي‏/‏محاربا صلبا وفارسا همام‏/‏ من قبل أن تدوس في فؤادي الأقدام‏/‏لكي تذل كبريائي الرفيع‏).
كما كان كتابه (حياتي في الشعر) ـ وربما مازال ـ مكونا جوهريا من مكونات ثقافتي الشعرية ومعرفتي بنفسي‏، ولم أظن في يوم من الأيام ـ كما كان يقال يومئذ ـ أن عبدالصبور شاعر منعزل عن الواقع الاجتماعي والسياسي‏، بسبب نبرته الحزينة أو مزاجه الرمادي الكئيب‏، فالشاعر الذي يؤلمه الواقع المليء بالتخليط والقمامة ليس بعيدا عن الحياة‏، والشاعر الذي كتب (مأساة الحلاج) و(بعد أن يموت الملك) و(ليلي والمجنون) ليس متعاليا عن مآسي الحياة المعاصرة‏، بل هو منها في قلب القلب‏، لقد كنا نعقد جلسات سهر شعرية ـ في قريتي الراهب بالمنوفية ـ أتلو فيها علي الأصحاب مسرحية (مأساة الحلاج) كاملة. ولم أظن يوما أن صلاح عبدالصبور‏، كما كان يقال آنئذ‏، رجل السلطة أو النظام‏، فكل شعره ومسرحه كان إدانة صارخة للنظام السياسي والاجتماعي والأخلاقي والجمالي الذي يعيشه ونعيشه‏، وأنا أحمل لعبدالصبور محبة شخصية ـ فوق المحبة الشعرية ـ لا تنضب‏، فقد استقبلنا في منزله كثيرا‏، أنا وبعض زملاء جيلي‏، بعد أن تعرفنا عليه عن طريق الشاعر حسن توفيق‏، ثم قدم بعضنا في مجلة (الكاتب) بعد أن رأس تحريرها في منتصف السبعينيات‏، بدون أن يكون في الأمر صفقة من أي نوع كما يظن بعض شباب الشعراء ممن يحبون تفسير الحياة بطريقة الصفقات‏!‏
وعلى الرغم من المحبة الشخصية والشعرية التي أكنها لصلاح عبدالصبور‏، فإنني حاولت ـ وربما لم أزل ـ التمرد عليه‏، بعد أن تصورت أن عودي قد اشتد قليلا في الشعر‏، فألمحت في قصيدة لي بعنوان( فضة من أجل فيينا وقبران) إلي ضرورة التخلص من صلاح عبدالصبور‏، وامتلاك الصوت المنفرد‏(‏ كتبت القصيدة عام‏1980‏ أي قبل رحيل عبدالصبور بحوالي عام‏):‏

هل عاد لائقا لمثلي أن يقول‏:‏ صافية أراك يا حبيبتي‏/‏ كأنما كبرت خارج الزمن.
لقد اختلفت تجربتي وتجربة جيلي بالقطع عن تجربة صلاح عبدالصبور‏، لكنني لا أظن أن أحدا منا تخلص من عبدالصبور تخلصا كاملا ونهائيا‏، فمازال في كل شاعر منا شيء من صلاح عبدالصبور‏، إن لم يكن قرفه من عصر‏(‏ عصور‏)‏ القمامة‏، فنشدانه للحرية والعدل‏، وإن لم يكن رفضه للاستبداد‏(‏ السياسي والاجتماعي والجمالي‏)‏ فتناقضه بين الكلمة والسيف‏، وإن لم يكن إنزاله لغة الشعر من صفاء السماء إلي تلوث الأرض‏، فإيمانه بأن ليس في الفن حلول وسط‏، كما قال في كتابه علي (مشارف الخمسين) هذا الكتاب الذي قرأته ـ لأول مرة ـ منذ أيام قليلة‏، وأنا مضطرب الفؤاد مختلط الخواطر‏، حيث إنني‏(‏ مثله حينما كتب هذا الكتاب‏)‏ قد بلغت الخمسين منذ أسابيع‏، كأنني كنت أبحث عن نفسي في أثناء القراءة‏، وأحاول أن أعرف من مقالاته القليلة‏:‏ ماذا ينبغي علي الشاعر في الخمسين أن يفعل؟ فهل عرفت ماذا ينبغي علي الشاعر في الخمسين أن يفعل؟ لا أظنني عرفت‏.‏ ألا يحق لي أن أعود ـ وليس العود دائما أحمد ـ إلي تكرار أبيات عبدالصبور‏:‏
(ماذا جري للفارس الهمام؟‏/‏ انخلع القلب وولي هاربا بلا زمام‏/‏ وانكسرت قوادم الأحلام‏).‏


