محمد بنيس
(المغرب)

محمد بنيساعتبر الشاعر المغربي المعروف محمد بنيس أن الحق في الشعر يعتبر مثل الحق في الخبز والحق في الشغل والحق في التعليم والصحة، والدفاع عن الشعر بالنسبة له كالدفاع عن الحرية ليس أعلى ولا أدنى منها، مؤكدا أنه من واجب المثقف أن يرفع بعض المفاهيم إلى مستوى الأفكار ويدافع عنها بجد وعمق.

لا لغة من دون شعر
وأبرز بنيس في البرنامج الثقافي «مشارف» الذي يعده ويقدمه الشاعر والصحافي المغربي ياسين عدنان بتمكن وحرفية على القناة المغربية الأولى، أن الحق في الشعر حق عالمي ومطلب كوني، ففي نهاية الثمانينيات خرجت أصوات تنادي بأن زمن الشعر قد انتهى، كما شن الكثيرون حربا على الشعر باسم «الرواية التجارية»، في حين يضيف الشاعر المغربي الذي صدر له أخيرا كتاب (الحق في الشعر) أنه «لا يمكن أن نتعامل بالمنطق التجاري ومنطق المردودية مع الشعر».

وتحدث بنيس عن الحداثة في أوروبا وعلاقتها بالشعر، موضحا أن كل مهتم بالحداثة لا بد له أن يقف عند أسماء كبيرة في عالم الشعر، مثل «دانتي» الذي لا يمكن الحديث عن النهضة في أوروبا من دون التطرق إليه كشاعر كبير له بصماته الواضحة في الشعر والفكر الأوروبيين، والأمر نفسه بالنسبة لـ «غوته» في ألمانيا، و «فيكتور هيغو» و «بودلير» في فرنسا، في الوقت الذي يعيش فيه المجتمع العربي «حداثة معطوبة».

وأبرز بنيس في البرنامج ذاته العلاقة الوطيدة بين الشعر واللغة، حيث يقول: «لا يمكن أن توجد أية لغة من دون شعر، ووجود اللغات رهين بوجود الشعر، وكلما تراجع الشعر أو تمت محاربته -كما هي الحال الآن- يعني أن هناك شيئا يهدد الإنسان كإنسان».

بنيس بلا آباء ولا أحفاد
وكجواب عن سؤال الصحافي ياسين عدنان حول ما معنى أن يصرح محمد بنيس ذات مرة بأنه بلا آباء ولا أحفاد، ولماذا يتعامل الشاعر العربي الحديث مع ذاته تعامُل من «لا يستسيغُ سابقاً عليه ولا لاحقاً له»، يحيل بنيس على مثال شاعر عربي عظيم اسمه المتنبي، حيث أينما سافر أو حل وارتحل يقيم معه ديوان البحتري وأبي تمام، وهذا يعني أن النسل الشعري حاضر، أما في المغرب الحديث -يردف بنيس- فلم تُطرح بعدُ المسألة الشعرية، حيث «إننا انتقلنا من المجتمع التقليدي ومجتمع «الفقيه» بمفهومه المجتمعي المغربي الصرف إلى مجتمع حداثة لها أبعاد أخرى تتسم بالانقطاع التام عمَّا سبقها، فالذين اشتغلوا بالشعر وجدوا أنفسهم في عزلة نهائية عن السياق، الأمر الذي جعل الانقطاع يعتبر جزءا من ثقافتنا».

وفي محور الصحافة العربية ومدى خدمتها الشعر ومساهمتها في الترويج له، أو إساءتها له وابتذالها لخطابه بعدما احتكرته واستبدت به، تحدث الشاعر المغربي عن بدايته قراءة الشعر، إذ كان يقرأ شعر أبي الطيب المتنبي وجبران خليل جبران، ثم تعرف على بدر شاكر السياب، فكان لقاؤه الأول مع الشعر الحقيقي «كما ينبغي أن يكون»، مشيرا إلى أن البعد الثقافي والمعرفي للشعر صار يتقلص يوما عن يوم في الوطن العربي بسبب انتقال كثير من الشعراء إلى العمل في المجال الصحافي.
ونادى بنيس الصحافة العربية بأن «تغير من نظرتها للخطاب الأدبي، وأن ترفع من مستوى الشعوب وتمنحها ثقافة ناضجة، فمن دون هذه الثقافة الناضجة لا يمكن أن نتحرر»، مؤكدا أن «المجتمع العربي مجتمع لا ثقافي، ولو كان ثقافيا لكانت الضوابط معروفة».

الموهبة ضرورية والمعرفة أعلى
وعرج ياسين عدنان معد برنامج «مشارف» على محور الموهبة في كتابة الشعر، وطرح على ضيفه تساؤلات من قبيل: هل تكفي الموهبة وحدها لتتوهج نار الشعر في جسد القصيدة، أم أن الشعر قرينُ المعرفة، أي لا يتحقق من دون معرفة شعرية؟ فكان رد بنيس بأنه «لا يمكن أن نكتب من دون موهبة، لكن بعد تحقق الموهبة ينتقل الشاعر إلى مستوى أكثر جدية ألا وهو المعرفة».

وأضاف صاحب كتاب «الحق في الشعر» بكونه لم يختر كتابة الشعر: «بالنسبة لي لم أختر كتابة الشعر، فهو الذي اختارني، وحين عرفت كيف أكتب أصبحت مُلزما أن أدرك أن الشعر مسؤولية وخبرة إنسانية، لهذا أقول دوما: إن التاريخ سيسألنا عما نفعل». وخلص محمد بنيس إلى قناعة راسخة لديه مفادها أن «الموهبة ضرورية، لكن المعرفة بالشعر تعلو وتعلو كثيرا على تلك الموهبة».

وفي آخر الحلقة من برنامج «مشارف» التي خُصصت لمساءلة بعض تأملات محمد بنيس في الشعر، تساءل الشاعر المغربي عن أسباب عدم ترجمة إحدى العلامات الفارقة في الشعر الفرنسي «رمية نرد» لستيفان ملارميه إلى اللغة العربية، معتبرا أن تجاهلها هروب من «قضايا كبرى»، ولا يمكن أن نتعامل مع فكر «ملارميه» بهذا الهروب. ووصف بنيس في الوقت ذاته قيامه بترجمة هذا العمل إلى اللغة العربية بكونه «متعة حقيقية، وبأن شعر ملارميه حاضر بقوة في ثقافته الشعرية واختياراته في الكتابة».

جدير بالذكر أن الشاعر المغربي محمد بنيس فاز قبل أشهر قليلة بجائزة «سلطان بن علي العويس»، وعللت لجنة التحكيم قرارها منح بنيس جائزة الشعر بـ «تجسيده حيوية الشعر العربي وأصالته، وتميُّز كتابته الشعرية بقيمة فنية عالية ولتجدرها في الثقافة العربية وانتهالها في الوقت نفسه من الثقافات الإنسانية ضمن رؤية حداثية».

6-7-2008