نص الحرف

نص الحرف

مقدمة

إن كل ما يكتب من دراسات وبحوث ومقالات حول الشبكة يؤسس لقاعدة معرفية بها، وهو بالتالي يرسي قواعد لمحاورتها، نفتح هذه الصفحة للكتابات التي تلمس الأفق بإبداعها الشخصي وبرغبة الحوار الإنساني الذي تقترحه هذه الوسيلة الجديدة وتتطلبه في نفس اللحظة.

إدارة المعرفة لمجتمع عربي قادر على المنافسة

إعداد: ريم الزامل

"إدارة المعلومات" مصطلح شائع في البيئة المعلوماتية، غير أن مفهوم "إدارة المعرفة" غريب إلى حد بعيد عنها، ورغم تزايد الاهتمام به خلال العقد المنصرم، فلا يزال الجدل محتدما حول المفهوم الحقيقي له، فالبعض يتصور أن إدارة المعرفة ما هي إلا تعبير مرادف لمصطلح "إدارة المعلومات". في حين يرى آخرون أنها مفهوم يتركز على الجهود الخاصة بتنظيم المداخل إلى مصادر المعلومات المتاحة عبر الشبكات، وهذا ما يجعلها محور اهتمام المعلوماتيين في وقتنا الحاضر، ويرى فريق ثالث أن "إدارة المعرفة" ما هي إلا آخر صرعات منتجي تقنية المعلومات والاستشاريين بهدف بيع حلولهم المبتكرة إلى رجال الأعمال المتلهفين لأية أداة يمكن أن تساعدهم في تحقيق التقدم التنافسي الذي هم أحوج ما يكونون إليه في ظل العولمة.
من المؤكد أن تقنية المعلومات تلعب دورا محوريا في برامج إدارة المعرفة من خلال قدرتها على تسريع عملية إنتاج ونقل المعرفة، وتساعد أدوات إدارة المعرفة في جمع و تنظيم معرفة الجماعات من جعل هذه المعرفة متوفرة على أساس المشاركة. وبسبب ضخامة مفهوم المعرفة وتشعبه، فقد أصبح سوق برمجيات إدارة المعرفة مربكا وغير واضح المعالم ومحيرا إلى حد بعيد، والسؤال الذي يطرح نفسه الآن هو كيف تبدو العلاقة التي تربط بين إدارة المعرفة وإدارة المعلومات؟ وما هو دور إدارة المعرفة في إرساء أسس مجتمع المعلومات في العالم العربي؟
نبدأ أولا بتعريف إدارة المعرفة بالقول إنها العمليات التي تساعد المنظمات على توليد المعرفة، واختيارها وتنظيمها، واستخدامها، ونشرها، وأخيرا تحويل المعلومات الهامة والخبرات التي تمتلكها المنظمة والتي تعتبر ضرورية للأنشطة الإدارية المختلفة كاتخاذ القرارات، حل المشكلات، التعلم، والتخطيط الاستراتيجي.
ولكن هل هناك علاقة بين إدارة المعلومات و إدارة المعرفة؟ بالنسبة لغير المعلوماتيين لا يبدو هناك أي اختلاف بين "إدارة المعرفة" و "إدارة المعلومات"، فمثلا مسوقو تكنولوجيا المعلومات يعتبرون الماسحة الضوئية (scanner) تكنولوجيا رئيسية لإدارة المعرفة لتصورهم بأنها ضرورية لتقاسم المعرفة، بينما هي في الحقيقة أداة لإدارة المعلومات، لذا فإن التعامل مع الأشياء (البيانات أو المعلومات) من اختصاص إدارة المعلومات.
والعمل مع البشر هو إدارة معرفة، وللتوضيح بصورة اكبر، فإن إدارة المعلومات تتعلق بالوثائق ورسومات التصميم المسند بالحاسوب، والجداول الإلكترونية، ورموز البرامج، وهي تعني ضمان توفير المداخل، والأمنية، والانتقال، والتخزين، وهي تتعامل حصريا مع التمثيل الواضح و الجلي.

في حين أن إدارة المعرفة، من الناحية الأخرى، تميز القيمة في الأصالة، والابتكار، وسرعة الخاطر، والقدرة على التكيف، والذكاء، والتعلم، و هي تسعى إلى تفعيل إمكانيات المنظمة في هذه الجوانب، وتهتم إدارة المعرفة بالتفكيرالنقدي، والابتكار، والعلاقات. والأنماط، والمهارات، والتعاون والمشاركة، وهي تدعم وتسند التعلم الفردي وتعلم المجموعات، وتقوي التعاضد بين أفراد المجموعات وتشجع مشاركتهم في الخبرات والنجاحات وحتى الفشل، وقد تستخدم إدارة المعرفة التكنولوجيا لزيادة الاتصال، وتشجيع المحادثة، والمشاركة في المحتوى، والتفاوض حول المعاني.

نظرة متفحصة

ما الذي يمكن لإدارة المعرفة أن تحققه لمجتمعنا العربي لإرساء أسسه كمجتمع معلوماتي قادر على منافسة المجتمعات الأخرى؟
الإجابة عن هذا التساؤل تتطلب منا إلقاء نظرة متفحصة على الذي استطاعت المجتمعات المتقدمة أن تحصل عليه نتيجة للإدارة الفعالة للمعرفة، لقد وفرت إدارة المعرفة الكثير من الفرص للمنظمات في المجتمعات المتقدمة لتحقيق تقدم تنافسي من خلال ابتكارها تكنولوجيات جديدة، ووسائل إنتاج وأساليب عمل جديدة ساهمت في تخفيض التكاليف وبالتالي زيادة الأرباح، وكل ذلك دفع إلى خلق ما يسمى بصناعة المعرفة
(Knowledge industry) التي أصبحت اليوم موضوع الساعة لقطاع الأعمال في المجتمعات الأكثر تقدما صناعيا.
ويقدر أكثر من 70 بالمائة من العمل بأنه في مجالات تتعلق بالمعلومات أو المعرفة. و حتى الصناعات التقليدية أصبح عدد عمال المعرفة فيها (أصحاب العمل الذهني) أكبر من العمال الذين يستخدمون أياديهم. فقيمة العديد من المنظمات كما تظهر من أسعار أسهمها هي عادة عشر مرات بقدر قيمة ممتلكاتها الدفترية. والفروق تعود في الأساس إلى الممتلكات غير الملموسة، مثل الاسم التجاري، وبراءات الاختراع، وحقوق النشر، والمعرفة الفنية، ويمكن لمجتمعاتنا العربية أن تستفيد من إدارة المعرفة من خلال: التقاسم الأفضل للمعرفة، وخلق معرفة جديدة وتحويلها إلى منتجات، وخدمات، وأساليب ذات قيمة، والأسلوبان، كما هو واضح، يعتمدان بشكل يكاد يكون تاما على تكنولوجيات المعلومات التي ستتم الاستفادة منها بشكل مكثف في المجتمع، وهذا ما سيسهم بالتالي في إرساء أسس المجتمع المعلوماتي القادر على النمو والتقدم.

استنتاجات

رغم التشابه الكبير بين المصطلحين، إلا أنهما ليسا وجهين لعملة واحدة.. فإدارة المعرفة تعمل في المستوى التجريدي أكثر من إدارة المعلومات. و لكن هذا لا يقلل من أهميتها الاستراتيجية بأي شكل من الأشكال، ولكي نتفهم واقع إدارة المعرفة، علينا أن ننظر بشكل أكثر واقعية إلى الماضي والحاضر، في الماضي كانت هناك الكثير من المجتمعات التي تمارس إدارة المعرفة بصورة أو بأخرى من دون أن تطلق على ممارساتها هذه التسمية، أما اليوم فالعديد من المجتمعات اتخذت خطوات رسمية في هذا الجانب و استحدثت برامج إدارة المعرفة. ولكن ما زالت هذه المجتمعات قاصرة عن إدماج "إدارة المعرفة" بشكل كامل في فعالياتها وقراراتها المجتمعية.

عن مجلة العالم الرقمي

أفق جديد

محمد جابر النبهان
m_alnabhan@hotmail.com

ثمة سؤال يستولد في الذهن عدة أسئلة حول مدى جدوى تجربة مثل مجلة إلكترونية؟ وما تحققه من طموح ؟ وما هي الخطوة الأخرى ؟ وهل حقق الإنترنت بديلاً عن الورق ؟
لا شك أن هناك عزوفاً من المثقف العربي في التواصل مع الإنترنت بشكل صحيح ، كما أننا نقرأ بين فترة وأخرى في كتابات هنا وهناك حول مدى ما سببته هذه التكنولوجيا من تدمير للإنسان والثقافة والقيم حين يخطئ البعض بظنه أن هذه التقنية جاءت لتحل محل الكتاب ، أو أنها - بما تقدمه من مجانية ويسر - تعتبر وسيلة نشر تعويضية . فالكتاب ( في تصوري ) لايزال حاضراً بقوة في الثقافة بدليل وجود هذا الكم الهائل من دور النشر والمكتبات والإصدارات ، والتي لا يمكن بحال من الأحوال أن نصدق أنها لا تحقق ربحاً مادياً وإن اشتكى أصحابها الكساد . كما أن المقارنة هنا غير منصفة ولا تتحقق تاريخياً ، فالإنترنت ( بوصفها نصا ) كما يعتبرها الكاتب خالد الرويعي في قراءته المنشورة في موقع ( جهة الشعر ) : إذ يقول : " والفرق بين النص الورقي والإلكتروني هو أن النص الورقي كتب ليكون بمثابة وثيقة له وعنصراً أساسياً من عناصر النص الورقي ، أما النص الإلكتروني فهو مجزأ ومتعدد الوسائط ، إذ يمكننا من خلاله تشكيل النص السردي إلى صورة ثابتة أو متحركة ويمكننا أيضاً أن نسمع الموسيقى الافتراضية في النص" حيث لا يأخذ النشر الإلكتروني شكل الكتاب أبداً .
قلت أن غياب المثقف العربي عن هذه التقنية - حين لايزال غير قادر على استيعاب مجمل هذه التقنية - أحد الأسباب المهمة التي يجب مناقشتها في الحديث عن النشر الإلكتروني ، ذلك أن 98% كما يحدد الرويعي - وإن كان من باب الكثرة - من المواقع العربية تضع حالة النشر الإلكتروني كبديل عن الكتاب . وبنظرة سريعة على المواقع الثقافية نكاد نتفق مع هذه النسبة حين لا نصادف في تجوالنا في قرية إلكترونية متداخلة سوى مواقع تتعامل وفق معطيات الكتاب أو تستسهل عملية النشر أو مواقع شخصية . وبذلك تغيب الرؤية الجديدة للنشر الإلكتروني وتصبح مجرد حالة تعويض سهلة ومجانية .

ربما كان الهاجس الأول هو تحويل هذه الإصدارة الإلكترونية إلى مطبوعة ، إلا أن هذا الهاجس بدأ بالتلاشي شيئاً فشيئاً مع كل عدد جديد يفتح معه أفقا شاسعاً على عوالم جديدة خارج نطاقي الزمان والمكان وإن ظلت التجربة محتفظة ببعض تراتيب الإصدار الورقي من ناحية التوزيع النصي والتوقيت.

آمال العالم الافتراضي المحبطة الانترنت في ساعة الخيبة

ديريك دي كيركوف
Derrick De KERCKHOVE

اعتبرت الانترنت لوقت طويل فاتحة عصر جديد ونسبت اليها كل المزايا. خصوصاً امكان فتح الطريق الى عهد اقتصادي جديد بفضل اقتصاد الشبكة حيث يكون الاثراء دائماً وفورياً ومتصاعداً. انه سراب. وعلى غرار غيره من اشكال السراب افضى الهجوم على الشبكة الى خيبة كبيرة: عشرات الشركات تضمحل والوف العاملين يتعرضون للصرف. فصار البعض يتحدث عن رمي الانترنت في المهملات. لكن ردة الفعل هذه مبالغ فيها ايضاً.

ان شركة ""نتسكاب" " هي التي اقترحت نموذج اقتصاد الشبكة وساهمت في اشاعته. وهي اذ ادخلت الى سوق الاسهم في 9 آب/اغسطس 1995، بلغت رسملتها الملياري دولار ساعة اقفال اليوم نفسه… وذلك من دون ان تكون الشركة نفسها قد جنت سنتيماً واحداً بعد. في تلك الحقبة الريادية كان العارفون جميعهم تقريباً قد ألفوا موقع "نتسكاب" للدخول الى الانترنت. جربوه واقتنعوا بالنتيجة. كانت تلك الصيغة التجارية الاولى لبرنامج "موزاييك" الذي خلقه العبقري الشاب مارك اندرسون. وعلى غرار محرك البحث "ياهو" الذي سيقفز بعد اشهر معدودة الى القمة في قيمته المصرفية، شكلت ""نتسكاب" " نوعا من الشهادة على ان الانترنت بلغت درجة من النضج كافية لتحولها حيزا اقتصاديا. فاطلقت ""نتسكاب" " نوعاً من الاقتصاد المتسارع اختلط فيه كل شيء، الانترنت والبريد الالكتروني والشبكة وابواب الدخول والاقتصاد الجديد والاقتصاد الالكتروني الخ…

في تشرين الاول/اكتوبر عام 1995 كانت حصة السيد جيم كلارك مؤسس "نتسكاب" تبلغ 425 مليون دولار. قبل ذلك بعام واحد أي في تشرين الاول/اكتوبر 1994 كان السيد كلارك يشارك في طوكيو باعمال طاولة مستديرة حول مستقبل وسائل الاتصال المتعددة (المولتيميديا). وكان قد ترك للتو شركة "سيليكون غرافيكس" ليؤسس "نتسكاب" . شرح انتقاله قائلاً: "اقترحت عليهم المشاركة. لكنهم (أي مجلس ادارة شركة سيليكون غرافيكس) رفضوا. فسحبت حصتي، 20 مليون دولار، لاوظفها في "نتسكاب" . قبل اقل من عام سأجني منها 400 مليون دولار". كيف تمكن من التنبؤ، هو اولاً، وبهذه الدقة، بالمفاعيل التضخمية لاقتصاد الشبكة وغياب العلاقة بين القيمة المالية والانتاج الفعلي؟ بالطبع لقد احسن الاستفادة، هو و"أمازون.كوم" و"ياهو" و"اي.باي" ومجموعة شركات الانترنت التي ادركت بسرعة ان الشبكة تتغذى من الوعود اكثر من الانجازات.

كانت تلك مرحلة "اقتصاد المشاعر" في عزها، كما سمّاها عالم النفس روبرت ماك ايلرايت، اي الاقتصاد الذي تولده الشائعة. وحول لامادية الاقتصاد يقول الصحافي سولفيغ غودلوك ما يأتي: "يقوم على الثقة وهو منفصل عن الواقع، تحت رحمة هبوط في المعنويات او عملية تلاعب. دخلنا فعلياً الى رأسمالية الاعلاماتية لكن على مسؤوليتنا ". كما يحصل مع بقية "التقنيات ـ النفسية"، سنشهد على الارجح نوعا من المسار الاجباري الذي يعمد، بعد اجتياز العتبة الحرجة من الافتراضية، الى الابتعاد عن حواجز النماذج القائمة من اجل بناء مجال بديل، على طلاق مع الواقع. فيفرض هذا النموذج نفسه وينمو بقوته الذاتية حتى اللحظة التي يصير فيها هذا الطلاق مع الواقع فاضحا. فيصار عندها الى العودة القاسية الى النماذج المرفوضة سابقا. فيجد نجوم اقتصاد الشبكة وشركاته انفسهم في وضع صعب بعدما طاولهم فقدان الثقة العام. وعلى غرار رؤساء الديموقراطيات الطرية العود الذين يفرون مع اموال الدولة، فان بعض رؤساء الشركات، ما ان شعروا بتبدل الاحوال حتى تقدموا باستقالاتهم او باعوا حصصهم في الوقت المناسب لقبض المال المتبقي…
بالطبع كان هناك بعض المتلاعبين في هذه البيئة المتبخرة. لكن الارتفاع الكبير في سوق الاسهم ما كان ليحصل لو لم تجد مضاربات سوق الاسهم صدى مباشرا لدى جمهور يتزايد بسرعة تزايد الشبكات نفسها وهو يتنوع بين موظفي الرساميل والتجار يوما بيوم والهواة والمصرفيين ومتتبعين عاديين للمجريات واصحاب المشاريع غير الناضجة ومعدي البرامج الخ. ذلك كله يخلق من جهة أخرى مناخا مؤاتيا للتجديد. هذا من دون ذكر العقليات والممارسات المهنية التي تتغير لاشعوريا عند استخدامها الشبكات. رغم ذلك كله كان السقوط متوقعا. كان اندي غروف، شيخ شركة "انتل"، ينتظر منذ ثلاثة اعوام الانهيار الالكتروني، وقد أعلن في نيسان/ابريل 2000: "لقد بدأ ركود التقنيات المتقدمة فعلا. انه ركود وليس الادنى، فهو يطاول جميع القطاعات، من الاشباه الموصلة الى الالياف البصرية وهو ذو طبيعة دورية ". لكن في حين يطاول الهبوط المفاجىء في قيمة الاسهم جمهورا من المستثمرين الاثرياء وغير المبالين احيانا، فان الازمات الجدية تطاول المستثمرين المقدرين في اسواق لا تتجسد او لم تتجسد بعد، خصوصا سوق الهاتف التفاعلي (WAP) والتلفزيون التفاعلي (Web TV).
لقد ادى الركود في قطاع التقنيات المتقدمة الى عمليات صرف واسعة للعاملين وتراجع عام في القطاع كله. ففي شركة "نورتل" الكندية وهي الاولى في عالم موصلات الشبكة، بلغت الخسارة الفورية 19 مليار دولار في سوق الاسهم وقد ترجم ذلك بصرف 10 آلاف موظف… لم تعد تحصى الشركات الصغيرة والمتوسطة التي تسحب الانترنت من رأس سلم اولوياتها فتخفض من عدد العاملين لديها في هذا القطاع وتصرف العاملين في المواقع. هذا اذا تغاضينا عن المستثمرين المحبطين. وقد ساهم العديد من الكوادر من اصحاب الاختصاص العالي والاجور المرتفعة الذين يصعب عليهم الانخراط في عمل جديد، في نزع الصدقية عن "الاقتصاد الجديد" الذي سلبهم. وبما ان للموضة فعلها فها نحن دخلنا مرحلة الخيبة، "ضجر الشبكة"، مما يسعد طيور الشؤم الذين قاوموا الانترنت ولم يجدوا فيه سوى السلبيات وتنبأوا بسقوطها.
الخيبة بعد السحر. والاثنان من طبيعة واحدة أي انهما على هامش الحقيقة. بيد أن انقلاب المعادلة وفق النموذج العاطفي يوازي في تطرفه الحماسة الاولى. وسيكون من شأن هذا التطرف المعاكس احداث تأخير اضافي في حصول ما لا مفر منه الا وهو تغضن النظام حتى الامتلاء. وهذا ما ادركه جيداً السيد غروف: "بالرغم من انحرافاته فان طبيعة الانفجار كانت صحية، بالضبط لان الارتفاع غير المعقول لقيمة الاسهم قد اجتذب المليارات من اجل قيام البنية التحتية للانترنيت، منها مثلاً مئات المليارات التي مولت شبكات الاتصالات اللاسلكية ".
يقال ان البريد الالكتروني وحده سوف ينجو من غرق الانترنت. انه قول متسرع وملاحظة مجانية تشبه ما ادعاه مايكل والف من انه " لن تعود هناك صناعة انترتيت في نهاية العام" . ويذكّر السيد اندي غروف ان مواقع "دوت كوك" تمثل بالكاد 10 في المئة من اقتصاد الشبكة. لماذا نحرم انفسنا الفوائد الحقيقية للانترنيت في اشكالها التواصلية كافة؟ هناك اولاً ذاكرة الشبكة الجماعية العظيمة، خارج المجال التجاري. لكن الدخول الى هذه الذاكرة متوافر فردياً (الى حد ما مثل دخولنا الى ذاكرتنا الشخصية) ومتوافر خصوصاً بصيغة تواصلية. أي اننا نشهد تطور انماط جديدة من الاجتماع والمساهمة الانسانية لا تلعب فيها التجارة وحدها الدور الحاسم. فالتعليم مثلاً يجني من الانترنت فوائد عديدة: نشر المعرفة بالطبع مع بنوك المعلومات التي يمكن اعادة قولبتها وتحديثها تلقائياً اضافة الى مشاركة جماعية اكثر حيوية وبروز فرق عمل تنشط بشكل وثيق.
من جهتها، لن تتخلى المصارف عن الانترنت لان الاسهم الالكترونية تعاني الركود بل ان هذا البعد التجاري سيترسخ لديها. في المقابل سوف تتردد اكثر قبل ان تستثمر في هذا النوع من الشركات، بيد انه من غير الوارد تخليها عن السهولة الفائقة التي تؤمنها الشبكة في انجاز الصفقات المالية. يضاف الى ذلك انظمة الحجز وتبادل المعطيات المعلوماتية وتحديد المخزون والتوزيع الآلي وغيرها من الخدمات التي لا يمكن المؤسسة المصرفية ومعها الجمهور قريباً الاستغناء عنها.
الجمهور كله؟ هناك في فرنسا 20 في المئة ممن هم في سن العمل مجهزون لاستخدام الشبكات. اما في كندا فترتفع النسبة الى 45 في المئة. ويعود ذلك بالتأكيد الى سياسة تعرفة صحية اكثر من غيرها ادت الى نشؤ ثقافة "هاتفية" فعلية. في افريقيا، ما زال الدخول الى الشبكات نادراً لكن رغبة الاتصال باتت تعني عدداً متزايداً من الافارقة يرافقها الاستباق الممزوج بالصبر الذي ما زال يشعر به جميع الذين يلجون الشبكات. تكمن المشكلة الحقيقية في مكان آخر. فعندما نتحدث عن "الشرخ الرقمي" يكون المقصود كمياً العدد الضئيل من "المجهّزين" في جهة، والاكثرية الواسعة من المحرومين من الرحلة الافتراضية في جهة اخرى. يعطي جويل دي روسناي بعداً آخر للمسألة عندما يدخل عليها عامل السرعة الحاسم في رأيه. "تتطور بعض المجتمعات وفق ايقاع يؤمّن لها ان تجتذب لصالحها الموارد المالية والبشرية وموارد الطاقة والمعلوماتية التي يمكن ان تستفيد منها المجتمعات الناشئة" . واكثر ما تتأثر بذلك هي القدرات البشرية الفضلى في البلدان النامية، بمعنى ان البلدان المتقدمة تقدم لها المزيد من الوعود وتفتح لها ابوابها بسهولة اكثر مما تستقبل به سائر المرشحين للهجرة. ضمن هذا المنظار تلعب الانترنت دور الحلقة الجاذبة. فها هي كندا لا تزال تبحث عن حل لتأثير الدوامة الاميركية عليها اذ يهاجر الى الولايات المتحدة سنوياً حوالى 70 الف خريج درسوا على حساب المكلف الكندي. وهي تواجه على المدى القصير خطر الشح الجدي في رأسمالها الفكري. في ما يخص الانترنت تبقى الوسيلة الوحيدة لقلب المعادلة (والحد تاليا من الشرخ الرقمي) في تسريع التوزيع العالمي للشبكة التي باتت تدخل في توطيد العلاقات والجمعيات الانسانية. ففي حضارتنا ذات الحركة الدائمة، الشبكة اكثر ثباتاً من الافراد.
لا يعير السيد مازايوشي سون، احد اصحاب شركات الاتصال اليابانية، أي اهتمام لكون اسهم شركته قد انخفضت أخيراً بنسبة 90 في المئة: "اننا في خضم ثورة المئة عام، والاتصالات بواسطة الشريط العابر الضيق التي نمتلكها اليوم لا تعطي سوى فكرة صغيرة عن العمق التكنولوجي الذي تعد به شبكة الانترنت ".

شهادة تجربة حول موقع (جهة الشعر):

الطرق انتهت، فليبدأ السفر*

الشاعر قاسم حداد

كنت أقول دائماً بأن الانترنت إشارة لمستقبل لا يمكن تفاديه.
فقد أصبحت المعرفة هي المعنى الكوني لحركة الإنسان في الحياة. وأن كل المبتكرات المتسارعة تسهر على وضع هذه الحقيقة تحت اختبار قدرتها على مساعدة الإنسان لنيل مستقبله الكريم والحر والجميل، بما تحققه من سرعة الاختزال: للمكان والزمان في آن واحد.

(1)

ان وسائل الاتصال التي تتطور بسرعة مذهلة، وأهمها (مؤقتاً) شبكة الإنترنت، تثير أهمية إعادة النظر في مفهوم (المسافة)، ليس فيزيائيا (المكان والزمن) فحسب، ولكن ثقافياً واجتماعياً وروحياً بشكل خاص. وسوف يحتاج المتصلون بالشأن الثقافي والإبداعي في واقعنا العربي بعض الوقت (فيما تتضاعف الخسارة) لكي يكتشفوا أن ثمة ما يمسّ شغاف أصحاب المخيلة النشيطة يحدث على مقربة منهم وليس من الحكمة التردد أمام التجربة.
فبين المسافة الزمنية التي تستغرقهم (ببطء السلاحف) والمسافة الافتراضية التي تخترقها شبكة الإنترنت، ما يمكن وصفه بالمعجزة التي تخيلها الشعراء والمبدعون.
وأعني بها معجزة اختراق الفجوة بين النص والعالم، ليس بوصفها حالة استهلاك متاحة، لكن باعتبار أن الفكر والإبداع قد أصبحا الآن مرشحين (بوسائط غير تقليدية) لكي يحققا تجربة غير مألوفة هي تجربة: فعاليات الإبداع ومضاعفة تأويلاته.

(2)

ب أن أسمي أشياء تجربة الاتصالات الإلكترونية بما يقاربها من الشعرية.
ففي فكرة الإنترنت شيء من الشعر.
لأن ما يتحقق فيها من أسلوب التعامل مع فكرة المسافة، هو ذاته ما يمس شهوة اختزال العالم في الشعر. ليس بوصفه واقعاً ولكن باعتباره خيالا محضاً، يتجلى في صورة مشحونة بالعاطفة واحتمالات الحلم. لكي تبدو الحياة جديرة أكثر بالعيش.
فالمسافة التي وُصفت فيما سبق بأنها (مسافات لا يمكن السيطرة عليها) مثل المسافة الجغرافية، أصبحت الآن بحكم الحلم الناجز، حيث صار بإمكان الإنسان العادي أن يختزل هذه المسافة بأكثر الوسائل يسراً وسهولة وسرعة وأماناً أيضا.

(3)

يف يرى المبدعون العرب الفكرة المتحولة للمسافة، وكيف سيعالجونها لئلا يخترقهم البرق في محطات انتظاراتهم؟
بأي معنى يفهم المبدعون العرب الحداثة (فيما يتحدثون عنها)، إذا لم يكن بمقدورهم الاتصال (الأسرع) بمواقع تلك الحداثة وآلياتها الحضارية في اللحظة ذاتها التي تولد فيها؟
بأية وسيلة يعيد المبدع العربي صياغة منظوراته وطرق تفكيره وأدواره في الحياة، إذا هو بالغ في التأخر عن إدراك الدور الخطير الذي تلعبه المعرفة في العالم، ليس بوصفها استيراداً واستهلاكا، بل بوصفها خلقاً وابتكاراً يومياً يجعل من الفعل المعرفي طاقة جديدة، أكثر حرية، تتجاوز الحدّ السياسي وأجهزة التسلط.
ربما سيكون علينا ونحن في مواجهة الأفق الرحب الذي تتيحه لنا شبكة الانترنت وتجلياتها الأخرى، أن ندرك بأن السلطات (التي تسبقنا في الاستفادة من هذه المنجزات) قد بدأت حاجتها تتفاقم مجددا لاستغلال المثقف لمساعدتها في معالجة التوترات الشعبية، بعد أن تمكنت الجماهير بالوصول إلى المعلومات التي كانت خرجت عن السيطرة التقليدية.
فهل بدأ المثقف استيعاب حرياته في عالم ثورة الاتصالات ووفرة المعلومات، ليفرض استقلاله الحقيقي عن أشكال السلطة، هذه السلطة التي أصبحت (في عالم وسائل الاتصال الجديدة) مخترقة، وهي تحاول فرض حضورها بوصفها أداة مراقبة للحجب والإباحة.
إن ثمة ما يتيح لنا الآن فرصة النظر إلى أدوار المثقف وتنوع آلية عمله واختلافها في الآفاق المفتوحة ومساهمته في صياغة المستقبل. وسوف يتحقق هذا كلما تقدم المثقف في تأكيد دوره كمبدع ومبتكر ومشارك في أشكال هذه الوسائط وإعادة إنتاجها واقتراحها في عملية التنمية.
فعندما يتكلم السياسيون عن الديمقراطية، على المبدعين أن يتنبهوا بأن الحداثة رهانهم الوحيد لاختبار صدق مزاعم أصحاب السياسة في الحكم والمعارضة.
أقول هذا وأنا أرقب الفجوة الفادحة (تتفاقم يومياً) بين كلام الديمقراطية والكلام عن الحداثة. إلى درجة اختلاط اللغة الثقافية بالمحمول السياسي ولكن من غير رؤية تضع المعرفة في سياقها المنهجي في التنظير وفي الفعل.
كما لو أن الحكم لا يريد، والمعارضة لا تستطيع.
وبهذا تضيع على المجتمع فرصة الإمساك بطرف العمل التنموي والمشاركة في صنعه.
ربما لأن الجميع يحاول معالجة قضية جديدة بأدوات قديمة.
وهذا هو بالضبط مشكل ثقافي بالدرجة الأولى. ولا علاقة لها بالسياسة ولا بالدعاية.
الحداثة هي أن تمتلك رؤيتك للعالم بمعزل عن قوانين التفكير التقليدية التي يصدر عنها الفكر السائد. فليس من المتوقع أن تدرك هذا الاختزال الهائل والباهر لمفهوم المسافة بين الإنسان وطاقته المكنونة (والمكبوتة في السياق العربي)، إلا إذا تهيأت باستعداد حقيقي لإعادة النظر في المسلمات الموروثة (قديماً وحديثاً)، من أجل التحول إلى حق الإنسان في المعرفة خارج سلطة الماضي المعاصر (بكل تجلياته السياسية والاجتماعية والثقافية)، وحق الإنسان في أن يعرف ويرى ما يراه هو، وليس ما تريد له أجهزة إعلام السلطة أن يراه ويعرفه ويصدقه ويؤمن به ويعجب أيضاً.
الثقافة تبدأ من هذه التفاصيل، وبهذا المعنى نحن بحاجة لأن تتوقف المفاهيم الموروثة لمصطلحات مثل الديمقراطية والحقوق المدنية والأصالة والتقاليد عن مصادرة المبادرات وكبح الخيال: في النصوص والأشخاص.

(4)

ما يعنيني في هذا الحديث هي قدرة الإنسان على تحويل تراكم المعلومات إلى طاقة الأمل في الكائن الإنساني. بمعنى تحويل المعلومة إلى معرفة، وهو العنصر الحيوي في ما يسمى صناعة المعرفة، أو علم الثقافة.
فنقص المعلومات ليست المعضلة عند فائقي القدرة ذهنياً، المعضلة تكمن في نقص الفهم. وهو ما يستدعي القلق مما يمكن أن نحققه في حقل تحويل المعلومات إلى معرفة.
هنا بالضبط سوف تختلف المفاهيم الجديدة التي تقترحها علينا نوعية المعلومات واتساعها وآلية تداولها وشفافية الوسائط التي تحملها وتمنحها طاقة المستقبل في حياتنا.
فتوسع التقنية ومستجداتها يصاحبها تغيرات هامة في طريقة تمثيل العالم، مما يجرنا إلى مراجعة طرائق ممارسة نشاطاتنا العادية منذ التفاصيل حتى القضايا الكبرى.
في هذا السياق نفهم العلاقة بين الانترنت والثقافة من جهة، ورؤية الآفاق التي فتحتها الانترنت أمام الثقافة من جهة أخرى.
الثقافة هنا لم تعد هي الاستعداد التقليدي للدفاع عن الأصالة أو الهوية والتراث وغيرها مما ظل المفهوم العربي يتداولها ويكرس الحساسية الصادرة منها.
ففي اللغة، عندما كان العربي يُرجع معنى ثقافة إلى فعل ( ثقَّف) الرمح، أي شذبه وشحذه. فانه يستعين بفقه الحرب لتفسير معنى العمل الإبداعي. وسوف يصدر ذلك السلوك (الثقافي) من اللاوعي الجمعي الذي يرى إلى الثقافة بوصفها فعل حرب وصراع، أو استعداد لهما. الأمر الذي يضعنا في مهب تراث كثيف جزءٌ كبيرٌ منه يعتقد بأن الثقافة هي فعل قتال.

(5)

الآن، أعتقد أن التحدي الكوني أمامنا هو أن نتفهم المعنى المختلف للثقافة بوصفها فعل حب. فليس من الحكمة أن نرى إلى صراع الحضارات، ولكن إلى حوارها.
فأنت لا تستطيع أن تذهب إلى العالم بوهم تلقينه الدروس، في حين أنك لا تزال تحتاج إلى أبجدية المعنى الإنساني للتقنية وثقافتها في ذاتك وبيتك ومجتمعك.
إن مشكلتنا هي أننا لا نحسن الإصغاء إلى الآخر ولا نعتبره جواباً محتملا لسؤال مؤكد.
وهذه مسالة وشيجة الصلة بالسلوك الثقافي.
ومشكلتنا خصوصاً، أننا نأخذ التقنية الحديثة ونرفض الفكرة التي ابتكرتها.
وهذا سلوك ثقافي نرث آليته بلا تبصر.
وهذا ما يضاعف حاجتنا لتفهم ما تتيحه الانترنت من آفاق تتجاوز الهيمنة والحدود التقليدية التي تتحصن وتحارب خلفها أشكال السلطة في حياتنا. سياسياً واجتماعياً وفكرياً.
كثيراً ما يردد مفكرو ومنظرو العرب عن الأزمات التي تعيشها الثقافة العربية، وأنها وصلت، أو تكاد، إلى طرق مسدودة لفرط ما تفرضه عليها السلطات بشتى تجلياتها، إضافة إلى الصعوبات البنيوية وتعثر أدوات العمل الفكري القديمة وهي تواجه متغيرات الواقع الجديد وتقصر عن تحليله. كل تلك طرق وأساليب عمل تنتهي بفعل متغيرات المعرفة وأدواتها.
غير أن أمام الثقافة العربية واحدة من أندر الفرص الكونية لاكتشاف الأفق الجديد الذي يساعدنا على فهم درس المعنى الحضاري لكوننا بشراً في هذا الكوكب، وإدراك أن الثقافة هي أن تجلس في المستقبل وتنظر إلى الحاضر وليس العكس. وأن الثقافة ليست تقليد الواقع ولكنها سؤال نقديّ عليه.
نحن بحاجة لأن نتأمل المعنى العميق للحداثة ونحاول نتجاوز هذه المفارقة التي تأخذنا إلى التهلكة ونحن نتقمص كل أشكال نظريات العالم الحديثة وننقض جوهرها الحر.
فالحداثة هي طريقة النظر، برؤية جريئة وجذرية، بأن الإنسان هو سؤال الله على الأرض وليس جواباً نهائياً يضاعف الطرق المسدودة.
أمام الثقافة العربية أيضاً فرصة أن تصغي لصوت المخيلة وتطلق حرية هذه الطاقة المحبوسة في العمل الثقافي بشجاعة الصانع.
لكن الأهم في هذا الحقل، هو ما سوف يتوفر للمثقف المنتج في هذه الشبكة من حجم غير محدود من المعلومات الموغلة في التنوع والاتساع، الأمر الذي سيوفر العناصر الإنتاجية الأخرى: الوقت والجهد والنوعية.
فبعد الدورة التقليدية التي يستغرقها الباحث للوصول إلى المعلومة، ثم تلك الآلية البالية التي تستدعيها عملية البحث وإعادة البحث، سيجد الشخص نفسه تحت مظلة رحبة من خيارات أشكال البحث والتحليل، في درجة تساعده على توفير الوقت اللازم للمساءلة العلمية في مادة بحثه، وهذا هو، في تقديري، الهدف النوعي الذي نحتاجه في حقل البحث العلمي، لكي يكون ذلك إبداعا.
فالباحث التقليدي، في هذا العصر المتسارع التحولات، بعد دوامة البحث عن المراجع والسهر طويلاً على تحليلها، سوف لن يكون قادراً على التأمل العلمي والنقدي في مادته، مما يتسبب في غياب الابتكار الفكري والخيال.
ان المعلومات هي أداة التكامل المعرفي لدى الباحث والمثقف والمبدع. حيث تعمل تكنولوجيا المعلومات على تضييق الفجوة بين العلوم والفنون وبين المعارف والخبرات.
فقد أصبحت الثقافة علماً يتصل بأحدث علوم العصر والتقنية، سوف يحتاج الباحث إلى أدوات تنظير وعمل مغايرة كثيرا لأدواته القديمة، وأكثر حيوية وخيالاً، بسبب الدرجة العالية من التنوع والتداخل بين فروع المعرفة ومقترحات مواهب الإبداع بشروط الابتكار الذاتي.
والمعلومات هي أيضاً المكون الحيوي لإنتاج وتأسيس البنية التحتية لصناعة الثقافة.
ومن بين ما تتيحه لنا وسائل الاتصال والانترنت خصوصا(ثقافياً) هو جماليات الاتصال الإنساني بالعالم.
وفي حقل الأدب والشعر سوف تكون هذه التجربة أكثر تشويقاً واستجابة للمخيلة الإبداعية.
وقد بدأت هذه التجربة الجديدة تطرح علينا مبكرا ضرورة إعادة النظر في مفاهيم كثيرة تتصل بالقارئ والجمهور، والمعنى، والنص. حتى أنني أرى منظورات فلسفة الكتابة مثل موت المؤلف وموت النص ونظرية القراءة هي الآن في مواجهة اختبار البحث عن أجوبة جديدة للسؤال الذي يتصل بالدال والمدلول بوصفهما من مبررات النص ومذاهبه. فقد أصبح النص مرسلا لقارئ كوني، هو الواحد واللانهائي في نفس اللحظة.
فعند التوقف، مثلاً، أمام إحدى التقنيات في النشر الالكتروني وهي Hypertext، سوف نتأكد أن الآفاق التي يذهب إليها الكاتب، وبالتالي الثقافة برمتها، ليست فقط لا تتصل بطبيعة الكتابة والتأليف والنص السابقين، ولكنها بالضبط انتقالة نوعية من عصر النشر الورقي في الصحيفة والكتاب بشروطها التقليدية، إلى النشر المتعدد الوسائط، المتنوع الأبعاد، الغني بالمحتملات. وهو فرق يضاهي المسافة بين الموت والمخيلة.

(6)

آلية علاقة الثقافة بالحياة وطرائق إنتاج المعنى.
اكتساب فعاليات المعرفة لا تتمثل في أن نتقمص المعنى، ولكن أن ننتجه بأنفسنا وبالطاقة البشرية التي نتميز بها مع الآخرين، بوصفنا رغبة في الإنتاج المبدع وليس الاستهلاك التابع.
والأفق اللامحدود الذي تتيحه الانترنت للثقافة (بشتى تجلياتها) يتطلب مفهوماً جديداً لمعنى العلاقة الجوهرية بين الثقافة والمجتمع. هذا المجتمع الذي يتعرض منذ الثلث الأخير من القرن العشرين إلى تحولات نوعية في البنى الفكرية والاقتصادية وتداخل القوى الفاعلة فيه.
المفهوم الجديد للثقافة يتطلب قدرة استنباطنا للعلاقة الجوهرية بين التقنية الجديدة ودورها الإنساني في تنمية المجتمع بآليات تتناسب مع رغبة الذهاب إلى المستقبل، بمعنى أن التناقض بين التقنية والمجتمع عموما، والعمل الإبداعي خصوصاً، هو أحد أخطر الأوهام التي يجري ترويجها وتكريسها بصورة تحجب الإنسان وتحول دون اتصاله المبكر بالمستقبل. لذا يتوجب علينا نقض هذا الوهم بإثبات حضور قدرتنا على تجاوز التعاطي التقليدي مع المجتمع.
كأن يكشف لنا المثقف برؤيته الجديدة:
كيف نفهم المفارقة الناتجة عن غياب الديمقراطية (بالرغم من كثافة الكلام عنها) في مجتمع ثورة المعلومات وحيوية وفرتها وسرعة الوصول إليها؟
فالثقافة، الآن، لا تستطيع تفادي مثل هذا السؤال لئلا تقع في نقيضها.
إن تجربة الانترنت وتقاطعها البنيوي مع الثقافة هي بمثابة الامتحان الصارم لمفهوم الديمقراطية التي يجري تداولها في هذا العالم. فالمسألة الثقافية، جوهرياً، هي مسألة ديمقراطية منقطعة النظير. والانترنت ظاهرة ديمقراطية بامتياز.
وهذا ما يجعل الانترنت في دول النظام العربي نوعاً من الفضيحة الكاملة، تماماً مثل الجريمة الكاملة.
وعلى المثقف، الآن، أن يتيقن ويخبرنا بالضبط من الذي يرتكب هذه الفضيحة ومن هو ضحيتها. لكي نبدو أمام أنفسنا على درجة محتملة من الانسجام مع مزاعم الحداثة والحضارة.
فليس من الحضارة أن نكون في القرن الواحد والعشرين ونحن لا نزال نتداول ديموقراطية القرن التاسع عشر ونتخبط في حدودها.
وليس من الحداثة أن نطلق شعارات حريات التعبير والتفكير ونحن نصرف ملايين الدنانير لمراقبة وسائل الاتصال وشبكة الانترنت بحجة حماية المجتمع.
إن هذا إقصاء علني للثقافة عن دورها في تنمية الإنسان والمجتمع.
فحرية الضجيج المتاحة في النظام العربي لم تعد تشكل مدخلاً حضارياً يليق باللحظة الكونية الراهنة. والكلام الخالي من المعلومة وغير المكترث بالمعرفة لا يشكل سؤالاً مطروحاً على السلطة، ولا يقدم جواباً شافياً ومنتجا للشعب.
مسؤولية التنمية هي وضع المعرفة في خدمة الرؤية الجديدة للمستقبل. وتأمل الأفق بعينين واسعتين، لكي تمنح الإبداع حقه في السياق الطبيعي من الكون.

فليس من الحكمة، مواصلة الظن بأن التقنية نقيضة للمبدع، أو هي حقل المتخصصين والنخبة. على العكس، سيكون علينا فقط اكتشاف الحرية والجمال التي توفرهما لنا الانترنت في حقل النشر الالكتروني، لكي نتأكد من أن الأفق أمام الثقافة هو فعل حب لا تحده سلطة مهما كانت مهيمنة.
هذا هو المستقبل الذي لا يذهب إلى أحد، ولا ينتظر أحداً، ولا أحد يقدر على حبسه.

(7)

إذا كانت تلك المقدمة ضرورية، فلأن كلامنا عن الشعر في شبكة الانترنت سيكون قليل الأهمية إذا لم يكن صادرا عن رؤية تقترحها علينا تجربة سنوات المغامرة في جهة الشعر.
فأنت لا تستطيع أن تزعم حضوراً في هذه الشبكة ما لم تمتلك رؤيتك الجديدة والخاصة التي ترفد مشروعك الثقافي وتبلور عملك يوماً بعد يوم. وتكتشف فيه الأفق يوماً بعد يوم.
وهذا بالضبط ما حاولت جهة الشعر أن تقترحه في هذا الحقل.
بين لحظة انطلاق (جهة الشعر) وهذه اللحظة مسافة كثيفة من الخبرات والأحلام المؤجلة.
كانت البداية في العام 1996، بمبادرة مشتركة مع الصديق عبيدلي عبيدلي في مؤسسة النديم لتقنية المعلومات.
ومن أهم دوافعنا وراء بناء جهة الشعر هي الوعي بالضرورة الكونية لنشر الإبداع العربي بهذه الوسائل المغايرة لتراثنا المستقر، وكان لدينا أيضاً الولع الذي لا شفاء منه بالشعر في العالم. فالشعر هو أهم ما يمثله الإسهام العربي في الثقافة الإنسانية، وجدت أن في هذه التجربة ما يغري المخيلة. وكنا نعتقد أن كل ذلك يكفي.
بدأنا العمل بحماس لم يتوقف، ولكن في صعوبات مستمرة أيضاَ. وكنا وحدنا تماماً.
لقد كانت الفكرة مشوقة وممتعة بالنسبة لي، فقد كنت أصنع شيئا أحبه إلى أقصى حد.
وكان عبيدلي (الذي سميته ورشة المشاريع) يتفهم أن شخصاً قادماً من الشعر لن يتخلى عن مخيلته. فيما الواقع ليس كذلك. ثمة شعور غير معلن كان يستحوذ علينا: إن الفشل ممنوع هذه المرة. نحن القادمون من تجربة الأحلام المغدورة.
كنا معا نتبادل حمل العبء بإثبات حقنا في حرية العمل الثقافي بشروطنا، وبمعزل عن المفهوم المكرس لتبعية أي عمل عام في المجتمع العربي.
لم يكن عملنا سهلاً على الإطلاق، فقد مرت علينا لحظات مفزعة من اليأس. فكنت أحدثه عن جنة اليأس حيناً ويحرضني على جمرة الأمل دائماً.
ثم مرت جهة الشعر بعدة مراحل، وتعرضت لتطويرات مختلفة وتبلورت لدينا مفاهيم غاية في الغنى والتنوع. كنا نسعى إلى البحث عن السبل الملائمة لتطوير آلية عملنا الثقافي والشعري، مستجيباً لكل مقترحات التقنية المستجدة ومكتشفاً، آفاق البرمجيات المتسارعة التطور، في لحظة يتكشف فيها وعينا الجديد بأهمية ما يجري ابتكاره على صعيد وسائل الاتصال، وأشكال النشر الالكتروني الباهرة.
على الصعيد الشخصي، وربما بسبب علاقتي المبكرة بالكمبيوتر، رأيت في تجربة الانترنت إضافة نوعية لفعل المغامرة الإبداعية التي تستحوذ على تجربتي وعلاقتي بتقاطع الفنون.

ففي فكرة النشر الالكتروني ما يوفر للإنسان عموماً وللمبدع خصوصاً شرطين لا أفرط فيهما: الحرية والجمال.
ومن يعرف الانترنت يدرك بالضبط معنى الحرية التي اقصد، ويعرف أيضا الجماليات التي تستجيب لكل ما يدور في مخيلة المبدع. بالنسبة لي يهمني كثيراً أن أرى الشعر منشوراً بشكل جميل، فالحرية لا تكتمل إلا بالجمال.
لقد كنت أحلم بأن أرى الشعر في مكانه، ليس الشعر العربي فقط، ولكن الشعر جميعه.
فعندما تطلق النص في الانترنت فأنت تضع التجربة كاملة ودفعة واحدة والى الأبد في السياق المناسب لمادة تظل حية مثل الإنسان، بل وربما أكثر حياة منه، ذلك النص المستعد دوماً لتحدي فكرة النهاية أو الفناء، ففي الحوار حياة.
بدأت جهة الشعر بالتعريف الحي بتجربة الشعر العربي الحديث (زمنياً وفنياً). وفي نطاق رؤيتها لعلاقات التأثير الايجابية المبتادلة بين الثقافة والانترنت، وقد أسست جهة الشعر مصدراً معلوماتياً ومعرفياً عن الشعر الحديث يتيح لشتى مستويات الاهتمام التي تبدأ من القارئ العادي إلى الناقد والدارس الجامعي والشاعر، موفرة الفائدة الأدبية والعلمية والمتعة الفنية في عدد كبير من الملفات التي يمكن الاتصال بها من عدة مداخل.
لقد أصبحت جهة الشعر تتلقى الاتصال والنصوص والمساهمات من كل أنحاء العالم، كما تحولت مصدرا موثوقا للمراكز الثقافية ومعاهد الدراسات والبحوث الفردية والجامعية العربية والأجنبية. ونشأت صداقات وعلاقات واسعة مع شعراء ومترجمين من مختلف أنحاء العالم، يتعاونون مع جهة الشعر بأشكال مختلفة. وهذا ما مهد لفكرة الانتقال إلى المرحلة الجديدة التي يجري الاستعداد لها حالياً لإعلانها وإطلاق صيغتها فنياً وموضوعياً.
استطاعت جهة الشعر أن تقترح على المشهد الثقافي العربي شكلا جديدا من الاتصال بالآخر. ليس بالخطاب السياسي الإعلامي الدعائي، ولكن بالتجارب الشعرية التي تمثل الحلم والمخيلة والطموح الإنساني المبدع.
وفي السنوات الأخيرة لمست شخصياً التحول النوعي في فهم النشر الالكتروني لدي قطاع كبير من الأدباء والشعراء العرب. فبعد موقف عدم الاكتراث واللامبالاة، بل وأحياناً الاستهانة بفكرة الانترنت، أصبح الآن عدد كبير من هؤلاء من بين مستخدمي الانترنت النشطاء، وكثير منهم قد أطلق له صفحات خاصة لنشر أعماله الأدبية والشعرية.

وفي أثناء ذلك كنت أرقب تحول الدلالة الثقافية لمفهوم النشر. وتجري أيضا حوارات مختلفة لمناقشة هذه المفاهيم بين الأدباء والشعراء أنفسهم. وجميع هذه الحوارات كانت تضع تجربة جهة الشعر في محور النقاش بوصفها الاقتراح المبكر في التجربة العربية.

(8)

كل تلك الأمور والتحولات أسهمت فعلياً في توضيح وتكريس العلاقة الفعالة بين الكتابة العربية (الشعر خصوصاً) ووسائل التقنية الجديدة.
من تجربة جهة الشعر، كونها استطاعت عبر سنوات عملها أن تؤسس لرؤية فنية وثقافية واضحة ومعروفة في المشهد العام، يمكننا اختصارها في النقاط التالية:

  1. إمكانية نجاح المشروع الشخصي في حقل العمل الثقافي، وأهمية إثبات ذلك.
  2. حيوية المحافظة على استقلالية المشروع واقتراح خصوصيته، في الذائقة والإدارة.
  3. الصدور عن الأفق الكوني منذ اللحظة الأولى، وتجاوز أوهام وقيود المحلية والإقليمية التي لم تعد تناسب عصر الانترنت. والذهاب بثقة الإبداع لمشاركة العالم اكتشاف المستقبل.
  4. تطوير مفهوم التعددية اللغوية في الموقع، من فكرة النص العربي المترجم إلى اللغات الأخرى، إلى حضور النص الشعري بلغاته المتعددة وترجماته المختلفة.
  5. التعامل مع الانترنت بوصفها طريقة للاتصال الإنساني وليست وسيلة للانتشار الإعلامي.
  6. اعتماد مبدأ البحث عن المعلومة والذهاب إليها لنشرها في الموقع، وليس انتظارها.
  7. المحافظة على مستويات وقيم فنية واضحة وصارمة ورصينة.
  8. العمل على تقديم المادة بأكبر قدر ممكن من التدقيق والمراجعة مع جماليات العرض.
  9. العناية بالأجيال الجديدة وحفظ التقدير للتجارب المكرسة ودورها التأسيسي.
  10. الاهتمام بفكرة تقاطع وتداخل فنون التعبير (التشكيل كمثال) وعدم التوقف عند حدود الأنواع.
  11. العناية بالفنون البصرية كمكون أساسي في تجربة اتصال الكتابة وتحولاتها.
  12. تشجيع التجارب الشخصية في حقل النشر الالكتروني ومحاولة الاستجابة لاجتهادات التقنية في حقل الكتابة العربية.
  13. فتح المجال لأصدقاء جهة الشعر للمشاركة في تحرير بعض الملفات.
  14. تطوير مفهوم المعرفة الأدبية من أجل تفادي الفجوة التقليدية بين الشعر والمعلومة.
  15. بلورة مفهوم الشعرية بدل الشعر، والانتقال من حدود الشعر كشكل أو نوع تعبيري، إلى الشعرية كرؤية وحساسية ومغامرة تعبيرية تشمل التجارب الأرحب.

لكن،
كيف يمكننا تصور أن يقوم كل هذا المشروع على جهد فردي ؟
في السنوات الأولى كنت أعمل وحدي تماماً. وفي السنوات الأخيرة بدأ الصديق الشاعر يعقوب المحرقي يشاركني في العمل بحماس ووعي رائعين.
لكن ذلك لم يعد كافياً ولا يلبي المتطلبات الأخرى.
رهاننا الوحيد طوال الوقت على تبلور بعض الفهم والتفهم لدى من يهمه الأمر لئلا نتخلف عن المستقبل. فالشخص لا يستطيع أن يذهب إلى المستقبل وحيداً.
هذه هي الحقيقة من حيث المبدأ.
لكن الحق أن تجربة جهة الشعر ما كان لها أن تتحقق بالشكل الذي ترونه الآن لولا الصديق عبيدلي عبيدلي وفريقيّ عمله في مؤسسة النديم، كان ثمة ندماء يشاركوننا السهرة الكونية :
فريقه في مجلس إدارة النديم الذي تفهم طوال هذه السنوات فكرة دعم هذا المشروع الأدبي الشخصي بحماس يليق بالوعي الحضاري المتميز.
لذا فان تسجيل الشكر العميق لأعضاء مجلس ادراة النديم واجب أحب أن لا أتجاوزه في هذه المناسبة.
وكان هناك أيضا فريقه عبيدلي الثاني، الذي يتمثل في شابات وشباب النديم، من التقنيين الذين كانوا يشكلون تحدياً يومياً لقدرة جهة الشعر، ليس على البقاء والاستمرار فقط، ولكن خصوصاً على التطور والتميز.
كنت أتعلم معهم أشياء جديدة كل يوم، ويزداد ولعهم بالتجربة ويتصرفون باعتبار جهة الشعر مشروعهم الشخصي، فقد أصبح بعضهم جزءاً من التجربة ويدرك طبيعة الموقع ويسهم مباشرة في الاقتراح الفني .
لذلك أحب أيضاَ أن أقول بأن جهة الشعر قد تحققت بفضل هؤلاء الذين اقتنعوا معي بأن الشعر والثقافة جديران بالتقنية الحديثة بلا تردد.
لقد كنا نتعلم معاً كل يوم شيئاً جديداً، فالتجربة بالنسبة لنا كانت هي درسنا المستمر.

(9)

أخيراً.
إذا كان كل هذا الحديث عن التجربة كافياً، فإننا لم نتكلم بعد عن الصعوبات التي واجهتنا طوال هذه السنوات. وهي صعوبات تتمثل بالدرجة الأولى في مسألة الكلفة المادية التي كنا نتحملها شخصياً من دون أي دعم من أية جهة. وخصوصاً الجهات الثقافية.
وهذا بالضبط ما كان يحول دائما دون إحداث التطويرات الكبيرة.
وأستطيع الزعم بأن ما تحقق في جهة الشعر حتى الآن هو ما يشكل ثلث ما نستطيع تحقيقه، بالجهود الفردية، فما لو كنا حصلنا على الدعم اللازم مبكراً. فثمة مشاريع كثيرة تتأجل بسبب الكلفة المضاعفة.
وبسبب حرصنا على شرط استقلال الموقع، فقد تفادينا فرصاً مختلفة توفرت لدعم جهة الشعر، من خارج البحرين خصوصاً. الأمر الذي يؤكد تمسك الأصدقاء في مؤسسة النديم وتقديرهم لموقفنا من فكرة عدم قبول أية تنازلات تمسّ حرية المشروع.
ان تجربة على هذه الشاكلة، كان قدرها أن تقدم نموذجاً مغايراً لمشروع ثقافي فردي يستطيع إثبات قدرته على التحول إلى مشروع تنموي جماعي بشروط فنية وأدبية متقدمة.
جهة الشعر هي الآن، تستعد للانتقال إلى مرحلة جديدة نوعياً.
فبعد المبادرة الجادة لإدارة الثقافة والفنون بوزارة الإعلام، من خلال اقتناع الشيخة مي الخليفة والأستاذ عبدالقادر عقيل لمشروع الجهة، ومبادرة بنك البحرين والكويت بالدعم المناسب من اجل تشجيع هذا المشروع لأن يواصل عمله بالصورة التي كنا نتوقعها. نحب أن نشير أيضا إلى الأستاذ عادل محمد مطر، والأستاذ يوسف الشيراوي شاكرين لهما الدعم السنوي الذي باشرا في تقديمه مؤخرا. بعد هذا، تيسر لنا الكلام عن مستقبل الموقع ببعض الاطمئنان.
ففي هذه الأثناء رأينا، أنه من الضروري الآن صياغة الشكل المناسب لضمان مستقبل جهة الشعر، ومعالجة اعتماد المشروع على الجهد الفردي، للانتقال إلى مرحلة المشروع الجماعي.
فطرحت فكرة قديمة كنتُ سعيت للتمهيد لها قبل حوالي أربع سنوات، بأن تكون لجهة الشعر هيئة تحرير استشارية عالمية بالمعنى الأدبي للكلمة. ولكي تستكمل هذه الفكرة ونضع جهة الشعر في مسار عملي أفضل. وتوصلنا إلى فكرة تحويلها إلى جمعية ثقافية غير ربحية، يتكون لها مجلس أمناء محلي يتألف من الأطراف الداعمة وبعض أصدقاء المشروع، إضافة إلى هيئة تحرير تنفيذية والفريق الفني.

* ورقة قدمها الشاعر حول (أفق الثقافة على الانترنت.. جهة الشعر نموذجاً) بجمعية الانترنت البحرينية.