محمد سليمان:

تحدث عن الذين تجاوزوه‏

تجربة الشاعر محمد سليمان مع عبد الصبور كانت مختلفة عن شعراء جيله لأنها بدأت بعلاقة شخصية:
(صلاح عبدالصبور هو أحب الشعراء الرواد إلي نفسي‏، ربما لأنه قدمني سنة‏1971، وتحمس لي شعريا‏، وربما لأنه أحد الشعراء المفكرين‏، وأنا دائما أميل إلي ذلك النوع من الشعراء‏، فإلي جانب صلاح أهتم كثيرا بقصائد المتنبي وأبي العلاء المعري وكفافي وإليوت‏، شدني إلي صلاح بساطة أدائه الشعري وتمرده العميق‏، كان شاعرا مشغولا بالإنسان‏، بوجوده ومعاناته‏، وليس مشغولا بالشعارات العالمية ولا بالأطر السياسية الزاعقة‏، لذلك ظلم حينما اعتبره اليساريون شاعرا وجوديا ورجعيا إلي حد ما‏، بينما اعتبره اليمينيون شاعرا يساريا‏، لكنه كان يعرف أن الشاعر المبدع الجيد عليه دائما أن يكون خارج الأطر خاصة السياسية‏.‏
في شعر صلاح عبدالصبور تصادفنا دائما اللغة البسيطة‏، لغة الإنسان العادي التي تحاول الاقتراب من المتلقي والتي تبعد كثيرا عما يسمي باللغة الشعرية الشريفة ذات العبارات الطنانة‏، كما تصادفنا أيضا عناصر الحياة اليومية‏، والسرد كتقنية أساسية‏، إلي جانب الاحتدام الدرامي الذي أفضي به إلي كتابة المسرح‏.‏
قدمني صلاح عبدالصبور مرة أخري في مجلة (الكاتب) سنة‏1975، قبل سفره إلي الهند ليعمل مستشارا ثقافيا‏، وعندما عاد إلي مصر وتولي رئاسة الهيئة المصرية العامة للكتاب طلب مني أن أتخلي عن مهنة الصيدلة وأن أعمل في إدارة النشر بالهيئة‏، وعندما قدمت ديواني الأول (أوراق الضوء) والذي لم ينشر، ومسرحيتي الأولي (العادلون) تحمس لهما‏، وحاول أن يرسلني مع النص المسرحي إلي سمير العصفوري لأنه كان يري أن المسرح يوجد علي الخشبة وليس كنص مقروء فقط‏، ولكنه بعد مناقشة قال‏:‏ عليك أن ترسخ نفسك كشاعر‏، وبالتالي علينا أن ننشر لك الديوان أولا‏.‏
كان ذلك في منتصف‏1981، أي قبل وفاته بشهر أو شهرين‏، عليّ أن أذكر هنا أن ديواني الأول قرأه أحد الفاحصين في الهيئة وكتب تقريرا عجيبا أشاد فيه بفنية الديوان‏، ثم أشار إلي بعض العبارات الواردة في القصائد وتحدث عن التأثر بالتيار الإلحادي الغربي‏، أشار بالتحديد إلي عبارة أراجون‏:‏ (ما من حب سعيد) ووضع الفاحص حولها دائرة وأوصي ـ بناء عليه ـ بعدم نشر الديوان لتأثره بالتيار الإلحادي الفرنسي‏، وعندما قرأ صلاح هذا التقرير ضحك وقال ستري العديدين من أمثال هذا الفاحص في كل هيئات النشر‏، وأحال الديوان إلي فاحص آخر وكان المرحوم الشاعر فوزي العنتيل‏، لكن وفاة صلاح أنهت فكرة نشر الديوان تماما لأنني توقفت عن التعامل مع الهيئة لفترة طويلة‏.‏كان صلاح عبدالصبور يتسم بالحس الإنساني العميق إلي جانب رحابة الصدر والثقافة الواسعة والعميقة‏، كنا نتهمه بالجمود، وكان يضحك ويقول عليكم أن تجددوا


وأن تجربوا وأن تضيفوا‏، لقد كتبت ما قدرت عليه وعليكم أن تضيفوا إلي ما كتبت‏، وكان شجاعاً إلي حد أنه في مجلة (الكاتب) قدم بعضنا‏، وتحدث عن الذين تجاوزوه‏، وكنا في بداياتنا الأولي‏، كان قادرا علي التشجيع وقادرا علي الأخذ بيد الشعراء والدفع بهم إلي الأمام‏، استطاع أن يفيد أجيالا عديدة من الشعراء‏، ولذلك أعتقد أن موته كان خسارة كبيرة‏، لأنه ـ في رأيي ـ كان الشاعر الوحيد الأستاذ القادر علي التعامل مع الشعراء الجدد برحابة صدر وتعاطف‏، كان يناقش بهدوء ويقبل الرأي المعارض والآخر ولا يسعى أبدا إلي تسفيه الآخر وقمعه‏.‏
ورغم علاقة صلاح عبدالصبور بالسلطة ومشاركة إسرائيل في معرض الكتاب وقت رئاسته للهيئة إلا أن المؤكد أن صلاح لم يكن محبوبا من السلطة لأنه لم يكن منضما إلي أي تنظيم ولم تكن هناك أي سلطة قادرة علي ترويضه وحبسه في قفص‏. ولم يكن أيضا الموظف الملتصق بالكرسي أو المنصب. كنا نستطيع أن نقابله في أي وقت وبلا موعد في الهيئة‏، وبالتالي لم يكن هناك لوبي يحميه ولم يكن مسنودا وما حدث في آخر معرض للكتاب كان سببا رئيسيا في اتهامه بأنه لم يرفض بشكل قاطع ولم يقدم استقالته من الهيئة عندما شاركت إسرائيل في المعرض‏، رغم أنني أعرف أنه حاول أن يعرقل هذه المشاركة بكل السبل‏، لكنه لم يكن مسنودا‏، ولم يكن مرضيا عنه‏، وبالتالي كان وحده يحارب ويصد‏، وحينما اتهم كنت أري نظرة البؤس واليأس في عينيه‏، فانهار ومات عند أول مواجهة مع زملائه وأصدقائه من الشعراء والفنانين والنقاد‏).‏


وليد منير :

