بدر شاكر السياب - الشاعر الحديث

الشاعر الحديث لو أردت أن أتمثل الشاعر الحديث، لما وجدت أقرب إلى صورته من الصورة التي انطبعت في ذهني للقديس يوحنا، وقد افترست عينيه رؤياه، و هو يبصر الخطايا السبع تطبق على العالم كأنها أخطبوط هائل
و الحق أن اغلب الشعراء العظام كانوا طوال القرون، أنماطا من القديس يوحنا. من دانتي الى شكسبير إلى غوته إلى ت. ي. أليوت و أيديث ستويل

و إذا تذكرنا أن الدين والشعر نشأا توأمين، وأن الدين كان، وما يزال، وسيلة يستعين بها الإنسان لتفسير ظواهر الطبيعة و قواها الغامضة ولاسترضاء هذه القوى المجهولة من جهة، ثم لتنظيم العلاقات بين البشر من جهة أخرى، أدركنا أن تفسير الحياة و تنظيمها، أو تحسينها بالأحرى، ظلا، طوال أجيال عديدة، من أهم أغراض الشعر و أهدافه

وزكما تلاشت الحدود بين الغاية و الوسيلة في الدين، تلاشت هذه الحدود في الشعر أيضا. فنحن نؤمن ونتدين لا سعيا وراء فائدة دنيوي، و نحن نقرأ الشعر لا بحثا عن منفعة مادية، ولكننا نعلم أن للدين غاية نبيلة و كذلك الشعر

وقد حاول الشاعر، المرة تلو المرة، أن يتملص من الواجب الضخم الملقى على كتفيه : تفسير العالم وتغييره. ولكنها محاولات لم يكتب لها ولن يكتب لها أن تنجح أو أن تستمر. فتهاوت مدارس و حركات شعرية بكاملها، غير مخلفة سوى شاعر هنا و شاعر هناك، لعل لهما من القيمة التاريخية أكثر مما لهما من القيمة الفنية

من رأي الشاعر الناقد الإنكليزي الكبير ـ. س. أليوت أن الشاعر العظيم يزعج قارئه، أكثر مما يهج. إن قراء قصيدة عظيمة نوع من أنواع المخاض، من أنواع الميلاد. ولن نولد إلا من خلال الألم. انه ميلاد الروح

إننا نعيش في عالم قاتم ، كأنه الكابوس المرعب. و إذا كان الشعر انعكاسا من الحياة، فلا بد له من أن يكون قاتما مرعبا. لأنه يكشف للروح أذرع الأخطبوط الهائل، من الخطايا السبع، الذي يطبق عليها ويوشك أن يخنقها. ولكن مادامت الحياة مستمرة، فان الأمل في الخلاص باق مع الحياة. أنه الأمل في أن تستيقظ الروح، وهذه ما يحاوله الشعر الحديث

وهناك مظهر مهم من مظاهر الشعر الحديث، هو اللجوء إلى الخرافة و الأسطورة، إلى الرموز . ولم تكن الحاجة إلى الرمز ، إلى الأسطورة أمس مما هي اليوم. فنحن نعيش في عالم لا شعر فيه، أعني أن القيم التي تسوده قيم لا شعرية، و الكلمة العليا فيه للمادة لا للروح. وراحت الأشياء التي كان في وسع الشاعر أن يقولها، أن يحولها إلى جزء من نفسه، تتحطم واحدا واحدا ، أو تنسحب إلى هامش الحياة

إذن فالتعبير المباشر، عن اللاشعر، لن يكون شعرا فماذا يفعل الشاعر إذن عاد إلى الأساطير إلى الخرافات التي ما تزال تحتفظ بحرارتها لأنها ليست جزء من هذا العالم عاد إليها ليستعملها رموزا، وليبني منها عوالم يتحدى بها منطق الذهب و الحديد. كما أنه راح، من جهة أخرى، يخلق له أساطير جديدة، و إن كانت محاولاته في خلق هذا النوع من الأساطير قليلة حتى الآن

غير أن هناك فئة من النقاد و الشعراء، ما تزال ترى أن في الإمكان التعبير عن هذا العصر، تعبيرا مباشرا، وهناك الكثير من القصائد التي عبرت عنه بصورة مباشرة، دون أن تفقد ماهيتها كشعر

و قد تأثر الشاعر العربي بكل هذه التيارات، لأنه فتح نوافذ بيته جميعا، لكل الرياح وفي الوقت الذي فقد فيه التافهون من الشعراء شخصياتهم، و اصبحوا مجرد مقلدين لهذا الاتجاه أو ذاك، نجد نخبة طيبة من الشعراء المحدثين، تدرك أن الاقتباس غير التقليد، و إن العالم كله، لا قيمة له ، إذا ربحناه وخسرنا نفوسنا

وعلى كل حال، فما زلنا في بداية الطريق، ومت زلنا نحاول ونجرب، وقد ننجح في هذه المحاولة وقد لا ننجح ولكننا واثقون من شيء و آخر، أننا سنمهد الطريق لجيل جديد من الشعراء، سيجعل الشعر العربي مقروءا في العالم كله