شوقي بزيع
(لبنان)

شوقي بزيعلا تصح العبارة الشائعة “كل ترجمة خيانة” كما تصح على الشعر. فإذا كان نقل الأثر الأدبي النثري من لغة الى لغة يفقده الكثير من توهجه ونبضه وجرسه الاصلي فإن الخسارة مع الشعر تكون أكثر فظاعة وجسامة لكون هذا الأخير متصلا بروح اللغة الأم وحساسيتها ونسقها البنيوي فالترجمة قد تفلح في نقل معاني المفردات والجمل والصور المختلفة ولكنها تعجز عن نقل الخصوصيات الكثيرة المتعلقة بالمفاهيم والخلفيات والكتابات والظلال والاستخدامات المجازية التي تختلف بين لغة وأخرى كما بين شعب وآخر. وتعجز ايضا عن نقل تلك الطاقة الحية المشحونة بالزفرات الوجدانية والتوتر الداخلي أو عن نقل الترجيحات الصوتية الناجمة عن نظام التجاور بين الحروف والمفردات والجمل المختلفة.

إلا ان كل ذلك لا يقودنا بالطبع الى العزوف عن ترجمة الشعر ما دامت الترجمة هي السبيل الوحيد للاطلاع على ابداعات الآخرين ومنجزاتهم الأدبية والشعرية وما دام أي مثقف من المثقفين لا يستطيع مهما أوتي من موهبة وكد ان يلم بكافة لغات العالم الحية. ولما كانت الترجمة ضرورة لابد منها فإن ما نستطيع فعله في هذا الصدد هو التقليل من الاضرار المصاحبة لها عن طريق رعايتها وتعهدها من قبل الدول والمؤسسات من جهة وعن طريق وضعها في عهدة المختصين واصحاب الكفاءة والموهبة من جهة أخرى. لكن ما يؤسف له ان ترى في “سوق” الطباعة كميات هائلة من الاعمال والدواوين الشعرية التي تتم ترجمتها على عجل لدواع صحفية ومعيشية معروفة ثم ما تلبث ان تأخذ طريقها الى النشر من دون أي مراجعة أو تفحص من أحد. قد يكون وضع الترجمات الروائية وغيرها ليس أفضل حالا من وضع الشعر إلا ان الفجوة بين اللغة الاصلية واللغة المترجم اليها تكون في فنون النثر أقل مما هي عليه بالنسبة الى الشعر. وقد يستطيع اختصاصي أو مهتم عن طريق الجهد والدأب والرغبة، ان يفلح في ترجمة الرواية أو البحث الأدبي لكنني اميل الى الظن بعد ما شاهدته وتلمسته من فظائع وحماقات في مجال الترجمة الشعرية ان الشعراء الحقيقيين هم الاقدر على القيام بهذه المجازفة الخطيرة والصعبة. ذلك أنهم لا يرون الى النص بوصفه مجموعة متجاورة من المفردات والجمل بل بوصفه بؤرة متماسكة تشع من الداخل وتمتلك اسرارها الخاصة التي لا يستطيع سبر غورها الا من اوتيت له ملكة الشعر وقوة الموهبة، أو من استطاع ان يحاذي الشعراء انفسهم برهافة حسه وسلامة ذائقته وادراكه.

تستوقفنا في هذا الاطار، وعلى سبيل المثال لا الحصر، الترجمتان اللتان قام بهما كل من الشاعر اللبناني ميشال سليمان والناقد اللبناني محمد عيتاني لعملين من الأعمال المميزة لشاعر تشيلي الشهير بابلو نيرودا، فالقارئ للترجمتين لا بد وان تستوقفه بشكل سريع الفوارق الكبيرة في التقاط اشارات الشعر وايماءاته وفي الرهافة التعبيرية وطريقة نقل المعنى وصوغ الجمل. فديوان “سيف اللهب” الذي نقله سليمان الى العربية قبل أكثر من ثلث قرن يبدو لشدة نضارته وفوران لغته ورشاقة عباراته وكأنه مكتوب باللغة الأم نفسها بحيث يصاب القارئ بشعرية نيرودا وعدوى ابداعه المتفرد منذ ان يقرأ في الصفحات الاولى مقاطع من مثل: “روزي العارية خلال الزرع المتشابك/تفتحت ليدخلها رودو/وسمع للأرض حشرجة أو هزيم رعد/وحيا النهر العاصف القمر/سلالتان متعارضتان اندمجتا”، لكننا لا نرى الأمر نفسه عن ناقد وكاتب جاد من وزن محمد عيتاني. ليس لحقه في المسؤولية أو جهل في الثقافة ومعرفة اللغة بل لأن افتقاره الى “لهب” الشعر قلل الى حد بعيد من الطبيعة المحمومة والعاصفة لكتاب نيرودا “مائة قصيدة حب” من دون ان يحجبها تماما. ولعل تجربة أدونيس في ترجمة سان جون بيرس هي دليل آخر ساطع على جدارة الشعراء في التصدي لترجمة نظرائهم مهما حملت تجاربهم من غموض.

قد تكون ترجمة احمد رامي لعمر الخيام استثناء نادرا في هذا المجال. لكن ما فعله رامي في الرباعيات كان اقرب الى التناص والاستيحاء منه الى الترجمة الصرفة بحيث بدا النص الثاني لشدة تلقائيته وسبكه موضوعا باللغة الأم لا منقولا عن لغة أخرى، الا ان هذه الترجمة هي الاستثناء الذي لا ينسف القاعدة، فضلا عما لها من خصوصية استثنائية. ففي كل ترجمة موزونة قدر من الافتعال والتعسف لا بد وان يفضي الى الحاق افدح الاضرار بالنص الأصلي، وهو ما دفع شاعرا كناظم حكمت الى لوم مترجمه الى الروسية الموزونة ومعاتبته بمرارة قائلا: “انني لست راضيا عن ترجماتك تلك، فأنت تكثر من الغوص وراء القوافي بحثا عن الاشكال الشعرية، لتتحول ترجماتك لقصائدي الى اشعار جميلة غير انها بذلك تخرج عن ان تكون مؤلفاتي وحدي”.

الخليج الثقافي
27 -01- 2007