هاشم صالح
(سوريا/باريس)

محمد أركون أعتقد شخصيا أن أهمية باحث كأركون تعود إلى أنه طرح الأسئلة الجوهرية الراديكالية على التراث العربي الإسلامي . ولهذا السبب ارتبطت بهذا الفكر على مدار السنوات وحاولت فهمه أولا قبل أن أفكر بترجمته إلى العربية. كل ما عدا ذلك من تفاصيل ثانوية أو شهرة أو أمجاد شخصية لا يعنيني أمره في شيء. أما فيما يخص التعرية الأركيولوجية أو الجيولوجية لتراث الإسلام منذ بداياته الأولى وحتى اليوم فإنه يعنيني وبالدرجة الأولى. ولو وجدت هذا الفكر عند باحث صيني أو ياباني أو من أي جنسية أخرى لاتبعته. فما بالك إذا كان صادرا عن مفكر جزائري كبير؟ فأنا أبحث عن حل أو خلاص في هذه الظروف المدلهمة.أنا أنطلق في كل دراساتي وبحوثي من المسلمة التالية: نحن بحاجة إلى تحرير فكري لم يسبق له مثيل في التاريخ. نحن على مفترق طرق. نحن في مهب الريح.. وربما نكون قد دخلنا في متاهة، في داهية دهياء لها أول وليس لها أخر. فنهاية النفق المظلم لا تزال بعيدة والفجر ليس غدا..والعالم العربي والإسلامي ككل لن يخرج من المغطس الذي يتخبط فيه حاليا إلا بعد دفع الثمن الباهظ.

من الذي طرح مشكلة الوحي بشكل تاريخي وأنثربولوجي مقارن يشمل جميع الأديان التوحيدية وحررنا بذلك من رهبة النصوص المقدسة إن لم يكن إرهابها؟ من الذي طرح مشكلة العلاقة بين الوحي والحقيقة والتاريخ من خلال أعمال الغزالي؟ من الذي درس مسألة العلاقة بين الوحي والحقيقة والعنف بشكل جديد كليا من خلال تحليله لسورة التوبة أو سواها؟ فكل الأديان وكل أنواع المقدسات استخدمت في لحظة ما من لحظات التاريخ لتبرير العنف أو لخلع المشروعية الإلهية عليه. من هنا جرأة الجهاديين على القتل والذبح وارتكاب التفجيرات والمجازر الجماعية. فمن يعتقد بانه يمتلك الحقيقة المقدسة المطلقة المتعالية يحق له أن يقتلك بل ومن واجبه أن يقتلك لأنك تقف خارج هذه الحقيقة بمجرد انتمائك إلى دين آخر أو حتى عدم انتمائك إلى أي دين أو مذهب. انك كافر في نظره وبالتالي فحياتك كلها لا تساوي حشرة أو بهيمة. وإذن فالمسألة ليست محصورة بالإسلام فقط وان كان هو الذي يشغل العالم حاليا. انظروا الى ما فعلته المسيحية عندما كانت لا تزال أصولية متعصبة أيام الحروب الصليبية أو محاكم التفتيش أو الحروب الأهلية الطائفية الكاثوليكية البروتستانتية. ولا أقول ذلك لتبرير ما يحصل حاليا وإنما من اجل المقارنة والفهم والنظر.
وأركون يدعونا دائما للمقارنة لكي نفهم. إنه يقارن دائما بين الانظمة اللاهوتية الثلاثة، اليهودية فالمسيحية فالإسلامية، ويكشف عن أن آلياتها في النبذ والاستبعاد تبقى واحدة على الرغم من اختلاف مضامينها وعقائدها وطقوسها. إنه يدعونا للخروج من الجدران الضيقة لتراثاتنا الخاصة التي ولدنا فيها أو تربينا عليها لكي نتعرف على تراثات أخرى ونفهم الظاهرة الدينية من أوسع أبوابها.. إنه يدعونا لتوسيع عقولنا ولو قليلا لكي نخرج من طوائفنا ومذاهبنا ونتنفس الهواء الطلق في الخارج. من الذي سلط أضواء العلوم الإنسانية والاجتماعية على النص المؤسس للإسلام فأضاءه بشكل لم يسبق له مثيل من قبل؟ وكان ذلك من خلال كتابه: قراءات في القرآن، حيث قدم برنامجا كاملا لتجديد الدراسات القرآنية وربطها بحركة العلم والعصر. وقد استفاد مما حصل للتوراة والإنجيل من نقد تاريخي مضيء على يد علماء أوروبا.
أنظر بشكل خاص تحليله الرائع لسورة أهل الكهف حيث ربطها ليس فقط بالأديان التوحيدية السابقة على الإسلام كاليهودية والمسيحية، وإنما أيضا بأديان الشرق الأوسط القديمة السابقة على الأديان التوحيدية بكثير. فالعهد القديم مثلا، أي التوراة، استفاد كثيرا من حكايات وادي الرافدين والقصص الحثية والأناضولية والأوغارتية والكنعانية والمصرية. هذا في حين أن القرآن عكس ذلك بشكل غير مباشر من خلال التأثر بالتوراة والإنجيل. ولكن عظمة القرآن تتجاوز النقل الحرفي والتأثر المباشر على عكس ما يزعم بعض المستشرقين.. فقد صهر كل العناصر السابقة وقدم تركيبة عبقرية جديدة. هذا ما برهن عليه أركون من خلال أبحاثه الريادية. وبالتالي فهو لم ينقص من عظمة التراث الإسلامي أو القرآني، على العكس.

وهكذا تضاء الأمور من جذورها، من أعماقها، من أعماق أعماقها.. على هذا النحو يكون التحرير الفكري أو لا يكون. من الذي كتب نقد العقل الإسلامي وليس العقل العربي لان المشكلة الأساسية في هذا العصر بالنسبة للعرب والمسلمين ككل هي العقل الديني أو كيفية التحرر من لاهوت القرون الوسطى ولا شيء آخر؟ المشكلة الأساسية هي في كيفية الانتقال من مرحلة العقل الديني إلى مرحلة العقل العلمي أو العلماني الفلسفي. فالعرب لم يتجاوزوا بعد المرحلة اللاهوتية القروسطية من مراحل التطور إذا ما استعرنا مصطلحات أوغست كونت في نظريته عن المراحل الثلاث من التطور البشري.
المشكلة الأساسية هي: كيف يمكن تعزيل التراث من أوله إلى آخره لكيلا يظل عالة علينا، عبئا على كاهلنا، لكيلا يعرقل إلى الأبد تقدمنا، انطلاقتنا، نهضتنا. فنحن سجناء أنفسنا شئنا أم أبينا..المشكلة الأساسية تكمن في كيفية تفكيك كل الرواسب التراثية والطائفية: أي كل اليقينيات المطلقة التي لا يتجرأ أحد على مساءلتها مجرد مساءلة حتى ولو خلعت المشروعية الإلهية على التفجيرات العمياء وقتلت آلاف البشر في الداخل والخارج على حد سواء.
المشكلة الأساسية تكمن في كيفية توليد لاهوت ليبرالي تحرري قادر على مواجهة هذا اللاهوت الظلامي الذي يتحكم برقابنا منذ ألف سنة على الأقل. وبالتالي فأركون لا يريد القضاء على الدين وإنما توليد فهم آخر، حر ومتسامح للدين. من الذي ساعدنا على ذلك وقام بأكبر عملية تعزيل داخلية لتراث الإسلام المتراكم الجبار؟ من الذي فتح لنا آفاق الفكر الحديث على مصراعيها عندما عرفنا على أعظم مدرسة تاريخية في هذا العصر: أقصد مدرسة الحوليات الفرنسية؟ وعلى هذا النحو رحنا ننخرط في قراءة المؤلفات الكبرى للوسيان فيفر ومارك بلوخ وفيرنان بروديل وجورج دوبي وجاك لوغوف وعشرات غيرهم..على هذا النحو رحنا نفهم كيف تمت عملية تجديد الدراسات التاريخية أو نفضها من أساسها رأسا على عقب. وأركون ليس إلا سليل هذه المدرسة وتلميذها المباشر. ولهذا السبب برع في تطبيق المنهجية التقدمية التراجعية على التراث العربي الإسلامي. بمعنى أنه عرف كيف يسلط أضواء الحاضر على الماضي والماضي على الحاضر لكي يفهم الماضي والحاضر على حد سواء. فكل مشكلة في الحاضر لها جذور في الماضي ولا يمكن حلها إلا بالنبش عن جذورها تماما كما يفعل التحليل النفسي. لقد عرف أركون كيف يموضع كل ذلك ضمن منظور المدة الطويلة للتاريخ لكي تتضح الأمور وتنجلي على حقيقتها. وهو المصطلح الشهير الذي بلوره المؤرخ الكبير فيرنان بروديل.

هناك مشاكل لا تفهم إطلاقا إذا موضعناها ضمن منظور المدة القصيرة فقط أو حتى المتوسطة. لنضرب على ذلك مثلا محسوسا لكيلا يظل كلامنا تجريديا معلقا في الفراغ. لنطرح مشكلة الطائفية أو المذهبية التي تنخر الآن في أحشاء العراق وغير العراق من بلدان المشرق العربي بل وحتى أفغانستان والباكستان وكل مكان. كم هو هزيل كلام معظم المثقفين العرب عن هذا الموضوع الخطير الذي يهدد بلدانا بأسرها بالحروب الأهلية والمجازر والتقسيم. أكاد اخرج عن طوري عندما أقرأ مقالات الصحف عن الموضوع. فهم يتحدثون عنه وكأنه ولد البارحة في زمن صدام حسين أو سواه، أو كأن المسؤول عنه فقط هذا النظام أو ذاك. هذه نظرة سطحية جدا للأمور. ولا يمكن أن تحل مشكلة الطائفية بهذا الشكل. الطائفية أقدم من ذلك بكثير، من هنا صعوبة مواجهتها.
إنهم يموضعونها ضمن منظور المدة القصيرة للتاريخ كما يقول بروديل وبالتالي فلا يمكن أن يفهموها على حقيقتها. أما أركون فيموضعها ضمن منظور ألف سنة أو حتى أكثر عندما يكشف لك عن كيفية تشكل المذهب السني لأول مرة وكيفية تشكل المذهب الشيعي في مواجهته وكذلك بقية المذاهب الإسلامية الأخرى التي تصارعت بحد السيف على مفهوم الإسلام الصحيح باعتبار أن كل مذهب يدعي احتكاره لنفسه من بين الجميع. وهذا ما حصل في المسيحية أيضا بين المذهب الأرثوذكسي والمذهب الكاثوليكي ثم المذهب البروتستانتي بعد القرن السادس عشر..ثم يقلب أركون المنظور التقليدي الذي رسخته كتب الفرق أو الملل والنحل رأسا على عقب ويقول: لا يوجد شيء اسمه إسلام صحيح أو إسلام خاطئ. هذه أسطورة سالت من أجلها الدماء أنهارا..كل المذاهب هي عبارة عن إسلامات صحيحة من وجهة نظر أتباعها. والمؤرخ الحديث ينبغي أن يأخذ مسافة متساوية عنها بدون أي تحيز مسبق أو تمييز وإلا فسوف يقدم خطابا طائفيا مثله في ذلك مثل بقية البشر بدلا من أن يقدم خطابا تاريخيا علميا موضوعيا. كلها متفرعة عن الرسالة الأصل: أي القرآن الذي يحتمل عدة معان ودلالات كبقية الكتب الدينية الكبرى التي تستخدم لغة مجازية عالية في معظم الأحيان. وبالتالي فالحل لا يكون في التعصب للإسلام السني أو الشيعي كما يفعل الكثيرون حاليا وإنما في الخروج من التسنن والتشيع على حد سواء. الحل يكون في الخروج من الإسلام التقليدي كله جملة وتفصيلا. ولكننا لا نستطيع الخروج منه إلا إذا موضعنا الأمور على أرضية البحث التاريخي المحض وتحررنا من مسلمات اللاهوت السني والشيعي.
ولكن كيف يمكن أن نتحرر منها إذا كانت راسخة في أعماق وعينا منذ الطفولة كحقائق مطلقة لا تناقش ولا تمس؟ نحن جميعا أسرى السجون الطائفية المقدسة.. ولا فكاك منها إلا بتفكيكها علميا وتاريخيا وإبستمولوجيا. وهذا ما يفعله محمد أركون منذ نصف قرن تقريبا. منذ خمسين سنة وهو يحفر أركيولوجيا على العقائد الإسلامية الأكثر رسوخا وقداسة ويكشف عن تاريخيتها، عن بشريتها، عن كيفية احتكاك الوحي بالتاريخ لأول مرة.
من هنا الطابع الانقلابي أو الثوري الراديكالي لصاحب مشروع نقد العقل الإسلامي. ولكن بما أنه سابق لعصره فان أحدا لا يهتم به أو قل إنه لا يحظى بالاهتمام الكافي حتى الآن. يضاف إلى ذلك صعوبة فكره وتعقيده وامتلاؤه بالمصطلحات الجديدة لعلوم الإنسان والمجتمع. فلكي تفهمه ينبغي أن تفهم كل نظريات الفكر الحديث في مجال علم الألسنيات والسيميائيات وعلم الأديان المقارنة وعلم النفس التاريخي وعلم الأنثربولوجيا وعشرات العلوم والاختصاصات الأخرى.. ولكن وقته سيجيء.

لا أزال أذكر كيف ألقى محمد أركون محاضرة عصماء في السوربون كشف فيها عن مدى ضعف كتاب هشام جعيط "الفتنة الكبرى" قياسا إلى أبحاث كبير مستشرقي الالمان جوزيف فان ايس عن نفس الموضوع. فالباحث التونسي المعروف ظل تقليديا ولم يستطع زحزحة المشكلة عن أرضيتها القديمة قيد شعرة. أما الباحث الألماني الذي طبق المنهجية الفيلولوجية بكل تمكن واقتدار فقد أضاءها من كل الجوانب وقدم التشخيص الناجح والناجع. ومعلوم انه نشر كتابا ضخما عن كيفية تشكل الفرق والمذاهب في الإسلام. وبلغ ستة أجزاء مطولة. وهو مشروع عمره ورائعته الكبرى وقد اتخذ العنوان التالي: "اللاهوت والمجتمع في القرنين الثاني والثالث للهجرة. تاريخ الفكر الديني في بدايات الاسلام". من يريد أن يعرف كيف تشكلت الطائفية أو المذهبية لأول مرة في التاريخ ينبغي أن يعود إلى هذا الكتاب الذي لا يتوانى أركون عن تشبيهه بجبال الهمالايا بالنسبة للدراسات الاستشراقية والإسلامية ككل. انه قمة القمم. انه فتح فكري لا مثيل له. ويا ليت العرب يترجمونه لكي يعرفوا كيف يمكن الخروج من العصبيات الطائفية التي تفتك بهم فتكا ذريعا الآن. وقد سمعنا بان الفرس يترجمونه وكذلك الأتراك فهل سيكون العرب آخر من يعلم؟
كنت أتمنى لو استطيع أن أكتب كتابا عن هذه المنهجية وعن كل فكر أركون تحت العنوان التالي: الحفر الأركيولوجي في الأعماق. في الواقع ان كل مشروعه، مثل فان ايس، ما هو إلا عبارة عن عودة إلى الجذور الأولى لمعرفة كيف انبثقت العقائد الإسلامية لأول مرة. انه عبارة عن أرخنة شاملة لتراث الإسلام الذي يقدم نفسه وكأنه فوق التاريخ ككل التراثات الدينية المقدسة أو التي خلع عليها الزمن المتطاول حلة التقديس لاحقا. أنظر ما فعله فلاسفة أوروبا بالنسبة للمسيحية. أركون لا يفعل شيئا آخر. أركون ليس معجزة ولا أسطورة..انه باحث كبير، مقتدر، وكفى..
كل الحداثة بالمعنى النبيل والقوي للكلمة هي وليدة هذه الحركة التحريرية الهائلة التي كشفت عن تاريخية كل ما كان يقدم نفسه وكأنه مقدس، معصوم، يقف فوق التاريخ. هنا يكمن جوهر الحداثة ولبها.. لا حداثة بدون تعرية، بدون تفكيك لموروث الماضي. أنظر البحث عن يسوع التاريخي من لحم ودم فيما وراء المسيح الأسطوري الإلهي الذي يتعالى على التاريخ. وكذلك أنظر البحث عن القرآن التاريخي فيما وراء القرآن غير المخلوق، أو البحث عن محمد التاريخي فيما وراء محمد الأسطوري الذي شكلته كتب السيرة النبوية، أو علي التاريخي فيما وراء علي الأسطوري أو بقية الصحابة والأئمة.. وهذا لا يعني إطلاقا النيل من عظمة النبي أو علي أو الصحابة والأئمة... من يستطيع ان يفعل ذلك؟ وإنما يعني أن عظمتهم ستتضح أكثر من خلال الكشف عن تاريخيتهم، أو من خلال فرز ما هو تاريخي في شخصيتهم عما هو مضخم أسطوري مشكل لاحقا من قبل الأتباع والمؤمنين. ولكن بما إن المسلمين لا يستطيعون تقبل هذا العمل حاليا، بما أنه يصدم الوعي الإسلامي في الصميم فإن أركون يتخذ احتياطات كثيرة لكي يخفي مقاصده البعيدة..أو قل انه يراعي الحساسية التقليدية كثيرا لكيلا يجرحها وبخاصة عندما يكتب مباشرة بالعربية.
فهو يعرف أن المسلمين غير مهيئين حتى الآن لتقبل الحقائق التاريخية عن أنفسهم وتراثهم الذي شكلوا عنه صورة مثالية عذبة تتعالى على التاريخ كما فعلت بقية الأمم. هذا لا يعني بالطبع أن تراث الإسلام ليس عظيما ورائعا ولكنه يعني أن عظمته تتجلى في تاريخيته أكثر مما تتجلى في نزع التاريخية عنه. يضاف إلى ذلك أنه تراث ديني من جملة تراثات أخرى وليس التراث الديني الوحيد في العالم. إنه إحدى تجليات الظاهرة الدينية، ظاهرة المقدس أو الحرام، وليس كل الظاهرة الدينية كما يتوهم المسلمون المنغلقون داخل جدران دينهم فقط. لقد آن الأوان للتخلص من التصورات الطفولية عن أنفسنا وتراثنا. آن الأوان لأن نبلغ سن الرشد عقليا.. وإلا فان بقية الأمم سوف تظل تضحك علينا وتنظر إلينا بازدراء ولا تأخذنا على محمل الجد.

ما هي مكانة العرب أو حتى المسلمين ككل على الساحة العالمية من الناحية العلمية أو الفلسفية او المخترعات والإبداعات؟ لا شيء تقريبا..هذا في حين أنهم كانوا في الطليعة أيام العباسيين والفاطميين والأندلسيين.. هذا يعني أن زمن المواجهة الكبرى للذات مع ذاتها قد اقترب. ولن يستطيع المسلمون أن يؤجلوا إلى ما لا نهاية لحظة المصارحة الكبرى التي ابتدأت تباشيرها ترتسم على الأفق. فالعالم كله أصبح يطالبهم بها. وهناك نداء صادر من الأعماق يطالبهم بها أيضا. والحاجة الماسة أصبحت تفرضها علينا.
لطالما طرح علي هذا السؤال: لماذا أمضيت كل هذه السنوات في ترجمة مفكر واحد هو محمد أركون؟ وكنت دائما أستغرب السؤال لأني أعتبر المسألة بدهية ولا تحتاج إلى سؤال أو جواب. فهل هناك عمل أهم وأجل شأنا من ترجمة بحوث عقلانية نقدية جريئة عن التراث العربي الإسلامي؟ أليست هي مسألة المسائل بالنسبة لعصرنا؟ ألا نحتاج إلى تحرير عقولنا من التحجر الفكري والتصورات الخاطئة والتعصب والإكراه في الدين؟ في الواقع إن هذا الجواب لم يكن بدهيا إلى مثل هذا الحد عندما ابتدأت العمل في أواخر السبعينات وأوائل الثمانينات: أي قبل أكثر من ربع قرن. فالكثيرون من المثقفين العرب كانوا يعتقدون بأن مسألة التراث القديم قد حلت وأننا تجاوزناها بعد أن أصبحنا ماركسيين تقدميين قوميين الخ... ثم انفجرت الحركات الأصولية بعدئذ في وجوهنا كالقنابل الموقوتة وأصبح الجميع يشتغل في قضايا الإسلام والتراث.
وأذكر بهذا الصدد النكتة التالية: كنت ذاهباً في إحدى المرات لحضور درس أركون الأسبوعي في السوربون فاستوقفني أحد الأصدقاء الذين أعزهم في أحد المقاهي المجاورة للجامعة وقال لي: اقعد معنا يا رجل إلى أين ذاهب؟ قلت لحضور درس أركون. فأجابني وماذا تفعل في درس عن الدين: هذا شيء قديم بال عفى عليه الزمن... هذه مسألة محلولة منذ زمن طويل ولم تعد تهم أحدا. نحن، المثقفين العرب، تجاوزنا هذه القضايا.. بعدئذ بفترة قصيرة انفجرت مشكلة الأصولية المتزمتة وأصبحت قضية القضايا بالنسبة لكل المثقفين العرب.. وقبل أن أدخل في صلب الموضوع أكثر اسمحوا لي أن أروي نكتة أخرى. عندما تعرفت على أركون لأول مرة عام 1977 لكي أطلب منه الإشراف على أطروحتي للدكتوراه لم أكن قد سمعت باسمه قط من قبل. وقد قبل بعد نقاش طويل نسبياً. ولكني حاولت تغييره ما إن أتيح لي الالتقاء بأندريه ميكل على هامش إحدى الحفلات في الكوليج دو فرانس. فقد تقدمت منه بكل احترام وسألته إذا كان يقبل بالإشراف على أطروحتي بدلا من أركون فنظر إلي نظرة استغراب واندهاش قائلا: ولماذا تريد تغيير أركون؟ إنه أهم مني يا رجل.. وانتهى الموضوع عند هذا الحد.
ينبغي العلم بأننا نحن السوريين خريجي قسم اللغة العربية لم نكن نسمع إلا باسم أندريه ميكل كأستاذ كبير يشرف على الأطروحات الجامعية العربية في باريس. وكنا نعتقد أننا إذا ما نِلنا شهادة الدكتوراه على يديه فسوف تكون أهم وأعظم شأنا. وسوف نفتخر بها حقيقة عندما نعود إلى بلادنا. يضاف إلى ذلك عقدة الخواجة كما يقول إخواننا المصريون. فنحن نعتقد أن الأستاذ الأجنبي أهم في كل الأحوال من الأستاذ العربي أو المسلم.. بعدئذ أتيح لي أن أكتشف أن محمد أركون هو أحد الأساتذة النادرين الذين يستطيعون أن يتناقشوا مع كبار أساتذة السوربون من موقف الند للند. بل وربما كان الوحيد الذي يستطيع أن يفحمهم ويعطيهم دروسا في المنهج والعلم. وكان مدعاة اعتزاز وفخر لي أنا العربي السوري أن أجد مفكرا جزائريا يرتفع إلى مستوى كبار المفكرين الأجانب إن لم يكن يتفوق عليهم.. لا أعرف فيما إذا كنا نمتلك مفكرا آخر من هذا النوع أو بهذا الحجم. وما عدا المفكر الفلسطيني ادوارد سعيد لا أعرف اسما آخر وأرجو أن أكون مخطئا.
كان ينبغي أن تحضر دروس محمد أركون في بداية الثمانينات من القرن المنصرم وهو يحلل التراث الإسلامي من خلال أحدث المنهجيات والمصطلحات لكي تعرف معنى الفكر وأهمية الفكر وعظمة الفكر.كنت أخرج أحيانا من الدرس وأنا مذهول عن نفسي وكنت بحاجة إلى بعض الوقت لكي أسترجع مداركي وإمكانياتي. كنت أشعر بأن تاريخ الإسلام كله أخذ يتوضح أمامي وأن إضاءات ساطعة ألقيت عليه من كل الجهات. وعرفت عندئذ أن هذا الدرس يشكل حدثا تاريخيا غير مسبوق بالنسبة لماضي الإسلام وحاضره على السواء. كنا نخرج أحيانا ونحن دائخون من الدرس بعد أن زلزل كل يقينياتنا التقليدية التي تربينا عليها أو ورثناها أبا عن جد منذ مئات السنين. ووجدت ضالتي. كل ما كنت أبحث عنه قبل الوصول إلى باريس وجدته هنا. كل الأسئلة التي كانت تضج في نفسي وأنا لا أزال في سوريا وجدت الأجوبة عليها هنا.. كل التساؤلات الحارقة التي حملتها معي من سوريا إلى باريس عام 1976 والتي كنت أعتقد أنها مستعصية على الجواب وجدت أن مفكراً جزائرياً كبيراً كان قد حفر عليها حتى أعماق جذورها وحلها.

لهذا السبب ابتدأت بترجمة محمد أركون بعد أن قلت بيني وبين نفسي: لماذا لا أجعل الآخرين في العالم العربي يطلعون على ما اطلعت عليه؟ لماذا تبقى هذه الكشوفات المعرفية والإضاءات الساطعة المسلطة على التراث الإسلامي محبوسة بين جدران السوربون ونحن الأحق بها والأحوج إليها؟ واستغربت كيف أن أحدا لم يسبقني بعد إلى ترجمة هذا الباحث المقتدر الذي يدشن ثورة فكرية في تاريخ الإسلام لا أكثر ولا أقل..في الواقع أنهم سبقوني الى ذلك ولكن بشكل متقطع وجزئي. فالدكتور عادل العوا، رئيس قسم الفلسفة في جامعة دمشق سابقا، ترجم له قبلي. وربما كان هناك آخرون أيضا وبخاصة في المغرب. ولكن لم يركز أحد على ترجمته مثلما فعلت أنا. فقد وجدت فيه مشروعا فكريا كاملا شديد الأهمية والخطورة. ثم يسألونني بعد كل ذلك: لماذا كل هذا الاهتمام بترجمة محمد أركون؟ في الواقع إنهم ما عادوا يطرحون علي هذا السؤال كذي قبل لأن فكره تحول الآن إلى تيار عريض في العالم العربي. فبيننا وبين البدايات الأولى مسافة ربع قرن على الأقل. وبالتالي فموسم الحصاد كان على مستوى الزرع والبذور.. ولم تخب آمالي. ولولا العيب والخوف من أن أتهم بالنزعة الانتفاخية والغرور الفارغ لقلت باني استبقت على حركة التاريخ وحصول ضربة 11 سبتمبر. كان هناك هاجس غامض يختلج في أعماقي ويقول لي: هنا تكمن المشكلة الكبرى للعصر فاهتم بها وأنس كل ما عداها، جيش لها طاقاتك ما استطعت. فالتاريخ سوف يحسم هنا. من هنا ارتباطي الشديد بمشروع أركون. ولا ريب في أني كنت أتوقع نجاحه عندما ابتدأت الترجمة. وعندما راهنت على هذا الفكر كنت واثقا من النتيجة سلفا. فالبحوث العلمية الحقيقية عن التراث لا بد أن تجد مكانتها يوما ما. نقول ذلك وبخاصة إذا كانت الحاجة إليها ماسة. الشيء الوحيد الذي أتأسف له هو أنني لم استطع أن أترجم إلا جزء محدودا من أعمال أركون على عكس ما يظن معظم الناس الذين يعتقدون باني ترجمت كل شيء. وهذا خطأ كبير بالطبع.
ما هي المسألة الأساسية في عصرنا بعد مشكلة الأكل والشرب والتنمية وتقليص الفقر بطبيعة الحال؟ إنها مسألة المصالحة بين الإسلام والحداثة أو بين الإسلام وروح العصور الحديثة. فلأننا لم نجد حلا ناجعا لهذه المشكلة حتى الآن فان مجتمعاتنا انقسمت إلى قسمين متصارعين: الأول يشد إلى الأمام والثاني إلى الخلف، الأول تقدمي تنويري والثاني تراجعي أصولي. ولكن هناك تيار وسطي بين بين... وهكذا دخلنا في حروب أهلية صريحة أو مستترة على طول العالم الإسلامي وعرضه. بل وأصبحنا مشكلة العالم كله بعد جريمة 11 سبتمبر وما تلاها أو سبقها من جرائم.
أقول ذلك وأنا أفكر بما عانته الجزائر طيلة السنوات العشر السوداء المريرة. ولا يمكن بالتالي أن تبقى الأمور على ما هي عليه. فالمثقفون هم قادة الأمة وينبغي أن يتحركوا لمواجهة هذا الوضع الذي لم يعد يحتمل أو يطاق. فإما أن ننجح في بلورة تفسير جديد لديننا وتراثنا، أقصد تفسيراً عقلانياً مستنيراً هادياً مهديا" وإما نترك الساحة للمتزمتين الظلاميين يصولون فيها ويجولون ويشوهون صورتنا على مستوى العالم كله.
وهنا يساعدنا فكر أركون كثيرا لأنه طرح هذه الإشكالية من أوسع أبوابها وبالعمق اللازم. كل أبحاثه ما هي إلا عبارة عن قراءة نقدية للتراث الإسلامي على ضوء العلوم الإنسانية الحديثة. كلها عبارة عن مقارعة عميقة بين التراث والحداثة، بين الأصالة والمعاصرة. ولا يعني ذلك أنه يسلم للحداثة بكل شيء ويرفض من التراث كل شيء وإنما يعني أنه يضيء هذه بذاك والعكس صحيح أيضا. فالحداثة على الرغم من إنجازاتها التحريرية الكبرى إلا أن لها مزالقها أيضا وشططها وانحرافاتها. ونحن لسنا مضطرين لأن نأخذ كل شيء أو نرفض كل شيء وإنما نأخذ ونرفض: أي نختار ما يتناسب مع شخصيتنا وأصالتنا التاريخية ونطرح ما عداه. وفي التراث العربي الإسلامي قيم روحية وأخلاقية عليا لا يمكن لعاقل أن يضحي بها. و لكن كل هذا لا يتوضح جيدا إلا من خلال المقارعة أو المواجهة بين تراثنا العريق والحداثة العالمية. على هذا النحو كنت أفهم فكر أركون ولا أزال. ولهذا السبب لفت انتباهي أكثر من غيره وتعلقت به. فهو يضع التراث كله على محك الحداثة ويضع الحداثة كلها على محك التراث. وعن طريق هذه المواجهة الدقيقة والصارمة تنتج إضاءات ساطعة، تحريرية، رائعة.

والواقع أن أركون يفرق بين نوعين من الحداثة: الحداثة المادية والحداثة العقلية. فقد يستطيع مجتمع ما كالمجتمعات الخليجية البترولية مثلا أن يستورد كل أنواع الحداثة المادية وتجهيزاتها وأدواتها ومع ذلك يظل مجتمعاً تقليدياً متخلفاً بل ومتعصباً جداً من الناحية الدينية. وهذا الشيء أصبح واضحاً الآن لكل ذي عينين، بل إن المسؤولين في هذه البلدان أصبحوا يعترفون به ويدعون إلى إصلاح برامج التعليم التي تفرخ المتطرفين تفريخا وبشكل أتوماتيكي. هذا ما لاحظناه من خلال البيان الختامي لمؤتمر القمة العربية الذي عقد في السعودية مؤخرا.
يقول أركون في آخر تصريحاته ما معناه: كل فكر نقدي عقلاني عن الدين ممنوع في المجتمعات الإسلامية والعربية من قبل الأنظمة الحاكمة ومعارضاتها الأصولية على حد سواء. ولذا فان تعليم الإسلام من المدرسة الابتدائية إلى الجامعة يظل حتى الآن في أيدي التقليديين المنغلقين على الحداثة وفتوحاتها العلمية والفلسفية. وبالتالي فإذا لم يحصل إصلاح جذري لبرامج التعليم السائدة فسوف يظل الأصوليون مسيطرين على الساحة ولن تنفع محاربتهم أمنيا ولا حتى عسكريا. ينبغي أن يواجَهوا فكرياً وعلى أرضية التراث الإسلامي نفسه. ينبغي أن نقدم قراءة جديدة مقابل قراءة قديمة، أو تأويلاً جديداً للإسلام غير هذا التأويل القديم الذي عفى عليه الزمن ولكن الذي لا يزال راسخ الجذور حتى الآن. وهو الذي يخلع المشروعية القداسية على أقوال المتطرفين وأفعالهم. وعندئذ ينكشف مدى جهلهم وقصورهم ليس فقط بالحداثة العالمية وإنما أيضا بالحداثة العربية الإسلامية التي أشعت على العالم كله انطلاقا من بغداد والقاهرة وقرطبة والأندلس الزاهرة. وهذا يعني أن الفهم السائد عن الإسلام حاليا في العالم العربي متخلف عن فهم كبار علمائنا وفلاسفتنا في العصر الكلاسيكي قبل ثمانمائة سنة أو حتى ألف سنة! إنه متخلف عن فهم أبي الحسن العامري وأبي حيان التوحيدي ومسكويه وابن رشد وكل أولئك الذين وفَّقوا بين العقل والدين أو بين الإسلام والفلسفة الأرسطوطاليسية.
ويرى أركون أن السياسة التعليمية التي اتبعت بعد الاستقلال هي المسؤولة عن نمو حركات التطرف والإكراه في الدين والتي اكتسحت الساحة مؤخرا كالطوفان الهادر.. فلو أن المسؤولين لم يوكلوا مهمة تعليم الأجيال للتقليديين المنقطعين عن حركة العلم والعقل لما حصل كل ما حصل. وأكبر دليل على ذلك ما حصل في الجزائر التي استقبلت بعد الاستقلال الكثير من الأصوليين المصريين الحاقدين على عبد الناصر. فكان أن حصدت بعد عشرين سنة فقط كل ذلك التيار الهادر من جبهة الإنقاذ والحروب الأهلية... وبالتالي فلولا انعدام السياسة التحديثية فيما يخص الثقافة والبحث العلمي وبرامج التربية والتعليم لما حرم الإسلام من حصول تطور إيجابي مشابه لما حصل في المسيحية الأوروبية. فالفكر التحريري أو المحرر للعقول هو ابن الحداثة في نهاية المطاف. وقد آن الأوان لأن يتوصل العالم الإسلامي إلى الحداثة ولأن يقبل بفتوحاتها وإنجازاتها الإيجابية دون قيد أو شرط مع طرح شططها وسلبياتها بطبيعة الحال.
لهذا السبب يدعو محمد أركون إلى التحرير الثاني للمغرب الكبير ولكل العالم العربي الإسلامي دون استثناء. ما الذي يقصده بالتحرير الثاني؟ إنه يقصد ما يلي: لقد انتهت مرحلة التحرير الخارجي ضد الاستعمار وبقي علينا أن نقوم بالتحرير الداخلي ضد التخلف وسوء التنمية والجهل والتعصب الأعمى والفهم الخاطئ للدين. بمعنى آخر: لقد انتهت مرحلة الجهاد الأصغر وابتدأت مرحلة الجهاد الأكبر، أي الجهاد ضد الذات وضد انحرافاتها ونقائصها واعوجاجها وتأخرها.
هل من قبيل الصدفة أن يكون هذا البلد الصابر المجاهد -الجزائر- الذي دفع أكبر ثمن للتحرير الخارجي من الاستعمار الفرنسي -ثورة المليون شهيد- وأكبر ثمن للتحرير الداخلي مائة ألف قتيل أو شهيد إبان السنوات العشر السوداء لا أعادها الله- أقول هل من قبيل الصدفة أن يكون هذا البلد العظيم هو الذي أنجب أكبر مفكر في تاريخ الإسلام منذ ابن رشد وحتى اليوم؟ لا أعرف. كل ما أعرفه هو أن تحريرنا من الوعي الخاطئ والتصورات الأسطورية اللاتاريخية عن تاريخنا وتراثنا كان الشغل الشاغل لمحمد أركون على مدار نصف قرن من البحث والعمل والنضال الفكري العميق، ولا يزال. فما لم يحصل فهم عقلاني للدين الإسلامي، فهم يصالح بين العلم والإيمان أو بين الفلسفة والدين، كما فعل ابن رشد في وقته فلا حل ولا خلاص. انظر كتابه الشهير: "فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال". عندئذ استطاع ابن رشد أن يقيم المصالحة بين تراثنا الإسلامي العريق وبين الفلسفة الارسطوطاليسية التي كانت تشكل الحداثة الفكرية بالنسبة لذلك الزمان. وهو نفس المشروع الذي يحاول محمد أركون أن يحققه حالياً مع الأخذ بعين الاعتبار لكل الفجوة الزمنية الشاسعة التي تفصل بين عصرنا وعصر ابن رشد ومسكويه والجاحظ والتوحيدي وأبي الحسن العامري وكل التيار الإنساني العقلاني الذي ازدهر يوما ما في أرض الإسلام قبل أن ينقرض ويموت بموت الفلسفة الكلاسيكية.

فابن رشد توفي عام 1198 وتفصل بالتالي بيننا وبينه مسافة ثمانية قرون على الأقل. وفلسفة أرسطو لم تعد كافية. فهناك فلاسفة كبار ظهروا بعده وبعد موت ابن رشد وتوقف الفكر الفلسفي عندنا في الجهة الإسلامية. يكفي أن نذكر من بينهم: ديكارت وكانط وهيغل وماركس ونيتشه وفرويد وهيدغر وكل الفلسفة المعاصرة وبخاصة فلسفة الدين وتوسيع فهمنا أو إدراكنا له. يضاف إلى ذلك أن أركون يطبق مناهج العلوم الإنسانية على تراثنا العربي الإسلامي لإضاءته من الداخل بكل تمكن واقتدار وبشكل لم يسبق له مثيل حتى الآن. فكتابه مثلا "قراءات في القرآن" يبتدئ أولا بتطبيق المنهج الألسني الحديث يتلوه المنهج التاريخي فالمنهج الاجتماعي السوسيولوجي فالمنهج الأنثربولوجي وأخيرا التقييم الفلسفي الشامل. وهكذا يمكن الإحاطة بالنص الديني أو بالظاهرة الدينية من كل جوانبها.. وعندما نطلع على كل ذلك ونستوعبه جيداً ندرك مدى الفرق بين الفهم العقلاني الحديث للدين وبين الفهم التقليدي الجامد المسيطر على عقولنا منذ مئات السنين.
لا يمكن أن نتحرر من النزعة المذهبية والطائفية التي تهدد العراق وغير العراق بالتفكك والحروب الأهلية والتفجيرات العمياء والمجازر الجماعية إلا إذا خرجنا من هذا الفهم الظلامي الطائفي القروسطي للدين وتبنينا الفهم العقلاني المتسامح الحديث الذي يبلوره أركون حاليا بالإضافة إلى بعض المفكرين الآخرين داخل العالم الإسلامي وخارجه. لهذا السبب بالذات أمضيت كل تلك السنوات الطوال في ترجمة نصوصه إلى العربية وشرحها والتعليق عليها. كنت أعرف مسبقا أننا سنصل إلى هنا وأن مشاكل المجتمعات العربية أو الإسلامية سوف تنفجر في وجوهنا دفعة واحدة. وهذا ما حصل بالفعل لاحقا. وبالتالي فالمسألة ليست مسألة أكاديمية فقط وإنما هي مسألة حياة أو موت، وجود أو عدم وجود.
بعد أن وصلت في الحديث إلى هذه النقطة سوف أقول ما يلي: لن نتوصل إلى تحقيق المصالحة بين الإسلام والحداثة إلا إذا قمنا بغربلة نقدية شاملة وراديكالية لموروثنا القديم كما فعلت الأمم المتقدمة في أوروبا بالقياس إلى أصوليتها المسيحية التي لم تكن تقل عنفا وجبروتا وظلامية عن أصوليتنا الحالية. لهذا السبب قلت: ينبغي أن نكنس أمام بيتنا أولا، لا أن نلقي المسؤولية دائما على الخارج لكي نعفي أنفسنا من المسؤولية. هذا موقف غير مسؤول ولن يؤدي إلى أي نتيجة ولكنه شائع للأسف لدى العديد من المثقفين العرب أو أشباه المثقفين. بهذا المعنى فإن فكر أركون يقدم نفسه كبديل عن الفكر الأصولي الماضوي الانغلاقي الذي يسيطر الآن على مدارسنا وجامعاتنا وليس فقط على معاهدنا التقليدية وكليات الشريعة. بل إنه يسيطر على الشارع العربي من المحيط إلى الخليج، هذا ناهيك عن الشارع الإسلامي ككل من المغرب الأقصى إلى الباكستان. وبالتالي فالمسألة كبيرة وضخمة إنها مسألة القرن الحادي والعشرين بدون أدنى شك.
وميزة مشروع أركون على كل المشاريع الأخرى التي اكتسحت الساحة العربية مؤخرا هي أنه يواجه المشاكل الحارقة وجهاً لوجه ولا يتحاشاها. إنه يريد أن يدخل الحداثة إلى ساحة الفكر الديني نفسه وليس فقط إلى ساحة الثقافة بشكل عام. فالمماحكة الكبرى التي جرت بين العقل الديني والعقل الفلسفي أو العلمي على مدار القرون الأربعة الماضية هي التي صنعت مجد الغرب. يضاف إلى ذلك أن الحداثة لا تكون فقط باستيراد الآلات التكنولوجية أو المخترعات الحديثة. فتحديث العقل هو الأصل وما الآلات والمخترعات إلا نتيجة لذلك أو تحصيل حاصل. وبالتالي فلا يمكن الفصل بين الحداثة المادية والحداثة العقلية كما يتوهم المحافظون التقليديون عندنا. فالحداثة إما أن تكون كاملة، متكاملة، أو لا تكون. وقد أخطأنا كثيرا عندما سلمنا تعليم الشبيبة بعد الاستقلال للمنغلقين فكريا والمضادين لكل أنواع الحداثة الفكرية والعقلية. وجنينا الثمر المر لاحقا. وبالتالي فالمهمة الأصعب لا تزال أمامنا: تفكيك التعليم القروسطي التقليدي للدين وإحلال التعليم الحديث محله على كافة الأصعدة والمستويات من المدرسة الابتدائية وحتى الجامعة.
هذا هو بحسب فهمي جوهر المشروع الأركوني منذ نصف قرن وحتى اليوم. وكل معاركه الفكرية التي خاضها تدور حول هذه الجبهة بالذات. فهو يقدم تأويلا جديدا للتراث الإسلامي غير التأويل التقليدي الراسخ رسوخ الجبال. ولكن لا أعتقد أن فكره سوف ينتصر في العالم الإسلامي قبل عشرين أو ثلاثين سنة قادمة. وذلك لأن زحزحة الجبال أسهل من تغيير العقليات! فأنت لا تستطيع أن تناضل ضد ألف سنة من الجمود العقائدي الفكري وتنتصر بين عشية وضحاها.
لا أستطيع أن استعرض هنا كل أطروحات محمد أركون أو كشوفاته المعرفية عن التراث العربي الإسلامي. فهذا امر يتطلب عدة مجلدات. ولكن يكفي ان نقرأ تحليلاته عن سبب صعود الحضارة العربية الإسلامية في العصر الكلاسيكي ثم سقوطها المدوي بعدئذ لكي نفهم ذلك. وبهذا الصدد كثيرا ما نجده يلح على خطورة الدور السلبي الذي لعبه الخليفة العباسي القادر بالله الذي انتصر للحنابلة ضد المعتزلة عام 1017 أي قبل ألف سنة تقريبا. ومعلوم أنه نشر آنذاك نص الاعتقاد القادري وعممه على كل جوامع بغداد باعتبار انه يمثل الاعتقاد الصحيح في الإسلام وكل من ينحرف عنه قيد شعرة يصبح مهرطقا أو زنديقا أو خارجا على الإسلام. وفيه يبيح دم المعتزلة أي المذهب الأكثر عقلانية في الإسلام قائلا بالحرف الواحد: "ومن قال أنه مخلوق (يعني القرآن) على حال من الأحوال فهو كافر حلال الدم بعد الاستتابة منه". بمعنى أنه إذا لم يتب ويتراجع عن رأيه يقتل.
على هذا النحو أغلق القادر بالله بقوة السلطة وحد السيف تلك المناقشة الكبرى التي جرت حول خلق القرأن منذ عهد المأمون بين المعتزلة والحنابلة والتي انتهت بانتصار هؤلاء الأخيرين منذ ذلك الوقت وحتى يومنا هذا. لقد انتصروا إلى درجة أن المسألة طمست كليا وأصبحت تشكل نوعا من المحرمات أو التابو الخطير الذي لا يتجرأ أحد على الاقتراب منه أو إثارة ذكراه مجرد ذكر. لقد تحولت مسألة خلق القرآن إلى نوع من اللامفكر فيه أو الممنوع التفكير فيه منعا باتا داخل العالم الإسلامي بطوله وعرضه على مدار ألف سنة: أي حتى الآن. وكان أن نتجت عن ذلك أشياء خطيرة ليس أقلها منع أي تفسير تاريخي للقرآن وبالتالي عرقلة التطور داخل العالم العربي والإسلامي ككل.

كل الانسداد التاريخي الذي نعاني منه حاليا ناتج عن هذه القصة. كل الصدام المروع الحاصل حاليا بين العالم الإسلامي والحضارة الحديثة ناتج عن هذا الانغلاق الفكري المزمن والطويل والذي لا يتجرأ أحد على فتحه أو مناقشته بشكل عقلاني هادئ. ليفهم كلامنا جيدا هنا: إن المعتزلة لا ينكرون أبدا الأصل الإلهي أو الاستلهام الرباني للقرآن. ولكنهم يقولون بأنه مكتوب بحروف لغة بشرية هي هنا اللغة العربية وطبقا لنحوها وصرفها الخ... وبالتالي فيحق لنا أن نفسره بشكل مجازي لا حرفي على عكس ما تفعل الحنابلة. فإذا قال القرآن مثلا: يد الله فوق أيديهم، فإنهم يأخذون العبارة على حرفيتها ويعتقدون بان لله يدا كبقية البشر ولكنها اكبر وأعظم. وأما المعتزلة فيأخذونها مجازيا ويقولون بان اليد تعني هنا القدرة أو الاستطاعة. وبالتالي فيصبح معنى الآية: قدرة الله فوق قدرتهم أو استطاعته فوق استطاعتهم.. وقل الأمر ذاته عن الجنة والنار وبعث الأجساد لا الأرواح فقط يوم القيامة وغير ذلك...
لا أعرف فيما إذا كان المعتزلة قد أنكروا بعث الأجساد ولكن الفلاسفة الذين مشوا في العقلانية خطوة إضافية إلى الإمام أنكروه. وعلى هذا لامهم الغزالي وكفرهم من جملة أشياء أخرى بالطبع.. وبالتالي فلو انتصرت أطروحة المعتزلة القائلة بأن القرآن حادث أو مخلوق بحرفه ولفظه على الأقل لكنا استطعنا الآن أن نطرح مسألة تاريخية النص القرآني من أوسع أبوابها كما فعل علماء أوروبا بالنسبة للمسيحية ونصوصها المقدسة. ولكنا تحررنا من سجن المعنى الحرفي الذي يقول لنا بأن قطع يد السارق أمر الهي أو قرآني لا يناقش وكذلك رجم المرأة الزانية حتى الموت وكذلك جلد كل من تسول له نفسه أن يشرب كأسا من الخمر الخ..هنا تكمن استبدادية المعنى الحرفي إن لم يكن إرهابه المرعب الذي يجعل المسلم في صدام مباشر مع العصر وكل أمم الأرض. لو انتصرت أطروحة المعتزلة التي تبناها المأمون في وقته لكنا استطعنا أن نمشي خطوة إضافية إلى الأمام وربطنا النص القرآني ببيئته وعصره: أي شبه الجزيرة العربية والقرن السابع الميلادي. ولكنا استطعنا عندئذ أن نفرز ما هو عارض فيه ومرتبط بعصره فقط، عما هو أبدي أو روحي سرمدي من توجيهات روحية وأخلاقية عليا. إذ أقول هذا الكلام فاني أتجاوز تفسيرات أركون ربما وبالتالي فاني أتحمل وحدي مسؤولية ما أقول.
ولكن مجرد عودته مرارا وتكرارا إلى هذه المسألة الخطيرة والحاسمة دليل على أنه يوليها أهمية قصوى. فتحرير الوعي الإسلامي من التصورات الخاطئة ولكن الراسخة في العقلية الجماعية على مدار القرون يكون من الجذور أو لا يكون... ولهذا السبب يلح كثيرا على مصطلحات من نوع: نقد العقل الإسلامي، أو اللامفكر فيه في الفكر العربي المعاصر، أو تراكم اللامفكر فيه منذ هزيمة الفلاسفة والمعتزلة بعد القرن الثاني عشر وحتى اليوم.
فقد ضاقت ساحة المفكر فيه أو الممكن التفكير فيه في العالم العربي بعد الدخول في عصر الانحطاط وازدادت مساحة اللامفكر فيه أو المستحيل التفكير فيه إلى درجة أنك لم تعد تستطيع أن تخوض في الشؤون الدينية أو أن تقول أي شيء عقلاني عن الدين. ففي كل خطوة تخطوها يمكن أن تصطدم بلغم من العصور الغابرة أو قنبلة موقوتة وتقول كلاما يورطك ويدفع بالأصوليين إلى تكفيرك فورا وإباحة دمك كما فعل القادر بالله مع المعتزلة الذين لوحقوا في الأمصار كافة وأحرقت كتبهم وأخمدت أنفاسهم...
تصوروا هذه المهزلة التي لا تكاد تصدق: كان بإمكانك في القرن العاشر أو التاسع بل وحتى الثامن الميلادي أن تتحدث عن خلق القرآن. ولكن ليس بامكانك أن تفعل ذلك في القرن الحادي والعشرين! ألم يقل شاعرنا الكبير نزار قباني: ويمشي إلى الوراء الوراء؟ ثم يقولون لك: إمبريالية، صهيونية، استعمار..هذا هو أبشع أنواع الاستعمار: أن تكون سجين يقينياتك المطلقة وتصوراتك الخاطئة وأساطيرك الطفولية التي تؤدي إلى شلل المنطق وتعطيل العقل.
أكبر أنواع الاستعمار هو أن تستعمر نفسك بنفسك فتظل أسير الأفكار القديمة التي عفى عليها الزمن دون أن تستطيع منها فكاكا. أبشع أنواع الاستعمار هو أن تظل طفلا من الناحية العقلية: أي غير قادر على التوصل إلى مرحلة البلوغ أو سن الرشد. وهذا هو تعريف كانط للأنوار حيث يقول بما معناه: نريد أن نفكر بأنفسنا، أن نفتح عقولنا، ولكن القس أو الكاهن المسيحي يقول لنا: لا تفكروا ولكن آمنوا، سلموا، الغوا عقولكم واخضعوا... وهذا ما يقوله شيوخ الإسلام على مدار الساعة في كل الفضائيات العربية دون أن يتجرأ أحد على معارضتهم أو مساءلتهم... فكلامهم منزل ومعصوم. إنهم ليسوا بشرا، لقد ارتفعوا فوق مستوى البشر. ولا تستطيع أن تواجههم في أي مناظرة علنية على شاشات التلفزيون لأنهم سوف ينتصرون عليك سلفا. وإذا ما تجرأت وفتحت فمك فإنك سوف تصطدم حتما بأحد الألغام اللاهوتية الخطيرة وما أكثرها. أقصد سوف تضرب عرض الحائط على غير وعي منك بإحدى اليقينيات الكبرى الموروثة أبا عن جد منذ مئات السنين والراسخة في العقلية الجماعية كحقيقة مطلقة لا تقبل النقاش. وعندئذ يسهل على الشيخ الجليل أن يوجه إليك الضربة القاضية عن طريق البرهنة على كفرك أو خروجك على الدين أمام ملايين المشاهدين..
أتمنى لو أنه يوجد شيخ إسلامي واحد في مستوى عالم اللاهوت الالماني هانز كونغ أستاذ العلوم الدينية في جامعة توبنغين بألمانيا. فهذا العالم المسيحي منفتح على الفكر الحديث ومطلع على النظريات العلمية الكبرى. بل إنه يطبق مفهوم القطيعة الابستمولوجية للعالم الاميركي توماس كهن على اللاهوت المسيحي فيضيئه بشكل لم يسبق له مثيل. وعندئذ يفرق بين لاهوت القرون الوسطى، ولاهوت الإصلاح الديني للوثر، ولاهوت التنوير، ولا هوت الحداثة بل وحتى ما بعد الحداثة...

هذا في حين أن شيوخنا الأجلاء لا يزالون غاطسين من أعلى رأسهم إلى أخمص قدميهم في لاهوت القرون الوسطى الطائفي والمذهبي بالضرورة. وهو لاهوت أو فقه يكفر أربعة أخماس البشرية إن لم يكن أكثر. بل إنه يكفر نصف المسلمين أو ثلاثة أرباعهم.. وبالتالي فنحن لسنا متخلفين فقط في علم الذرة والفضاء وسوى ذلك. نحن متخلفون أيها السادة أولا وقبل كل شيء في علم الدين وفقه الدين وفلسفة الدين.
ما سر كل هذا التخلف يا ترى؟ ولماذا لا نستطيع أن نردم الهوة السحيقة التي تفصل بيننا وبين الأوروبيين في المدى المنظور؟ هنا نصل إلى الأطروحة الكبيرة الثانية من أطروحات أركون حول سبب التخلف العربي أو الإسلامي.
يقول بما معناه: بعد موت ابن رشد عام 1198 لم تقم للفلسفة قائمة في أرض الإسلام. وخلال القرون التالية لم يضف المسلمون فكرة واحدة بالقياس إلى ما سبق باستثناء ابن خلدون في القرن الرابع عشر. ولكنه كان الاستثناء الذي يؤكد القاعدة. خلال سبعة قرون كانت أوروبا تصنع الحداثة العلمية والفلسفية والصناعية والتكنولوجية. وكان شيوخ الإسلام في ظل الخلافة العثمانية ملتهين بالتكرار والاجترار والمناقشات البيزنطية العقيمة وهم يعتقدون بأنهم يمتلكون الحقيقة المطلقة التي تعفيهم من أي تساؤل أو فضول معرفي. في تلك القرون الحاسمة ظهر كوبرنيكوس وغاليليو وكيبلر ونيوتن وديكارت وسبينوزا وكانط وهيغل وعشرات غيرهم ولم يظهر عالم أو فيلسوف مسلم واحد... لقد خرج المسلمون من التاريخ مدة ستة أو سبعة قرون. لقد ناموا على التاريخ نومة أهل الكهف. وعندما استيقظوا على وقع سنابك نابليون وجيشه أحسوا بالهلع والرعب... فركب الحضارة كان قد سبقهم بسنوات ضوئية وما عاد بالإمكان استدراك الفوات الحضاري. من هنا سر الاختلاجات الهائجة التي نشهدها اليوم. من هنا سر التخبط والفوضى والفشل والتمزق والإحباط... ثم يسألونك بعد كل ذلك: لماذا تأخر المسلمون وتقدم غيرهم؟ ولكن إذا عرف السبب بطل العجب..