في منزل الشاعر الكبير أحمد عبدالمعطي حجازي قضي شاعرنا ليلته الأخيرة
والتي فوجئ خلالها بمحاكمة له يقيمها بعض حضور هذه الجلسة الأخيرة
بسبب اختلافهم مع بعض مواقفه فقد كان في نظرهم رجل قبل التعاون
مع سلطة تقمع المثقفين.
تفاصيل هذه الليلة حاضرة بكل مرارات ألم التذكر في عقل وقلب جابر عصفور
الذي رواها لنا كاملة: أذكر أنني كنت أعمل في مجلة فصول وتوليت الإشراف
عليها بعد سفر د. عز الدين إسماعيل وكان المرحوم صلاح عبد الصبور
هو رئيس الهيئة,، وكنت أنا دائم العراك مع عمال المطابع، كما كنت
كثير الشكوى منهم لصلاح عبد الصبور، وفي أحد الأيام وأنا ذاهب للشكاية
إليه وجدت عنده أحمد عبد المعطي حجازي ليدعوه إلي عيد ميلاد ابنته،
وذهبنا بعد انتهاء يوم العمل وكان هناك أمل دنقل وعبلة الرويني وبهجت
عثمان وكانت هذه هي المرة الأولي التي أري فيها بهجت. وبعد وقت قليل
انتقلنا إلي البلكونة وبدأ أمل دنقل يقرأ لنا من قصيدة عبد الرحمن
الأبنودي المشروع والممنوع وفيها جزء يشبه الإدانة للشعب المصري،
وهنا قال صلاح عبد الصبور:إن الشعب المصري يستحق ما يجري له لأنه
لا يتمرد واندفع في حمي النقاش، فرد عليه بهجت عثمان: وكيف يثور
هذا الشعب ومثقفوه يخونونه، فقال له صلاح ماذا تقصد؟، فقال بهجت
لا يثور شعب يخونه المثقفون أمثالك يا صلاح، فانفعل صلاح وانفعلنا
معه، فاعتذر بهجت بأنه لا يقصد إهانة وانتهي الموقف علي هذا.
بعد فترة أحس صلاح بالتعب.
وعندما قال صلاح إنه يشعر بالإرهاق عرض عليه حجازي أن يستريح عنده
وفعلا حاول النوم، لكنه بعد فترة شعر بأن نفسه غير منتظم أو (مكروش)
بتعبير صلاح نفسه، فاقترح حجازي أن نذهب إلي مستشفي هليوبوليس، وذهبنا
إلي المستشفي بسيارتي، ولاحظ أننا نزلنا من الشقة مشيا وهي في دور
مرتفع، وفي المستشفي وجهونا إلي الاستقبال، وكان بعيدا ومشينا في
ممرات طويلة، وكل هذا كان خطأ لكن لا أحد منا كان يعرف ولا عبد الصبور
نفسه أنه مصاب بالقلب، وكما فهمت من الأطباء بعد ذلك أنه كان من المفروض
أن يظل في سريره ويأتي إليه الطبيب، لكننا لم نكن نعرف.
المهم: في الاستقبال كشف عليه طبيب شاب وقال لنا إنه من قبيل الاطمئنان
سيستشير أستاذه، وبعد استشارة أستاذه أخبرنا أن صلاح عبد الصبور لابد
أن يدخل إلي غرفة العناية المركزة، وذهبنا إلي غرفة العناية وصلاح
محمولا علي التروللي، ونحن معه، وكان يتحدث معنا وفجأة قبل الوصول
إلي الغرفة أغمي عليه، وكان يحدثنا وهو علي التروللي عن زكاة البدن،
أسرعوا به إلي الغرفة والعمليات والأجهزة وجاء أستاذ القلب في دقائق،
وظللت أنا وحجازي خارج الغرفة، بعد نصف ساعة خرج الطبيب وقال لنا:
البقية في حياتكم! هذا هو ما حدث. ولا يعتقد عصفور أن شاعرنا كان
يري في علاقته بالدولة جرحا خاصا ويقول: صلاح عبد الصبور كان رجلا
محترما إلي أبعد حد، وكان من الأشخاص النادرين الذين يتسق ما في داخلهم
مع ما يظهرونه، وكان لا يؤمن بالشعارات، وكان يؤمن بأن المثقف إذا
كان صاحب مشروع ثقافي ورؤية ثقافية، لا يوجد ما يمنع أن يعمل مع الدولة
تحقيقا لمشروعه الثقافي، مادامت الدولة توافق علي هذا، فأهلا وسهلا،
وعلي هذا الأساس عمل صلاح عبد الصبور مع وزير الثقافة في ذلك الوقت
منصور حسن، وكان الوزير يقدر صلاح إلي أبعد حد ويحترمه جدا ويستشيره
ـ تقريبا ـ في كل شيء، وبسبب ما كان يحظى به صلاح من احترام انفتحت
هيئة الكتاب علي كل التيارات الفكرية الأساسية في ذلك الحين ووجد كثير
من الأدباء فرصة لكي يعملوا في هيئة الكتاب، وكان صلاح يتألم أحيانا
من هجوم بعض مراهقي اليسار أو المتاجرين باليسار الذين يتهمونه بالعمل
مع السلطة. وأظن أن الأزمة ـ إذا كانت هناك أزمة ـ حدثت مع مجيء
إسرائيل إلي معرض الكتاب، للمرة الأولي، وهو كان يرفض هذا، ومع
ذلك جاء الإسرائيليون، وحدثت مظاهرات، وبالمناسبة كان شديد التعاطف
مع الذين قاموا بالمظاهرات، لكن بعض المتشددين كانوا يرون أنه لابد
أن يقدم استقالته من الهيئة، وبعض أصدقائه ـ ومنهم هو ـ كانوا يرون
أنه لو قدم استقالته فسيترك مكانه لشخص أسوأ وأقل كفاءة نزاهة، وتزداد
الأمور سوءا، وأنا أظن أنه بفضل الجهد الذي بذله عبد الصبور تقرر
أنه لن تشترك إسرائيل مرة أخري في المعرض، وهذا ما حدث، لأن اشتراك
إسرائيل في المعرض كان بناء علي قرار سياسي علوي.
@ وهنا سألنا عصفور: ما موقفك أنت شخصيا من هذه الأزمة، وماذا
كان سيكون موقفك لو أنك كنت مكانه؟
@ لو كنت مكان صلاح عبد الصبور لقدمت استقالتي، لكنني لست صلاح
عبد الصبور وإن كنت أحترم قراره، واحترمت قراره في حينه، لأنني
أحترم صلاح جدا، وأحترم كذلك المبررات، لأنه إذا تخلي هو عن موقفه
فسيأتي شخص أسوأ وستصبح المسألة أكثر سوءا لكن العقل يقول: يظل
في موقعه ويحاول منع تكرار هذا الأمر، وهذا ما حدث، ولاحظ أن الظروف
السياسية في ذلك الوقت كانت سيئة إلي أبعد حد.@