شوقي بزيع
(لبنان)

شوقي بزيعالرؤية إلى الكتابة والفن بصفتهما أداةً فريدة لمقارعة الموت ومنازلته، أو الالتفاف عليه في أسوأ الحسابات، باتت واحدة من الرؤى الشائعة والمستهلكة إلى أبعد الحدود. فمنذ ملحمة جلجامش ونقوش السومريين ومسلات الفراعنة وأهراماتهم وحتى يومنا هذا لا يزال الحديث نفسه يدور حول اعتبار الفن السلاح الأمضى الذي يملكه الإنسان للدفاع عن بقائه ولحماية نفسه من الاندثار. ومع ذلك، فإن الالتباس الأهم الذي يحتاج إلى توضيح ليس ذلك المتصل بالعلاقة بين الفن والموت بل المتصل بالعلاقة بين الفن والفنان نفسه ما دام الاثنان ليسا واحداً وما دامت لكل منهما حياته الخاصة به. ولعل هذا الالتباس يبرز جلياً في صرخة محمود درويش الشهيرة "هزمتك يا موت الفنون جميعها" التي استطاعت أن تجد لنفسها موقعاً مميزاً وراسخاً في أذهان القراء الذين تأملوا بعمق مغزى هذه الصرخة في "جدارية" درويش التي كتبها الشاعر إثر تجربته القاسية مع المرض ونجاته بأعجوبة من فخ الموت المتربص.

كان من الواضح ان محمود درويش أراد من خلال بيته الذي تحول إلى ما يشبه الحكمة الشائعة ان يفتش عن "كعب أخيل" الذي يمكن من خلاله أن يسدد سهمه القاتل باتجاه الموت، حيث الفن وحده هو القادر على أن يوفر للإنسان فرصة النجاة أو التسلل باتجاه الخلود. ومع ذلك فليست الضرورة الوزنية وحدها هي التي دفعت صاحب "الجدارية" إلى القول "هزمتك يا موت الفنون جميعها" بدلاً من قوله "هزمك يا موت الفنانون جميعهم". ذلك ان نجاة الفن بجلده من المذبحة لا تعني أبداً نجاة الفنان نفسه لأن الاثنين ليسا واحداً بأي حال. وإذا كان ثمة من تماهٍ بين الطرفين فهو تماهٍ عابر ورمزي لا يلبث أن يتصدع أمام الحقيقة. فالابن ما إن يخرج من رحم الأم، ومن نطفة الأب قبل ذلك، حتى تصبح له حياته الخاصة التي لا تلزمه بمصائر أبويه ولا تجعل حياته وموته مرهونين بحياة الأبوين وموتهما. وفرضية خلود الابن لا تنسحب مطلقاً على أحد غير ذاته. هكذا يمكن العمل الفني أن ينجو من التهلكة، لكن ذلك لا ينسحب على صانعه حتى لو حاول هذا الأخير أن يبحث عن عزاء ملائم لانتشال نفسه من وهدة اليأس.

لقد عبَّر بدر شاكر السياب بوضوح بالغ عن الالتباس القائم بين الكاتب والكتاب أو بين الشاعر وديوان شعره حيث يذهب كل منهما في اتجاه ويبني لنفسه حياة مستقلة عن الآخر. واللافت في الأمر ان القصيدة التي خاطب بها السياب ديوان شعره هي من قصائده الأولى التي، على رغم مأساوية موضوعها، لا نرى فيها ذلك المناخ السوداوي القائم الذي يطغى على الكثير من قصائد السياب المتأخرة. فالشاعر الذي لم يكن قد تقدم في السن ولم يكن قد أصيب بالمرض بعدما أحس بالغيرة من ديوانه الشعري بعد أن تناهى إليه أن صبايا كثيرات يقرأنه في مخادعهن ويخبئنه تحت وسائدهن فيما لم يستطع، هو المؤلف المفتقر إلى المال والوسامة، أن يحظى بصبية واحدة تبادله أو تشاطره الحب. هكذا لم يملك السياب سوى أن يصرخ: "يا ليتني أصبحت ديواني؟ لأفر من صدرٍ إلى ثان". لكنه لا يلبث في نهاية المقطع ان ينتقل من ضمير الغائب إلى ضمير المخاطب وأن يرفع وتيرة نبرته من الشكوى الطريفة والمحببة إلى التساؤل الوجودي العميق، مخاطباً ديوانه بالقول: "ألك الكؤوس ولي ثمالتها؟ ولك الخلود وإنني فانِ". ولعل الشطر الأخير من البيت هو الاشارة الأبلغ دلالة إلى تباين المصائر بين المؤلف (بكسر اللام) والمؤلف (بفتحها) والى أن الحياة التي يختطها الثاني لنفسه لا تتصل بحياة الأول سوى بالاسم وحده.

ليست نظرية موت المؤلف أو الكاتب بعيدة عن الصحة اذاً. فالكتاب ما إن يأخذ طريقه إلى النشر حتى يصبح في عهدة حياة أخرى تتغذى من مادة الكلمات نفسها وتتطلب افتراقاً كاملاً عن ذلك الذي صنعها والذي يجب أن يتوارى تماماً عن المشهد. والكتابة التي تكون أثناء صناعتها فعل حياة متوهجة وفورانات لا تهدأ تحوّل الكاتب لدى الانتهاء منها إلى ما يشبه "البطارية" الفارغة أو الأشلاء المهدمة التي فارقتها الروح. وهي بخروجها من عهدة صانعها لا تترك له بعد ما يفعله سوى الوقوف عاجزاً أمام الطلقة التي نجمت عن ضغطه الإرادي على زناد اللغة والتي لن يستطيع ان يستعيدها مرة ثانية على الإطلاق. وفيما تحدد الطلقة بنفسها مسار حياتها وموتها المستقل يقف مطلقها خاوياً وعاجزاً عن فعل أي شيء سوى الإنصات إلى المساحة الشاغرة التي يتقدم الموت لاحتلالها في غياب النص الناجز. لهذا لا يستطيع الكثير من الشعراء والكتّاب أن يعيدوا قراءة الكتب والدواوين التي كتبوها بمجرد خروجها من المطبعة، كما لو ان كل كتاب ناجز هو موت جزئي أو تنازل عن قسم من الحياة يتعذر استرداده.

في الكتابة والفن الاسم وحده هو الذي يمكن أن ينجو ولكن شرط تلك النجاة هلاك المسمى وتواريه في شكل كامل. هذا ما يخطر لي وأنا أتجول في مكتبة بيتي وسط آلاف الكتب التي لا يظهر منها سوى عناوينها وأسماء مؤلفيها. لا تضم تلك الأسماء فقط أولئك الذين قضوا منذ آلاف السنين أو مئاتها بل تضم أصدقاء فقدتهم قبل سنوات معدودة وآخرين لا يزالون حتى الآن على قيد الحياة. لكن تراصف أسمائهم داخل المكتبة وفوق رفوفها المتجاورة يجعلهم متساوين في خانة الزمن أو مقام الغياب. ان أياً منهم لا يحضر بصفته الشخصية ولا تحيلني مؤلفاته إلى وجه أو إلى سلوك أو إلى لحم ودم بل إلى نص مجرد أو لغة محض أو أسلوب بعينه. هكذا تتحول المكتبة إلى غابة هائلة من الأسماء التي لا تختزل أصحابها فحسب بل تجد في استبعادهم الكامل شرطها الأساس لكي تتمكن من الاحتكام إلى النص المجرد. كل مكتبة بهذا المعنى هي شكل من أشكال المقبرة وكل كتاب هو شاهدة على قبر صاحبه.

وفيما رأى بورخيس ان العالم ما هو إلا مكتبة كبيرة لا يملك المتأخرون سوى إعادة كتابتها مرة اثر أخرى, فإن سارتر في كتاب سيرته لم ير في تلك المكتبة سوى شاهد جديد على مأسوية التمزق بين اقتراف الحياة وبين الكتابة عنها. لقد هاله وهو يتجول في أرجاء مكتبته الواسعة أن رأى حيوات هائلة وعظيمة من وزن هوميروس أو دانتي أو شكسبير وقد تحولت إلى مجرد مجلدات داكنة وشبه بالية ومجللة فوق كل ذلك بالغبار المتراكم. وهاله أكثر من كل ذلك ان يرى في أولئك الكتّاب الغابرين صورة ما سيصير إليه في المستقبل، أي بضعة مجلدات باردة ومنخورة بالرطوبة في زوايا المكتبات. وهاله أن يكون الثمن الذي يدفعه الإنسان من أجل الوصول إلى نهاية حزينة كهذه فادحاً إلى هذا الحد. وفي كتاب "عبدالله" لأنطون غطاس كرم تتحول المكتبة في "فصل الكتب الميتة" إلى محطة مهمة من المحطات التي يقطعها بطله عبدالله على طريق البحث عن الحقيقة. لكن عبدالله لا يلبث أن يرى ان تلك الكتب "قد تجمدت فوق رفوف مكتبته وأدارت ظهرها للزمان" يكفِّنها غبار الزوال وتقرضها الحشرات الصغيرة ويلفها السكون الممض لأولئك الذين أنفقوا في سبيلها حيوات حقيقية لن تتوافر لهم من جديد.

كأن تلك الأسماء الغزيرة التي نتصفحها بأعيننا كلما وقفنا أمام مكتباتنا هي كل ما تؤول إليه المسميات في بحثها المتكرر عن فكرة الخلود السقيمة. كل منا يبحث على طريقته عن اسم سوى اسمه المعطى يضيء له ولو لبرهة صغيرة تلك الظلمة اللانهائية المفضية إلى العدم. وحين وضع أدونيس لإحدى أبرز قصائده عنوان "هذا هو اسمي" كان يدرك تمام الإدراك ان القربان الذي ينبغي أن يقدمه الشاعر الحقيقي للنجاة باسمه ليس أقل من جسد المسمى وروحه الكاملين.

الحياة
2005/03/27