كريم رضي
(البحرين)

(أخبار مجنون ليلى)
www.qhaddad.com/moalafa.htm

استهلال

ليس أخطر من الحب إلا الحديث عنهفي البدء اسمحوا لي أن أقول أننا أمام قصيدة حب. واسمحوا لي أن أقول أنني سأتفق مع حسين السماهيجي إلى حد بعيد في أن التأويل مهما نأى أمام كتابة قاسم حداد كونها كتابة ملتبسة إلا أننا لن نجد في تجربة أخبار المجنون غير قصيدة حب.
وإنني لن أخذل قيس وأقتله مرة أخرى بعد أن أحيا نفسه قاسم حداد، فمن أحيا نفسا فكأنما أحيا الناس جميعا ومن قتلها فكأنما قتل الناس جميعا.
قد يبدو الحديث عن الحب شائكا الآن لعدة أسباب:
لأن العالم المتوحش من حولنا يقترح علينا الحديث عن الحرب
لأن الحب كان خطيرا دائما في ثقافتنا العربية، ولكن كان هناك ما هو أخطر بكثير من الحب، وهو الحديث عن الحب.
لأننا في مدرسة ثانوية للبنات حيث يتضاعف الخوف من الكلام عن الحب، وحيث تطل برأسها المحاذير والهواجس والشكوك والوصايا.
ربما ليس أخيرا لأننا أمام قيس صريع العشق ومثال المولهين وأمام ليلى ومن منا لم يسمع بقيس وليلى.
من منا لم يسمع بمجنون ليلى ومن منا مراهقا أو شابا أو كهلا لم يتعذب مع قيس ولم يتأوه مع ليلى.
قيس الذي ما أن ننطق اسمه حتى يتداعى أمام مخيلتنا عالم من السهد والشوق والرسائل المهربة والعيون المتلصصة على الشبابيك والحمى الحقيقية أو المصطنعة والشرود الذهني وإلخ من علامات العشق وعذاباته.
ما الذي إذن يجعل شاعرا معاصرا هو من أبرز رموز الحداثة الشعرية العربية أن يعود اليوم إلى قيس.
ثم أين هو اليوم ذلك الحب الذي يخطف قلوب المتيمين ويجعلهم يتأوهون ليلهم ويتيهون نهارهم بغير هدى.
أعني أين هو ذلك الإحساس بالفقد في عصر يتوفر فيه الفتى على فتاته المعشوقة بسهولة ودون عذاب ومرض وسهاد، إلا استثناء.
وهل ثمة عاشق مثل قيس اليوم يجعل كل حياته وشعره وقفا على ليلى لا شريك لها.
لهذه الأسباب لا أقف اليوم أمام قصيدة (عن قيس) فقط، بل أمام تجربة مجنون ليلى بأكملها وإن كانت هي لا تكتمل أبدا، إذ ليست قصيدة عن قيس معزولة عن سياق هذه التجربة.
وأجدني مرة أخرى هنا أعلن انحيازي للسماهيجي في أن عدم الإطلاع على كتاب مجنون ليلى سيقود بالضرورة إلى تشوه النظر إلى قصيدة عن قيس التي هي آية من صلاة طويلة صلاها قيس ولم يتمها قاسم.
وهذا انحياز أرجو أن أكون فيه قد واسيت قيس مرة وقاسم مرة أخرى في إعلان عشقهما أمام قبائل العرب قديمها وحديثها دونما خجل أو خوف أو مداراة.
إنه انحياز حتى الموت للعشق والعشاق وليكن ما يكون.
ولكن أولا ما الحب؟
إذا ما استثنينا الحب الغريزي الذي يشعره المرء تجاه أسرته، أبيه وأمه وإخوته وأبناءه وأقاربه وذهبنا إلى أبعد ذلك، وهو حب الإنسان لغيره، المرأة للرجل والرجل للمرأة، سنجد أنفسنا أمام حالة لا يمكن بالدقة وصفها.
حالة هي أشبه بالكهرباء التي نشعر بدبيبها في أجسامنا ولكنا لا يمكننا لمسها ولا رؤيتها. مع فارق أن الكهرباء يمكن جسها والوصول إلى حجم شدتها بالأجهزة المناسبة، أما الحب فلا نكاد نعثر إلا على أعراضه، إنه (كهرباء الروح) إذا صح التعبير.
ومن الواضح أن لهذا الحب بعدا غريزيا طبعا ولكنه ليس الوحيد، فالحب أبعد من مجرد إشباع الغريزة، وإن كان هذا الإشباع جانبا كبير الأهمية أيضا.
قال حكيم أثينا العظيم (سقراط): الحب هو شوق إلى الخلود
أما الكاتب العربي (جبران خليل جبران) فقال: هو سعادة ترتعش.
وقال الروائي الفرنسي (بلزاك): الحب هو شعر الحواس.

وقال الشاعر والروائي فيكتور هوجو صاحب رواية (البؤساء): هو أجمل سوء تقدير بين الرجل والمرأة.
وطالما حديثنا اليوم مع الشعر، فسوف نميل كثيرا إلى هذا التعريف الشاعري البسيط. ونعني هنا بسوء التقدير الجميل، أي ذلك الإحساس بأن لا شيء على الإطلاق يمكن رفضه في المعشوق. ومن البديهي أن هذا إحساس مبالغ فيه لو حاكمناه بمنطق العقل الصارم، إذ لكل منا جانبه المظلم الذي قد يوازي أو يزيد عن مساحة جانبه المضيء. ولكن الحب (في الشعر خصوصا) لا يرى إلا ما يريد أن يراه من الحسن والجمال ويضرب صفحا عن كل ما عداه.
إن العشق بهذا المعنى إرهاب، إذا كان لنا أن نستخدم هذا المصطلح الشائع سياسيا هذه الأيام، فهو مثل كل إحساس أحادي إقصائي، ولكنه إرهاب الجمال لا إرهاب الإيديولوجيا.
إرهاب النظرة الخاصة للجمال التي لا ترى فيه مقاييس حكام مسابقات الجمال ومعاييرهم، بل تقترح نموذجها الخاص، الذي قد يزدان فيه كل شائن ويحلو كل مر ويستعذب كل عذاب.

وقال الشاعر العربي قديما:

وعين الرضا عن كل عيبٍ كليلة ٍ                 ولكن عين السخط تبدي المساويا

وقيل إن المجنون سئل عما أعجبه بليلى فقال (كل شيء رأيته وسمعته منها أعجبني, والله ما رأيت شيئا منها قط إلا كان في عيني حسنا وبقلبي علقا, ولقد جهدت ان يقبح منها عندي شيء أو يسمج أو يعاب لأسلو عنها فلم أجده).

وبازاء الحب الصريح الذي يجاهر فيه العاشق بوصف جسد حبيبته ووصف الإحساس باللذة في وصالها فقد عرفت الثقافة العربية الحب العذري، وهو الحب الذي يتسامى عن الحواس ويذهب إلى تمجيد العشق لذاته كحالة خاصة، يستمتع فيها العاشق بالحرمان من المعشوق حتى يصبح الحرمان هدفا في ذاته. الحرمان الذي يجعل نفس العاشق تذوب حتى الموت حبا، مع استمتاعها بهذا الحرمان.
إنه الحب الذي لا غاية له سوى الحب نفسه. ويؤكد هذا المعنى اعتراف جميل بن معمر العذري الذي ورد في (مصارع العشاق), والذي يدافع فيه عن طهر حبه بثينة, مؤكداً انه لم يمسها يوماً بريبة, فيقول (أنا في آخر يوم من أيام الدنيا, وأول يوم من أيام الآخرة, فلا نالتني شفاعة محمد إن كنت وضعت يدي عليها بريبة قط, وان أكثر ما كان مني إليها اني كنت اخذ يدها واضعها على قلبي فأستريح). و سئل عذري مرة عن سبب موت قومه من الحب, إذ قال: ذلك لأن في نسائنا صباحه, وفي فتياننا عفة.
وقد عرفت الثقافة العربية عددا من الشعراء كانوا من أبرز رموز هذا الحب وهم توبة الحميري الذي عشق ليلى الأخيلية، وجميل معمر( الشهير بجميل بثينة) والملقب بإمام المحبين، وكثير الذي عشق عزة وسمي بها، وعباس بن الأحنف، وابن زيدون صاحب ولادة بنت المستكفي، وبالطبع على رأس هؤلاء جميعا يأتي قيس بن الملوح، عاشق ليلى العامرية.

وليست الثقافة العربية هي وحدها التي عرفت هذا النوع من العشق، بل الثقافة الأوروبية أيضا والتي يرى الكثير من النقاد أن شعراء الجنوب الفرنسي المسمون بشعراء التوبادور قد استلهموا تجربة شعر الحب العذري العربي وخصوصا الموشحات الأندلسية.
وفي العصور الوسطى يتضح الأثر العربي في قصص الفروسية والحب، الذي انتشر بشكل لم يكن معروفًا في الأدب الأوروبي في النصف الثاني من القرن الثاني عشر الميلادي، وقدم منه البطل الفارس في حب محبوبته يغني ويذوب ويقدم أشكال الوفاء والتضحية من أجل هذا الحب النبيل.
هذا الشكل كان منتشراً في الأدب العربي متمثلاً في أعمال مثل كتاب "الزهرة" للأصفهاني، و"طوق الحمامة" لابن حزم، وهما في ذات الوقت سابقان خصوصا الأخير بأكثر من قرن على كتاب "فن الحب العفيف" لـ "أندريه لوشابلان" في النصف الثاني من القرن الثاني عشر الميلادي، وظهرت في هذا الكتاب أشكال فنية وموضوعات ليست لها سابقة في الأدب الغربي، وهي ذلك الحب العفيف واحترام المرأة وتجميلها.
وينسب بعض الباحثين فكرة هذا الحب إلى أحد أصحاب المقامات الأندلسية وهو أبي داوود والذي ينسبه إلى قوم يدعون بني عذرة ويقال إنهم هم الذين أسسوا هذا النوع من الحب الذي فيه يتمنى الحبيب الموت في سبيل هواه دون أن ينال شيئا حيث نظروا للوصل على أنه خدش بقيمة هذا الحب العليا وطهره وسموه.
ونعتقد أن فكرة الحب العذري هذه هي من الحيل والمخاتلات التي ابتدعها العشاق ومناصريهم في العصر الأندلسي تحديدا حيث بدأت العلاقات في مجتمع الرفاه بين المرأة والرجل تأخذ طابعا أكثر حميمية وتآلفا، وكان غاية هذه الفكرة طمأنة الأوصياء على أخلاق الأمة من الآباء والفقهاء بأن هذا الحب الذي يخشونه من اندلاع ناره ليس سوى حب أفلاطوني عفيف يبتعد عن الجسد وهو أشبه بلقاء الأرواح.
ولعله من الغربي أن ترى أن جميع قصص العشاق العذريين تتشابع إلى حد كبير حتى كأنك تجد قيسا في جميل وجميل في توبة، وهكذا، فهم يشتركون في كونهم عشقوا ولكن حديثهم عن عشيقاتهم حرمهم من وصلهن بسبب تقاليد القبائل فتتزوج المعشوقة من غير من تهوى غصبا دون رضاها ويظل عاشقها يهيم ويقول فيها لشعر حتى الموت شعرا والموت حبا.
قاسم يذيب الحدود بين العذرية والحسية
أما كتاب قاسم حداد مجنون ليلى، نحن نشهد ذوابانا للحدود بين الحب الحسي والحب العذري. لقد أخذ نص قام من الحب العذري هذا الشوق المستمر الذي لا ينطفيء لهيبه بالوصل، ولكنه لم يأخذ من هذا العشق بكائياته وسهده وألمه. بل أكثر من هذا سخر قاسم حداد من أن ليلى وقيس لا يفعلان غير التأوه والبكاء حينما يلتقيان، وجعل منهما عشيقين أقرب من بعضهما مما نتصور.
وفي إذابته للحدود بين الكائنات والرواة والتواريخ يذهب قاسم حداد بعيدا مع (جنون الفؤاد) كما يسميه واصفا بذلك جنون قيس وليس جنون العقل كما يقول الرواة.
إنه ذوبان للحدود أولا على صعيد الشكل بين التشكيل والشعر، ثم هو كذلك على صعيد اللغة بين النثر والشعر، ثم بين الرجل والمرأة ثم بين الكذب والصدق ثم بين الخبر والقصة إلى آخر هذه الالتباسات.
وقصيدة عن قيس التي أمامنا سنجدها تتحدث عن قيس حيث يتقمص فيها قاسم شخصية ليلى ملغيا الحدود بين ذكورته وأنوثتها.

(يسأل الوحش عني)
(يا قيس جننتني)
(واجتاز بي أرض نجد)
(الصهد يغسلني في الصباح)
(عن كل ما هم بي تهتُ)
(كنت مثل السديم استوى في يديه)

ليس قاسم إذن هنا هو الذي يتحدث عن قيس ولكن ليلى بعد أن تقمصها قاسم.
وكانت الرواية قد قالت إن ليلى في الأصل جنية تقمصت قيسا وأمرته بألا يكف عن إشعال الهوى في أخبية القبائل فلم يكف.
إنها ليلى التي يتقمصها قاسم منتقما أشد انتقام من تابو القبيلة. كانت القبيلة تنكر على قيس أن يتغنى بحبه وبليلى ابنة الحسب والنسب فإذا بسخرية قاسم تجعل ليلى تتغنى بقيس وتبالغ في التغني بحبها ووصلها له.
إن الحب هنا هو الأغنية الكبرى وليس مهما بعد ذلك ما إذا كان القائل ليلى أم قيس.
ويذيب قاسم الحدود أيضا بين الصدق والكذب، (أصدق الرواة الكذبة) ويبالغ في جنونه حتى يدخل في الرواة أسماء مثل عبدالحميد القائد وأمين صالح (صاحب الحجرة) وعبدالقادر عقيل وإبراهيم غلوم أبي أنمار والخطاط وغيرهم ممن لم نستطع التقاطهم.
إنه تطرف بعيد يريد به قاسم ألا حجر مكانه في رواية.
وهنا سنلتقي مع علي الديري في قدرة نص قاسم حداد على تجاوز حساسية المؤسسة التربوية مقترحا عليها ما اقترحه قيس على قبائله بأن تفتح قلوبها لعاصفة الحب وأن تفتح المؤسسة التربوية نوافذها لعاصفة الشك الذي هو يقين خالص كما يسميه قاسم.
ويصل بنا قاسم إلى التشكيك في وجود قيس وليلى أصلا ولكن ليس ثمة شك في أن العشق قد وجد وأن طبيعة العشق هي ما يملي النص ويملي الرواية.
إنها كتابة المحو والتشكيل التي رأى فيها الناقد معجب الزهراني جدلية متواصلة. ليس ثمة حقيقة.
(فالرواة يعبثون بالسيرة
والأخبار تلهو بنا
ويفتننا الشعر)

أما أفلاطون (المنسوب إليه الحب العذري على غير أساس) فهو يقول: "الحب نصف يبحث عن نصفه الآخر"، و"الحب حركة النفس الفارغة"، "الحب إرادة جذابة تجذب الجنسين وتجعل الاثنين واحداً" و"الحب واسطة للخلاص.

كريم رضي
أبريل 2003


أقرأ أيضاً: