إلى محمد القاسمي
من جاءَ بالأحْجارِ
شَخصٌ كانَ يسألُني ولكنْ لاَ أراهُ
سَواءْ
أكانَ الوقتُ فَجْراً أمْ هُوَ
القيظُ الذي ما زِلتُ
أذْكرُ كانَ يترُكني أفضِّلُ نحْتَ أحْجارٍ
بأزميل ومِطْرقةٍ
أقيسُ الحَجْمَ بالأَنْفاسِ
أبْقي واقفاً
في
الصّمتْ
يعُودُ الشَّخصُ في وقْتٍ قريبٍ منْ يدي
ليْسَ الصَّباحُ هوَ الصَّباحُ
ولاَ المساءُ أَخُ
المساءْ
عطشٌ يدِي
حتى الجَفافُ كثافةٌ أخْري
جِدارٌ يرتدِي ألْوانَ
خَوْفٍ بينَنا
ألَمٌ يجدِّدُ ما قطعْتُ مسافةٌ
فيهَا بياضُ اللاَّبدايةِ صنْوُ أقْصي اللاَّنهايةِ
أوْ
هجِيرٌ تحتَ أوْراقٍ نِداءٌ
يخْتفِي
وأنَا
أشُدُّ يدِي علَي الأزميل
أضْغطُ كيْ يُضِيفَ
اللّيلُ
شيْئاً من حُداءِ قَوافلٍ
عندَ العُبورِ
ومِنْ ندَي نخْلٍ
إلَي أُفُقي
سقُوفُ الليلِ أَرْفضُ أنْ أُسمِّيها
وفي كفِّي
نَهارٌ واحدٌ مُتعدِّدٌ
يسَعُ الوُقُوفَ علي حوافِّ
الخَوْفِ
كيفَ الرِّيحُ أجْعلُها تسيرُ معي
إلَي بابٍ ومنْ
بابٍ إلَي حوْضِ السَّديمْ
مُسْتَأْنِفاً عَملاً بطيئاً
يُوقِدُ النَّحَّاتُ من جَنباتهَا
قِطَعَ الحِجارةِ
وهْوَ يعْلمُ أنَّهُ يغزُو الفَناءَ بنَشْوةِ التَّكْوينِ
يتْبعُ ما تُقدِّمهُ يداهُ إلَي الحِجارةِ
فِدْيةً
بغَريزةِ الأعمى يُواصلُ بحْثَهُ عَن الثُّقبِ التي
حتماً يؤكدُهَا تَنامي الضَّوءْ
لا أُريدُ نهايةً
واوٌ
لمرْكزِكَ الخفِيِّ
لِنُقْطةٍ
أسْعى ضائِعاً بِمَضاءِ شُعْلتها
بيْنَ الحُدُودْ
أشُدُ يدِي علَي الأزميل
تلْمعُ قِمَّةٌ كالرِّيحِ
أسْمعُها تهُزُّ أصابعي رجّاً
كمَا لوْ أنَّها صَفْصافةٌ في أرْضهَا
مهْجورةٌ
جُهْدٌ أُضَاعفهُ
أمامِيَ شبْهُ نافذَةٍ
(لأنَّ القوْسَ ينْقُصُها تماماً)
عنْدمَا حدَّقتُ لمْ أُبْصرْ سوَي
حُفَرٍ
علَي صَدْري تُغيِّرُ شكْلَها
جُهْدُ الشّساعةِ أنْ يُرافِقَ واحِدٌ منَّا
غَريباً
في الإقَامةِ والرَّحيلِ معاً
تَخلَّي عنْ كلامِ الذِّكرياتِ
وعندَ امْتدَادِ البرْدِ
لاَ يقْوَي علي ضيْقٍ
لهُ تَحتُ
انْفِجارُ يديْهْ
ولكَ اخْتراقُ الحَرِّ
في يوْمٍ
يدُلُّ علي الحِدَادِ ولا دليلَ إليْكَ
تنْحَتُ قِطعةَ الحَجرِ التي
آويْتَ
منْ صَخَبٍ
هناكَ الوقتُ يُورقُ
قِطعةٌ
زرقاءُ تَبْحثُ عنْ توازُنهَا
تُحرِّرُها منَ الثِّقَلِ
القَديمِ وأنتَ تَضْحكُ خُذْ منَ الأنْفاسِ ما يكْفي
مساءُ اليوْمِ
أبْعدُ
والهواءُ بُحيرةُ أغنياتٍ لنْ تَفكَّ رُموزَهَا
سأجْعلُ الطَّرَقاتِ أبْطأَ قالتِ
اليدُ
لِلْيدينِ لقاءُ ما ينْسلُّ
مِنْ عدَمٍ
سأجْعلُهَا تَغورُ بِشُعْلةِ
لا أَنتَ تُدْركُهَا
ولاَ أحدٌ
فقطْ
هذَا المساءُ يفضِّئُ
الأَلمَ انْتبَهتُ
لعلَّنِي أجْري وراءَ الشَّمسِ أجْري قبل أن يَرْمي
الغُروبُ هدوءَهُ فوق انعكاس الضوءِ
في عينيْن تمتلئان بالسحُبِ التي وعَد النهارُ
بهَا المُشاةْ
قِطََعُ الحِجارةِ ماثلاتٌ
في غُموضِ الشَّكلِ
هلْ هيَ أكْبرُ هلْ فراغٌ مَا
يُضيءُ تبدُّداً كنتُ انْحَنيْتُ لأَخْتلي
بالصَّمْتِ
كنتُ وضعْتُ غُرَّافاً لأقْرأَ خلْفَ ما كتَبوا
عُبورَكَ
والمسافةُ هدَّمتْ أسْوارهَا
تفِدُ الظِّلالُ منَ الحِجارةِ
هَا أنَا في الصَّمتِ
أنْحتُ قطْعةً تدْنُو منَ الموْتِ
الذِي إعْصارُهُ خرَسٌ
يُحيطُ بنَا
كأنَّ الوجْهَ
يرْحلُ منْ ذُري ألَمٍ
إلَي صحْراءَ كنتَ عبرْتَها منْ قبلُ عاريةٌ
هيَ الكلِمات
عاريةٌ
أَوْ كُلَّما فَسُدتْ سماءٌ كُلَّما
انْفصلتْ رغائبُ عنْ
مَعارجِ حُلْمها
مُتوحِّداً
تمْضي إلَي حيْثُ الغريبُ يري
تجلِّي نَفْسِهِ في
نفْسهِ
لُغةٌ تُصيبُ يداً
يدُ النَّحّاتِ
واقفةٌ
وراءَ البابِ ألويةٌ تمدُّ خطوطَها
في البحْرِ
رائحةُ الصخورِ تهبُّ
سيّدةُ اللهيبْ.
بوردو في 29 أكتوبر 2003
القدس العربي
2005/12/01