زياد خداش

زياد خداش
زهرة الحرية، ليحيى الشيخ.

فلسطين...
ماذا يفعل الآن الكاتب القصصي العراقي محمد خضير هناك في البصرة التي بلا ماء ولا كهرباء؟ هناك، في بيته الصغير، في غرفته المغمورة باليأس والعطش والتاريخ؟
هناك بالضبط، بجانب نافذته المطلة على اللامفهوم اللامتوقع واللامتحقق؟ هل يتكىء محمد خضير الآن بمرفقه العاري النحيل على حافة النافذة؟ ينتظر تاريخا بعيدا لا يأتي؟
يعود محمد إلى السرير، يحدق في السقف بعينيه البابليتين العميقتين. وفجأةً ينهض كمن لسعته رؤية: سأصنع تاريخي الخاص. سأحفر سمائي الشخصية.
يجلس إلى مكتبه ويكتب. تظلم الدنيا كلها. وحدها غرفته تبقى مضيئة.
صديقي محمد خضير: اكتب إليك من رام الله المحاصرة بالخوف والموت والمجهول. هذه الليلة أتذكرك بقوة. بقوة عجيبة. هذه الليلة أراك بقوة. رائحاً غادياً تذرع غرفتك وتتحسس نافذتك. تسرق بين الخطوة والأخرى نظرة سريعة إلى البعيد: لا احد قادماً. لا غناء. لا مطر. لا قوافل. لا خيول.
الساعة الآن هي الأولى بعد منتصف الليل. هل تسمع معي دويّ الانفجارات ووقع أقدام الجنود واستغاثات الأطفال والنسوة؟ هل قلتَ نعم؟ أحقاً تسمعها؟! وكيف، وأنت هناك وأنا هنا؟!
آه يا محمد. إنها الانفجارات نفسها، الاستغاثات نفسه، أقدام الجنود إياها، سحناتهم، وروائحهم. أنافذتك المجنونة الشاحبة هي نفسها نافذتي؟ أتذكرك الليلة بقوة الفريسة حين يُلجئها الرعب إلى قاع الذاكرة، إلى تلك اللحظة التي تتتفح فيها الحواس إلى أقص مدى وتتحطم أقفاص الكينونة وتتوهج الذكريات إلى ذروة الذهول وتذوب فيها المشاعر من فرط وضوحها واكتمالها وتتحول صلاة دائمة أو كفراً دائماً. أتذكر كلام الأصدقاء عنك: بسيط وهادىء وصموت ومدرّس متقاعد. لم يغادر البصرة الا إلى بغداد. ومرات قليلة. أتذكر رسالتك الشفوية لباسم البنريص (قل لزياد خداش آن يترك مهنة التدريس فورا لأنه سيموت مختنقا بالطباشير والضجيج وأوامر الجرس). لم أنفذ نصيحتك وبقيت مدرساً. أختنق كل يوم بالطباشير والضجيج وأوامر الجرس ورتابة الوقت، ولكني اعرف أني سأموت ذات حصة نحو سادسة في مدرستي المكتظة بالعادي والمألوف إلى حد الفجيعة، وفي حياتي المزدحمة بالأجراس إلى حد الموت.

بصرياثا بصرياثا
لن أنسى ذلك الصباح ما حييت. في شتاء 1997ايقظتني رياح الصباح بإيعاز من رب عملي كالعادة (في الصيف توقظني خيوط الشمس الأولى وفي الشتاء الرياح). ربّ عملي اشترى الشمس والرياح بفتات نقوده لتوقظ عبيده المنتشرين في المدن والقرى. وبينما أنا أسير تحت المطر، ذاهبا إلى مقبرتي اليومية (المدرسة) التقيت صدفةً في الطريق صديقاً لي. اقترب مني مبتسما ووضع في يدي كتابا ومضى وهو يقول: خذ هذا الكتاب بقوة. المطر ينهمر فوقي، والرياح العميلة تدفعني في اتجاه المقبرة. لا احد في الشارع سواي. لا أتذكر ما الذي جعلني القي أول نظرة على غلاف الكتاب، لكني أتذكر جيدا أني توقفت عن المشي وأنا اقرأ العنوان: بصرياثا -صورة مدينة. شعرت بانخطاف ما. العنوان "بصرياثا" سحبني بقوة إلى عصر آخر إلى ضفة أخرى. في هذا العنوان طاقة غامضة مخيفة تجرد قارئها من ممتلكات ذاكرته وتلغي أثاث روحه فيعيش بشراً مختلفين ونهراً آخر ويرى أعمدة معابد وقرى نائية ونيراناً مشتعلة فوق جبل بعيد ويسمع صيحات حيوانات تضج بها أعماقه وينصت إلى صهيل مدن غريبة ويشم رائحة سيوف تنتظر على الحدود غزاةً قادمين ويشعر بحكماء يسعلون في الجوار وبشعراء يبكون في الليل البارد.
بصرياثا بصرياثا بصرياثا. ظللت اردد هذه الكلمة فيما أنا أواصل جنازتي اليومية في اتجاه موتي المتكرر. ولكني ويا لغرابة الحالة! لم اصل إلى موتى. وصلتُ إلى غابة صغيرة تقع على الطرف الشمالي لمدينة البيرة، على مقربة من المنطقة الصناعية. هناك وجدتُ نفسي في كهف تحت الغابة فوق ربوة. كان المطر يتساقط بقوة وروحي أيضا كانت تتساقط في بئر عميقة تُدعى بصرياثا. انفصلت عن العالم. عن موتي. وعن جلدي. رحت اركض في مداخل البصرة الأربعة وهناك قابلتُ عمياً وأنبياء ومسافرين وزرتُ مقبرة الفقراء وأجهشت فوقها ببكاء غريب. تجولتُ في ساحة الملك غازي وأسواق الهنود والصيادلة. وهناك لمستُ ليل بصرياثا المزروع بالمدافع وصفارات سيارات الإسعاف المسرعة وتتبعتُ اكتشافات محمد خضير لبصرياثا في نزهاته الحذرة ودهشته المرة أمام المدينة الجديدة التي تأكل القديمة وتعرفتُ إلى أشباح المدينة القديمة وتحدثتُ مع معتوهيها وبغاياها ولصوصها وسبحتُ في أنهارها الستمئة وجلستُ تحت عرائش كرومها, وسعف نخيلها. وهناك بحثتُ كالمجنون عن بريق الأساور في السواعد اللدنة، وعن السقائف المعقودة وألحان العود والوسائد الحريرية.
ومنذ ذلك الصباح العريض فقدتُ جزءا كبيرا من ذاكرتي وبعتُ نصف أثاث روحي وصرتُ شخصا آخر بابتسامة أخرى وخوف آخر.

بندقية العجوز والاباتشي
محمد يا صديقي

أنا لا اعرف ماذا تفعل الآن ولا اعرف هل تناولتَ إفطارك أم لا. لا اعرف في أي ضاحية من ضواحي البصرة تسكن. لا اعرف كم يبعد عنك قبرا محمود البريكان ومحمود الجندراوى، ولا اعرف ما هي آخر قصه كتبتَها. لا اعرف آخر مرة ضحكتَ فيها من أعماقك. اعرف شيئاً واحداً فقط: أنى احبك وأحب البصرة وأحب العراق. وأحب سعدي يوسف والسياب وغائب طعمه فرمان وخضر ميري وعلى مزهر وجمال جمعه وشريف شعلان وكرم جواد ويوسف أبو الفوز. أما زلتَ عند النافذة؟ ألم تيأس من انتظار الله والخيول يا صاحب القلعة السوداء والحكاية الجديدة ورؤيا خريف، يا فارس خيول المخيلة.
الغزاة على الأبواب يا محمد، والبصرة بلا ماء ولا كهرباء. على أي ضوء ستكتب قصة العجوز والاباتشي؟ على أي ضوء؟ ماذا؟ لم أسمعك يا محمد؟ هل رأيتُ شفتكَ تتحركان؟ دويّ الانفجارات في رام الله يصم اذني، واستغاثات أصحاب البيت الذي يهدمونه الآن تربك كياني. فلا تؤاخذني إن لم اسمع. تكلم الآن. أعد ما قلتَه يا محمد خضير.
أتقول انك تكتب على ضوء الأسطورة؟ نعم يا صديقي. لطالما أحببت طريقتك في انتزاع الأسطورة من اليومي والعادي. لطالما أعجبت بقدرتك الرائعة على اكتشاف الغرائبي والسحري من الطبيعي والمألوف.
ما الذي اسمعه الآن؟
انه هدير طائرة اباتشى تحلق فوق رام الله.
ماذا قلت؟ وفوق البصرة أيضا؟ هي نفسها إذا يا إلهي. الصوت نفسه. الطيار نفسه. الرغبة نفسها في القتل. الجريمة نفسها. ولكن كيف تحلق الاباتشى فوق رام الله والبصرة في وقت واحد؟
أين أنت وأين أنا؟ هل أنت فلسطيني تاه ذات ضباب قديم عن الطريق ووصل البصرة صدفة؟ ومن أنا؟ هل أنا عراقي ضل طريقه إلى رام الله ذات ارتباك وذات خوف؟
محمد،
البارحة ظهرا شاهدتُ جنازات شهداء بغداد عبر فضائيات العالم العربي. كان المشيّعون يهتفون لا اله الا الله والشهيد حبيب الله. دخل أبي فجأة وأنا أشاهد وسألني من دون أن ينظر:
اسمع صوت هتافات، هل هي جنازات شهداء؟
نعم يا أبي.
أين هي؟
لم انتبه وأنا أجيبه: في مخيم جنين.
البارحة ليلا رأيتُ مشهدا أراه كل يوم، بل كل ساعة، في احد الشوارع، في مكان ما.
كان جنود أمريكان أو بريطانيون ينزلون ركاب الشاحنات والسيارات وسائقيها، ويأمرونهم بأن يضعوا أياديهم على رؤوسهم، ويجلسونهم بعيدا. كان المشهد بالنسبة إليّ عاديا جدا ومعهودا. وحين دخلت أمي التي لا ترى جيدا، سألتني:
أين هذا الحاجز؟
ومرةً أخرى أجبتها من دون أن أكلف نفسي عناء التفكير: انه حاجز سردا يا أمي.
آه يا محمد، ماذا ستقول لهذه الكائنات الغريبة حين توقفك على الطريق الذي تمر منه كل يوم، وتأمرك بأن تضع يديك فوق رأسك، وبأن تبتسم حتى يتأكدوا انك لا تخفي سلاحا أو إصرارا بين أسنانك؟
وحين يسألك احدهم ماذا تعمل، بمَ تجيبه يا محمد؟
هل تقول له اعمل باحثاً عن خيل قديم؟ أتسلق الشجرة العالية فجر كل يوم وانظر إلى الأفق فلا أرى سوى الغبار، ولكني اسمع صوت صهيل، يأتي خافتا من مكان ما فأركض في اتجاه الصوت، فلا اصل الا إلى صحراء صحراء صحراء.
كم شبعت الصحراء منا!
كم شبع الفراغ!
من أين يأتي الصهيل يا محمد إذا؟
أهو صهيل روحك الظمأى؟ أم هو صهيل الأمكنة القديمة المستوحشة؟
في رام الله يا محمد، في رام الله الحلوة والمنهكة، يتناقل الناس أخبار بطولاتكم كما يتناقلون أخبار بطولات خان يونس وجنين وبيت لحم.
في رام الله يا محمد، رام الله المدينة الصغيرة التي تقع خلف البصرة، اقسم أستاذ مدرسة إعدادية، هو أنا، أن يمنح تلامذته علامة مئة في المئة آخر العام. غداً حين تنتصر أوروك على نيوجيرسى. غدا ًحين ينتصر جلجامش على ريتشارد بيريل. غداً حين ينهمر الصهيل وتغرق الصحراء في الصحراء ويفاجأ الفراغ باندلاع حدائقنا. غدا حين أراك يا محمد، هناك في البصرة، أو هنا في رام الله.
البصرة ورام الله. رام الله والبصرة.
يا الهي! أي كريستال يطير من هاتين الكلمتين! اي حب! أي ينابيع تنفجر في وجه الصحراء حين تلفظ هاتين الكلمتين!
محمد،
اكتب إليك من رام الله المحاصرة بالخوف والموت والمجهول.
زياد،
اكتب إليك من البصرة المحاصرة بالموت والخوف والمجهول.
زياد ومحمد،
اكتب إليكما من الأردن المحاصرة بالموت والخوف والمجهول.
زياد محمد جهاد،
ا كتب إليكم من الرياض المحاصرة بالموت والخوف والمجهول.
زياد محمد جهاد وعبد الله،
اكتب إليكم من...


إقرأ أيضاُ

أقرأ أيضاً: