عمر شبانة
(الأردن)

جميل أن تتكاثر مواقع الثقافة على الإنترنت، والأجمل أن تكون وراء هذه المواقع شخصيات ثقافية ذات حضور قوي في الثقافة العربية، إذ لا يجوز أن يقيم موقعا ثقافيا أي شخص يشعر بالرغبة في الشهرة ولديه المال. فقد بدأنا نلحظ منذ سنوات وجود مواقع تدعي أنها ثقافية، ولكنها في الحقيقة ليست سوى مواقع للتهريج وثقافة الاستهلاك إن صح أن للاستهلاك ثقافته.
وكثير مما نقرأه في تلك المواقع من كتابات تدعي الشعرية لا علاقة له بالشعر. هرطقات فارغة ومماحكات ومحاولات للخروج على المألوف ولكن بأساليب باردة ورخيصة في كثير من الأحيان، وهي محاولات بائسة للفت الأنظار والقول للعالم: نحن هنا.

أخص بالذكر بعض الكتابات النسائية. لست مع تصنيف الكتابة النسائية بعيدا عن الكتابة الإبداعية عموما، لكن حين تذهب كاتبة لا تزال في بداياتها إلى المحرمات بطريقة فجة وساذجة وفاقعة، فإن هذا لن ينتج أدبا، بل دعنا نقول: إنه لن ينتج سوى “قلة” الأدب.

نتمنى أن نقرأ نصوصا جريئة وعلى قدر من الحرية، لكن لتكن هذه النصوص إبداعا أولا.. ولتكن مالكة لقدر معقول من مقومات الكتابة الإبداعية والشروط الفنية والأفكار الطازجة. أما أن تستغرق هذه الكتابات في لغو عن الجسد وتفاصيله وعلاقاته فلا يكفي لكي نطلق عليها شعرا أو نصا إبداعيا.

ندخل إلى موقع نعتقد من اسمه أنه للشعر فنتلقى الهذيانات والكلام الفارغ. نتلقى آراء جمهرة من الشباب والفتيات تمجد ذلك الكلام وترفعه إلى سماوات الفن والعبقرية، الأمر الذي يدل على تدني مستوى ثقافة شبابنا وهبوط ذائقتهم. ونتساءل عن السبب فيطيب لنا الاعتقاد بأن هؤلاء لم يتلقوا أي تربية ثقافية لا في البيت حيث الحاضنة الأولى للتربية ولا في المدرسة ولا في الجامعة. إنها كارثة تفوق الهزائم العسكرية التي نتعرض لها منذ عشرات السنين.

ولا يقتصر الأمر على هذه المواقع السخيفة، بل في مواقع رصينة يمكننا أن نجد الكثير من الغث الذي لا يرقى بحال من الأحوال إلى مستوى الإبداع الحقيقي. والمسألة هنا في ما يبدو ترتبط بعلاقات شخصية تربط صاحب الموقع أو المشرف عليه بأصحاب تلك النصوص المتهافتة. هذا رغم أنه لا تجوز المجاملات في ما يخص المسائل الإبداعية، فثمة شروط ومعايير لا يجوز التنازل عنها.
لذلك فإن دخول كبار المثقفين في هذا المجال بات حاجة ملحة للتأسيس لمواقع يكون لها الحضور القوي الذي يشد جمهور المتلقين ويبعده عن تلك المواقع التافهة. وما لم يقم المثقفون والمبدعون بدورهم في هذا المجال فإنه سيظل مفتوحا لمن هب ودب من المدعين والأدعياء وطلاب الشهرة.

هي دعوة نوجهها إلى كل من يملك الإمكانية للمساهمة في الحد من هذا الانهيار الذي يصيب أرواحنا بالتمزق وعقولنا بالغثيان وثقافتنا بالهبوط الشديد.

الخليج
2005, 08, 09- Tuesda