هناك شعرة رقيقة جداً جداً تفصل بين العبقرية والجنون
(كيركيغارد)
مثلما أن المرض يحيط بالصحة من كل الجهات فان الجنون يحيط بالعقل من كل الجهات
(لودفيغ فتغنشتاين)
لا تعشق طويلا يا حبيبي، فأنا قد عشقت طويلا وطويلا حتى صرت مهملا كأغنية عتيقة
(مجهول)
منذ قديم الأزمان كان الناس يعتقدون بأن هناك علاقة بين العبقرية والجنون. وكانوا دائماً يتحدثون عن العبقري بشيء من التهيّب والوجل. فهو شخص غريب الأطوار، معقد الشخصية يختلف عن جميع البشر. والواقع أننا إذا ما استعرضنا أسماء كبارالكتاب وجدنا أن معظمهم، ان لم يكن كلهم، كانوا يتميزون بتركيبة نفسية خاصة وغير طبيعية. بل إن بعضهم دخل في مرحلة الجنون الكامل. نذكر من بينهم على سبيل المثال لا الحصر: هولدرلين، نيتشه، جيرار دونيرفال، أنطونين ارتو، فان جوخ، غي دو موباسان، فيرجينيا وولف، روبير شومان، التوسير(1) الخ..
وقد طرح أحدهم على الكاتب الفرنسي أندريه موروا هذا السؤال: هل صحيح ان جميع الروائيين مجانين أو عصابيون؟ فأجاب الكاتب الكبير: لا. الأصح أن نقول أنهم كانوا سيصيرون جميعهم عصابيين لولا أنهم أصبحوا روائيين.. فالعصاب يا سيدي، هو الذي يصنع الفنان، والفن هو الذي يشفيه(2). وكان جوابا مقنعا ورائعا. فالواقع انه لولا العصاب لما كرَّس أشخاص من أمثال بلزاك أو ديستويفسكي أو فلوبير أنفسهم لفن الكتابة. ولولا أنهم نجحوا في هذا الفن وقدموا لنا روايات خالدة لما افلتوا هم أنفسهم من مرض العصاب. هذه هي الدائرة المغلقة التي تجمع بين الابداع والمرض أو بين العبقرية والجنون. ولكن السؤال الذي يطرح نفسه علينا هو التالي: لماذا يسقط احياناً في ليل الجنون حتى أولئك الذين أبدعوا إبداعاً كبيراً؟ لماذا لم يحمهم الإبداع _ أو الإنتاج الإبداعي _ من الجنون؟ فلا أحد يشك في أن نيتشه كان من كبار الفلاسفة، ومع ذلك فقد جُنَّ بشكل كامل في أواخر حياته وظل مجنوناً لمدة أحد عشر عاماً حتى مات سنة 1900. ولا أحد يشك في أن هولدرلين هو واحد من أهم الشعراء في تاريخ المانيا، ومع ذلك فقد أمضى أكثر من نصف عمره في ليل الجنون... والواقع انه تصعب الإجابة عن هذا السؤال، ولكن ربما التقينا به في مرحلة لاحقة. مهما يكن من أمر فإننا نظل متفقين مع أندريه موروا على القول بأن الفن يشفي من العصاب بشكل عام، ولولاه لجن معظم أولئك الكبار الذين سُجلت أسماؤهم على صفحات التاريخ. ويكفي أن نستعرض سير حياتهم التي كُتبتْ بعد وفاتهم لكي نتأكد من ذلك. وتكمن عظمتهم بالضبط في أنهم تجاوزوا عصابهم أو عقدتهم النفسية المتأصلة عن طريق الابداع. فلا ريب في أن الابداع يحرر من العقد ويعطي الشخصية ثقة بنفسها.
لماذا أتحدث عن هذا الموضوع الآن ؟ ولماذا اخترته للكتابة في هذه الدراسة المطوَّلة؟
لذلك عدة أسباب :
أولها لأنه كان يعتمل في نفسي منذ زمن طويل. وثانيها لانه يمثل نوعا من "التابو" أو المحرمات بالنسبة للثقافة العربية. فلا أحد من الكتاب العرب يجرؤ على الاعتراف بأنه مصاب بعقدة نفسية معينة أو بعصاب معين.
نقول ذلك على الرغم من أن هذا الأمر أصبح شائعاً ومعترفاً به في أوساط الكتاب الغربيين ولم يعد يثير أية مشكلة او حساسية. ولذلك فإني سأقصر دراستي هنا على تاريخ الثقافة الغربية لكيلا أحرِج أحداً. وثالثها، وربما أهمها، من أجل تبديد ذلك الوهم الشائع والمخيف الذي يحيط بكلمة عصاب، أو عقدة نفسية، أو جنون. فما دمنا لا نتجرَّأ على فتح هذا الملف والتحدث عنه، فإنه سيظل محاطاً بالغموض والأسرار والمخاوف، بل وسوف يتفاقم أكثر فأكثر ويتحول الى أخطبوط مرعب. والواقع أن الجنون بالمعنى الذي نقصده، أي الجنون الإبداعي، ليس مخيفاً الى هذا الحد الذي يتصورونه بل ربما كان محبباً وقريباً الى النفس. وهو على أي حال لا يؤذي أحداً، اللهم الا صاحبه... وكان يمكن أن استخدم محله كلمة التوتر الداخلي أو المعاناة أو الاضطراب النفسي الذي يدفع الى الإبداع ويحل عن طريق الإبداع. فالشخص المتوازن كلياً، أكاد أقول التافه والغبي، لا يمكنه أن يشعر بأي حاجة للإبداع..
من أجل الاستئناس بهذا الموضوع يُستحسن بنا أن نعود الى الوراء قليلا لكتابة مقدمته التاريخية. يبدو أن أفلاطون كان أول من انتبه الى هذه النقطة عندما قال بأن العباقرة يغضبون بسهولة ويخرجون عن طورهم. انهم يعيشون وكأنهم خارج الزمن والوجود، وذلك على عكس الناس العاديين. ولكن أرسطو _ تلميذ أفلاطون _ هو الذي نظر لهذه العلاقة بشكل فلسفي مٌحكَم. وقد طرح هذا السؤال: لماذا يبدو جميع الرجال الاستثنائيين من فلاسفة وعلماء وشعراء وفنانين أشخاصا سوداويين ؟ نلاحظ أن أرسطو يستخدم كلمة الرجل الإستثنائي بدل العبقري، والسوداوي بدل المجنون. والواقع انه أقرب بذلك الى تصورنا الحديث. فنحن لم نعد نقبل بكلمة "العبقري" أو "العبقرية" بسهولة، وانما نفضِّل عليها تعبيراً أقل ضخامة أو أسطورية. ولم نعد نستخدم كلمة "الجنون" المرعبة وانما كلمات حديثة أخرى من اختراع الطب النفسي كالاضطراب الذي يصيب المزاج ويجعله حسَّاساً جداً أو متحفِّزاً جداً. ويقول أرسطو بأن السويداء تبتديء بميل الانسان الى الوحدة والعزلة والتأمل ثم تنتهي أحياناً بالصرع أو الجنون أو حتى الانتحار. ولكنها لدى المبدعين الكبار تتوقف عموماً عند حد معين لأن الابداع يلجمها أو يوقفها عند حدها. ثم جاءت الثقافة الرومانية -اللاتينية بعد أرسطو واليونان وأخذت منه هذه الفكرة. ولذلك شاع المثل الذي يقول: "لا يوجد شخص عظيم بدون حبة جنون" ! واذا ما انتقلنا بعدئذ الى القرن الثامن عشر، أي الى عصر التنوير، وجدنا ان ديدرو هو الذي بلور هذه الفكرة الشائعة التي تربط بين العبقرية والجنون. يقول هذا الفيلسوف الفرنسي : "آه : ما أكبر العلاقة بين العبقري والمجنون. فكلاهما يتميز بميزات خارقة للعادة إما باتجاه الخير واما باتجاه الشر. الفرق الوحيد بينهما هوان المجنون يسجن في المصح العقلي و ان العبقري نرفع له التماثيل !" ..(3) .
ثم جاء القرن التاسع عشر وتأسس علم الطب النفسي لأول مرة على أسس حديثة. وأكد على وجود هذه العلاقة الوثيقة بين العبقرية والجنون. فالشخص العبقري لا يمكن أن يكون طبيعياً على طريقة الناس العاديين. يقول عالم الطب النفسي الكبير إيسكيورول بأن الشخصيات الكبرى في التاريخ هي شخصيات "مرَضية" ويضرب على ذلك مثلاً لوثر، وباسكال، وجان جاك روسو، الخ... وقد استعاد هذه الفكرة بعده طبيب نفسي أقل شهرة هو "لولوت" الذي كتب السيرة الذاتية المرَضية لشخصيتين كبيرتين هما: سقراط و باسكال. وكان عنوان الأولى: "شيطان سقراط " والثانية "تعويذة باسكال " .. فالعبقري في رأيه شخص ممسوس أو مسكون من الداخل حتى لكأن به مسٌّ من جنون. انه مسكون من قبل شيطان العبقرية. وقد عرفت العرب هذه الفكرة في الماضي عندما تحدثوا عن "وادي عبقر"، والإلهام وشيطان الشِّعر، شيطانه أنثى وشيطاني ذكر.. وقد أراد هذا الطبيب النفساني أن يستخدم حالة سقراط وحالة باسكال من أجل كتابة تاريخ الهلوسات. فالشخصيات الاستثنائية مهووسة بشئ ما، لا تدري _ حتى هي _ ماهو بالضبط. وهذا هو سرّ عبقريتها. وفي عام 1859 كتب "مورو دوتور"، وهو طبيب نفساني، دراسة تحليلية عن شخصية الشاعر جيرار دونرفال الذي كان قد انتحر قبل أمد قريب. وأثبت فيها أنه كان مصابا بتهيج هوسي دوري، هو السبب في ابداعه. فحالة الابداع هي حالة هوسية يبلغ فيها التهيج حده الأقصى. ولو أن الشعراء والكتاب العرب تحدثوا لنا عن حالتهم النفسية أثناء عملية الإبداع لقدموا لنا اإضاءات مهمة عن العلاقة بين التوتر والإبداع. ولكنهم لا يتجرأون على ذلك خشيةَ أن يُنعتوا بالجنون !..
نقول ذلك على الرغم من أن بعضهم قد انتحر بسبب هذه المعاناة المتوترة جداً، ونضرب عليهم مثلاً الشاعر الكبير خليل حاوي. لحسن الحظ فان الشعراء والمفكرين الأوروبيين لم يعودوا يخشون من ذلك بعد أن أزال التحليل النفسي تلك الهالة المرعبة التي تحيط بالجنون والأمراض النفسية والعقد. بل إن بعضهم يفتخر بها للدلالة على مدى ابداعه وعبقريته ثم من أجل التمايز والخصوصية. والواقع ان مفكري أوروبا وشعراءها وفنانيها كانوا قد دفعوا ثمن تشكل الحداثة باهظاً. فمن نيتشه الى بودلير الى رامبو الى هولدرلين الى أنطونين أرتو الى ميشيل فوكو الى لويس ألتو سير الى إدغار ألان بو الى فيرجينيا وولف الى كافكا الى لوتريا مون، الى غويا ، الى فان غوخ... نجد أن القائمة طويلة، طويلة من أولئك الذين جنُّوا أو عانوا أو انتحروا.. نعم أن هناك علاقة بين التوتر النفسي والإبداع، ولكن ليس كل عبقري مجنوناً، وليس كل مجنون عبقرياً. فالعلاقة بينهما أكثر تعقيداً مما نظن. وهذا ما سنتعرض له تفصيلاً فيما يلي :
يقول بعضهم بأن هناك نوعين من العبقريات. فهناك العبقرية الصاعقة، أي التي تنفجر انفجاراً عفوياً كالشلالات والينابيع، أو حتى كالزلازل والبراكين (وهذه هي حالة رامبو مثلاً أو هولدرلين أو نيتشه بل وخصوصاً نيتشه ). وهناك العبقرية الهادئة، المتدرجة التي تصنع نفسها عن طريق الصبر والمثابرة والعمل المتواصل (وهذه هي حالة فلوبير مثلاً). ولكن العبقري في جميع حالاته يكون عادة كائناً لا-إجتماعياً، يميل الى العزلة والوحدة والهامشية. لنضرب على ذلك مثلا محسوساً حالة الشاعر الفرنسي الكبير: آرثر رامبو. يقول بول كلوديل عنه: كان رامبو صوفياً في الحالة المتوحشة، أي في الحالة القصوى. كان نبعاً ضائعاً يتفجر من أرض ريَّانة. وأما جان كوكتو فيقول عنه هذه الكلمات الصائبة: "لقد سرق رامبو جواهره من مكان ما. ولكن من أين ؟ لا أحد يعرف بالضبط. هذا هو السر"، (بالطبع فإنه يقصد بجواهره قصائد). لقد تحول رامبو الى أسطورة تستعصي على التفسير. فلم يعرف التاريخ عبقرية مبكرة مثل عبقريته. انه كالشهاب الذي ما إن اشتعل حتى احترق ! من المعلوم ان اشعاره كلها كتبت خلال أربع سنوات: أي من سن السادسة عشرة الى سن التاسعة عشرة !.. هل يعقل أن يولد عبقري في مثل هذه السن المبكرة ؟ ولذا رأى بعضهم أن القدرة الالهية هي التي ألهمته وفجَّرت في جوانحه العبقرية الشعرية التي تتجاوز كل عبقرية في اللغة الفرنسية، اذا ما استثنينا بودلير او فيكتور هيغو. راح رامبو يمثل في تاريخ الشعر الفرنسي الطهارة البكر، أو البراءة الأصلية التي لا تشوبها شائبة. لقد اخترق رامبو سماء الشعر الأوروبي كالنيزك المارق : أي بسرعة البرق.فما ان لمع حتى انطفأ.
ثم هجر بيته وقريته وشعره، بل وتنكر حتى لشعره وراح يعيش حياة مغامرته المعروفة، في بلاد العرب _ في عدن واليمن. هذه هي العبقرية المتوحشة أو المتفجرة: بداية مبكِّرة، إبداع خاطف، نهاية قبل الأوان. أما الروائي مارسيل بروست صاحب "بحثا عن الزمن الضائع" فكان يرى أن العبقرية تجيء بشكل مفاجيء، أي في اللحظة التي لا نتوقعها. انها تنفجر كالأشراق المباغت، أو كالالهام الصاعق. وعندما يقول ذلك فإنه يعرف عما يتحدث لأنه شهد تلك اللحظة وعاشرها كبقية المبدعين الكبار. أما الشاعر سان جون بيرس فيصف تلك اللحظة بأنها "الصاعقة العذراء للعبقرية". ويعترف بعض كبار الكتاب بأنهم ليسوا هم الذين يكتبون أفكارهم، وانما أفكارهم هي التي تكتب نفسها من تلقاء ذاتها، من خلالهم. وأتذكر بهذه المناسبة الحكاية التالية التي حصلت لي في جامعة دمشق. كنا في عام 1974- 1975 طلاباً في قسم الدراسات الأدبية العليا. وكان الناقد احسان عباس يأتينا من بيروت مرة أو مرتين في الشهر لكي يلقي علينا دروساً نقدية حول الشعر الحديث. ولكن قبل التوصل اليه راح يتحدث عن الشعر الكلاسيكي السابق له، شعر بدوي الجبل وجيله. وقال لنا بأنه سمع مرة بدوي الجبل يقول بأنه ليس هو الذي يكتب أشعاره، وانما هي التي تكتب نفسها بنفسها من خلاله. فهي تجيئه وهو ماش أو نائم أو صاح وتنزل عليه كالإلهام. ويجد نفسه عندئذ وهو "يدندن " بها كما لو على غير علم منه. وما عليه عندئذ الا أن يسجلها بسرعة على الورق قبل أن تتبخر وتضيع..
وأتذكر أن احسان عباس قد أبدى بعض الشكوك فيما يخص هذه النقطة واعتبرها أحدى مبالغات الشعراء. ولكني الآن، وبعد مرور أكثر من عشرين سنة على هذه الحكاية، أميل ال تصديق بدوي الجبل أكثر من ذي قبل، دون أن يعني ذلك إنكار دور الصنعة والجهد في إنتاج القصيدة. فالمبدعون الكبار ينفجرون بالإبداع انفجاراً. ربما كان يعتمل في داخلهم ويختمرمنذ زمن طويل على غير علم منهم. ثم تجيء فجأة لحظة الحسم التي لا يختارونها هم، وانما هي التي تختار نفسها بنفسها رغما عنهم. مهما يكن من أمر فإن انفجار اللحظة الإبداعية قد يجيء بعد مرور الكاتب بأزمة معينة، أو مباشرة بعد الصحو والخروج من الحلم: أي في حالات التنويم المغناطيسي تقريباً، أوالهلوسة، أو أحلام اليقظة.
ولكن هذه الحالات الإبداعية نادرة، ولذلك يحاول بعض الكتاب إثارتها في أنفسهم بشكل اصطناعي عن طريق تناول المخدرات أو شرب الكحول.. نضرب عليهم مثلاً نيتشه أو بودلير أو سارتر في عصرنا الحاضر. فقد عُرف عنهم تناول هذه "المنبهات" من أجل إيقاظ وعيهم الإبداعي وتحريكه. ولكن العملية خطرة وقد تؤدي الى نتائج مزعجة. ولذلك يمكن القول بأن أفضل اللحظات الإبداعية هي تلك التي تجيء بشكل طبيعي لا مصطنع. وهي لحظات قصيرة وخارقة، ولكن تأثيرها يتجاوز الدهور. يكفي أن نفكر هنا ببعض هذه اللحظات الاستثنائية التي غيرت وجه التاريخ: ليلة 10 نوفمبر 1619، حيث نزل الإلهام على ديكارت وتوصل الى الحقيقة. ثم يوم 13 مايو1797، أي قبل ما يزيد على 200 سنة حيث نزل الإلهام على الشاعر الألماني الكبير نوفاليس. ثم صيف 1831 حيث شهد جوته فترة الهام مكثفة. ولا ينبغي ان ننسى نزول الا لهام على جان جاك روسو وهو سائر على الطريق بالقرب من غابة فانسين فصرعه في أرضه وانبطح تحت الشجرة وهو فاقد للوعي والعرق يتصبَّب منه. وما أن صحا من العملية حتى أصبح رجلاً آخرَ..
ولكن انفجار هذه اللحظات العبقرية في وعي أصحابها لا يمر عادة بسلام. وانما يدفع ثمنه غالياً أحياناً. صحيح أنه يحرر الشخصية من عقدها وأوجاعها، صحيح أنه يحلق بها في الأعالي، بل وفي أعلى الأعالي، ولكنه يسقط بها الى الحضيض بعدئذ. وذلك لان لحظة الإلهام قصيرة جداً ولا تدوم الا بضع ثوان ولكنها تحسم مصير العبقري الى الأبد. بل وتحسم مصير التاريخ أحياناً. ثم تظل النفس دائما متأثرة بها، حتى لكأنها تئِنُّ تحت وطأتها. فليس كل الناس يستطيعون تحمل الإلهام، خصوصاَ إذا ما كان منفجراً كالحمم من أفواه البراكين، خصوصاً اذا ما نزل كالصاعقة كما حصل لروسو. ولكن عدد الأشخاص الذين يشهدون مثل هذه اللحظات الاستثنائية قليل في التاريخ. لنتوقف هنا قليلاً عند لحظة ديكارت من أجل تشريحها من الداخل ومحاولة فهم أبعادها. من المعروف أن الفيلسوف الفرنسي كان في بداية شبابه شخصاً ضائعاً لا يعرف ماذا يفعل بحياته. كان مغامراً يذهب من بلد أوروبي الى آخر لكي يطّلع على "كتَاب العالم" كما يحب أن يقول، أي لكي يقرأ العالم ويطلع عليه ككتاب مفتوح. وقد انخرط في جيش أحد الأمراء في هولندا. وعندما اختلى بنفسه في غرفته في المعسكر جاءته الأحلام الثلاثة المرعبة التي هزَّتْه هزَّاً وكادت ان تودي به (4). ولكن العناية الإلهية شاءت أن تكون هداية له نحو الحقيقة التي يبحث عنها منذ زمن طويل دون علم منه. لقد كانت ليلة ميلاد تلك التي عاشها وينيه ديكارت في العاشر من نوفمبر، ولولا حلم الله وعفوه لقضت عليه. وهكذا ولدت فلسفة ديكارت بعد مخاض شديد البأس كما تولد النبوات. ونفس الشيء يمكن ان يقال عن جان جاك روسو. ونتجت عن تلك الليلة الديكارتية الليلاء المنهجية العقلانية التي حكمتْ أوروبا طيلة ثلاثة قرون (أي حتى اليوم بشكل من الأشكال. انظر المنهجية الديكارتية. أو العقلانية الديكارتية ). وأما نوفاليس فقصته مختلفة. فقد شهد لحظة الإلهام الشعري في 13 مايو 1797، وشعر بفرح لا يوصف وحماسة خاطفة دامت عدة ثوان فقط. ولكنها أضاءته من الداخل بشكل لم يسبق له مثيل. وكانت كافية لكي يصبح انسانا اخر. وابتدأ عندئذ يكتب أشعاره الخالدة. هكذا نجد أن الإلهام جاء بعد لحظة غير طبيعية، لحظة تفوق كل اللحظات. ومَن يعيشها أو يذوق طعمها لا يعود ينساها. والواقع أن هذه اللحظة جاءت بعد فاجعة حقيقية أصابته. فقد ماتت خطيبته وحبيبة عمره "صوفي" بمرض السل وعمرها لا يتجاوز الخمسة عشر ربيعا. ثم مات أخوه بعدها مباشرة. وقد اعتملت الأشياء في داخله واختلجت وتفاعلت حتى انفجرت أخيرا في لحظة إلهام مدوية. وهكذا يدفع ثمن العبقرية باهظاً. يقول نوفاليس في تفجعه على حبيبته التي ماتت في عمر الزهور "رحت أنحني" وراح نَفَسي يبدِّد القبر وتراب القبر. وأصبحتِ القرون ثواني وشعرتُ بحضورها، كدتُ ألمسها، شعرت بأن القبر سوف ينشقُّ عنها فتخرج منه حية كما كانت، كما كنت أعرفها.. "(5)، وقد كتب كل أعماله الشعرية في الأعوام الثلاثة التي تلت تلك اللحظة، لحظة انفجار الإلهام والعبقرية في داخله. وما لبث أن مات هو أيضا بمرض السل عام 1801 وعمره لا يتجاوز الثلاثين عاما.
وأما عن غوته فحدِّثْ ولا حرج. فهذا الرجل الذي يعتبر مفخرة ألمانيا كلها لم يعش قرير العين. ولم يخلُ من الأزمات والهزات النفسية المؤلمة على عكس ما نتوهّم. هو أيضا دفع ثمن إبداعه، أو ثمن عبقريته، باهظاً. وقد واتتْه الجرأة لكي يعترف في بعض اللحظات بأنه مريض نفسياً، وبأنه يعاني معاناةً هائلة لا يعرف كنهها ولا سببها. ولذلك نستنتج أن هناك علاقة بين العبقرية وبين المرض النفسي أو العقد النفسية التي تصيب الشخصية. وربما لولا هذه العقد ومحاولة التغلب عليها لما كان الابداع. فالشخصية المريضة لا تستطيع أن تتوازن الا من خلال الإبداع. فالتناقض بين المبدع والعالم يصبح حاداً الى درجة انه لا يمكن ان يُحَلَّ الا عن طريق الانفجار. انه يصبح حاداً الى درجة أنه ينكِّد عيش الفنان ولا يدعه يستمتع بالحياة الا في لحظات قليلة. ولذا يمكن أن نقول في ختام هذه الدراسة: لا ينبغي ان نحسد العباقرة كثيراً على شهرتهم، ففي بعض اللحظات يتمنون لو أنهم لم يولدوا!
تحدثنا عن العبقريات السريعة التي تلمع فجأة ثم تنطفيء كعبقرية رامبو مثلا. لكن هناك عبقريات من نوع آخر، عبقريات بطيئة تتطلب وقتاً طويلاً وصبراً قبل أن تنضج وتتفتح. والواقع أن معظم العباقرة يتميزون بهذه الخاصية: الرغبة الكبيرة في العطاء والمثابرة على نفس الخط لفترة طويلة من الزمن. انهم لا ييأسون بسهولة ولا يتراجعون عن الهدف الذي وضعوه نصب أعينهم. يقول ألفريد دوموسيه بهذا الصدد ما يلي: لا توجد عبقرية حقيقية بدون صبر. وبالتالي فإن العبقرية لاتتشكل بين عشية وضحاها، وانما هي خاتمة لمسار طويل عريض. ويرى بودلير أن الإلهام لا ينزل علينا فجأة من السماء وانما هو بالأحرى نتيجة للتدريب اليومي المستمر والمتواصل والدؤوب. نقول ذلك ونحن نعلم مدى القلق الذي يشعر به الكاتب أمام الصفحة البيضاء فهو لايستطيع أن يملأها الا بشقِّ النفْس، وأحياناً لا يستطيع أن يكتب جملة واحدة. وقد عرَّف أحد الكتاب الإنجليز العبقرية قائلاً بأنها نتيجة التعب والجهد بنسبة 99% ونتيجة الإلهام بنسبة 1% فقط ! وهذا دليلٌ على أن الجهد هو الأساس، وأما ما تبقى فيجيء بعد بذل الجهد لا قبله. مهما يكن من أمر فيبدو أن العناد هو أحدى الصفات الأساسية التي يتميز بها العباقرة. فالناس العاديون سرعان ما يملُّون بعد فترة من الزمن إذا لم يصلوا الى أي نتيجة. وأما العباقرة فيظلُّون مثابرين على نفس الخط رغم كل الخيبات والعقبات حتى يصلوا الى نتيجة في نهاية المطاف. وطالما تحدث الناس عن أسطورة بلزاك وقدرته الرهيبة على العمل ساعات متواصلة خصوصاً ليلاً. فقد كان يغلق عليه النوافذ والأبواب بدءاً من الساعة العاشرة مساء ثم يحضر "طنجرة" كاملة من القهوة ويبتديء الكتابة حتى الصباح دون توقف.
وهكذا كان يشتغل خمس عشرة ساعة يومياً، بعد أن يبتلع عشرات الفناجين من القهوة. ولولا ذلك لما استطاع كتابة كل هذا الإنتاج الضخم المتمثِّل بالكوميديا البشرية، وهو لم يعش أكثر من خمسين عاماً ! نعم إن العبقرية بحاجة الى جهد جهيد، ولا تنزل علينا كهدية من السماء. يقول بلزاك في أحدى رسائله الى حبيبة عمره مدام هانسكا: "ان حياتي تتلخَّص بخمس عشرة ساعة من العمل، وبالمحن والعذاب، وهموم المؤلف، وصقل العبارات وتصحيحها" (6).
ولكن هذا التدريب اليومي المستمر والدؤوب لا يفسر لنا وحده سبب العبقرية. فهناك دارسونَ أكاديميون يشتغلون ساعات وساعات يومياً دون أن يتوصلوا الى أكثر من مرتبة دارس جيد أو جامع مفيد للمعلومات. وإذن فهناك سبب آخر للعبقرية غير الجهد والتعب: انه الموهبة أو شرارة الإبداع. فهناك كتَّاب يمتلكونها، وآخرون لا يمتلكونها. ولذلك نسمعهم يقولون: هذا الكاتب موهوب، أو هذا الكاتب عنده شيء، الخ... إذن فالعبقرية هي نتاج الموهبة والجهد في آن معاً، وقد لا يكون حظ الموهبة فقط 1% كما قال الكاتب الانجليزي، وإنما 50%.
ويمكن القول بان فلوبير يجسد، في مجال الأدب، المثال الأعلى على المثابرة والمواظبة وبذل الجهد والتعب. وكان يجلس وراء طاولته من عشر الى اثنتي عشرة ساعة يومياً لكي يستطيع أن يكتب رواية واحدة كل أربع أو خمس سنوات. ولذلك لم يكتب كثيراً: خمسَ أو ستَّ روايات طيلة حياته كلها اذا ما استثنينا "مدام بوفاري"، رائعته الخالدة. انه يشبه المقلين في الشعر العربي القديم الذين اشتهروا بقصيدة واحدة أو عدة قصائد فقط. انه يشبه عبيد الشعر الذين لا ينفكُّون يصقلونه ويعيدون النظر فيه أياماً وشهوراً وربما سنوات. وطالما تحدث فلوبير عن عذاب الكتابة وكيف أنه يمضي الساعات الطويلة، وأحياناً بضعة أيام، لكي يجد الجملة المناسبة أو حتى الكلمة المناسبة. وكم كان يلعن نفسه أثناء ذلك ويلعن الكتابة والأدب وكل شيء... وأذكر أني عندما زرت بيته الواقع في ضواحي مدينة "روان" على شواطيء نهر السين قبل بضع سنوات فوجئت بمدى التشطيب الذي كان يمارسه على كل صفحة يكتبها. فلا تكاد تقرأ فيها شيئا واضحاً من كثرة الحذف والتشطيب والإضافة والتصحيح أو التعديل، الخ.. وقد تحول منزله الى متحف يزوره الزائر متى يشاء لكي يستمتع بالجو الذي كان يعيشه صاحب "مدام بوفاري" في القرن التاسع عشر. وعندئذ تستطيع أن تملأ عينيك بجمال الغابة المحيطة أو أن تراقب من النافذة مرور المراكب والسفن كما كان يراقبها فلوبير نفسه قبل قرن وهو جالس وراء مكتبه يسطر رواياته الخالدة.
نعم ان فلوبير لم يكتب أكثر من خمس أو ست روايات في حين أن كتَّابنا العباقرة يتحفوننا كل عام أو حتى كل شهر او شهرين برواية أو ديوان شعري أو كتاب فكري، الخ.. لماذا كل هذا الاستعجال يا اخوان ؟ لماذا تحرقون الطبخة قبل أن تنضج ؟ فلوبير كان حريصاً على ألاّ يصدر شيئاً قبل أن يستنفد طاقته كلها فيه. يقول في أحدى رسائله الى عشيقته لويز كوليه: "لقد داختْ رأسي وجفَّ حلقي من كثرة ما بحثتُ عن جملة واحدة. لقد قلَّبتها على عشرات الوجوه ونجّرتها وحفرتها، ثم صرختُ وندبتُ وشتمتُ حتى توصلتُ أخيراً اليها... انها رائعة، أعترف بذلك. ولكنها لم تولد دون مخاض وعذاب".
هناك خاصية أخرى يتميز بها العباقرة هي: حب الوحدة والعزلة والاستقلالية الشخصية. يكتب أحدهم: لقد قالوا عن العبقري بأنه يشبه المجنون. بمعنى أنه يولد ويموت وحيداً. انه شخص بارد، فاقد الحساسية لا علاقة له بالعواطف العائلية والتقاليد الاجتماعية. ولكن هذه مبالغة بالطبع. والواقع ان العباقرة يحبون العزلة من أجل التفرغ لإبداعهم وإنتاجهم. فلا تستطيع أن تبدع وأنت في زحمة البشر أو في وسط الشارع. ومن المعروف أن العلاقات العامة والاستقبالات والحفلات تأخذ وقتاً كثيراً ولا تسمح للمفكر بأن يتفرغ لنفسه وأفكاره وتأملاته. ولذلك اشتهر المفكرون بحب الوحدة والحرص عليها. نضرب عليهم مثلاً شهيراً "ديكارت" الذي غادر بلاده فرنسا هرباً من المتطفلين والثرثارين الذين كانوا يلاحقونه باستمرار. وكان يشعر بسعادة كبيرة إذ يسكن في حي لا أحد يعرفه فيه، ويمشي في الشارع ولا أحد ينتبه اليه. فالشهرة أيضاً مزعجة وينبغي أن يحمي الإنسان نفسه منها. يضاف الى ذلك ان العبقري يتميز بالهامشية والعصيان وعدم الخضوع للتقاليد والأعراف السائدة مثله في ذلك مثل المجنون. ولكن الفرق الوحيد بينهما هو انه لا ينتهكها بشكل مجاني أو مبتذل أو غير واع كما يفعل المجنون. يضاف الى ذلك أن للعباقرة عاداتهم التي يلتزمون بها وتصبح جزءاً لا يتجزأ منهم. قلنا سابقاً بأن بلزاك كان يسهر في الليل وينام في النهار. وهكذا كتب معظم رواياته ان لم يكن كلها. وهذه الطريقة في الحياة تعتبر جنوناً بالنسبة للإنسان العادي. فالطبيعي أن تفعل العكس أي أن تنام في الليل وتشتغل في النهار. ولكن العبقري ليس انساناً طبيعياً ولا يحرص ان يكون. انه مهووس بمشروعه الى درجة المرض ومستعد لأن يضحي بكل شيء من أجله. وقد لاحظنا من خلال قراءة سير العباقرة أن معظمهم لا ينجبون الأطفال ولا يكرِّسون وقتهم لتربية عائلة. فمؤلفاتهم هي أطفالهم، وهم حريصون عليها مثل حرص الرجل العادي على طفله. فديكارت لم يتزوج، وكذلك الأمر بالنسبة لكانط، وسبينوزا، ونيتشه، وسارتر، وبودلير، ورامبو، وفلوبير، الخ.. بالطبع فهناك استثناءات (هيجل مثلا من بين آخرين بالطبع). ولكن، عموماً فإن العبقري يكرس حياته لشئ واحد فقط: هو إنتاجه وإبداعه. يضاف الى ذلك أن عادات العباقرة عجيبة غريبة وتختلف عن عادات البشر. فمثلاً نلاحظ انهم يهملون أحيانا الأكل والشرب في فترات الإبداع. انهم ينهمكون به الى درجة انهم ينسون أنفسهم بكل بساطة. انهم ينسحبون من الحياة اليومية كلياً لكي يضعوا إنتاجهم مثلما تنسحب المرأة الحامل لكي تضع طفلها. وهم يحرصون عليه مثلها وأكثر. وهكذا عاش مارسيل بروست ومات عام 1922 ضمن ظروف بائسة في غرفة حقيرة لا تحتوي الا على سرير وكرسي وثلاث طاولات !. نقول ذلك على الرغم من غناه وثرواته الطائلة. واما "فرانز كافكا" فكان أكثر شذوذا وغرابة أطوار. فقد كان يفرض على نفسه عادات صحية غريبة عجيبة خوفاً من المرض. وكان هوسه اليومي هذا ذا علاقة بهوسه الإبداعي. كان يفرض على نفسه مثلاً الاستحمام بالماء البارد جداً والمثلج، ويمتنع عن تناول الكثير من الأطعمة اللذيذة ويعاقب جسده معاقبة صارمة. وكل ذلك بسبب العصاب الهوسي الذي يلاحقه والذي أدَّى الى تفتح عبقريته على الرغم من كل شيء. وهنا نلمس لمس اليد نقطة التواصل بين العصاب النفسي والعبقرية. يضاف إلى ذلك أن العباقرة متطرفون في عاداتهم على عكس الناس العاديين أو المتوازنين. فمثلاً كان فولتير يشرب خمسين فنجان قهوة في اليوم ! وقُلِ الأمر ذاته عن فلوبير وبلزاك. وذلك لأن القهوة تنبه الأعصاب وتجعلها متحفزة للإبداع. وأما بودلير فقد تجاوزها الى ما هو أخطر: شرب الكحول بشكل مسرف وتعاطي المخدرات. وقد دفعتْ صحتُهم ثمن ذلك غالياً... ولكن في سبيل الإبداع، كل شيء رخيص.
والآن ماذا عن القلق ؟ في الواقع أن العباقرة شخصيات قلقة وحساسة الى درجة المرض والتطرف الأقصى. ولو سمعنا كل حكاياتهم وقصصهم العجيبة الغريبة لحمدنا الله عز وجل على أننا لسنا عباقرة ! لنضرب على ذلك مثلاً "شوبنهاور". فقد كان مصاباً بجنون العظمة وعقدة الاضطهاد في آن معاً. وكان يعتقد بأنه مُلاحَق باستمرار دون أن يلاحقه أحد.. ولم يكن أحد يستطيع أن ينزع من رأسه تلك الفكرة التي تقول بأن هناك مؤامرة كونية تحاك ضده من أجل خنق عبقريته أو القضاء على إبداعه الفلسفي. ألا يقترب ذلك من الجنون ؟ أين تقع الحدود الفاصلة بين العقل والجنون ؟ فمنذ عام ( 1814) أي عندما كان في السادسة والعشرين من عمره راح يقارن نفسه بالمسيح ويعتبر أنه مبعوث لهداية البشر على طريق الحقيقة. يقول : "يحصل لي ما حصل ليسوع الناصري عندما أيقظ حوارييه أو أتباعه النائمين. أنا رجل الحقيقة الوحيد في هذا في هذا العالم". ولكن جنون العظمة تحول لديه فيما بعد الى عكسه: أي الى عقدة الإضطهاد. ثم أصبح مسكوناً بهاجس القلق الأقصى والمرعب على حياته الى درجة أنه كان يرفض أن يسكن في الطابق الثاني أو الثالث من البناية خشية أن يحصل حريق فيها فلا يستطيع القفز أو الهرب قبل فوات الأوان ! وكان يحمل مسدَّساً معه باستمرار ويضع يده عليه مستنفراً في أي لحظة ما إن يسمع ضجَّة خفيفة على الباب او حتى هبَّة ريح في الخارج معتقداً بأن هناك أشخاصاً قادمين لاغتياله.. يضاف الى ذلك أنه كان يكتب أفكاره للوهلة الأولى باللغات الإغريقية واللاتينية بل وحتى السنسكريتية! ويخبئها بين صفحات كتبه لكيلا يقع عليها أحدهم ويسرقها منه ! فقد كان يعتقد كما قلنا بأنهم سيسرقونها إبداعه وينسبونه الى أنفسهم. وكان يحقد على معاصره هيجل حقداً شديداً لأنه نجح ولمع، في حين أنه هو بقي مجهولاً طيلة حياته كلها تقريباً. وكل هذا لم يمنعه من أن يصبح أحد كبار الفلاسفة في العصور الحديثة. وإذن، فينبغي أن ننزع من أذهاننا تلك الصورة المثالية والأسطورية عن العبقري. فهو رجل عادي، بل وأقل من عادي في بعض تصرفاته، انه تافه جداً أحياناً. وربما كان هدف العبقري الدائم هو أن يصبح رجلاً عادياً مثله في ذلك مثل بقية البشر. ولكن بما أنه لايستطيع فانه يصبح عبقرياً. بما انه لا يستطيع التوصل الى ذلك على الرغم من محاولاته المتكررة فإنه يلجأ الى الخلق والإبداع لكي يحافظ على توازنه. فاذا ما نجح في ذلك قال الناس بأنه عبقري، واذا ما فشل قالوا بانه مجنون. وهنا يكمن الفرق بين العبقرية والجنون. لنتحدث الآن عن جان جاك روسو الذي يُعتبر في الغرب نبيَّ العصور الحديثة. أليس هو القائل: "لو أردتُ أن أكون نبيَّاً من كان سيمنعني ؟!" فقد كان مصاباً بعقدة الإضطهاد أيضاً. وكان يعتقد أن هناك مؤامرة جهنمية تُحاك ضده في كل مكان، وخصوصاً في الفترة الثانية من حياته. ومن كثرة ما عذبوه ولاحقوه أصبح يشك حتى بأصدقائه من جماعة الفلاسفة كـ"ديدرو" و"هيوم" و"فولتير". وكان معه بعض الحق فيما يخص هذا الأخير. بل ويقال بأنه غير سكنه أكثر من مرة خوفاً من ملاحقة وهمية. وعندما سمع أحد الجيران بأن روسو هو الذي يسكن في الغرفة المجاورة لم يكد يصدِّق عينيه. وقال: "سأتعرَّف الآن على أكبر شخص في العالم". ولكن روسو صدَّه مباشرة متوهماً بأنه "جاسوس" ! فانكسر الرجل وحزن حزناً شديداً لأنه كان فقط يريد السلام عليه.. بالطبع فإن روسو لم يكن فقط ذلك، وانما كان أيضاً إنساناً طيباً جداً ويمتلئ قلبه بعاطفة الحنان والمحبة للجنس البشري كله. ولكنه كان معقَّداً نفسياً لأسباب خاصة بحياته والمصاعب التي لاقاها والحسد الكبير الذي أثاره حوله بسبب عبقريته وشهرته الأسطورية. فالشهرة ليست خيراً كلها، وانما تسبب متاعب كبيرة، بل ومخاطر جسيمة لأصحابها. وويلٌ لمن يشتهر بدون اذن الناس او علمهم ! لكأنه يسرق منهم شيئاً ما أو يعتدي عليهم.. يضاف الى ذلك انه كان ملاحقاً فعلاً وليس فقط ملاحقات وهمية. ولكن قلق العباقرة يمكن أن يصل أحياناً الى درجة الإنهيار الكامل: أي الجنون الحقيقي. وهذا ما حصل للموسيقار روبيرت شومان الذي قال لأصدقائه عام 1854: "أريد أن أدخل المصحَّ العقليّ. لقد انتهيت. أنا لم أعد مسؤولاً عن تصرفاتي. أرجوكم امسكوني، اسجنوني...".
وأما الشاعر جيرار دونرفال فقال لهم: "أخشى أن يضعوني في بيت العقلاء (أي في المصحِّ العقلي ) والناس في الخارج كلهم مجانين !..." وأما أندريه بريتون الذي لم يكن مجنوناً إلا على الطريقة السوريالية فقد احتجَّ على سجن العباقرة في المصحَّات العقلية وقال: "ان كل هذا السجن تعسُّفي. لا أفهم كيف يحرمون شخصاً ما من حريته. لقد سجنوا ساد وسجنوا نيتشه، وسجنوا بودلير.." وكان يمكن أن يضيف: كونراد، وموباسان، وهولدرلين، وهمنجواي، وفان جوخ، والتوسير، والقائمة طويلة.. هذا القلق النفسي الرهيب الذي كان يعاني منه معظم الكتاب يتجلَّى أيضا لدى ألبير كامو. فقد صرح لأحد أصدقائه المقربين أكثر من مرة بأنه يشعر بالخواء الداخلي يكتسحه كليا، وأنه مليء باليأس القاتل ولا يستبعد أن يلجأ الى الانتحار كحلٍّ وحيد لمشكلته الشخصية.. والواقع أنه مات في حادث سيارة على طريق "ليون _ باريس"، فهل كان ذلك انتحاراً واعياً أم لا؟ على أي حال لقد أنقذه الحادث من الانتحار... ونلاحظ أحياناً أن الإحباط واليأس الكامل يتجلَّيان في كتابه المعروف "اسطورة سيزيف"، وهو كتاب جميل ويستحق أن يُقرأ من أجل تبيان فراغ الحداثة وهشاشة الوجود. (لا أعرف فيما اذا كان قد تُرجم الى العربية أم لا). لنتحدثْ الآن عن بودلير. فقد مات أبوه وهو صغير. وكان متعلقاً بأمه الى درجة المرض. ولكن الكارثة حصلتْ عندما تزوجتْ أمه من الجنرال "أوبيك" بعد فترة قصيرة فقط على موت والده. وهذا ما سبَّب له حزناً عميقاً لم يقم منه طيلة حياته كلها. فقد اعتبر أنهم سرقوا أمَّه منه، وانها خانته، ولم يعد يستطيع أن يتخيَّل أنها مع رجل آخر... يا للخيانة ! ويا للغدر! في الواقع أن بودلير كان يعاني من عقدة أوديب التي اكتشفها فرويد فيما بعد وبلورها لأول مرة. وقد فكر بالانتحار أكثر من مرة كرد على هذا الوضع الذي لا يحتمل. بل وقام بمحاولة انتحار فاشلة عندما ضرب صدره بالسيف. يقول لأحدهم معبِّراً عن يأسه الداخلي وتقزُّزه من الحياة: "سوف أقتل نفسي غير آسف على الحياة. سوف أنتحر لأني لم أعد قادراً على الحياة. لقد تعبتُ من النوم والاستيقاظ كل يوم. يالها من عادة مملَّة رتيبة. أريد أن أنام مرة واحدة والى الأبد. سوف انتحر لأني أصبحت عالة على الآخرين، لأنى أشكِّل خطراً حتى على نفسي. سوف أنتحر لأني أعتقد بأني خالد ومليء بالأمل"(9). والواقع ان الاكتئاب النفسي شائع كثيراً لدى كبار المبدعين. نضرب على ذلك مثلاً بيتهوفن. فهو أحد كبار الموسيقيين على مرِّ العصور. ولكنه لم يعش حياة مريحة أو هنيئة على عكس ما نتصور. كلنا يعرف أنه كان أطرش لا يسمع. وقد سبَّب له ذلك عقدة نفسية حقيقية. وربما كانت هي الدافع الى تفجُّر عبقريته. فالعبقرية تجيء كتعويض عن نقص ما أو خلل ما كما يقول التحليل النفسي. كان بيتهوفن بحسب ما يروي لنا معاصروه يتميز بالسوداوية والحزن العميق الذي لا شفاء منه. وكان يغطس فيه أحيانا الى درجة مخيفة، الى درجة اللاعودة. وحتى عندما كان يضحك فإن ضحكته كانت سوداء، عنيفة، ناشزة غير طبيعية. كانت ضحكة رجل لم يتعود على الفرح أبداً في حياته. ولكن عندما كانت تجيئه لحظة الإلهام، فإنه كان يصبح شخصاً آخر. كان يخرج عن طوره تماماً. كان يصبح غائباً، سارحاً، شارداً والناس يضجُّون من حوله، ولكنه لا يعبأ بهم على الإطلاق. وكان يصرخ بأعلى صوته، ويتمتم، ويدندن، ويمسح غرفته، ذهاباً وإياباً وهو في حالة جنونية من التوتر الأقصى. ويظل كذلك حتى تحصل الولادة السعيدة، أو القطعة الموسيقية المنشودة. وبالتالي فهناك علاقة واضحة بين التوتر النفسي. ان لم نقل المرض النفسي _ و الإبداع. نضرب على ذلك مثلاً آخر وأخيراً للرسام الفرنسي الشهير كلود مونيه، أحد مؤسِّسي المدرسة الانطباعية في الفن. فقد كان على حافَّة الانهيار النفسي. وكان يشهد حالة الإحباط التي تسبق وتتلو كل عملية ابداع: أي كلما رسم لوحة فنية رائعة. وكان مازوشياً زاهداً في نفسه، مستصغراً لقدراته ولا ينفكُّ يقول: "كل شيء ضاع، لن أنجح في حياتي أبداً، سوف تخسر كل أعمالي، سوف أضطر لبيع البيت والفرش والأدوات الخ.."، ومع ذلك فقد سجله التاريخ كأحد كبار الفنانين في العصر الحديث..
قلنا إذن بأن العبقري يشترك مع المجنون (أو مع المريض العقلي ) بصفة أساسية واحدة : هي التأزُّم الداخلي، ولكن الفرق بينهما هو أن أزمة العبقري تنحلُّ عن طريق الإبداع، في حين أن أزمة المجنون تبدو مجانية ولا تؤدي إلاّ الى الهذيان الفارغ. هذا يعني أنه لولا إبداعه الخارق لكان العبقري قد أصبح مجنوناً.
فالأبداع هو الذي يحرّر الشخصية من أزمتها الداخلية أو من تناقضها الحاد الذي يبدو عصياً على التجاوز في الحالات العادية. وهو الذي يعطيها ثقة بنفسها.
بهذا المعنى، فإن الابداع هو انفجار خارج من الأعماق. انه ولادة تجيء بعد مخاض عنيف وخطر. وهكذا يستعيد المبدع توازنه لفترة من الزمن، وذلك قبل أن يدخل في دورة تأزمية جديدة تنحلُّ أيضاً عن طريق إبداع جديد وهكذا دواليك.. نقول ذلك وبخاصة إذا ما لقي الإبداع ترحيباً في وقته من قبل شريحة واسعة من الناس. وهكذا يتوازن العبقري عن طريق اعتراف الناس به وإعجابهم بإبداعه.، ولولا هذا الاعتراف لربما فقد توازنه وغطَس كلياً في بحر الجنون. فاعتراف الآخرين بك يعطيك ثقة بالنفس ويثبت أقدامك ويزيل الكابوس النفسي عن صدرك. والواقع أن تعريف العبقرية هو هذا: اعتراف العدد الأكبر من الناس بالمبدع، وديمومة هذا الاعتراف على مدار الزمن والقرون. هذا هو الشيء الذي يعطي قيمة لا تقدَّر بثمن للوحات ميكيل انجيلو، أو فان جوخ، أو لمسرحيات شكسبير، أو لروايات بلزاك وديستويفسكي، أو لكتب ديكارت، وكانط وهيجل في مجال الفلسفة، الخ.. ولكن المشكلة هي أن بعض العباقرة لم يتوازنوا نفسياً حتى بعد أن أبدعوا، كما حصل لفان جوخ وشومان وفيرجينيا وولف ونيتشه. وربما كان السبب الأساسي يعود الى أنهم لم يحظوا بالاعتراف الكامل بهم أثناء حياتهم، وانما بعد مماتهم. فقد جاء الاعتراف متأخراً، جاء بعد فوات الأوان. وينطبق ذلك أكثر ما ينطبق على فان جوخ الذي تباع لوحاته الآن بعشرات الملايين من الدولارات، في حين انه كان جائعاً وفقيراً في حياته. لم يتح له القدر أن ينعم بشهرته ونتاج عبقريته. وقل الأمر نفسه عن نيتشه الذي لم يعترف به إلا نفر قليل في حياته، ثم انفجرت شهرته كالقنبلة الموقوتة بعد جنونه أو موته بوقت قصير. وكان قد تنبَّأ بذلك عندما قال جملته الشهيرة: "البعض يولدون بعد موتهم ! سوف يجيء يومي، ولكن لن أكون هنا". وقد تنعَّمتْ أخته "اليزابيث" بهذه الشهرة والمال العريض الناتج عن بيع أعمال أخيها بملايين النسخ، في حين أنه لم يبع منها إلا بضع عشرات في حياته كلها.. ولكن يمكن القول بأن هناك نفوساً عطشى لا تشبع حتى بعد أن ترتوي. انها أرواحٌ حائرة لا يعرف كنهها أو سرها. وأكبر مثل على ذلك الكاتبة الانجليزية فيرجينيا وولف التي انتحرت حتى بعد أن نجحت وذاقت طعم الشهرة في حياتها..
في يوم الاثنين بتاريخ 27 فبراير 1854 كان الموسيقار الالماني الشهير روبيرت شومان جالساً مع أصدقائه في جلسة سمر في بيته. وفجأة يترك الزوار ويخرج بثيابه العادية. واعتقد أصدقاؤه عندئذ أنه خرج لحاجة ما وأنه سيعود بعد قليل. ولكنه في الواقع توجه مباشرة الى نهر الراين وألقى بنفسه فيه بعد أن وصل تأزمه مع نفسه الى حده الأقصى. ولحسن حظه (أو لسوء حظه، لم نعد نعرف !) كان هناك صيادون بالقرب منه فانتشلوه وأنقذوه من الغرق..
وفي عام 1880 كان عمرُ نيتشه 36 سنة. عندئذ ترك الجامعة بعد أن قدم استقالته وذهب لكي يعيش حياة التشرد والضياع على الطرقات والدروب. وهكذا ابتدأ يصبح فيلسوفاً حقيقياً. ولكن مزاجه كان دائماً متقلباً وفكرة الانتحار تلاحقه باستمرار. وقد اشتدَّ تأزُّمه بعد أن فشل حبه الكبير للغادة الحسناء: لو أندريا سالومي. ويبدو أنه قام بثلاث محاولات انتحار فاشلة عن طريق تجرع كميات ضخمة من سائل الكلورال. ولكنه لم يمت. والغريب العجيب أنه على اثر تلك الفترة بالذات راح يكتب رائعته الشهيرة: هكذا تكلَّم زرادشْت. وهكذا أنقذ من الجنون ولو الى حين..
أما فيرجينيا وولف فقصتها مختلفة. فقد كانت مهدَّدة بالانتحار طيلة حياتها كلها. وكانت تغطس أحياناً في حزن سوداوي عميق لا قرار له. وترفض أن تأكل، وترفض أن تعترف بأنها مريضة. وكانت تقول بأن حالتها تعود الى شعورها بالذنب. ولكن أي ذنب ؟ لا أحد يعرف. وعندما وصل تأزُّمها الى ذررته حاولتْ أن تنتحر مرة أولى عام 1895 عن طريق إلقاء نفسها من النافذة، ولكنها فشلتْ. ثم حاولتْ مرة ثانية عام 1913 عن طريق تناول السم. ثم حاولت مرة ثالثة عام 1941 (ونجحت هذه المرة) عن طريق إلقاء نفسها في النهر والموت غرقاً..
أما الكاتب الفرنسي الشهير غي دومو باسان فقد حاول الانتحار عام 1892 عندما أطبقت عليه الأفكار السوداء ووصل تأزمه الى ذررته. ولكنه لم ينجح. فاقتادوه الى المصحّ العقلي حيث مات بعد سنة من ذلك التاريخ. وهكذا دفع ثمن شهرته وإبداعه غالياً. فللشهرة ضريبة ينبغي أن تدفع بشكل أو بآخر.
والآن من يصدق ان الفيلسوف الفرنسي الكبير أوغست كونت، مؤسس الفلسفة الوضعية، كان على حافة الجنون أكثر من مرة، وانه حاول الانتحار عن طريق رمي نفسه في نهر السين !.. فبما ان الوضعية تمثل قمة العقلانية في الغرب، فإن أحداً لا يتوقع ان يكون مؤسسها قد أصيب بالجنون، أو بالانهيار العصبي، في بعض مراحل حياته. وهذا دليل على أن العبقرية يمكن أن تخرج من رحم الجنون، بل وتنتصر على الجنون. ولولا أن أوغست كونت استطاع التوصل الى بلورة فلسفة علمية ضخمة وحظي بالإعجاب والتقدير من قبل معاصريه لكان قد انهار وغاص كلياً في ليل الجنون...
واذن ينبغي ان نغير تلك الصورة السائدة في أذهاننا عن العباقرة والتي تعتبرهم أنهم فوق البشر وان الضعف لا يأتيهم من بين أيديهم ولا من خلفهم.. فهذه صورة مثالية أو أسطورية لا علاقة لها بالواقع. انها صورة تتشكل عادة عن العباقرة بعد موتهم، صورة تبجيلية يساهم في صنعها الأتباع والأنصار والمعجبون. هذا لا يعني بالطبع أن العبقري ليس عظيماً، إذ يكفيه عظمة أنه استطاع الإنتصار على انهياره الداخلي وتحويله الى شيء إيجابي، الى عمل عبقري. هنا تكمن عظمة العباقرة بالضبط. فهم يبذلون جهوداً جبارة للتغلب على أنفسهم، لقهر العقد النفسية المتجذّرة في أعماقهم. وهكذا يحولون السلب الى إيجاب، والتحت الى فوق، والجنون الى عبقريات. أو قل ان الجنون والعبقرية يتجاوران لديهم جنباً الى جنب. فأوغست كونت الذي كان يهذي والذي حاول الانتحار اكثر من مرة هو نفسه أوغست كونت الذي أسس الفلسفة العلمية التي رافقت صعود العصر الصناعي في الغرب. وبالتالي فانه يمثل قمة العقلانية وقمة الجنون في آن معا! وبالتالي فإن العبقرية والجنون هما من رحم واحد: أي يصدران عن اللاوعي السحيق للفرد، ذلك اللاوعي الذي يمثل قارة مظلمة مترجرجة ومجهولة في آن معا. انها تشبه البركان العميق الذي يختلج تحت طبقات الأرض الجيولوجية او الأركيولوجية. فأحياناً تقذف بالعبقرية الى السطح، وأحياناً تقذف بالهذيان والجنون.
وأما غوته فعلى الرغم من الجنون الدوري الثقيل الذي كان يصيبه من حين الى آخر، إلا أنه لم يقدم على الانتحار. وانما اكتفى بأن جعل بطل روايته الأولى "آلام الشاب فرتر" هو الذي ينتحر. وهكذا وفر على نفسه هذه المهمة. ويقال بأن الكتَّاب الذين يمارسون الانتحار في كتاباتهم، أو قل يتحدثون عنه كثيراً، لا ينتحرون فعلاً. وأما أولئك الذين يسكتون عنه كلياً فهم الذين ينتحرون حقاً. وهكذا يفاجئون الناس بأنهم أقدموا على شيء بدون مقدمات ودون أن يرهصوا به. وقد جرت إحصائيات في فرنسا عن نسبة المنتحرين بين المبدعين وتبين انها عالية في أوساط الأدباء والشعراء وضعيفة في أوساط الرسامين والموسيقيين. نقول ذلك على الرغم من انتحار فان جوخ وغوغان وشومان وتشايكوفسكي. ولكن عددهم لا يقاس بأسماء الشعراء والروائيين الذين انتحروا من أمثال: جيرار دونيرفال، ماياكوفسكي، بودلير، همنجواي، مونترلان، جي دوموباسان، فيرجينيا وولف، نيتشه، إدجار ألان بو، والقائمة طويلة..
أخيرا فسوف يكون من الحمق والغباء أن ندَّعي هنا بأننا قادرون على اكتشاف سر العبقرية في مقالة واحدة او عدة مقالات. فالعبقرية، تحديداً، هي سرُّ الأسرار. انها تستعصي على كل تفسير. ولكن يمكن فهم بعض الجوانب المحيطة بها من خلال تجلياتها في أشخاص معينين ندعوهم بالعباقرة، أو بالأشخاص الاستثنائيين أو بالمبدعين الكبار في التاريخ كما نحب أن نقول في لغتنا المعاصرة. وذلك لأن كلمة "عبقري" أو "عبقرية " أصبحت عتيقة أو بالية في الوقت الراهن. نقول ذلك على الرغم من أن المعنى هو ذاته. فلا أحد يعرف سر مسرحيات شكسبير الرائعة، أو سبب نجاح لوحات فان جوخ، أو قصائد رامبو، الخ.. صحيح أنه يمكن لمناهج النقد الأدبي والفني أن تشرح لنا الكثير من جوانب هذه الأعمال الإبداعية، بل وتنفذ الى أعماقها في بعض الأحيان. ولكن يبقى هناك لغز ما يصعب الوصول اليه واستنفاده كلياً عن طريق التحليل. وهذا اللغز هو ما يدعى بالعبقرية.
فرامبو كان يستخدم اللغة الفرنسية مثله في ذلك مثل بقية شعراء جيله. ولكنه هو الوحيد الذي استطاع أن يكتب تلك القصائد التي لا تضاهى والتي لا تزال تسحرنا حتى الآن. ويمكن أن نقول الشيء ذاته عن المتنبي في اللغة العربية أو حتى عن شعراء كبار أخرين. واذن فهناك كيمياء سحرية أو سرية للإبداع لا نعرف كنهها، ولا يتوصل اليها إلا المبدع الكبير (أو العبقري). انه يركب الكلمات بطريقة ما وينفخ فيها الروح ثم يسطرها قصائد خالدة على صفحات التاريخ. وتظل تعجبنا وتأخذ بقلوبنا حتى بعد مرور مئات السنين. هنا يكمن سرُّ العبقرية أو لغزها المحير. لقد حاول علم الطب النفسي او التحليل النفسي أن يكتشفا سرَّ العبقرية وتوصَّلا الى نتائج لا يستهان بها. ولكن يبقى هناك شيء ما في العبقرية يستعصي على كل تفسير او تعليل. يقول غاستون باشلار، أحد كبار العلماء والنقاد الأدبيين في آن معاً: "في أعماق الطبيعة ينبت عشب غريب. في ظلام المادة تنبثق أزهار سوداء. ان لها قطائفها الرائعة وعطرها الفواح"..
هكذا تولد العبقرية: انها كالنور الذي ينبثق من رحم الظلام، أو كالعقل الذي ينهض على أنقاض الجنون. والعلامة الأساسية التي لا تخطي على العبقرية هو الاعتراف الكامل والكوني والدائم بها. فلا أحد يشك في عبقرية شكسبير، أو المتنبي، أو المعري، أو بودلير، أو نيتشه، أو هيجل الخ.. وكلما مرَّتْ الأزمان على إنتاجهم عتِقَ ونضَجَ كالخمرة المعتقة وأصبح أكثر أهمية وامتلاء بالمعاني والدلالات. لقد أثبت الطب النفسي الحديث بعد أن أجرى دراسات تجريبية عديدة أن العبقري لايتميز بتركيبة نفسية خاصة بقدر ما يتميز بتشغيل خاص لهذه التركيبة النفسية. فهو إنسان مثله مثل بقية البشر. ولكن استعداده النفسي مختلف. فهو يتميز مثلاً بطاقة هائلة على الحركة والإبداع قياساً الى الإنسان العادي. كما أنه يتميز بالاختلاف وحب الخروج على المألوف. العبقري لا يخشى ان يصدم المجتمع. ولذا فان الامتثاليّ الخاضع للعادات والتقاليد السائدة في المجتمع لا يمكن أن يكون عبقرياً. هكذا نكتشف ان أول سمة من سمات العبقرية هي الخروج على المجتمع او الشذوذ عن المألوف. وهذا ما حصل للأنبياء أنفسهم. انظر قصة النبي محمد مع قومه. ولذلك فإن العباقرة يصدمون الناس في البداية ويلاقون صعوبات جمة من قبل أوساطهم او المحيط السائد. ثم يمضي وقت طويل قبل أن يتم الاعتراف بهم، وأحياناً لا يعترف بهم أحد الا بعد موتهم. وحده العبقري يعرف قيمته منذ البداية، ولكنه لا يستطيع إقناع الآخرين بها فوراً بمن فيهم عائلته الشخصية أحياناً. ولذلك يعاني معاناة جمَّة ويصاب بالاحباط في لحظات كثيرة، ويحاول التراجع عن الأمر أو الاستسلام. ولكن هناك قوة داخلية فيه، أي قوة سرية، تدفعه لأن يكمل مهمته، لأنَّ يواظب على مسيرته. ولذلك قلنا بأن من صفات العبقري الصبر والمواظبة لفترة طويلة من الزمن على نفس الخط. انه عنيد فعلاً، ولا يتراجع قبل أن يتوصل الى تنفيذ المهمة التي خلق من أجلها. فالعبقري يعتبر نفسه محمَّلاً برسالة كونية، أو مسؤولاً عن تنفيذ مهمة عليا تتجاوزه. وهو مستعد لأن يضحي بحياته من أجلها، ومن أجلها وحدها. من هنا تجيء سر قوته ومقدرته على تجاوز العقبات والحواجز التي يصطدم بها في طريقه، او التي يضعها الآخرون في طريقه. ألم يقل نيتشه هذه العبارة: "وحدها الشخصيات الاستثنائية تخترق الظروف"! ، فالعبقري ما إن يكتشف الآخرون نواياه الحقيقية حتى يتألَّبوا عليه ويحاولوا منعه من تحقيق مهمته. العبقري مهدَّد باستمرار خصوصاً في مراحله الأولى، والعبقرية خطر على صاحبها. وشوبنهاور لم يكن مخطئاً تماماً.. ويصل هذا الخطر أحياناً الى مرحلة التهديد بالتصفية الجسدية. لماذا كل هذا الخطر على العبقري؟ لأنه ليس من الطبيعي أن تكون عبقرياً، وإنما الطبيعي أن تكون عادياً مثلك مثل بقية البشر. ولذا فما إن يشعر الناس بأنك عبقري، أو تحمل بذرة العبقرية في داخلك، حتى يعترضوا طريقك ويحاولوا الإيقاع بك بشتى الأسباب. فالحسد قاتل أحياناً. وأحياناً يجيء من قبل عباقرة سابقين لا يريدون أن تتفتح أي موهبة بعدهم. ألا تقول الإشاعة بان أم كلثوم قتلتْ أسمهان؟. وسواء أكانت هذه الحكاية صحيحة أم لا فإنها تدلُّ على شيء ما. وتروي الروايات أن شعراء كباراً حاولوا القضاء على بعض المواهب الجديدة أو الصاعدة لأنهم أحسُّوا بأنها تشكل خطراً على أمجادهم.. نعم ان العبقري يدخل في الدائرة الحمراء للخطر ما إن يشعر بعضهم بأنه قد يصبح عبقرياً ويحلُّ محلَّهم. يضاف الى ذلك ان العبقري يهدِّد أحياناً النظام القائم او الآيديولوجيا السائدة وعندئذ يصبح قتله ضرورة قصوى. ألم يقتلوا سقراط؟ ألم يحاولوا قتل النبي محمد بعد ان رفض كل الإغراءات مقابل التخلي عن رسالته؟ ألم يصلبوا المسيح؟ ألم يتعرَّض جان جاك روسو للتهديد الجاد أكثر من مرة؟ ألم يرجموه بالحجارة وهو نائم فكسروا زجاج النافذة حتى وصلت الحجارة الى سريره؟ ولكن هناك خطر آخر يهدِّد العبقري كما ألمحنا الى ذلك أكثر من مرة الا وهو : الجنون أو التوتر العقلي الشديد الهيجان. وقد أثبتت أخر دراسة احصائية أجريت مؤخرا على هذا الموضوع انه نادرا ما يخلو عبقري ما من امارات الجنون أو التوتر النفسي الحاد. وقد قام بهذه الدراسة الباحث فيليكس بوست عام 1994، أي انها حديثة العهد جداً، وشملتْ 291 شخصية تنتمي الى عالم السياسة والفلسفة والعلم والفن والموسيقى والشعر والأدب.. وهي شخصيات عبقرية ظهرت في أوروبا بين القرنين التاسع عشر والعشرين. وتبين من خلالها أن هؤلاء العباقرة يتميزون بصفات غير طبيعية. فهناك نسبة 50% منهم يتميزون باضطرابات نفسية حادة جدا، بل وتشلُّهم عن الإبداع في بعض فترات العمر. وترتفع هذه النسبة لدى الفلاسفة فتصل الـ60%، ولكنها أرفع ما تكون لدى الأدباء والشعراء حيث تصل الى 70%. ثم تنخفض لدى الرسامين والموسيقيين ورجال السياسة (حوالي الـ 30%) ولا نستطيع أن نحصي عدد الشعراء والروائيين الذين أصيبوا بالجنون أو المرض العقلي بشكل جزئي أو كلي، مؤقت أو دائم. ولكن هذا لا ينفي ابداعهم أو عظمتهم او عبقريتهم. فلا أحد يستطيع أن ينكر عظمة جيرار دونرفال لمجرد أنه جن أو انتحر، ولا أحد يشك بعبقرية غي دوموباسان لأنه مات في المصح العقلي بعد أن انهارت قواه النفسية. ولا أحد يستطيع أن يقول بأن نيتشه ليس فيلسوفا كبيرا لمجرد أنه أمضى سنواته العشر الأخيرة في غيبوبة الجنون. ولا يوجد روائي في التاريخ أعظم من ديستويفسكي على الرغم من أنه كان مصابا بالصرع.. ويرى فرويد أن الابداع هو تعويض عن نقص ما في الشخصية. وانه لولا هذا النقص لما أصبح المبدع مبدعاً. فالإنسان المتصالح مع نفسه ومع الواقع الخارجي ليس بحاجة لأن يكون مبدعاً او عبقرياً... وأكبر دليل على ذلك فرويد نفسه الذي كان مصاباً بالعصاب ولم يشف منه إلاّ بعد أن اكتشف تلك القارة المظلمة والمعتمة والهائلة: أي قارّة اللاّوعي. فلا ريب في أن الاكتشاف أو الإبداع ينقذ العبقري أو يعيد اليه توازنه. يقول الفيلسوف كير كغارد الذي كان معقداً جداً من الناحية النفسية: "إن المرض هو السبب الأساسي لكل اندفاعة إبداعية. فبالإبداع أشفي نفسي من أوجاعي وهمومي. بالإبداع أستردُّ الصحة والعافية". والواقع أن هذه الكلمات هي للشاعر "هيني" ولكن كير كغارد استشهد بها، وكذلك فرويد. وكان ريلكه يعترف بأنه لم يكتب قصيدة واحدة إلا من خلال العذاب النفسي والقلق. ومن المعلوم أن العقد النفسية الموروثة عن طفولته كانت تلاحقه كالأخطبوط ولا يستطيع منها فكاكاً إلاّ عن طريق الإبداع. ثم سرعان ما تعود بعد انتهاء عملية الإبداع. وهكذا كان يتوازن من خلال اللاتوازن. أو قل كان دائماً يشعر بأنه على شفا حفرة من الانهيار وانه مهدَّد بالسقوط في كل لحظة فيها. وكان مضطراً لتأجيل لحظة الجنون الكامل في كل مرة عن طريق ضربة إبداعية هائلة. ومن المعلوم أن رامبو كان يكتب وهو على حافة الجنون أيضاً بل وكان يتقصد الجنون تقصُّداً لكي يستطيع ان يبدع.. كان مهووساً بتلك النقطة الغائرة في الأعماق والأقاصي، تلك النقطة التي لا يستطيع أن يصل اليها أي شاعر إلا اذا غامر بنفسه واقترب من منطقة الخطر الأعظم. عندئذ كانت تخرج القصائد العبقرية. واعترف سارتر نفسه بأنه لم يتخلص من مرض العصاب الذي كان يلاحقه إلا عن طريق الكتابة. فالكتابة تمتص التوتر الداخلي وتساعد على التخلص منه أو تحجمه على الأقل. نقول ذلك وبخاصة اذا نجحتْ وأدَّتْ الى إبداع حقيقي. والواقع انه لا يوجد فنان حقيقي إلا ويعاني من مرض ما، أو مشكلة معينة. وهذا المرض هو الإبرة التي تخز الكاتب وتدفعه دفعاً الى عملية الإبداع. وبالتالي فلا ينبغي أن يخاف الكاتب اذا ما كان يعاني من عقدة نفسية معينة أو من جرح داخلي حتى ولو استغله الآخرون ضدَّه. فربما كان هذا الجرح هو كنزه الوحيد. وهو على أي حال مصدر عبقريته وسرُّ إبداعه.
الهوامش:
1 - من المعلوم أن ميشيل فوكو ختم كتابه الشهير "تاريخ الجنون في العصر الكلاسيكي" برفع ثناء حار الى الجنون. وطلب من العقل أن يمثل أمام محكمة الجنون لا العكس. فجنون هولدرلين وأنطونين أرتو ونيتشه هو الذي ينبغي أن يحاكم العقل الغربي، ولا يحق لهذا العقل إطلاقا أن يحاكم جنونهم، أو أن يرتفع الى مستواه. وفوكو نفسه لم ينتصر على الجنون الا بعد ان ألَّف هذا الكتاب الضخم .انظر :
Michel Faucault: Histoire de lafolie à l'âge classique
(الصفحات الأخيرة ) Gallimard 1972.
2-اعتمدت كثيرا في تحضير هذه الدراسة على المرجع التالي للباحث الفرنسي : فيليب بر ينو: العبقرية والجنون، منشورات بلون، باريس 1997
Philippe Brenot: Le genie et la folie, plon, Paris 1997.
وكلام أندريه موروا وارد في مقدمة الكتاب، الصفحة (9).
3- المصدر السابق ، ص 13.
4 - للمزيد من التوسع حول أحلام ديكارت الثلاثة وتلك الليلة الليلاء انظر: جنفييف رود يس _لويس : ديكارت. سيرة ذاتية، منشورات كالمان ليفي، باريس 1995. ص 63 وما بعدها.
Geneviéve Rodis – Lewis:Descartes. Biographie.
almann - Lévy. Paris 1995 c
5- انظر كتاب فيليب برينو عن العبقرية والجنون، ص 45.
6- نحيل القارىء هنا الى السيرة الذاتية التالية لبلزاك :
هنري ترويا. بلزاك. منشورات فلاماريون، باريس،1995.
Henri Troyat : Balzac. Flammarion.
7-انظر كتاب فيليب برينو السالف الذكر، ص 52.
8- المصدر السابق، ص 120.
9- المصدر السابق، ص 121.
13/11/2006
أقرأ أيضاً: