عمر شبانة
(الأردن/ الإمارات)

(ناصر مؤنس- العراق)يترافق اختيار الخرطوم عاصمة للثقافة العربية للعام 2005 مع الذكرى التاسعة والأربعين لاستقلال السودان، ويبدو أن السودان سيشهد على مدار عام كامل فعاليات ثقافية وفنية، تشارك فيها شرائح المجتمع السوداني كلها، أو هذا ما نتمناه، إذ لا يجوز استثناء فئة أو قطاع أو ولاية ما من هذه التظاهرة التي ينبغي أن تشكل مناسبة للم شمل السودانيين جميعا. وفى هذه المناسبة نحاول أن نطل على ملامح المشهد الثقافي في السودان، وهو مشهد غنى بثقافات الشعوب والقبائل التي تشكل المجتمع السوداني الحديث، بولاياته الست والعشرين. نطل على هذا المشهد متوقفين ابتداء من تنوع الأعراق والقبائل والديانات، ومؤكدين أنه رغم حساسية طغيان الثقافة العربية، في بلد يضم أعراقا مختلفة، فإن الكثيرين يرون أن ذلك لكون هذه الثقافة ظلت على مدى قرون هي السائدة والمسيطرة، وأن اللغة العربية هي لغة التخاطب الوحيدة والمفهومة في ولايات السودان كلها، كما أصبحت هي وسيلة التعبير عن ثقافات العديد من تلك الأعراق والقبائل. لكن هناك من يرى أن ثمة ثقافات ليست عربية ولا إسلامية، وهذه ينبغي تمثيلها في كل ما يتعلق بثقافة السودان، إذ يتحدث البعض عن ملامح ومعالم ثقافة إفريقانية متميزة، ولا يجوز اقتصار عنوان التظاهرة على كونها عربية، ويقترح هذا البعض عنوان "الخرطوم عاصمة للثقافة العربية والإفريقية". في حين يصر البعض الثالث على أن العروبية والإفريقية في السودان الشمالي قد تم التمازج بينهما بحيث أصبح من المستحيل التفريق بين ما هو عروبة وما هو افريقانى حتى ولو من باب التجريدات الواضحة في وجهات النظر. وان الغالبية العظمى من السكان في السودان الوسط والشمالي يشعرون بأنهم عروبيون وافريقانيون بالدرجة نفسها ومن دون إحساس بالتوتر أو التناقض.

هذه هي الصورة الأولية التي يخرج بها من تابع الجدل حول عنوان التظاهرة السودانية، ولا نريد التوقف عند هذه المسألة كثيراً، فهي شأن شديد التعقيد لما تنطوي عليه الثقافات السودانية من تعدد وتشابك في العلاقات قد لا يدركه سوى من يطل عليه من الداخل، لكن ثمة أسئلة تتعلق بالثقافات السودانية لا يعرف الإجابة عنها سوى أهلها، وبعض هذه الأسئلة يتعلق باللغة الأساسية التي تكتب بها الآداب والفنون المختلفة في السودان، وما اللغات الأخرى التي يمكن أن نجد بها أدبا أو ثقافة سودانية؟ وما سمات الثقافة التي ترفض أن توسم بأنها عربية، وبأي لغة تكتب؟ وما حجم المبدعين والمثقفين غير العرب في السودان؟ وهل يمكن القول إن ثمة صراعا بين ما هو عربي وما هو غير عربي؟

غياب عن الإعلام

لنترك هذه المسائل المختلف عليها، وندلف إلى تفاصيل المشهد الثقافي السوداني كما نراه بعيون سودانية وعربية. فالمشهد غنى رغم غياب الكثير من تفاصيله وملامحه عن الإعلام العربي ومن ثم عن المتلقي العربي. فما الذي يحدد هذا المشهد ويصنع حراكه؟ ماذا نجد في تفاصيل المشهد الشعري بعد الفيتورى مثلا؟ وماذا عن القصة والرواية بعد الطيب صالح؟ وما الذي نجده في مشهد التشكيل بعد محمد خليل عمر الذي يعيش في أمريكا منذ سنوات طويلة؟ وماذا في المسرح وفى السينما وسواهما؟ قد لا نستطيع الإلمام بالمشهد كله، لكننا سنحاول التقاط أبرز تفاصيله وملامحه.

الملحوظ لمن يتابع تفاصيل المشهد من خلال بعض ما يكتب عنه، أن هذا المشهد الغنى يكاد يكون غائبا تماما عن وسائل الإعلام العربية. ومثلما هو الكتاب المطبوع في السودان غائب عن القارئ العربي، فالفنان التشكيلي الذي لم يخرج خارج السودان يظل مجهولا هنا في عالمنا العربي، وكذلك بالنسبة إلى باقي عناصر المشهد. وفى هذا الصدد يقول الشاعر صلاح دهب فضل نحن نفتقد إلى الاتصال بالعرب في كل المجالات وليس في مجال الإبداع فقط، أما مسألة الأدب السوداني وغيابه عن الميديا العربية، فمثلما لم يخرج أدبنا للعرب فهو أيضاً لم يخرج للأفارقة، كما أشير إلى ان المؤسسة الثقافية التي ترعى الفنون والآداب وتعمل على دعمها وتطويرها ونشرها غير موجودة في السودان ، ويضيف إن أكبر نقطة ضعف في السودان هي عدم وجود تراث مكتوب عن الفكر السوداني عبر كل الحضارات التي عاشها السودان. فلا بد من العمل على قيام مؤسسة ثقافية تعنى بهذا الأمر، فلماذا لا نفكر في قيام وتأسيس مؤسسة خاصة لرعاية الآداب والفنون؟ .

بدايات وملامح أساسية

يعود الأدب السوداني في جذوره التاريخية، كما يقول الكاتب السوداني عبد الماجد عبد الرحمن، إلى ممالك النوبة القديمة في مروى في القرن الثامن قبل الميلاد. وهذا التاريخ العريض الممتد مكّن، كما يؤكد الكاتب نفسه، الحركة الأدبية والثقافية الحديثة التي نشأت منذ عشرينات أو ثلاثينات القرن المنصرم من أن تكون لها نكهتها الخاصة وملمسها المميز عبر استلهام مراحل تاريخية متعددة "مثلاً ظهور حركة "أباداماك" - وهو أحد رموز النوبة العظام - في وقت ما أواخر الستينات" ومن أبرز رموز حركة أباداماك عبد الله على إبراهيم والشاعر على عبد القيوم صاحب "الخيل والحواجز" وصلاح يوسف مختار عجوبة. وفى ما يخص بدايات الشعر السوداني في القرن العشرين يضيف الكاتب شهدت الثلاثينات بروز أحد أعلام الشعر العربي الحديث الشاعر التجانى يوسف بشير، الذي رغم أن الموت غيبه باكراً وهو لما يتجاوز الخامسة والعشرين، فهو يعد محطة مهمة في مسيرة الشعر السوداني. والتجاني، بحسب عبد الرحمن، صاحب ثقافة صوفية عميقة وصاحب رؤى وأداء شعري خاص، وشكل شعره قفزة هائلة وقتذاك "ديوان "إشراقة"". كما أن الثلاثينات من القرن العشرين شهدت أيضاً بروز معاوية محمد نور الذي كان ينشر مقالاته النقدية القومية في الصحف المصرية من أمثال: "الرسالة" و"السياسة الأسبوعية". لكنه مات مبكرا أيضا، فرثاه العقاد وقال عنه لو عاش معاوية لكان نجماً مفرداً في الفكر العربي .

وفى واقع الحال، ثمة مظاهر حداثة متقدمة في الشعر السوداني، حتى إن بعض المثقفين السودانيين يعتبرون أن حركة التفعيلة والشعر الحر المؤرخ لها رسمياً العام 1947 مع نازك الملائكة والسياب، كانت نشأت أولاً في السودان وقبل ذلك التاريخ. فالشاعر عبد الله الطيب كتب قصيدة حرة في العام 1946 وعنوانها "الكأس التي تحطمت"، قبل أن يعود مجدداً إلى الإطار الخليلي التقليدي ويرتد عن الشعر الحر. وعرف أيضاً الشاعران محمد المهدي المجذوب ومحمد أحمد محجوب بنزوعهما إلى التجديد. على أن الحداثة حركة قديمة ومستمرة. وفى السودان الآن كوكبة من الشعراء الشبان الذين يكتبون بحساسية إبداعية عالية وملمح لغوى شديد الخصوصية والبهاء. ومن هؤلاء، تمثيلاً لا حصراً، محجوب كبلٌّو والصادق الرضى وعصام رجب وفتحي بحيرى ونصار الحاج ومحمد الحاج ونجلاء عثمان التوم وهاشم مرغني وعاطف خيري وهالة عبد الله خليل. ومن الملامح الأساسية للشعر السوداني، كما يراها أبو بكر الصديق الشريف، أنه يضم قدرا كبيرا من التنوع، فثمة الغنائية الشجية، وهناك من الشعراء من يغترف من موروث القصص الشعبي بأبعاده الميثولوجية، إلى من يهتمون بطبيعة المكان الموزعة ما بين صحراء قاحلة أقصى الشمال، وغابات مطيرة في الجنوب، وينعكس هذا كله على القاموس الشعري للشعراء السودانيين. كما يشير الشريف إلى الأثر البالغ لطبيعة البداوة والترحال، في تعميق التجربة الشعرية السودانية، باعتبار أن الشعر هو الوعاء المفضل لحفظ المآثر، وبالتالي فإن المدارس الشعرية واتجاهاتها، ألمحت إلى ذلك، حيث حملت أسماء من نوع "الغابة والصحراء"، و"أبادماك" أي الإله الأسد في مملكة مروى الفرعونية، تعبيرا عن انحياز الانتلجنسيا اليسارية المبدعة، للمادية التاريخية السودانية وموروثها الحضاري.

في الغابة والصحراء

من المحطات المهمة في تاريخ الأدب السوداني الحديث، هناك إشارات عدة إلى تيار شعري برز في أواسط الستينات سمى نفسه "الغابة والصحراء". ويعكس الاسم، كما يقول عبد الرحمن انشغال هذا التيار بموضوع صوغ الهوية السودانية أدبياً من خلال استحضار عنصريها المركزيين: العروبة والإفريقانية . ويعد ديوان الشاعر محمد عبد الحي "العودة إلى سنار" بمثابة القانون الأساس لهذه المدرسة. وعبد الحي الذي رحل في خريف 1989 شاعر مجدد وصاحب رموز عميقة ولغة وأداء متميز وهو بحق أحد أهم المحطات الشعرية في السودان. من أعماله أيضاً: "معلقة الإشارات" و"السمندل يغني" و"الله في زمن العنف" و"حديقة الورد الأخيرة". ومن رموز "الغابة والصحراء" الآخرين نجد الشاعر النور عثمان أبكر، صاحب "صحو الكلمات المنسية" و"غناء للعشب والزهرة" و"النهر ليس كالسحب"، وهو أحد الذين أسسوا مجلة "الدوحة" في الثمانينات الماضية، مع الأكاديمي والكاتب السوداني محمد إبراهيم الشوش. ومن الرموز أيضاً الشاعران يوسف عيدابي ومحمد المكي إبراهيم وفضلى جماع وعالم عباس وحمد عباس وكجراى وكمال الجزولي.

ويكتب أحد النقاد السودانيين عن جيل التسعينات من خلال قصيدة "غناء العزلة ضد العزلة" للصادق الرضي، فيرى أنها تعالج إشكالية الانكسار والعزلة لدى هذا الجيل، مكونة بعدا جديدا في النص الشعري السوداني، بردها الاعتبار للذات، في إطار مفاهيم ما بعد الحداثة التي آثرت أن تجعل للذات إطلاقها القادر على تشكيل العالم وفق رؤى جديدة تؤمن بالمستقبل، على طريقة مختلفة تباين ما درجت عليه المدارس الواقعية لما قبل الانعتاق الحداثى في الشعر السوداني. حيث لم تكن "غناء العزلة".. مجرد قصيدة فحسب بل لوحة تشكيلية استعان الصادق الرضى على رسمها بأبعاد وقيم جديدة في بناء النص الشعري الجديد، اعتمدت هذه القيم بشكل مباشر على هواجس جيل العزلة، وهو جيل مثابر على الوجع والانكسار، يحاول الخروج بحثا عن ذاته وهويته، بعيدا عن طريقة البحث المركبة على الوعي المكاني كما في أسلوب "الغابة والصحراء" عند محمد عبد الحي والنور عثمان أبكر ومحمد المكي إبراهيم. لكن المحاولة ليست منفصلة عن التراكم الحادث في المستويات الشعرية للقصيدة السودانية بعكس ما ذهب بعض النقاد الذين حاولوا أن يفصلوا تجربة "شعرية العزلة" عن مجمل الإرث الشعري الحديث، باعتبارها متشكلا جديدا، يقوم على مفردات مختلفة، وبناء تركيبي يباين السائد.وعن "شعرية العزلة" عند الصادق الرضى أو عاطف خيري، يرى الناقد أنها لا تأتى كبعد جديد في الثقافة السودانية يقوم على العزلة عن الماضي كما كرسته ظاهرية النصوص التي حاولت أن تبسط المفهوم، بل قامت هذه الشعرية الجديدة على الماضي بشكل مستحدث حاول قراءة العديد من مركبات الواقع الجديد، بشكل يباين السائد والمألوف، وبذلت محاولات في سبيل البحث عن قضايا شعرية جديدة من خلال المعاش مستفيدة من تجربة الشعرية العرفانية التي أسس لها شعراء مثل عالم عباس ومحمد عبد الحي. والشعرية العرفانية مذهب شعري لم يدرس بالقدر الكافي وبشكل علمي إلى اليوم، لسبب بسيط يتعلق بالقراءات النقدية التي عالجت هذه الشعرية دون أن تمسها بهذا البعد العرفاني الخالص، كما عملت المسميات المدرسية المباشرة المعتمدة على الفضاءات المكانية والجغرافيا على خلق نوع من اللبث لدى جمهور النقاد فوقعوا في مصيدة الجدل بعيدا عن القراءة المستندة على الإطار العرفانى للنص. وفى حين يعتقد الدكتور قيصر موسى الزين وهو أستاذ جامعي سوداني مقيم بالخرطوم أن البناء الشعري الجديد، هو موضة سرعان ما سيتخلص منها الجيل الجديد، ليعود إلى صوابه، لكن الزين نفسه يحمل رؤية أكثر استشراقا وعمقا بخصوص البعد العرفانى غير المرئي في الشعرية السودانية ويفسر تجربة عالم عباس على هذا الأساس الذي يرد الاعتبار لفاعلية الرموز الدينية في النص السوداني شعرا كان أم قصة أو رواية، ويستدل على مفاهيمه بنموذج "وادى آزوم" لعالم عباس، حيث يعتقد الشاعر من خلال النص المتخيل الذي أعاد فيه خلق وادى أزوم أن الحياة بدأت من هناك ومن هنا استمد الوادي عبقريته وصار علامة بارزة، وبقدر ما تكون هذه الرؤى مؤسطرة وغير فاعلة بالمنظور التاريخي الواقعي، إلا أن لها بعدا على مستويات بناء نوع جديد من الأسطورة التي تحاول بشكل ما أن تعيد تشكيل الواقع الجديد بالاستناد إلى الشعرية العرفانية. وثمة من يجزم بأن "شعرية العزلة" ولدت كتطور منطقي للشعر العرفانى السوداني، وبالتالي استمرت التجارب تدعم بعضها بعضاً قديما وحديثا، على نحو يؤسس لمقولة أن الماضي لا ينفصل بأية حال عن الحاضر أو المستقبل، أو أن الماضي والمستقبل وجهان لعملة واحدة تفصل بينهما مرآة، كما في نظرية "الجد والحفيد" في رواية "بندر شاه" للطيب صالح.

ومن بين الأصوات النسوية المميزة، صوت يقول عنه أبو بكر الصديق الشريف إنه تتداخل في خطابه الشعري نضار النبت الجديد ودفء عنفوان ربات الخدور، وحدس المرأة التي أدركت تساوى مضمون معادلة رجولة الرجل، وأنوثة المرأة، وقد امتلكت تماما أداتها الإبداعية، كما جسدتها روضة الحاج في ديوانها "عش للقصيد" وفى القصيدة التي حملت الاسم نفسه وفيها تقول:
وضللت قلبي في الطريق/نصبته في الحالكات سنا بريق/فرحا تغنى للحياة مع المساء/ومصبحا تشدو كما الطير الطليق/عش للمساء وللنسائم والسحر/عش للعشيات المبللة الثياب من المطر/عش للقصيد يزور بيتك رائعا/مثل القمر
ودع الترحل في دروب الشوق/درب الشوق يا قلبي وعر .

جيل من الطيور المهاجرة

ونتوقف لنشير إلى ظاهرة تتمثل في أجيال من الشعراء "والمبدعين عموما" الذين هجروا السودان في مراحل مختلفة، ويبدو لمن يتابع هذه الظاهرة أن كثيرين من شعراء السودان هم خارجه وليسوا في داخله، وهؤلاء تداخلوا مع المشهد الشعري العربي بدرجات، بدءا من اختراقات الفيتورى وصولا إلى عدد من الشباب الذين لا حصر لأسمائهم. ومن يراقب الساحة الثقافية في الإمارات يجد عددا من هؤلاء في مؤسسات الثقافة ويديرون أنشطتها.

ومن بين الأسماء التي نود التوقف عندها لتميزها ونكهتها الخاصة، نقف عند الصوت الشعري لزميلنا الشاعر والفنان/الرسام النور أحمد علي. تقوم تجربة النور، كما تبدو في كتابه "سهو الأتيّ"، على شكلين من الإبداع أساسيين ومتعاضدين هما الشعر والرسم، فهو الشاعر والرسام الذي تمتح قصائده ونصوصه من النبع نفسه الذي تنهل منه رسوماته، لتشكل ثنائية إبداعية تنطوي على قدر من الغنائية والرومانسية والرفض، يتبدى ذلك في نصوصه ولغته ومفرداته الخارجة على المألوف، كما تبرز في ضربات ريشة الفحم التي يرسم بها عوالمه السوداء المقتحمة بنقاط أو مساحات من البياض غير الناصع، البياض المشوب بقدر من الصفرة، تعبيرا عن عالم يخلو من البراءة، ويحتشد هواء فاسدا:
انتظرتكِ/فانمحى حتى أرتب ما تبقي/من هواء فاسد/وأوسد الأسفار ما يربو/على لغو الكلام/فدعي دمى يغفو قليلا/أو ينام .

يحاول النور أحمد في نصوصه استعادة عالم مضي، عالم من الحب والبراءة والثورة، فيستعيده لغة وصورا ساخنة ومتفجرة بالغضب غالبا، وبالحزن في بعض الأحيان:
أسأل عن سينما غرب/ومقابر فاروق/عن سوق الصاغة/وسوق العيش بأم درمان/عن أحزان تسكن في الخرطوم/عن فرس ضاع صهيل الفرس/الكامن فيها منذ حدوث الطفرة/في شيكان/عن طير أسأل/طير يتقمص أردية البركان .

يلخص هذا النص الشعري رؤية الشاعر لما يجرى من تحولات انهيارية في السودان، لا بل في العالم كله، معطيا الطائر رسالة الخلاص الذي يذكر بالطوفان والطائر الذي يرى ما بعد الطوفان. وفى تجربة شاعرنا الكثير مما يستحق وقفة خاصة خارج سياق هذه الإطلالة على المشهد الشعري السوداني.

الرواية وفن القصة

يعتبر القاص عثمان على نور رائد القصة القصيرة في السودان، وله من المجموعات "غادة القرية"، "البيت المسكون"، "الوجه الآخر للمدينة" وسواها.. أصدرها كلها في الفترة من 1953 إلى 1961 وقصص يتداخل فيها الرومانسي بعزلته الشاعرية مع الواقعي بتعقيداته الاجتماعية، ففي تلك المرحلة كانت الكتابة الإبداعية في السودان تمشى باتجاه النضج في ظروف صعبة تعثرت معها خطى النضج أسوة بكل شيء آخر، فاليومي الاجتماعي يتداخل مع الوطني العام.

ويرى نقاد القصة القصيرة السودانية أن الوعي الذي هيمن على جيل عثمان على نور يتعلق بهموم التحديث والبناء، اللذين أساسهما التنوير، وتجلت هذه الهموم في اتجاهات مختلفة، وسمت قصة كاتبنا في التوتر والقلق بين الرومانسية والواقعية والوجودية، كاتجاهات بارزة شكلت ملامح القصة القصيرة في السودان. هذا إلى جانب التأثير الواقعي الاشتراكي النافذ الذي عبر عن مناخ التحولات والثورة والتحرر والتمرد والمقاومة للمستعمر والنظم الاستبدادية والطائفية التي تلت مرحلة الاستعمار. ورغم أن الشفاهى لم يتقلص بالقدر الكافي، والانقطاعات القسرية وغير القسرية في حلقات التواصل بين الأجيال ظلت تعمل بفعالية، ومع ذلك يظل مشروع القصة القصيرة في السودان مفتوحاً على مشهد غني.

بعد ذلك يمكن الانتقال إلى المرحلة التالية التي شهدت ظهور جيل جديد من الروائيين والروائيات منهم أبكر إسماعيل وأمير تاج السر ومحمد حسن البكري وضحية وبثينة خضر مكي وعثمان شنقر، من باب التمثيل لا الحصر. وأسهمت جائزة الطيب صالح للإبداع الروائي التي أسست في 2003 في ازدهار الرواية وفاز بجائزتها الأولى محمد حسن البكري عن روايته "أحوال المحارب القديم".

ويقول السموأل حسان أبوسن، في سياق كتابته عن رواية "الطريق إلى المدن المستحيلة" للروائي السوداني الشاب أبكر آدم إسماعيل، إن من الصعب الحديث عن رواية سودانية معاصرة، لكن مع هذه الرواية يبدو ذلك ممكنا، فهي تصور المشهد السوداني المعاصر بكل محمولاته، بانتصاراته وانكساراته، انتصارات الهامش الذي نقل أوجاعه إلى لجة الحدث السياسي والاجتماعي السوداني وانكسارات جيل الأحلام الضائعة الذي عجز عن ترجمة أحلامه ورفض في الوقت ذاته أن يكون سمادا للتاريخ، وهى رواية جيل تفتح على حالة تشظ طال حتى تصوراته عن الأحلام الصغيرة، تحكى عبر السخرية والمرارة تارة وعبر الصخب والشراسة تارة أخرى وفى الحالتين عبر بنية ذهنية شديدة الحساسية وارتداد الأحداث الكبيرة وأصدائها وهى تنداح عبر حلقات تطال ذوات عديدة ويترتب عليها الفرح والحزن والضياع، والجنون كل بسيناريو معقد وبتفاصيل شيقة لا تتطلب منك جهدا كبيرا لتتخيل فيها شبح المؤلف وهو يروى شيئا ما لصيقا بحياته.

ويخلص السموأل إلى القول إن رواية أبكر هي رواية تحكى عن جيل الثمانينات والتسعينات بشروخه الكبرى وانسراب أحلامه في سخرية مريرة لا تخلو من العبثية. تحكى كيف عايشنا أزمات هذين العقدين ونحن ننظر إلى صورتنا في الذاكرة "يا ترى ماذا أصير عندما أغدو كبيرا"، كيف حلمنا وانهزمنا، وكيف تلاحقت محننا الخاصة ومحنتنا العامة ونحن معلقون بين الوطن والدياسبورا ولا تتوانى وهى تدغدغ مشاعرنا وهى تذكرنا كيف أحببنا البنات وعاكسناهن في الشوارع وكتبنا أسماءهن وأحرفهن الأولى على دفاترنا وحوائط المدرسة الخلفية حيث النظرة الأولى والخفقة الأولي.. وكيف صحونا اليوم أنصاف سكارى لندرك أن تلك كانت أجمل الأيام وأكثر المربعات ثراء في القلب وفى الذاكرة .

ويزخر السودان بإبداع لافت في مجالي المسرح والتشكيل يمكن العودة إليه مستقبلاً.

الخليج
30/03/2005