التقاها: صالح دياب

لمناسبة صدور مجموعة شعرية جديدة لها

هدي حسينتنتمي الشاعرة المصرية هدي حسين إلي جيل الثمانينات في الشعر المصري، وهي أحد الأسماء الأساسية في هذا الجيل. تتوسل الشاعرة قطيعة جمالية وتعبيرية مع لغة شعراء السبعينات ،ذاهبة نحو كتابة تجعل من العالم ضيفا، دائما ،علي القصيدة من جهة أخري تقذف النثر في الخطاب الشعري، إلي الحد الذي تجعل من القصيدة أحيانا تقارب البديهي الذي هو رهان علي شعريته والخارج بوصفه مرآة للداخل ومدخل وحيد لإضاءة العالم الداخلي.
لهدي حسين أربع مجموعات شعرية هي: ليكن 1996، فيما مضي 1998، عشوائية 2000، أقنعة الوردة 2002. وروايتان هما: درس الأميبا ، الجسر .إضافة إلي ترجمات من اللغة الفرنسية لروائيين فرنسيين: مرغريت دوراس،أني إرنو،فرانك بيجو. هنا حوار مع الشاعرة هدي حسين حول مجموعتها الشعرية الخامسة نحن المجانين ، الصادرة حديثا عن وزارة الثقافة اليمنية:

*تبنين قصيدتك من مواد وعناصر العالم الخارجي إلا أن العالم الداخلي يبدو هو الأساس في اشتغالك الشعري.هل تحدثينا عن العلاقة بين الداخل والخارج في قصيدتك؟

كلما لمست خلية من جلدي تيقنت أنه يمكنني أن ألمس المجرة. ففي كل خلية نواة يدور حولها في مدارات وهمية الكترون ونايترون وبروتون.. تماماً كالكواكب حول الشمس.. قد يبدو كلامي علمياً لكنني لا أفرق بين العلمي والشعري. بين الفيزيقي والميتافيزيقي.. لا أحب أن أتعامل مع العالم بثنائيات ضدية، أظن أن الإنسان لم يخترعها إلا لتحديد وتعريف عدد من الأشياء فلماذا يترك لهذه الأمور أن تستعبده؟.. تماماً كالمصطلحات النقدية، لا تهمني معرفتها بينما أكتب. كل شيء في العالم هو أداة بحث عن الذات. وبالعالم يمكنني أن أكتشف نفسي أكثر. هذا العالم قد يبدأ من أمعائي وقد ينتهي بالله. وقد لا يكون بالضرورة يمشي بينهما في خط مستقيم.

*تذهبين ـ أحيانا ـ إلى تسجيل الوقائع كما هي دون أدنى اشتغال شعري. أين يكمن الشعر في رأيك؟ كأنما تسعين إلي المراهنة علي الشعري في العادي والعاري تماما؟

الشعر ليس زخرفة إنشائية. وقد تكون الكتابة عموماً هي الطريقة الوحيدة المنظورة للكشف عن حقائق أمور كل شيء يحاول تزييفها ويحاول حجبها. قد تكون الكتابة الأدبية أصدق في يوم من الأيام، من دراسة التاريخ أو متابعة نشرات الأخبار.. هناك أشياء لو اشتغلت عليها شعرياً حسب قولك، فإنني سأكون كمن يضع مكياج المهرج علي جثة انفجر فيها للتو لغم! كل شيء واضح وصريح الآن لدرجة تجعل الهم العام هو محاولة ستر ما يحدث. وفي لحظة كهذه، لا يمكن للشعر أن يهادن هذه المحاولة مهما كانت المخاطرة.

*يشكل الإخبار عنصرا أساسيا داخل قصيدتك، مع ذلك فهو لا يقود القصيدة إلي التقرير. ماذا عن بحثك في هذا المجال؟

صحيح. الإخبار عنصر أساسي عندي. فأنا أحس أنني مسؤولة عن الإبلاغ بما يصل إليه بحثي في نفسي وفي العالم. قد تكون عملية الإخبار هذه تطورا طبيعياً لفكرة الشاعر النبي.. لكنني لا أتنبأ.. فقط أشعر أحياناً أنني على شفا العدوى بمرض العماء بينما كل شيء واضح. وينبغي أن أحافظ علي بصري، وأن أخبر بما أراه. كل ما أراه يسطع في خيالي وفي ذهني. قد أكون مازلت عندي ولو ذرة من الأمل تجعل إخباري لا يصل إلي حد التقرير..

*تطلقين النثر في السرد الشعري إلي حد كبير.ألا تخشين الوقوع في البديهي؟

هناك بديهي هو بديهي لأنه يتبع قانون الطبيعة ونظام الفضاء الكوني (systٹme cosmic)، وغالباً هذا البديهي نسيناه أو تناسيناه لكي نحل محله بديهياً آخر من ما تعودناه هكذا صارت العادات بديهة. وهذا أمر أخرق بالضرورة. لأنه يجعلنا أكثر خضوعاً لمنطق الحيوان/الآلة، أكثر من منطق طبيعتنا كبشر أي كخلاقين ومخترعين ومجددين. المشكلة هنا ليست في العادات نفسها، المشكلة في اعتيادها. أي تحويلها إلي صنم يكون الخروج عن ممارسة طقوسه كفراً. لهذا فأنا لاأخشى الوقوع في البديهي، لأن البديهي في نظري ليس هو البديهي المعتاد عليه.. بل علي العكس أنا أطمح إلي الوصول يوماً إلي هذا البديهي الإنساني الذي هو جزء من نظام بداهة الكون الذي نسينا وجوده علي حساب وجودنا، فنسينا طبيعة وجودنا ووقعنا في عبادة العادة..

*لاتسعين إلى إعادة نسج علاقات جديدة بين الأشياء، كما أنك لا تذهبين تماما إلي العالم الخارجي، بمقدار ما تضيئين في أحيان كثيرة أفكارا صغيرة.من أين ينبثق الشعر لديك ؟ وما ذا عن شعرنة الأفكار داخل تجربتك الشعرية؟

الشعر كالسحر موجود في كل شيء. في معادلة كيميائية، وفي خريطة جغرافية وفي مسألة هندسية.. أنا لا أحاول أن أنسج علاقات جديدة. هذا صحيح. لأنني لا أؤمن بثنائية القديم والجديد.. أفضل التعامل مع الأشياء بشكل أفقي، أي توسعي، أكثر منه رأسي، أي تراتبي. وهذا لا لسبب قيمي سوي أنني مع الوقت اكتشفت أن النظام الأفقي أنسب بالنسبة لي. ثم أنني أجد الأشياء تكلمني. تحدثني عن نفسها. ربما لأنني أجد الشجاعة في كثير من الأحيان لكي أنفصل تماماً عن عالم الحركة المرتبط بالكائنات الحية وأتمكن بلا خوف من الموت أن أحاكي ثبات عالم الجمادات؟ ربما.. لكن أقول لك، لهذه الجمادات حولنا حكمتها الخاصة، وحياتها وعلاقاتها.. نحن فقط من كثرة ما نحب أن نسمع أصواتنا، نطغي بها علي صمت الجمادات المعبر.

*في قصيدة إنهم يصنعون الخبز وقصيدة راقب ثمة ذهاب إلي التضامن مع الآخر، مع ذلك لا تتحول القصيدة إلي حمالة لوظائف سياسية.كيف استطعت إنقاذها من الوقوع في هذه المنطقة؟

أولا أنا لا أقتنع بأن هناك عالما خارجيا وعالما داخليا منفصلان، فكل منهما مرآة للآخر.. ثم إنني لا أقتنع بوجود قضايا عامة وقضايا خاصة منفصلة.. أنا لا أحب الكتابات ذات الصوت العالي، وأظن أن عهد الميكروفون والجماهير الغفيرة قد انتهت صلاحيته. لكنني عندما قرأت أمل دنقل مثلاً ومحمود درويش برغم اختلافهما، عرفت لماذا أحببت كتابة كل منهما. أظن أن بالنسبة لهما لم تكن هناك قضية عامة. تحولت المسألة الوطنية لديهما إلي هم شخصي شديد الخصوصية ولصيق للذات، إن لم يكن جزءا من لحمها ذاته. لهذا أحببت كتابتهما. ربما كان هذا الحب مني حقيقياً لدرجة أنقذتني من الوقوع في الحنجوري .. أن أكون شاعرة فهذه طريقة في الوجود وليست وظيفة، ولا حتى دور.. إنها طريقة في الوجود تحاول بها أن تحافظ - علي الأقل لنفسك - علي حرية التعبير. أو تظل تؤمن بجدواها، برغم أن كل ما تقوله قد لا يغير شيئا في قرارات الدول أو مناهج الحكومات.

*نجد في قصائدك عددا من الحيوانات والحشرات. ما هي الوظيفة الشعرية التي تريدين تفعيلها عبر ذلك؟

أتذكر أن أول كتاب اشتريته في حياتي، من مصروفي الخاص وبكامل اختياري كان اسمه شخصية الحيوان .. لا أعرف لماذا من سن صغيرة كنت أثق في أن الحيوانات تعرف أحياناً ماذا تفعل أكثر مما نعرف نحن ماذا نفعل.. القراءة عن الحيوانات والطيور والزواحف والحشرات تبدو لي شيقة طوال الوقت. لكنني لم أحب أبداً محاولة أنسنة الحيوانات وشخصنتها مثلما كان يحدث في كتابات لافونتين مثلاً. كان هذا يبدو لي سخفاً ومحاولة لإلباس هذه المخلوقات ما يعوق حركتها الحرة في الكون من أخلاقيات وحكم ومواعظ تعليمية.. ثم يبدو أن قراءاتي في الديانات القديمة فضحتني! لأنني أحب التماس مع الكثير من الآلهة المصرية القديمة. وأعرف أن المصريين القدماء لم يحاولوا طمس معالم الحيوان مقابل إصباغ ما يريدون من طباع عليه، علي العكس أظنهم احترموا هذه الحيوانات إلي حد التأليه لأنهم أدركوا ما في كل منها من خصائص وطباع جميلة أو مخيفة يمكن الاستفادة منها أو تعلم اتقائها. الذبابة مثلاً كانت رمزا للمقاتل المغوار، لأنها لا تكف عن الحومان حول فريستها مهما نفضتها بعيداً، ومن هذا الإصرار وهذه العزيمة ينبغي أن تنبع إرادة الجندي.. قادني حبي لكيفية احترام المصريين القدماء للحيوانات بخصالها كما هي في الطبيعة، قادني إلي التعرف علي أحدي العقائد المماثلة تقريباً، وهي العقيدة السامانية. والتي تؤمن بالطواطم من الحيوانات والنباتات، ومثلها مثل بعض الإرشادات في الطب الفرعوني، تؤمن بأهمية ألوان الطيف والمنشور واستجماع اللون الأبيض للأشعة الموزعة عبر مستويات الجسم البشري المختلفة.. لن أطيل عليك أكثر من هذا برغم إنه بالنسبة لي هذا موضوع شيق جدا جدا.. لكن باختصار أتعلم من هذه الكائنات كيف تعيش وجودها بطبيعته. لا أريد أن أحاكي تصرفاتها، لكنني أريد أن أحاكيها في المبدأ، أن أعيش وجودي علي طبيعته. أتذكر أنني عندما نشرت ديواني الأول ليكن هاجمني أحد الصحافيين لأنني علي حد قوله شاعرة الحشرات وأخذ يتهكم علي ديواني باعتباره كما قال ديوان الصراصير. مشكلة هذا الصحافي أنه ينظر إلي الحشرات بوصفها حياة أدني.. هو يؤمن بطبقية العلاقة بين الإنسان والمخلوقات الأخرى، بل وايضاً يري أحكاماً جمالية مسبقة علي القصيدة ينبغي أن أتبعها مثلا لو قلت وردة فهذا جيد لأنه شعري، ولو قلت ذبابة فهذا مقرف.. أظن أن هذه الطريقة في التقييم ما هي إلا نتيجة لـ بديهة حكم العادة التي اخترعها الإنسان واعتادها واعتاد أن يتبعها، وهي البديهة التي لا أحب الانتماء إليها، لأنها تبتر العلاقة بيني وبين ما حولي من أفكار أنتجته عقليات محترمة علي مر الأزمنة والأماكن علي هذه الكرة الأرضية.

*لا تعيرين اهتماما شديدا إلي الصورة الشعرية.من أين تأتي البراءة التي تشيع داخل القصائد؟

لا أعرف بصراحة. لكن سؤالك يجعلني أبتسم. فكثيراً ما قيل لي أن في كتابتي براءة ما، وطفولة ما.. وأنا أعتبر الطفولة شيطنة، فالطفل كان هو الوحيد بين المتفرجين علي موكب الملك، الذي استطاع أن يقول أمي أمي، الملك عارٍ هذه في نظري هي البراءة. ألا يحكمك ما يقول الـ كبار عنه انه عيب أو لا يصح قوله أو فعله.. أن تتبع هواك بلا أحكام قيمية. ألا تضع رقابة علي ذاتك ولا أفعالك ولا كتابتك.. ألا تخشي أن تكتب شيئاً يشبه المعتاد كي لا يقول الناس عنك غير مجدد، ولا أن تخشي أن تكتب شيئاً جديداً قد لا يفهمه أحد.. ببساطة، طبيعة عين الطفل لا تري الأبعاد. وتري كل شيء مسطحاً، مما يجعل الطفل لا يأخذ حذره أمام زاوية الطاولة مثلاً.. أنا أحب عدم الحيطة هذا، والاندفاع بغشامة تجاه معرفة الأشياء.

*تدمرين حكايات وتعيدين كتابتها من جديد، مع ذلك تبقي اللغة حيادية.كيف تنظرين إلي علاقة الشاعر باللغة؟

وما رأيك في الشعر قبل اللغة؟ هل تظن أنه لم يكن هناك شعر في عصر ما قبل التاريخ؟ ربما لم تكن هناك قصيدة مكتوبة. لكنني أظن أن، أصلا، خلق الكون حدث شعراً، وما نعيشه في هذه الدنيا ما هو إلا استعارة.. أنا كالأطفال وأحب شيطنتهم ثاقبة الذهن، والتي يمكنها أن تتنكر في ثوب من مكر يسميه الناضجون البراءة.. كالأطفال أيضاً أحب أن أفكك وأعيد تركيب الأشياء. وهل هناك فرض يقول أنه ينبغي أن يبقي كل شيء علي حاله؟ إننا نعيش علي هذه الكرة الأرضية في حالة دوران مستمرة، فكيف نصدق ثبات العالم! اللغة وسيلة تواصل، وهناك لغات مكتوبة، نصطلح علي تسميتها باللغة لكن هناك لغات كثيرة في هذا العالم. الحركة الجسمانية والنبرة الصوتية والنوتة الموسيقية، والمعادلة الكيميائية والطلسم، حركة الهواء والسحب، اللمسة لغة..الخ.. كلها لغات. ولو كان صحيحاً أنه في البدء كانت الكلمة، فهل يعرف أحد بأي من هذه اللغات نطقت؟! خصوصاً أن هذه الكلمة ينبغي أن تكون حدثت في عصر ما قبل التاريخ بما أنها حدثت في البدء.. أم أنه مكتوب علي الشاعر أن يتصف بالمحدودية بأن يحصر علاقته باللغة في علاقته باللغة التي يكتب بها فقط؟! مع ذلك لا أعتقد أن هذه الحيادية في اللغة تأتي من رغبة في عدم التفاعل مع ما أكتبه، بالعكس، أظنني متفاعلة تماماً مع ما أفككه وأعيد تركيبه لدرجة جعلتني غير متعجبة من هذا التفاعل. ومن عدم التعجب تجاه غير المنطقي خرجت هذه اللغة حيادية.. لهذا العالم الذي أفككه وأعيد تركيبه من الحكايات منطقه الخاص، وهو ليس غريباً بالنسبة لي..

*لقد درست الأدب الفرنسي، لكن لم تقعي تحت تأثير المشغل الشعري الفرنسي. كيف استطعت الإفلات من هذا التأثير؟

أغلب قراءاتي أصلا ليست قراءات أدبية. ربما لهذا لم أقع في فخ التقليد، لو أردنا القول.. لكن لا تفهمني خطأ فقد أحببت دراستي للأدب الفرنسي حبا شديداً.. فقط كنت أتساءل، ألم تكن هناك شاعرات علي مدار التاريخ الجليل للشعر الفرنسي؟ أم أنهم تعمدوا عدم إدراجهن في مناهجنا.. طبيعي أحببت كتابات شعراء مثل رامبو ولوتريامون وبودلير.. لكنني أحببت أكثر موريس دو جيران وألفريد دو فيني وجيرار دو نيرفال.. أظن أن كتابات فرانسواه مورياك وميشيل بيتور كانت أهم عندي من قراءة بودلير، اللهم الا في يومياته. كانت سخرية فولتير (وليس موليير) من أهم ما أثر في شخصياً. وكانت اعترافات روسو تقودني بدون أن تدري إلي اعترافات قناع ليوكيو ميشيما.. الغريب أنني علي مدار دراستي وقراءاتي عموما في الأدب أثرت فيّ روايات أكثر مما أثرت فيّ قصائد.. لا يمكنني أن أنسي مثلاً لعبة الكريات الزجاجية ولا سد هارتا لهرمان هسة، كما لا يمكنني أن أنسي الجميلات النائمات لكواباتا..وقبل كل شيء لا أظنني يمكنني أن أعيش أصلا بدون حكايات ألف ليلة وليلة.. لكن ما أفلتني من فخ المشتغل الشعري الفرنسي أساساً هو أنني لم أحاول في بداياتي وحتى الآن أن أقلد نموذجا ما للكتابة، أو لنقل أنا أصلا أريد تدمير فكرة النموذج الأوحد هذه.. أريد كتابة تتسم بفردانية لا يمكن تأطيرها، وإن كانت تتماس مع تفاصيل مرتبطة بحياة جموع من البشر.

*ترجمت عددا من الكتب عن اللغة الفرنسية.هل تحدثيني عن خياراتك في هذا المجال وتأثيره علي تجربتك الشعرية؟

أقل شيء يمكنني أن أقدمه لبشر كتبوا ما كنت أريد أن أكتبه، واختصروا لي بذلك طريق البحث في الذات والعالم،هو أن أخفض لهم قبعتي احتراماً، وأن أستقبل نصهم في لغتي العربية ضيفا مكرماً.. أظن أنه من هذا التواضع والاعتراف بفضل الغير تنبع الترجمة. فلا يمكنني أبداً أن أنسي قصائد كريستين بونت السويسرية في الكتيب الذي أصدره غاليري مشربية مع المعرض المقام لهذه الفنانة التشكيلية، الشاعرة في آن عام 1994.
عندما ترجمت هذا الكتيب فتح لي بابا واسعاً علي الصمت والإنصات. وهما صفتان مهمتان جدا للحوار مع الأشياء المحيطة بنا في هذا العالم. فنحن لسنا هنا وحدنا. أشعر بالفخر عندما أعيد قراءة ترجمتي لـ الكتابة لمارغريت دوراس، لأن الجزء الأول من هذه المجموعة القصصية، والذي تتحدث فيه عن علاقتها بالكتابة أحس أنها تشبهني تماماً في علاقتي بالكتابة، فهي تعرف أن كل شيء يكتب، الذبابة التي تحوم قرب حائط حديث الطلاء تكتب بالحركة موتها.. كان يهمني جدا أن أجد عملاً شاباً في فترة من الفترات يزيد الثقة في شباب الكتاب عندنا بأنهم ليسوا وحيدين في هذا العالم، حيث أن أغلب الترجمات هنا تكون لكتاب الجوائز أو كتاب الخمسين سنة السالفة علي الأحدث.. هنا وجدت رواية وضع حد لفرانك بيجو وهو روائي فرنسي من نانت مواليد عام 1970، وروايته كانت أهم ما وجدت من كتابات الشباب في المركز الفرنسي بالقاهرة.. وعندما قرأتها شعرت أنني أقرأ لواحد من زملائي.. فأردت أن أدرجه في الشلّة.. هناك أيضاً آني إرنو التي أتحفتني الدكتورة القديرة والعزيزة أمينة رشيد بأن عرفتني علي كتاباتها.. ومنذ ذلك الحين وأنا أقرأ لهذه الكاتبة التي ما إن يصدر لها كتاب إلا ويختصر لي أنا شخصياً مناطق كثيرة في البحث.. وكأنها توأمي الذي يسبقني بخطوة. وهذا أمر مفرح جدا. أن تجد دليلاً وسط صحرائك.. هذه الكاتبة ترجمت لها حتى الآن ثلاث روايات.. أنتظر أن أجد شعراً يعجبني حتى أترجمه.. بالفعل توصلت إلي كاتبة اسمها كلودين هلفت كاتبة فرانكوفونية (أظنها سويسرية لكنني غير متأكدة) لها في أحدي الأنطولوجيات، قصيدة قصيرة لكنها مؤثرة جدا.. لكنني حتى الآن لا أعرف كيف أصل إلي كتبها الشعرية.. وحتى ذلك الحين، أترجم الآن رواية عنبر الأطفال المجانين لفاليري فالير وهي فرنسية من أصل مغاربي توفيت عام 1981، وكتبت روايتها هذه في سن الخامسة عشرة عن تجربة عاشتها في مصحة عقلية للأطفال في سن الثالثة عشرة.. يمكنك طبعاً تخيل الأسباب التي دعتني لترجمة هذه الرواية..

القدس العربي
2005/03/11


إقرأ أيضاً:-