صلاح بوسريف
(المغرب)

صلاح بوسريفلم تَكُنِ اللُّغةُ وحدَها تكفي ليقولَ الإنسان، في ماضي المعرفة، ما تَرَأَى له، أو ما هو شَيْءٌ من خيالاته. فبقدر ما كانتِ اللغة بين أَهَمّ ما ابتكره الإنسان، مِمَّا أتاح له أن يَخْتَبِرَ قيمةَ الأشياء، وطبيعةَ علاقتِه، بهذه الأشياء، وِفْقَ رؤيتِه لها، أو كما ستتبدَّى له، فقد حَرِص الإنسان على التَّعْبِير المُجَرَّد، أو التعبير باالتَّصْوير، وبما كان يُحْدِثُه من حَفْرٍ في الكُهوف، مِمَّا ما يزال إلى اليوم حاضراً، أو هو شهادةً عن وَعْيِ الإنسان المُبَكِّر، ولو في صيغته البدائية، بالتَّعْبِير الجَمالِيِّ، الذي هو خَلْقُ الإنسان لمساحاتٍ من التَّعبير، ليستْ بالضَّرورَة هي ما يقوله الواقع، أو ما ينبغي أن يقوله هذا الواقع. فالإنسان أدْرَكَ، منذ هذا التاريخ البعيدِ، أن الإنسان خالِقَ صُوَرٍ، ومَجازاتٍ، وهو، أيضاً، خالق صور، ورُسوماتٍ، هي وعيه الشَّخْصِيّ بالوجود.

في ثقافتنا العربية، كان الرَّسْم أو التصوير، بما يعنيه من تشخيصٍ، خارِجَ اهتمام الإنسان الذي بقي مرتبطاً بالكلمة، أو بتشكيلاتِ الخَطِّ، لِمَا كان يفهمه، في علاقته بالدِّين، من أن التصوير ليس من شأن الإنسان. لكن الرغبة في اختراق أُفُق الجميل، والفاتِن، من الأشياء التي أدْرَكها الإنسان، ولَمَس الحاجَةَ المَاسَّة لَها، جعل من التشكيل يصبح ضرورةَ تعبير في ثقافتنا، وفي فكرنا، ووجداننا العام.

صحيح أنَّ هذا الوعي ليس شامِلاً، وهو ما ينطبق على الكتابة نفسها، لكنه أصبح موجوداً، وينتشر، بشكلٍ شَرَعَتْ فيه الثقافة العربية في إحْدَاثِ ما يمكن اعتباره تراكُماً جمالياً، هو مقدمات لِما يمكنه أن يُحْدِثَ انقلاباً في الرؤية والتصوُّر الثَّقافِيَيْنِ عند الإنسان العربيّ، بشكل عام.

في هذا السِّياق يعمل الفنان شفيق الزكاري، ليس كتشكيليّ، تأخذُه الألوان، ويذوب في بياضات الأقْمِشَة، ومجهولاتِها التي هي امتداد للانهائي، بل، وأيضاً، كباحثٍ، وناقدٍ، تشغله تعبيرات الألوان، وما تفتحُه من انْشِراحَاتٍ في المكان، كيفما كانت طبيعةُ هذا المكان وامْتِدادَاتُه. فهو زاوج، بامتياز، بعكس التَّشْكِلِيِّينَ العرب، والمغاربة الذين اقْتَصَرُوا على الصِّباغَة، وزواج الألوان، بين اليد واللِّسان، فكما ترسم اليد، وتتمرَّغ في امتزاجات الأصباغ، فهي تكتبُ، مُكْتَفِيَةً بسواد الحبر، لِتَفْضَحَ ما عَلِقَ في هذه اليَدِ، نفسِها، من بقايا أعمالٍ، إما لشفيق نفسِه، أو لغيره ممن يعرف أعمالهم، أو ساهَمَ في ترميم بعض شُقُوقِها.

شفيق فنان مشغول بالألوان، مشغول بِنَزَواتِ البياض، وبما يمكنه أن يَتْرُكَهُ عليها من خُدوشٍ، وحتى من حَفْرٍ، بحسب ما يَقْتَضِيهِ سِياقُ العمل الذي هو غارِقٌ فيه. لكن، مِمَّا لا شكَّ فيه، فشفيق الزكاري، يعيش التشكيل تصويراً، وكتابةً، ولا يَفْتَأُ يكتب، كما لا يفتأ يُعيد تفكيرَ أعماله، وأعمال غيره ممن يرى فيهم القُدْرَةَ على الأبداع، والخَلْق، والإضافة.

مَنْ يقرأ كتاباته النقدية، أو النظرية، في التشكيل، سَيُدْرِك أنَّ هذا الفنان، بقدر ما يُؤسِّس لأفق جماليّ، هو تعبير عن رغبته في توسيع مجالات التشكيل، وفتح أراضيه على كل ممكنات التعبيرات الجمالية، فهو يكتب ليُثِيرَ انتباه المُهْتَمِّين، ومُحِبِّي الجمال، بما يحفل به العمل من تفاصيل وجُزئيات، ناذراً ما تُتيحها العلاقة لمُباشِرة بالعمل، أو باللوحة. ثمة ثقافة فنية، وجمالية، لا بُدَّ منها لاكتناه الطبقات الخفية في تراكمات الألوان، وعناقاتِها المُفاجِئَة.

المحمدية في 28 أبريل 2013


أقرأ أيضاً: