صلاح عبدالصبور - مصر
أحمد العمراوي

كيف يأتــــي الشعر
محاورة مع الشاعر الراحل صلاح عبد الصبور

(المغرب)


"إن خلق القصيدة يمر بثلاثة مراحل : القصيدة كوارد، وللصوفيين المسلمين في استعمال كلمة وارد، تفنن فريد، فقد فرقوا بين هذه الكلمة وبين كثير من الألفاظ التي تشبهها مثل: الخاطر والبادي، والبادئ والعارض، والوهم ..."
المرحلة الثانية في حياة القصيدة، هي القصيدة كفعل يلي الوارد وينبع منه، فالوارد كما حدثنا الصوفية لا بد أن يتبعه فعل. ولو جرينا مع مصطلحهم لقلنا أن هذه المرحلة هي مرحلة "التلوين والتمكين"
أما المرحلة الثالثة فهي مرحلة العودة، عودة الشاعر إلى حاله العادية قبل ورود الوارد عليه، وقبل خوضه رحلة التلوين والتمكين، إذ أن الشاعر عندئذ يقطع الحوار ليبدأ المحاكمة، فتتجلى عندئذ حاسته النقدية حين يعيد قراءة قصيدته ليلتمس ما أخطأ من نفسه وما أصاب "
هكذا بدأت أيها الشاعر رحلتك التي سأسميها رحلة :" الألم والعودة " . أحاورك فيها حوار الشعر والشاعر وحوار القصيدة، لا كما يفعل النقاد باصطياد هفوات القول والمقول، ولكن لتعميق الحديث عن الشعر والشاعر في هذا الزمن الذي يوسم بموت الشعر وتراجعه أمام الأجناس الأدبية الأخرى ...
شعلة نارية، هي حزمة ألم تسكن الذات، تقيم في وحدتها، تنظر بعين مختلفة، تنشب أظافرها في طين الأيام، تبتل به لتصرخ عارية في دنيا الناس والأشياء والفكر .هي حاضرة دائما ـ هذه الشعلة ـ في كل لحظة، في كل وقت، يقودها جني أو شيطان أو متنبئ حسب الحالة. كلما انفلت منها الشاعر واستقر في المرحلة التي أسميتها العودة إلا وعاد لمرحلة ألمه من جديد، وإلا لكان هناك كائنان : الشاعر والإنسان العادي. وحتى لا نضع هذا الكائن "النرجسي، المريض، الشاعر" في مكان أكثر مما هو موضوع له أقول : إن الشاعر هو هذا الكائن الإنسان العادي الممزوج ببعض صفات الجنون والشيطنة والتنبؤ التي تميزه عن الآخرين. ومعنى ذلك ـ وهنا أتفق معك أيها الشاعرـ أن الشعر لا يُتعلم، الشعر موجود في كل نبتة منا، في كل ذات، كل منا يعبر عنه بطريقته الخاصة .لا شعر بلا ألم، والألم لا معنى له إذا لم يتحول إلى شعر، أو يتحول إلى فن عموما من رسم وتشكيل وموسيقى وغيرها.

بين الولادة والخروج تحدث أشياء تستعصي على الفهم. ولادة القصيدة تسبقها هذه الشعلة النارية التي يحدثها هذا الرَّج العنيف في النفس، الآتي من صراع الجني، ووشوشات الشيطان الشعري، ليحصل التنبؤ الذي قد يكون الشعر سباقا للإنذار أو الإخبار به.

هذا كلام عام قد يصدق على كل فن وكل إبداع، لأن كل فن وكل إبداع إذا لم يحمل الشعري والشاعري فيه كان مآله الإهمال والنسيان.

ما الذي يتبقى الآن ؟ كيف يستقبل هذا الكلام الذي نسميه شعرا الآن في ألفية يقال إنها ثالثة ؟ هل تتميز تجربة الشاعر وبالتالي حياته عن غيره من الناس ؟ هل الشاعر كائن غير عادي ؟ لمقاربة هذه الأسئلة، سأعود معك إلى أهم مرحلة تميز الشعر والخلق الفني عامة، وهي ما أسميته "بالتكوين والتمكين" استنادا إلى القاموس الصوفي الذي هو قاموس شعري بامتياز لارتباطه بالألم والعودة.

كيف تتم مرحلة "التلوين والتكوين" في الخلق الفني ؟ " يلتقط الإنسان خلال حياته ملايين الملايين من المرئيات والانطباعات والمعلومات كما تتولد في ذهنه ملايين الملايين من الخواطر والبوادر واللوامح. ومثوى ذلك في مرحلة اصطلحنا على تسميتها رغبة في التبسيط بالعقل الباطن، وهذه العناصر الفريدة هي لغة الذات ـ المنظور إليها التي نتحدث بها إلى الذات الناظرة في أثناء الحوار الفني لخلق القصيدة .

والواقع أن أهم ما يميز ذات الفنان هو رغبتها العارمة في عرض ذاتها على ذاتها، فما يكاد الوارد أن يهبط حتى تسارع الذات إلى التأمل، وسرعان ما تتم عملية الانسلاخ وتتشخص الذات المنظور إليها، لكي تلقى فيها الذات الناظرة وعيونها تتخير عناصرها، من المرئيات والانطباعات والمعلومات والخواطر والبواده واللوامح . وإن أشياء كانت تبدو ميتة لتشرئب لتثبيت وجودها وحياتها، وإن رؤى دائرة لتستعيد وجودها وتبعث حية من جديد . "
تضيف في هذا قائلا: "ولما كانت مادة التعبير عندئذ هي الصور المرموز إليها في كلمات، فقد دخل الطرف الثالث في الحوار، وهو "الأشياء" ونعني بها في المستوى الفني كل الموجودات التي تحيط بالشاعر، إذ أن الفرق بين الشاعر والحالم والمجنون يكمن في دخول هذا الطرف الثالث في الحوار"
كيف تأتي القصيدة أيها الشاعر ؟ كيف ينشأ الشعر ؟ ما هي المنطقة الحاسمة في الدفع، في التصعيد، في خلخلة الظلمة، من أجل البوح ؟
العملية الإبداعية هي عملية معقدة، حين تصل إلى الشعر تزداد تعقيدا، وليس بوسع غير الشعراء أن يتحدثوا عن تجاربهم، وأنت من أوائل من قام بهذا أيها الشاعر في منتصف القرن العشرين. نستحضر ذكراك لنعاود طرح الأسئلة من داخل الشعر لا من الخارج، ودون أن نضع لجوابنا مقاييس مسبقة " يجب " أن يقاس عليها جلباب هدا الشاعر أو ذاك ، همنا هو أن ندفع بهذا الهم الشعري إلى تأمل ينطلق من فراغ واع لا من خواء واهم .

حديث الشعر والتجربة هو حديث شائك، الناظر له من الداخل مختلف عن الناظر له من الخارج، لأن ما يحدث أحيانا هو هذه الهوة السحيقة بين الشعر والشاعر، بين الحديث في الشعر، وبين قولِ وخروج القصيدة أو إخراجها قسرا. يخون التعبير الشاعر، هذا ما نقلته عن الصوفية، وهذا ما سيؤدي إلى كلام عادي قد يصير مبتذلا، والسقوط في العادية هو أخطر ما بهدد الشعر. وليس مفهوم العادية هو مناصرة الغموض، الغموض أيضا قد يصير أمرا عاديا إذا قصد لذاته، المسألة كلها ـ أيها الشاعر ـ ترتبط بهذه الآلة التي اخترعها الإنسان حين كانت الحاجة ماسة لاختراعها نعني : اللغة .

اللغة أداة أساسية للتواصل بين الأنا والآخر، وبين الأنا والأنا. هل سبقت اللغة الشعر؟ نكاد نجزم بتأكيد الشاعر : لا . الشعر سبق اللغة رغم كونها أداته الأساسية بها يصرخ، وبها يبوح في ظلمته التي ليس له خيار في تشكلها . لا قواعد محددة تضبط منطقة الظلمة هذه. والقواعد أيضا لم تسبق اللغة، القواعد تأتي فيما بعد، تُقّعِّدُ مخافة الانزلاق والخروج عن قانون الكلام ، والشعر سيد الانزلاقات. يضع الإنسان الأوزان لضبط النفس، والشعر وُقوفٌ على هاوية الذات والأشياء وإلا سقط في النظم والعادية.

اللغة، الوزن، التراكيب الجاهزة. مجازات استعارات ورثناها عن السابقين عنا، كلما حاولنا الابتعاد عنها اقتربنا من أصل الشعر، كما هو الشان بالنسبة للغة. ألا يعود السبب في ما يسمى الآن " بموت الشعر" إلى ارتباط ذهن المتلقي لهذا الشعر بقوالب جاهزة؟ وكل محاولة منا ـ نحن الشعراء ـ إزاحة وخلخلة هذه القوالب عن خطوطها المستقيمة ستقودنا إلى معارضة قوية من طرف الناقد الأكاديمي المحنط، ومن طرف ذهن المتلقي الكسول الذي تعود على الجاهز المهضوم من الكلام الواضح العادي.

تقول في الشاعر والتشكيل : "وتنبع فكرة التشكيل من الإقرار أن القصيدة ليست مجرد مجموعة من الخواطر أو الصور أو المعلومات ولكنها بناء متدامج الأجزاء منظم تنظيما صارما . هل من الضروري أن يكون هناك تنظيم صارم لتمييز الشعر عن غيره ؟
قلت أيضا: "ويبدو لي الآن أن محك الكمال في بناء القصيدة هي احتواؤها على ذروة شعرية تقود كل أبيات القصيدة إليها " (ص: 38). وأيضا " ولكن الكمال التشكيلي للقصيدة لا يتم بإحكام بنائها فحسب، بل لابد من التوازن بين عناصرها المختلفة" ( ص 50 ) . إلا أن الشعر الذي لا ينفلت من القالب بحثا عن الحرية سيصاب صاحبه بالتحنيط، وهو ما وصل إليه حال الشعر العربي، وما وصل إليه حال اللغة العربية، وما وصل إليه حال المجتمع العربي تبعا لذلك.

"الشاعر إذن لا يعبر عن الحياة، ولكنه يخلق حياة أخرى معادلة للحياة" (ص: 66).هذه مسألة هامة، فقد نختلف في مفهوم المعادلة، ولكن المهم هنا هو تحويل اللغة من لغة المفعول إلى لغة الفاعل، وتحول الشاعر من متفرج إلى مناوش، مشارك، مشاغب، مختلف، بواسطة أداة فاعلة هي اللغة، وهنا اسمح لي أيها الشاعر أن اختلف معك كل الاختلاف في هذا المنظور الأخلاقي الضيق الذي ألصقته بأحد رموز الشعر الحداثيين القدامى، أعني أبا نواس كبير المتألمين، وأنت نعته بالشاعر الفرح؟ قلت في (ص: 86 ) " للقصيدة إذن وجود مستقل عن صاحبها " . ورغم ذلك أثبت هذا الرأي عن شاعر تقدم صفوف التغيير تعبيريا هو أبو نواس . قلت فيه " لا أعرف في تاريخ الشعر العربي شاعرا فرحا بالحياة كأبي نواس،ولكن هذا الفرح لا يفرحني، بل إني أحس به شاعرا دفع به إلى مأزق، لقد قرأ ودرس وتفلسف، ولكنه وجد أن كل قراءاته وفلسفته لا تساوي شيئا في مقياس العصر، ما لم يدركه أستاذه واصل بن عطاء، فتبدل واستهتر، كما انه لم يستطع أن ينجو من شكه الميتافيزيقي الذي لا يستطيع التعبير عنه، فآثر الانتحار الأخلاقي، وظن أنه بنجاة من الفكر، بل لقد أمضى في تجريح ما كان يحبه هزءا بالعلم وسخرية بالفلسفة، ولكن ظنه خاب، فإن المسؤولية كالضغينة المختفية في النفس وبخاصة عند الفنانين، فما تزال حتى نجد لها سبيلا إلى الظهور والاستعلان " ( ص : 142 )
ما دور الشاعر - ولنتحدث بمجاز الشعر وتأويل الكلام - إذا لم يكن سباقا لإيقاظ الفتنة النائمة في جسد كل منا. أليس الحكم على شاعر كبير كأبي نواس بمقياس أخلاقي إخراج له من دائرة الشعر ودخول في مصاف التحنيط والقولبة وهو الأمر الذي حاربه أبو نواس. أبو نواس الشاعر كان سيد الحفاظ وسيد النسائيين، تمرد على كل شيء؟ وحين تخاله في صف السلطة، فهو مناوش لها بطريقته الخاصة، وهو شعريا فاق كل شعراء القالب الجامد لسبب بسيط هو ربطه بين الشعر والتجربة، تماما كما فعل شارل بوكوفسكي أو أرتور رامبو أو أنتونان أرتو. حين كان يحترق بالحياة كان الشعر يشعل حطبه . هل كان هذا الشاعر فرحا بالحياة لانغماسه في ملذاتها ؟ لا اعتقد ذلك إلا إذا بسطنا الأمور، وأخذنا الكلام على ظاهره. إن عمق ما كان يقوم به أبا نواس هو الغوص بالتجربة الشعرية إلى أقصاها، وأنا كقارئ للشعر العربي قديمه وحديثه لم أجد شاعرا عموديا استعمل أزيد من تسعة أو ثمانية وأحيانا تسعة أفعال من أفعال اللغة العربية في بيت واحد من الشعر إلا هو تقريبا. حركة متتالية لو صورت بكاميرا لاستغرقت وقتا طويلا، بين تفكير الشاعر، وإقدامه على الفعل، وبين الفعل وما بعد الفعل إلى الانتهاء منه شعرا وتجربة. كل معاصري أبي نواس ومن أتوا قبله كانوا هو إسقاط خارجي يفتقد الحس التأويلي ويركز على مضامين الشعر الجاهزة دون ربطها بالشكل واللغة وصدق التجربة أيا كان اختلافنا مع صاحبها ؟ .
أبو نواس هو قمة الاقتصاد الشعري، إضافة إلى معاناته في كل ما كتب، فهل يعني الدخول في عوالم المرأة والغلمان والخمر قمة السعادة، بل ربما هو قمة الحزن ثم لِمَ نطلب من الشاعر أن يكون حزينا ليكون شاعرا قويا كإليوت ؟ أبو نواس كان شاعر تجربة وصدق ولا أعتقد أنه كان فرحا بالحياة إلا إذا أخذنا الأمور على ظواهرها .
الشعر والتجربة - وهذا هو عنوان دراستك "حياتي في الشعر" - محاولة لفك الارتباط بين الشعر والشاعر، أو لإقامة الجسور بينهما على لسان الشاعر نفسه، ولكن هذا يجب ألا يقودنا لإسقاط ذواتنا على الآخرين بشكل أخلاقي. إبداء الرأي والاختلاف شيء، وإعطاء حكم أخلاقي على شاعر كبير كأبي نواس شيء آخر.

لعل أهم ما امتاز به أبا نواس هو لغته فلنعرج قليلا على اللغة بالنسبة لنا نحن الشعراء وأتحدث هنا من موقع الشاعر لا الناقد المتمرس.

يخبئ الشاعر وجهه في لغته التي يستعيرها من ذاكرته، وقد تستعير الذاكرة الشاعر لتقول ما لا يقال في العادي. ذاكرة الشعراء تتفاوت بتفاوت الشعر لدى كل شاعر شاعر بما فيه لا بما حوله .
اللغة كينونة أيضا تخترق حجاب الزمن فتؤثر على المكان ومن فيه . وهي تختلف من لغة فاعلة إلي لغة مفعولة . في اللغة المفعولة تتم الاستعارات من مقروء لم يتم الحسم بعد في مسألة نسيانه، فيأتي الاجترار وتقل المحادثة ويغيب السؤال، وتكرر السياقات نفسها رغم أسف الذي يقول: " تبا للقدامى.لم يتركوا لنا ما نضيف "
في اللغة الفاعلة يتحول كل شيء من نقيض لنقيضه، ويتحول البديهي إلي مدهش، والعادي إلى سؤال، وتتم استعارة الكأس للامتلاء لا العطش، والزهرة للدمار لا الحب، والسيد للشتيمة لا التبجيل ... في لغة الفعل الفاعل يقع تكبير الصوت والصورة وتباعدهما وتختلف المقاطع من الطول الملحمي إلي الومضة الأكثر بهاء، بإشارات مؤثرة دالة هي أصعب ما يرمي له الشعر (شعرنا) الحديث.

ما المقصود بلغة الشعر؟ ما المراد بلسان الشاعر؟ ما العلاقة بين اللغة كعرف جماعي وبين اللسان الفردي ؟ لغته الشاعر مفردة كتفرد البصمات رغم تشابه الإبهامات هي بيته الذي يقيم فيه والذي لا يمكن أن يسكنه غيره. الإقامة في الشعر سكن لا جدران له، كلما أغلقت قصيدة إلا وفتحت الباب على قصائد أخرى تمتد في اللامتناهي، السائح في بوح الأسرار، في لحظة، في هنيهة، في ومضة، أو في استطالة ملحمية ليس للشاعر اختيار في استدعائها.
منتوج جماعي، على الشاعر أن يستوعبه أولا ، لكي يطوره بعد ذلك." فكل من عرف أوضاع لغة من اللغات عربية…أو (غير عربية) ، وعرف المغزى من كل لفظة، ثم ساعده اللسان على النطق بها وعلى تأدية أجراسها وحروفها، فهو بين في تلك اللغة "
البيان مرتبط باللفظ في ذاته وقد يتعداه إلى شيء آخر لأن " الكلام على ضربين : ضرب أنت تصل منه إلى الغرض بدلالة اللفظ وحده …وضرب آخر أنت لا تصل منه إلى الغرض بدلالة اللفظ وحده ولكن يدلك اللفظ على معناه الذي يقتضيه موضوعه في اللغة، ثم تجد لذلك المعنى دلالة ثانية تصل بها إلى الغرض "
اللغة تستدعي الشاعر فيحدث الشعر، فهل تختاره أم يختارها ؟ لسان الشاعر هو لسانين على الأقل في المجتمعات العربية، وفي المجتمع المغربي خاصة، وضع أفرزه تراكم ماض مشدود للسياسي والديني والعرقي وأشياء أخرى . تستدعي الشاعر اللغة أو يستدعيها فيتكون الشعري من عنف يتمخض ويستعصي مرارا قبل الإنزال على بياض الورق، هروبا من جحيم الذات، لغة الشعر .تنشأ من ذاته ومن ذات الشاعر فينشأ المفهوم من لغة الشعر . ولأن الشعر يصنع المفاهيم، سيكون نيتشه قمة شعرية عالية، ويكون محي الدين بن عربي شيخ الشعراء الكونيين بدون منازع، بلغته بمفاهيمه الخاصة، برؤياه التي لا يضاهيها غيره، يمتد في صفائه وصوفيته فاتحا المكان على اللامكان، والزمان على اللازمان بلغة تمتد بلا حدود في اللامتناهي بمتناه هو الحرف الأول وتقطيعاته وجدولاته الخطية.
الشعر كون كوني والشعري هو هذا المنغلق المنفتح المنساب على بياض النسيان الراج لظلام الذاكرة الداخل اضطراب اللغة وارتفاعاتها وانكساراتها أيضا.
الاقتصاد، التوهج، الرمز، استبدال أدوار اللغة، سمات الشعر والقصيدة. القصيدة من القصد، والقصد مرتبط بالاقتصاد وإلا ما الفرق بين قصيدة ولتكن قصيدة نثر أو قصيدة عمودية، وبين شعر تفعيلة، وبين قطعة نثر عادية مباشرة. حضور المباشرة يقتل الشعر وتكرار النبرات قد يجعله مبتذلا. الإيقاع في زمننا بما فيه الوزن يشكل - إذا لم يحسن استغلاله- عائقا وحاجزا في وجه القصيدة التي تأتى من الوجد، وما على الشاعر المسكين إلا أن يستسلم لها أول المر قبل أن يخضعها لرتوشات قد لا تغير كثيرا من حالتها الطبيعية وإلا أصابتها تشوهات يصعب إصلاحها.
دعني أقول لك أيها الشاعر وأنا احترم غزارتك الشعرية وسبقك، أننا الآن على الأقل على مشارف وضع جديد لقصيدة عربية جديدة مخاضها عسير، وهي ستستعين - أرادت ذلك أم كرهت - بأصول رغم رفضها الظاهري لها. أصول مثل أصول : أبي نواس والحلاج وأدونيس وأنسي الحاج وقاسم حداد ومحمد بنطلحة وصلاح عبد الصبور ولم لا.
هذه محاورة للشعر ولا تهم المسافة الفاصلة بين الشاعرين شهرة ،وزمنا، وإنتاجا . فعلاج المسافة قد يبتدئ بخطوة واحدة، والخطوة الواحدة إذا كانت خاطئة ستجر وراءها خطوات أخر خاطئات شعرا لا أخلاقا.
هل يمكن للإيقاع أو الوزن أو التناغم الخارجي أن يحدد الشعر؟ قديما عرف العرب الشعر بكونه: "الكلام الموزون المقفى" وقد فرق الجرجاني بين النظم والشعر في كتاباته المعروفة المرتبطة بالإعجاز وحدد المعري في "لزوم ما لا يلزم" أسس أخرى للقصيدة وللشعر، لن نسقط الماضي على الحاضر ولا العكس وإنما همنا كما حددناه في بداية هذه المحاورة هو البحث عن أسئلة أخرى تقودنا لمقاربة مفهوم جديد للشعر ومن ثم مفهوم مغاير للشاعر.
لعل المرحلة التي عشتها أيها الشاعر كانت متميزة، كان يتصارع فيها الحداثي مع التقليدي، ويتوسط من يتوسط فيها المشهد .
هل دور الشاعر هو التسجيل، هل دور لغة الشاعر هي التدوين ؟ لغة مفعولة بالقاموس والوزن والنغم عادية في موسيقاها تدغدغ حواس المتلقي العادي ، لغة تخمد الفتنة ولا توقظها. تُنيم أكثر مما تؤرق؟ بين شعر الاطمئنان وشعر القلق مسافة هي نفس المسافة الفاصلة بين الحديث العادي عن الناس والأشياء وبين دهشة فاتنة تدهش الشاعر نفسه. لا سلاح للشاعر سوى لغته، بها يحارب، بها يجابه، بها يغير، لن نكون ظالمين لقد وقفت يا صلاح في مرحلتك موقفا مغايرا بعض الشيء من مواقف شعراء عصرك آنذاك ولكنه كان على طرف نقيض من شعراء آخرين كانوا متواجدين معك ولازال بعضهم حيا مثل الشاعر المختلف تماما "أدونيس" . لم يكتب الشعر بهذا الشكل ولا يكتب بشكل آخر.
قد يكون هذا هو عمق السؤال بما أنه من نوع الأسئلة التي لِمَ تطرح بعد في مشهدنا الشعري الراهن .

ملحــق

مفهـوم الشاعـر

إذا كان الشعر ينفلت عن التحديد المفهومي الدقيق باعتباره ضرورة وكفى، فهل يمكن وضع تحديد دقيق لمفهوم الشاعر؟ لنقل : إن الشاعر هو الذي يقول شعرا، يكتبه، يلقيه، يخرجه من منطقة ما قد تكون مظلمة أو مضيئة لاختلاف الحالات والأوقات وتنوع الفراغات التي يخرج منها كل شعر ….
الشاعر هو الذي يقول الشعر، وإذا قال نثرا وكتب رواية أو دراسة عقلية رياضية مثلا، لا مجال فيها للتـأمل، كلها براهين وعلامات ألا نعتبره شاعرا .هذه مشكلة تقودنا إلى الاستنجاد بالتراث العربي والعالمي لضبط المفهوم، وفك هاته الازدواجية .
حين يُنفخ في الروع تأتي اللغة، ويدخل جني هو الذي يوحي للشاعر الإنسان بقول الشعر، فيتحول من كائن عادي إلى شخص آخر، قد يتحكم فيه عبقر وما شابه. ازدواجية أخرى: جني/إنسان. فما هي المنطقة التي يتربعها هذا الجني ؟ ما لون هذا الجني؟ الجني الأحمر أكثر شيطنة من غيره. والجني هو غير الشيطان. شياطين الشعر هم شياطين الجنة لا النار، الحب لا الحقد، الحرية لا الاستعباد …الشيطان يحضر كذلك كما يحضر الجني فتأتي اللغة، هل الشاعر جني أم شيطان أم نبي باعتباره صاحب رسالة هو أيضا ؟
كان آدم شاعرا، أنشأ أول قصيدة في الدنيا نتيجة حالة مروعة لم يسبق لها مثيل هي قتل الأخ لأخيه، هابيل وقابيل ، أول قتيل وأول قاتل وحالة جديدة في دنيا آدم النبي، وقصيدة تأتي نتيجة الحالة الطارئة التي ستتحول إلى شبه عادية مع تقدم الزمن، قصيدة سيتفق عليها عمداء الرواية التاريخية العربية القديمة : أبو زيد القرشي، والطبري، والمسعودي، والثعلبي ، وخاصة مطلعها الذي يقول :
تغيرت البلاد ومن عليها فوجه الأرض مغبر قبيـح
تغير كل ذي طعم ولون وقل بشاشـة الوجه الصبيح

فعل إبليسي، شيطاني ، سيثير حفيظة الجني، وسيأتي الشعر على لسان النبي الذي سيتغير سلوكه، فيقيم في الدنيا سنة لا يضحك ولا يطأ حواء، حسب رواية الثعلبي إلى أن : "أوحى الله تعالى، يا آدم إلى كم هذا البكاء والحزن …." فقد، وحزن، وشعر، وتأريخ بلغة يصعب ضبط مصدرها ، وعلى لسان شاعر هو حتما ناظم آخر رتب الكلام العربي، وقال أبياتا كان لا بد لآدم النبي أن يقولها . فمن هو الشاعر ؟ وما مفهومه انطلاقا من البدايات ؟
حين ادعى المتنبي النبوة، لم يفعل ذلك طواعية، بل استجابة لشيطان أو جني ـ أتخيله أحمر ـ كان يسكنه باستمرار ، شيطان سيتحول إلى متنبئ، في انتظار النبي. ولكن انطلاقا من إنسان، وبلغة إنسان هو هنا عروبي صحراوي ينشد الكونية ومعها الحرية، وقد حققهما.
يسكن الجني أو الشيطان أو النبي جسد الشاعر الإنسان ويقيم فيه، ويحول سكناه إلى إقامة دائمة في المكان ولكن الأهم هو إقامتهما في الزمان.زمن إقامة الجني يرتبط بمكانه، فيحول الساحر ( الشاعر ) إلى مسحور، مسكون بآخر يتحكم ولا يريح إلا بالخروج من القمقم الذي يقيم فيه بشكل دائم لا عرضي. مفهوم الشاعر إذن يأتي من الخروج، خروج من سكون، وإقامة دائمة ومستمرة في الشيء، باللغة وتجلياتها، في المشهد الآني المستند إلى سكنى الجني في قمقم الذات ، في مسام العقل وفي فوران الروح العاتية .
ما معنى أن تكون شاعرا الآن ؟ معناه ببساطة أن تكون ساحرا يحول الكلام إلى حرارة والحرارة إلى رؤى متصاعدة متماسكة الواحدة تلو الأخرى. تختلف طريقة كل ساحر عن آخر باختلاف التقنيات والأسلوب، واختلاف عرض طريقة خلاص الضحية عن السيد، ونَفَسُ الساحر هو ما يخرج الروح من الجسد، ويحول، اضطراب الجني إلى إقامة دائمة في الحلم .
نتأمل أحيانا وجوه الشعراء ـ للبحث عن مفهوم مادي للشاعر ـ ونتأمل قاماتهم التي قد تطول أو تقصر فتغير متاهاتهم تبعا لتنوع بؤرة اللذة في ثنايا جلد الجني الساكن خلف الحلق، المنتظر لحظة النفخ، لحظة خلاص الضحية من قبضة السيد.أضحية للوقت.
هل نستطيع تكوين مفهوم محدد للشاعر انطلاقا من ملامح وجهه وحركات يديه وانفعالات شفتيه وهو يدهش أمام آخر ـ أيا كان هذا الآخر ـ وهو ينتظر فرجا مخلِّصا على مرايا اللغة؟ حالة برانية بفعل جواني ، ظل يُظل معه الآخرين، كل الآخرين . ورغم ذلك يبقى سؤالنا مطروحا : من هو الشاعر استنادا إلى ملامحه وسلوكه أيضا.
لم كان "بشار بن برد" يصفق بكلتا يديه الغليظتين، وينفخ ويبصق بصاقا كبيرا قبل أن يلقي قصيدة ؟ ما هذا الشاعر ؟ وما هذا الطقس القبيح ؟ شاعر قبيح أعمى غليظ الخَلق والخُلق، ورغم ذلك فهو شاعر على مفترق الطرق بين حداثتين .
لكل شاعر فردانيته وتوحده وأنانيته أيضا. شعراء نرجسيون متوهمون، وصفهم زرادشت قائلا: " … الشعراء جميعهم يعتقدون أن الجالس على منحدر جبل مقفر يتنصت إلى السكون، يتوصل إلى معرفة ما يحدث بين الأرض والسماء. وإذا هم هزهم الشعور المرهف خيل لهم أن الطبيعة نفسها أصبحت مغرمة بهم ، فيرونها تنحني على آذانهم لتلهمهم البيان الساحر والأسرار، فيقفون مباهين بإلهامهم وأما م كل كائن يزول " . شعراء يسيطرون على المشهد برمته أو هكذا يتوهمون . مريدون، أتباع يتناثر ون ويتناسخون، صورة تخلق نسخا لا يمكن أن تكون أصلية على الإطلاق، لاختلاف الأنوات والنرجسيات، لكل نرجيسية جني ضاغط على اللحظة هو سيد الوقت لا غيره، هو سيد الحال لا غيره، فلا خيار للشاعر أيا كان في الوقت والحال المتحكم في الخروج وربما في الدخول أيضا.
أعطينا للشاعر هالة أكثر من اللازم ….بسبب غورنا في المتخيل الذي لا نعتقد أنه يستطيع يوما إلغاء الشعر، لأن إلغاءه هو إلغاء للشاعر وبالتالي للشعر الذي هو رئة العالم التي يتنفس بها….
ساعة الولادة يتحكم الجني أو الشيطان لتحصل النبوة / التنبؤ. الجني يُبكي الشاعر رغم نرجسيته، أو قد يُضحكه رغم عبوسه المنبعث عن جديته الظاهرة .إذا كان المتحكم في شاعرية الشاعر هو الجني أو الشيطان فهل يكون الشاعر هو آخرٌ غيره ؟ ذات تسكن ذاتها أم ذاتان متساكنتان؟
يأخذ الشاعر الحق ـ ولا ندري كيف يميز بين الحقيقي والزائف في هذا المجال ـ قيمته من قيمة الجني الساكن فيه، والمتربص باستمرار في انتظار الخروج من الروع. جني مجنون، جني شيطان، جني جني، صغير، حديث الولادة ، مشكاس، مسالم…الخ.حين يكبر هذا الجني تكبر معه رغبات الشاعر ونرجسيته، وقد تهدأ ،وقد تتحول علاقاته مع الأشياء الصافية، والأكثر سكرا، من عادية إلى عدوانية أو العكس، تبعا لتغير حالات الجني. سن الجني لا تقاس بسن الشاعر، فقد يكبر الشاعر في السن ويظل جنيه صغيرا، قزما، لا يكبر رغم الوصفات الكثيرة المزيِّنة بفعل السبق والأولية المؤديان إلى الشهرة، ورغم كثرة التوابل المحيطة لأطباقه المؤداة سلفا. وقد يبتدئ الجني مستعصيا مدمرا فيكبر دفعة واحدة كما حصل لجني رامبو، لجني طرفة بن العبد، لجني الشابي ….
ما هي الصورة الأكثر حضورا لدى قارئ الشعر، صورة الشعر أم صورة الشاعر ؟ لو تغيرت الأسماء ـ أسماء الشعراء ـ وبقيت نفس القصائد ، فهل سيؤثر ذلك على شياطين الشعر ؟ هل يستطيع الملتذ بالشعر ـ ولا نقول القارئ العادي ـ أن يميز الآن الاسم عن المسمى ؟ أتعود المفارقة إلى كون الشعراء لا يتكلمون كغيرهم من الناس كما تساءل "مونتسكو" مستغربا ذات مرة، أم تعود لغموض وتعقد المشهد الراهن بسبب متاهات قد تكون بعيدة عن الشعر، مشدودة إلى سلطة قد يتغلب فيها السياسي عن الثقافي رغم صعوبة الفصل بينهما.
قد نجازف بالقول ـ في ختام هذا الكلام ـ ونحن نبحث في خضم الآني واليومي عن مفهوم محدد للشاعر والشعر الحديث : الشاعر (أو هكذا نتصوره) هو قطعة لهب تقف على الهاوية باستمرار، مدفوعة بجني، من أجل تنبئ سيحصل حتما عاجلا أم آجلا، استنادا إلى حالة الفقد الأول، بحثا عن خلاص يصعب فيه الفصل بين المادة وظلها ، أي بين الشاعر وشعره.
أحمد العمـراوي


 

الصفحة الرئيسية