شجاعة الروح


أما الشاعر والناقد وليد منير فهو صاحب عدد من الدراسات عن شعر عبد الصبور لذلك فإن شهادته تكتسب قيمة يبدأها بالقول‏:‏
(التقيت صلاح عبدالصبور في العشرين من عمري‏، فلم أتخيل أن هذا الرجل‏، متوسط العمر‏، أنيق الهندام‏، سمح الملامح‏، هو الشاعر الحزين الحكيم الذي كتب (أحلام
الفارس القديم) ديوانه الذي فتح أعماقي علي قلق المصير واغتراب الروح وقسوة العالم‏، وأنا ـ بعد ـ فتي في الثامنة عشرة‏، يحلم بالشهرة ويطمح إلى عنفوان الحب والسفر وامتصاص رحيق الحياة إلي آخره‏.‏
كنت قد كتبت بعض التأملات الشعرية التي لا تخلو من التفلسف، وأدهشني أن أبدي إعجابه بها‏، ونشر منها مقطوعة قصيرة في مجلة (الكاتب) التي يرأس تحريرها‏، ومازلت أذكر عنوان هذه المقطوعة (عذابات التكوين الأخير) وأحتفظ بذلك العدد من المجلة بين ما أحتفظ به من تذكاراتي النادرة‏، وامتدت بيننا علاقة لا تمثل علاقة أستاذ بتلميذ‏، بقدر ما تمثل علاقة شاعر بصاحبه‏، وكان هذا نمطا جديدا في حياتنا التقليدية التي لا تحفل عادة بهذا النموذج من العلاقة بين أديب محترف وآخر مبتدئ.‏
عندما قرأت كل أعمال صلاح عبدالصبور أدركت النقطة الفذة التي كنت أجهلها إنها ببساطة‏:‏ قوة الصدق‏، إن صدق الروح يبحث عن شبيهه ويخفض الجناح له‏، وعندما عرفت عبدالصبور الإنسان أكثر فأكثر فهمت معني أن تولد المحبة من شجاعة القلب وألا تخطيء البصيرة مرماها‏.‏
أكبر من كل ما كتب عنه‏، وما كتب في حقه سواء رسائل الماجستير والدكتوراه الجامعية‏، أم تقييم المؤسسة الأدبية له‏، هو أكبر من كل ذلك‏، ولم يوف حقه‏، مع إيماني بأن التاريخ الأدبي سوف يعيد تقييم صلاح عبدالصبور بصورة أخري تجعل منه الرائد الحقيقي لمدرسة الحداثة في الشعر العربي من ناحية‏، ومن ناحية أخري توضح لنا ذلك النموذج الفذ الذي يجمع بين الشاعر والناقد والفيلسوف‏.‏

حسن خضر:
شفافية الشاعر

الشاعر حسن خضر من جيل الثمانينيات يملك لحظة خاصة مع شعر عبد الصبور يتذكرها بقوله‏:
(بعد عام‏1967، كنت أصغر فرد في أسرتي التي كان يجب أن تهاجر من مدينة السويس‏، وفي إحدى قري محافظة البحيرة نشأت‏، وفي الريف كنا إذا أحب القارئ كتابا زامله، وقراءة المزاملة درجة تعبر عن مدي الحميمية والمصداقية التي يبلغها الكتاب المقروء لدي قارئه‏، وكان شعر صلاح عبدالصبور فضلا عن مسرحه الشعري من هذا الزاد الذي يقيم أود قراءة المزاملة لدي‏، آخذ كتبه جيئة وذهابا بين أشجار الكافور والكازورين‏.‏
مستني كشاعر شفافية صلاح عبدالصبور وحدة خياله‏، وخصوصية تصويره‏، وأعجبت أكثر ـ بعد مرحلة وعي ونضج ـ بذهابه إلي الإنسان‏:‏ همومه وقضاياه‏، من دون ضجيج‏، وبعيدا عن روح الأيديولوجيا وصوتها الدافع للشاعر نحو أداء شعري مباشر‏، لقد كان صلاح عبدالصبور قادرا علي تأمل وطرح قضايا جوهرية‏، إنسانية واجتماعية‏، بفلسفة تخصه‏، وتميزه وحده‏.‏
إن الاحتفاء بصلاح عبدالصبور لهو احتفاء بقيمة شعرية‏، تؤكد دائما علي أن الشعر مهما تطور لا يجب أن يكون خارج الروح الإنسانية‏، وفي النهاية يؤكد الاحتفاء بشعرية عبدالصبور الالتفات إلي قيمة التجديد والتطور في الشعر العربي‏، لكن لا يجب النظر إلي تطور الشعر العربي وتجدده بوصفه توقف عند عبدالصبور الذي يظل علامة علي أن الشاعر الحق يحيا‏، لا يموت بينما مات شعراء وهم أحياء‏@



الصفحة الرئيسية