محمد علي شمس الدين
(لبنان)

أعلى الممالك

محمد علي شمس الدين . ورأيته يزن الرياح بكفهِ
ويقول : دوري ما شئتِ
إني حامل اللهب المقدس في يدي
ودمُ العصور ما زال يجري في أعنته القديمة
غاسلاً وجهي ومقتحماً جذوري
شيدت من ألمِ البنفسج
دولةً بيضاء عاَليةً
ومن لغة الطيورِ
شيدتُ مملكتي
وأسدلت الغناء على قصوري
أعلى الممالك ما يشاد على الزهورِ
لا السيف
هذي حكمتي منقوشة فوق السحاب
وفوق سارية الأثيرِ
ونظرت نحو سمائها الزرقاء
فاحتشدت نسوري في الجو
فتعال نشربْ
كي نغير ما تقادم في الزمانِ
وفي الدهورِ
من هذه الأرض التي هرمتْ
وزاحمت الكلاب على القبور
ورفعت رأسي للذي برأ الجماَلَ
وقال للأفلاكِ: دوري
وجلستُ اشرَبُ
والنجوم شواهدٌ حولي
ومملكتي سطوري

الموتُ في الحديقة

يأتي أحياناً
من صوب حديقتنا
صوتٌ يدعوني كي أسهرَ تحتَ
الأشجارْ
أغمضُ أجفاني
وأسير خفيفاً
مشدوداً بخيوط الصوتِ الناحلْ
هرُّ الظُلُمات يموءُ
فيعروني ما يشبه خوفَ الظُلُماتْ
لكنْ يُغْويني أني أدخلُ طقس
الغاباتْ
حَشَراتُ الحقل
ترتّبُ موسيقاها حولي
والماءُ
خفيفاً يعلو
حتى يغمر أجفاني
يسعى الطفلُ الأوّلُ بين يديّ
فيسبقه الطفلُ الثاني
حَسَناً.. أيّ الأطفال أنا ؟
خمسون وخمسة أعوام
تقتتلُ الآنَ ببستاني
هل أقدر أن أرتكب الأغلاط
الأولى؟
أن أسرق تفّاحاً
أنْ أقضم جذعَ النار بأسناني؟
هل أقدر أن أفتح شبّاكاً
وأسأل :
يا جارُ تعال وساعدني
تعبتْ عيناي من التحديق
بأحزاني
أستلقي فوقَ الأوراق الصفراء
فأبصر نافذةً
تُفتحُ لي بين الأغصان
سَحَبَ الليل عباءتَه
فانكشفَتْ تحت القُبّة
كلُّ الأشياءْ
وأرى، أسمعُ ما يشبهُ "جازَ الظُلُماتْ"
.........
........
ما من موت
أجملَ لي
من هذا الموت.

الوردة العميقة

خيطان من مطرٍ على شجر الكلام
خيطان من رؤيا ... لأكمل قصتي
وأعيد ترتيب العذاب كما يرام
فأنا ارتجافي خالص في الليل : هذا صاحبي أعمى
والورد أعمق ما يكون ، رأيته
في القاع مبتدأ......
...... ووجهك في الركام
وصرخت أدركني ، ولم أسمع
وظل الصوت مرتحلا كطفل ضائع في الليل....
...... حتى استوحش الراوي
وأسدل دون قصته الختام.
خيطان من حمى على جسد الكلام
هذا
ولست بناشر يأسي على أحد
غابت منازلهم وأوغل صمتها حتى الأبد
لكأنَّ أربعة من الطير انتهت في صمتها العالي
وأقفلت الزمان
لكأنَّ أربعة من الطير انطوت مثل الدخان
عبثا أهز جذوع أحزاني
وأنتظر المدد
عبثا أهز البحر .....
...... هذا البحر أبعد من يدي
وعلى الزبد
عينان مغلقتان
لا تلمسهما .....
ودع الأبد
يجري
ويجرف هذه الأسماك مثلك يا ولد
واخرِسْ عذابك للأبد.

***

يوميات الصمت

الصمت
يا مولاي
أمرتني شفتاك
حين أسافر نحوك
في موكب أسراري
بالصمت
ولهذا
فأنا أكتب أشعاري
بدم أبيض
الصمت
هل أصعبُ
في هذا الموقف
يا مولاي
من الكلمات؟
الصمت
كلّ مساء
أجلس قربك يا مولاي
أصغي للصمت
كلّ مساء
أسمع من شفتيك الساكنتين
عويل الصمت
الصمت
يا مولاي
أنت الغربال
وأنا الماء الساقط منك عليك
من يمسكني؟
الصمت
يا إسوارة هذا المعصم
لا تُطلقني
الصمت
لو كان لهذا الطائر
أن ينفذ من تحت جناحيه
فأين يطير؟
الصمت
لو كان لهذا الجبل الغافي
أن يفتح عينيه على صدغ الشمس
ويبصر صورته في المرآة
لخرّ قتيلاً
الصمت
لو تمنحني يا مولاي
هدوء قصيدتك الأولى
الصمت
أتخبئني بين الحرفين؟
(10) الصمت
تصحو لأنام
أصحو لتنام
من يوصلني؟


إقرأ أيضاً:-