جودت فخر الدين
(لبنان)

1

مرثية النهرعالمُ،
ليس ينفعهُ أن يموت بِحسرةِ أنهارهِ،
عالمٌ،
ليس ينفعهُ أن يعيش على نفحةٍ من رؤى الأمسِ،
أو نفحةٍ من رؤى الغيْبِ،
ليس لهُ أن يموتَ ولا أن يعيشَ،
يُكبِّلهُ ضيقهُ،
وانكشاف الفضاء الذي يتمائب ويطغى.
كأنَّ ثقوبَ قبورٌ لعالمنا المُحتضِرْ.
عالمٌ يتهاوى
يرى بعيونٍ زجاجيةٍ،
لا يهيمُ، ولا ينتظِرْ.
عالمٌ يتطلَّعُ مثلَ الأسيرِ،
يُحدِّقُ نحو البعيدِ،
ولكنّه قاصرُ الطَّرفِ في ذاتهِ.
عالمٌ،
تتسلَّحُ فيه الوحوشُ،
وينطلقُ الأنبياءُ جميعاً لأعمالهمْ.
ليس إذّاك إلا السجونُ التي
تتحرَّكُ كالنُّطفِ الأبديَّةِ،
يخرجُ منها البشَرْ
يدخلُ فيها البشَرْ.

2

عالمٌ،
ليس ينفعُهُ أن يموتَ بِحسرةِ أنهارهِ،
صَدرُهُ ضيِّقٌ
والمياهُ التي غَسَلتهُ طويلاً، تضيقُ بهِ،
تتلاشى على صدرهِ،
تتبخَّرُ في لُجَجٍ من لُهاثٍ،
هو العصرُ يطفو على لُجّةٍ من دخانْ.
حرائقُ تلتهمُ النهرَ،
تسري على جبهةِ الأرضِ،
تُطفئُ وجهَ الزمانْ.
حاضِرٌ لسَعَتهُ الشموسُ الخفيّةُ،
فاستعرتْ فيه نيرانُ بغيٍ،
تمشَّت سُموم بأوصالهِ،
ها هو الآن نهبٌ لنزوته العاتية.
حاضرٌ يتبرَّجُ في جهةٍ،
يتضوَّرُ في جهةٍ،
حاضرٌ يتلألأُ حيناً،
ويلفظُ أنفاسهُ كلَّ حينٍ.
حرائقُ تلتهمُ السَّهلَ،
والقفرَ، والقِمَمَ العالية.
حاضرٌ هائجٌ ومريضٌ،
وليس لهُ من زمامٍ،
هو التبغيُ يرسُمُ وجهَ الضحيّةْ.
على حاضرٍ لسَعَتهُ الشموسُ الخفيّة.

3

عالمٌ،
ليس ينفعُهُ أن يعيش على نفحةٍ من رؤى الأمسِ،
أو نفحةٍ من رؤى الغيْبِ،
لا يستحقُّ خرافاتهِ.
عالمٌ،
يتخبَّطُ في وهج طفرتهِ العارِمةْ.
يستبِدُّ بأيامهِ،
ويَهيجُ عنيفاً بها،
فيُبدِّدُها مِزَقاً عائمةْ.
عالمٌ جانحٌ ومريضٌ.
يَهيجُ فينقبِضُ النهرُ،
تنقبِضُ اللغةُ الواهِمهْ.
عالمٌ أظلَمَ الوهمُ فيهِ،
تقلَّص وجهُ الصحارى، ووجهُ المحيطاتِ،
والخوفُ ألَّف بين الجهاتِ،
ففي كلِّ جوّ لهُ شُهُبٌ حائمهْ.
عالمٌ يستبدُّ، يهيجُ، ولا يستحقُّ خرافاتهِ،
يتلهَّفُ مثلَ الأسيرِ،
ويشهقُ في ليلِ وحشيتهِ الجاثمهْ.

4

عالمٌ،
يتهاوى على نفسهِ،
عالمٌ،
ليس ينفعُهُ أن يموت بحسرةِ أنهارهِ،
عالمٌ،
ليس ينفعُهُ أن يموت ولا أن يعيشْ.


إقرأ أيضاً: