عباس بيضون
(لبنان)

عباس بيضونلا أعرف شاعراً كتب قصيدة عن الضاحية ولا أظن ان قصيدة تغني دمارها ممكنة، سنقرأ بالطبع قوافي وأوزاناً لكن من ينتبه. العيون التي فتحتها الصواريخ في المباني ستبقى لفترات طويلة ذات نظرة رهيبة لن يستطيع الشعراء مقابلتها. لن يعرفوا ماذا يفعلون بضلع إسمنتي مكسور. كيف يرون جناحاً باطونياً هاوياً. كيف يتأملون تلك المجلدات الحجرية النائمة على بعضها بعضاً . سيخافون أكثر من هذه الديناصورات المعمارية التي اختفت بدون صراخ. ولن يستطيعوا بالطبع ان يجدوا قافية لأوذيسه الردم التي لا تنتهي، لتسونامي الردم وموجاتها المقلوبة على بعضها. للقلوع المهتزة في أعالي البنايات وللأسمال الحجرية التي تنازع فوق ولليباب الهائل الذي ظهر فجأة. سيفزعون اذ يسمعون النداءات التي لا تزال تغرغر والتي تحولت إلى نشيد حجري أصم. سيفزعون لأن الموت لا يزال اخضر هنا ويمكن ان ينفجر فجأة كربيع جنوني، لأن شيئاً يمكن ان يدب في هذه التجاويف القمرية، شيئاً من الروح يمكن ان يسري في هذا الكوكب المنهار. أين نجد قافية بهذا الحجم يقول شاعر اعتاد على ورد الجنائن. أين نجد وزنا لهذا الزلزال. سيفتش شاعر بحق عن عشبة في الشقوق، عن منديل وسجادة مهدبة، عن مسبحة وعصا مكسورة، اذ ان حساب الزلازل والانفجارات الكوكبية وهيجانات الطبيعة أمور لا مفردات لها .
يمكن للشعراء ولغير الشعراء ان ينتبهوا إلى ان هذه المدينة غير المسماة، والتي تكلمت غالباً بمقاييس وأحجام هائلة، لم يسمعها أحد، ولا نعرف إذا كانت خاطبت الشعراء أو فكرت بهم. هذه المدينة غير المسماة لم تطلب كلمة من الشعراء وحين كان عليها ان تختار وجدت الكلمة التي فقدت من قاموسهم. لم تكن المسألة مسألة كلمات. كانت كراهية الأم الأولى والأم الثانية وانكسار الأب مركب عذاب تداوى خفية عن الجميع، بالنسيان كانت الغيبوبة العظيمة وفي الغيبوبة وربما منها ولدت جبال من حجر وإسمنت، وُجدت عمالقة وأطنان من الركام، قامت مدن بادعاء مدن أخرى ومن أكاذيب مدن أخرى ومن خداع بريق مدن ثانية. في الغيبوبة وجد واقع متأخر عن نفسه بسنوات ضوئية، لا لغة بالطبع لأمكنة ولدت من انفصالات لا تحتمل آلامها إلا بانفصالات ثانية. من تروما لا تداوى إلا بقدر من الاختفاء. كنا غير مسمين على أرض غير مسماة نعيش في هذا اللا مسمى لنكره مدنا أخرى، لنعبد مدنا أخرى. ليس لنا قبَل بأم ميتة ولا جنة بدأت كأم، بأب انهار عقاله وشاربه قبل ان يغدو هو نفسه أبا. كنا فجأة آباء أنفسنا ورجال أنفسنا وبكراهية لحنان عاجز وعذاب برجولة مزدراة. الاسم المفقود غدا لا مسمى والعالم المكروه غدا شاغرا. كنا فائض مدن وفائض حياة وفائض بشر وفائض زحام وهنا حيث لا سحنة لأحد كان علينا ان نتنقل بلا وجوه في سديم غير معلم ولا محدود. هنا لا شيء سوى مكان بين أمكنة، قامت أسواق الضرورة ومدارس الضرورة ومآذن الضرورة ولم ننتبه. لم يوجد شيء لأجل ان نبصره. لم يكلمنا شيء، سوى عشبة في رؤوسنا، سوى سمندل غريب انتسب لنا من طرف العالم .
لم يكتب شاعر عن الضاحية، هل يمكن لشاعر ان يقول شيئا عن مساحات مهدمة تحتاج إلى توبوغرافي، إلى فلكي، إلى مخطط مدن، إلى سينمائي، إلى كومبيوتر أكثر منها إلى شاعر. إنه ركام على ركام، وسهول ركامية. هل ننحرف فنتكلم عن جمال هنا، أم ان الركام الحقيقي على لساننا. اذ في هذه الغيبوبة المديدة لم توجد مفردة ولا سحنة ولا هيئه لهذا الذي استحال الآن ركاماً. هل نتكلم عن تاريخ مفقود لم نشعر به إلا ونحن نراه منهاراً. هل نتذكر الآن ما مر بوصفه تكرارا لا يذكر. هل نفكر الآن بلغة لما لم نعطه اسماً ولا أوصافاً، لنر على الأقل . لنبصر على الأقل الحياة التي لم نعترف بها، الإنشاءات الهائلة التي اعتبرناها فقط مضادة للعمران، الأحياء التي مللنا من ان لا نستطيع مغادرتها وغادرناها دائما بالروح والفكر. لننظر الآن، من صنع كل هذا الركام الذي لم نتخيله أحيانا كثيرة إلا ركاماً. لننظر لقد كانت هنا بالتأكيد تفاصيل وأوقات وأشياء صغيرة قبل ان يغدو كل شيء مقاسات جهنمية. لنبحث الآن وسط كل ذلك عن عشبة بين الشقوق، عن دمية، عن مسبحة، عن عباءة، عن مكحلة، عن أدوات زينة. كان هذا هنا بالتأكيد، انه يلمع بالكاد فوق التراب، لا تحسبوه دموعاً، لا تحسبوه خداعاً صيفياً. كان هنا نساء جميلات وغير جميلات، رجال رائعون وغير رائعين، أطفال وأطفال تتكرر ضحكاتهم في المنازل، كان هناك بخار شاي وبخار حساء ومخادع تصيح بالرغبة وصبايا أجمل من العنقود. كان هؤلاء هنا وقد زالوا الآن فهل يمكن اختراعهم. هل هناك آلة للذاكرة تعيدهم صوراً أو أوهاما أو أفكارا أو أغاني أو أساطير. هل هناك ما يمكن ان نسميه مركب الغياب، مرض الواقع، أو مرض الذاكرة أو المخيلة، مرض كراهية الأمهات أو العجز عن رؤيتهن كادحات وبائسات، ومرض اللغة نفسها. هل ستقول لنا جبال الأحجار والركام هذه مزيداً عن أنفسنا، هل نجد إلا ركاماً في دواخلنا. الحياة والزمن واللغة شقع لا غير .
نتعجب ونحن نرى هذا الركام أو لا نراه مجدداً . نتعجب فقط من الهول لكننا لا نبكي، دمعة الندم إذا وجدت ستكون اكبر من صخرة وستسحقنا. ربما سيكون لنا، في الألف القادمة درس ان نكون أسوياء. ان نحب أمهاتنا جميلات وغير جميلات، ان نحب أنفسنا ولا نسقط تحت نرجسية رجولتنا المزدراة، ان يكون لنا بيت وموطن وحياة .
مثل كل الناس، الذين عاشوا في الضاحية أو لم يعيشوا كان لي شيء في الضاحية، أصل ليس له ذكر ولا سحنة ولا يعد بين الأصول. كان هنا الكلام الأميري والمائدة والمنادمة والمغامرة اليسارية ولائحة الرجال وعبق دخانهم والحريات غير المسماة وحب الزحام والتيه والدوران في الشوارع والحارات والناس والضيافة. كان لي شيء هنا، قميص هنا، جلد هنا، كان مقدرا ان ننسى الضاحية لنغدو رجالا، كان مقدراً ان نكرهها بدلاً عن أنفسنا، كان مقدراً ان نخجل بأكثر أيامنا رغبة وحرية وطلاقة كجزء من مرضنا مع الواقع. لم نعد كثيراً إلى الضاحية، بعضنا صار يتكلم عن الزحمة والحفر وأشياء أخرى، لقد دخلنا في نسيان متبادل وعزلة متبادلة. كانت عدميات تولد من عدميات، لا داعي للندم. الركام والردم يقعان أيضا في ذاكرتنا ودواخلنا. لنواصل فقط جرح حياتنا، مرض الواقع هنا حيث يمكن للبؤس ان يتحول أسلوبا، حيث تعلمنا فكرة صحيحة عن الشفاء. لا احد يطلب كفارة، لأن الأبواب لا تطرد أحداً، لأن لنا دائماً شيئاً أول. ليس فقط عندما نموت، ليس فقط عندما يموت أصدقاؤنا. لنا بريد الوحل وجماليات الزحام، لنا أسماء على الأحجار وأحجار وقعت كأسماء. لنا فائض الحياة وفائض الباطون، حيث الجدران لا أم لها، حيث الجدران لا تكون عائلة. لنا البيوت التي لا تضيق والأبواب التي لا تطرد أحداً. لنا شيء تركناه في وسط الجريدة، في منتصف الغرفة، في أول الزجاجة. لنا منازل تُصنع بكرسي وموائد تُنشأ من طبق واحد، لا أحد يطلب كفارة في هذا المكان الذي هو حياتنا، والأبواب لا تطرد أحداً.