لن أسميك باسمك.
سأسميك بأسماء كل النساء الجميلات في قرية الذاكرة.
| | أنت: جميله نجمة- ثريا- نورة- منيرة مزنة- مطرة- غيثة- بردة ريحانة- عطرة- بنة- نفلة سعدى- سعيدة- سعدية صالحة- صبحة- صافية فاطمة- فتنة- عزة- عسلة مليحة- حليمة- ذهبة- فضة خضراء - شريفة |
أسميك هكذا لأن أسماء النساء في قريتنا وفي كل القرى المجاورة لم تكن عورة. كانت معروفة مألوفة، تماماً مثل وجوههن المكشوفة للضوء والهواء والماء، ومثل أكفهن المنقوشة بالحناء والمزينة دائماً بخواتم الفضة المرصعة بالأحجار الكريمة.
هناك سبب آخر قد لا تدركينه، ولا يعرفه إلا بعض القراء.. ذلك البعض الذي لن يستغرب أبداً أن يكتب مثلي عنك هذا الصباح.. وبنشوة لا مثيل لها!.
أنت شاعرة. والشاعرة حينما تطرب وتغني وتلعب في أي عرس أو عيد تصبح كل النساء. إسمحي لي إذن أن أحكي ما حدث ليلة العرس.. عرس زوجك وزوجته الثانية. وسأحكي الحكاية مرة بصوتي ومرة بصوت الراوية التي نقلت الخبر بكل أمانة فوصل إلي من دون نوايا سيئة.. يعلم الله!.
سأبدأ بما أوشكت أن أنساه.
أنت حفيدة لخمس شاعرات عظيمات في القرية. كثيرات هن اللواتي كن يقلن الشعر بهذه المناسبة أو تلك. أمي وعمتي وأختي الكبيرة من بينهن. لكن الشاعرة الحقيقية شيء آخر . إنها كائنة فاتنة تعرف بالشعر حتى لا يذكر اسمها إلا وتحضر قصائدها لتغير مجرى الحديث ومجرى الصمت.
قد تقولون: ما هو الدليل؟.
ليس لدي شيء يذكر ويا للأسف.
لم يدون الرواة والمؤلفون أشعار النساء التي كانت تدور على كل لسان وفي كل القلوب المحبة أو المتعبة. هذه المجلدات عن شعر العرضة واللعب والمسحباني وغناء الوادي والجبل ناقصة بالضرورة لأن نصفها الأجمل مهمل. علينا يا صديقي ألا ندين الذاكرة ونرتاح فهي مليئة بكل القصائد. لكن بعض الرواة يترفع عن تدوين شعر المرأة رغم أنه يحبه ويحفظه ويتغنى به كلما نسي أنه "رجال"!.
أما البعض الآخر فالمؤكد أنه لا يرويه ولا يدونه خشية الفتنة التي قد تلحق بسابع حفيد، خاصة وأن الزمن هو زمن الفتن الكبرى كما لا يخفى على أحد منا. حتى أنا من حقي أن أتجنب الشر وأغني.
لم توجد بعد المرأة التي تحتفي بشعر النساء، وأظنها لن توجد في القريب العاجل أو في البعيد الآجل. لست متشائماً، لكن التعليم الحديث في هذا البلد الطيب علم الأجيال الجديدة من الرجال والنساء أن المرأة كلها عورة. ونظراً لكون العلم في الصغر كالنقش في الحجر فإن إيمان النساء المتعلمات بهذه الحقيقة الكبرى أشد من إيمان الرجال وإيمان العجائز!!.
لكن لماذا لا أسميها زهرة.. هكذا بكل بساطة!!!.
الاسم جميل يا زهرة الشاعرة.. أليس كذلك؟!.
لم يكن في قريتنا أو في القرى المجاورة امرأة بهذا الاسم.
ثم إن للزهرة معانٍٍ كثيرة متنوعة جميلة كالشعر تماماً. فمن منظور أرضي لا شك أن الزهرة أجمل ما في الأشجار والنبتات. والناس أحبوا الزهور لروعة أشكالها وبديع ألوانها وطيب روائحها التي ما إن تنتشر في الهواء حتى تنشر إكسير الحياة في أرواح الناس وأجسادهم. أما حينما نحلق في السماء فإن الزهرة نجمة فاتنة احتفى بها أسلافنا إلى حد التقديس. كنا نسميها "نجمة الصبح" لأنها ما إن تطل من فوق الجبل الشرقي حتى تعلن بضوئها المشع الآسر نهاية الليل وبداية النهار.
والمرأة "الحرة" هي التي كانت تصحوا وتغتسل وتباشر عملها مع الفجر..مع بزوغ نجمة الصبح.. مع بزوغ نجمة الحياة المتجددة هذه تحديدا. ثم أنني اذكر جيدا أن الشاعرة العظيمة التي ماتت منذ سنوات قليلة، جمعة بنت إبراهيم، قالت لي ذات مساء أشياء عجيبة عن هذه النجمة التي تشبه الزهرة من دون أن تتطابق مع أي من هذه الزهور. قالت ما معناه إن هذه نجمة العشاق، وأن الشعر يأتي من أنفاس كائنات علوية تسكنها(حينما شرحت لها أن الزهرة كوكب لا حياة فيه لشدة اقترابه من الشمس الحارقة لم تلق بالا لما قلت ).. قالت أيضا أن تلك لأنفاس هي التي تتجه إلى الأرض وتخترق السحب فتشعل فيها البروق وما يصل منها إلينا لابد أن يتحول إلى حريق أو إلى قصيدة .".
زهرة الفتاة الشابة لم تسمع بما سمعته من الشاعرة الجميلة جمعة بنت إبراهيم التي كان يقال عنها ((مغزولة)) أحيانا. لكن أكثر من قريبة لي أكدت مرارا أنها تعرف هذه الحكايات وأحسن منها !.زهرة من جيل جديد بلا حكايات هي واحدة من(( بنات المدرسة )). وهؤلاء يختلفن كلياً عن بنات القرية اللواتي كنا نراهن في الساحة والطريق والحقل والوادي والجبل بملابس ملونة تجعل كل واحدة منهن شجرة حية لا تشبه غيرها. بل كنا نسمع بعضهن تغني بصوت شجي نطرب له ولا يعترض علية أحد.وقد حدثنا الرواة الثقاة من الرجال والنساء المتقدمين في السن أنهم كانوا يباشرون حفلات اللعب والمسحباني معاً. أما العرضة فللرجال والجرة فللنساء.عمي أبو زوجتي وأخو الشاعرة العظيمة جمعة قال لي أكثر من ذلك.. قال مالا يصدقه عقل وإن طرب له الخيال : يا ولدي كنا ما إن يمر بنا شاعر كبير حتى نقيم اللعب أول الليل والمسحباني آخره،وكنا نختار أجمل امرأتين في القرية لتقف واحدة عن يمينه والثانية عن يساره لأن الشاعر بعد هذا يقول مالم يسمع أحد بمثله من قبل.ليمل ولا نتعب.. اللعب ينعش حتى الخشب !. يالطيف كيف اختلف الدهر وتبدلت أحوال الخلق. قد تقولون إنا كنا في جاهلية لكننا كنا سعداء أكثر منكم ومن هؤلاء المجانين الذين يحرمون حتى العرضه اليوم يا ولدي((وكان الله غفور رحيم)).
الاستطراد يفسد القصة ولذا أعود إ لي زهرة. تخرجت قبل عشر سنوات من قسم اللغة العربية، ومن وقتها وهي مدرسة في المدرسة المتوسطة بقريتنا. تزوجت وأنجبت ثلاثة أولاد وبنتين واحدة مثل القمر وواحدة مثل أبيها.قبيل سنوات تغير شئ ما في حياتها . لم تعد تهتم كثيراً ببيتها الجديد الذي بنته مع زوجها في مكان جميل على سفح الجبل المطل على الوادي والقرى القديمة. بدأت تهمل حتى أولادها وبناتها. أحياناً لاتنام ليلاً أو نهاراً،وأحياناً تنام أكثر من المعتاد، في إي وقت،وفي إي مكان. هذا ما لاحظة زوجها .حتى زميلاتها لاحظن أنها لم تعد حريصة على عملها. أحياناً تختلي ببعض الطالبات وتغويهن عن الحصة بجميل الكلام. وأحياناً تبدو شاردة الذهن وحيدة، كما لو كانت تعيش في الهواء.
حينما ماتت جمعة بنت إبراهيم حزنت كثيراً ورثتها بقصيدة طويلة جميلة كما أكدت ذلك بعض صديقاتها. في أحد الأعراس طربت وتغنت بأجمل القصائد زجرها زوجها وحذرها وأنذرها .
في عرس لاحق أنشدت أكثر فأكثر.
هددها بالطلاق
لم تكترث.
وحينما كررت الغناء قرر أن يطلقها وفاءً بالحلف والتهديد. لم تكتر .. بل حدث ما هو أعجب وأغرب.
قيل أنها لم تعد تتحرج من إعلان نفورها من أبو عيا لها كرهاً أو احتقاراً والعياذ بالله. هنا بدأت الحكايات القديمة تستعاد إن لم يكن بغرض الفهم فبغرض التأويل البريء من كل غرض سيء.
ما كانت تحبه، لكنها سكتت لأنها بنت ناس.
. لا ما كانت تحبه لأنها كانت تحب فلان.. يا رب سترك.
المسكينة خدعوها .. قالوا الذي خطبها اسمه عبد الرحمن الفنان فتوهمت إنه شاعر أوانه يحب الشعر والغناء مثلها فوافقت.. الله يظلم من ظلمها.
لا ولله ..البنت مغلوبة على أمرها.اغتسلت عند الفجر ولم تذكر الله فدخلها جني شاعر ما هو الذي يغني على لسانها وبصوتها.. يا شفاعة محمد وعلي.
زوجة ولدي سحرها ابن الحرام ..لا وفقه لله.. كان يحبها ويتمنى الزواج منها. لقد طلق زوجته لكي يطلقها ولدي فيتزوجها.. لا قدر الله .. تراب في وجهه.
الناس يظلمون الناس من عهد آدم وحوا وهابيل وقابيل.
المرة ما هي المرة. ولله ثم ولله إن روح سميتها جمعة بنت إبراهيم انتقلت من الجسد الميت إلى الجسد الحي.الروح طائر يطير ويختار بعيداً عن لأنظار..
طبعاً هذه حكايات خرافية أسطورية لاتهمنا،ولولا الأمانة لما روينا شيئا منها .المهم أن زوجها العاقل الطيب عبد الرحمن المدرس استخار الله وقرر أن يتجنب أبغض الحلال ويختار أحسنه وأجمله وانفعه له ولأولاده. قرر أن يتزوج. الفتيات العوانس ملء ألبيوت. وهو رجل من حقه أن يتزوج مثنى وثلاث ورباع.
فعلاً خطب وحدد موعد الزواج ولم تكترث زهرة الشاعرة . فقط أصرت على أن الزوجة الجديدة لن تدخل بيتاً صرفت علية كل رواتبها على مدى خمس سنين (حوالي ربع مليون ريال !!) . وافق الزوج على الطلب. بدا كمن يخضع للأمر كرماً منه ورأفة بأولاده وبأمهم، لكنه كان مسروراً غاية السرور في السر لأنة سيستمتع بحياته الجديدة مع الفتاة الجديدة التي قيل له أنها لا تقل جمالاً عن زهرة، في شقة جديدة !. رفضت زهرة الذهاب مع أهلة وأهلها إلى قصر لأفراح . عند التاسعة مساءً تذكرت أن وقت العشاء قد انتهى وبدأ وقت اللعب. يا ألله كيف لا تقًًصًد وتغني وترقص وهي تكاد تختنق بالحياة من الحياة؟!!.
لبست أزهى ملا بسها التقليدية . تكحلت. تبخرت. وزعت الألوان بمهارة وخفة على وجنتيها وشفتيها وحول عينيها. تزينت بكل ما لديها من حلي الفضة وقلائد العقيق بدت جميلة كالزهرة تماماً.
عند العاشرة كانت تتجه مع أخيها الأصغر إلى القصر. حينما دخلت القاعة الكبيرة كانت النساء في قمة الفرح بالحفل البهيج.. تما ماً كما توقعت. تقدمت مباشرة إلى منتصف الصف لتنتص بجانب العروس التي كانت تشبهها كثيراً لولا أنها أقصر قامة وأسمر بشرة وأنحف خصراً.
بدأت زهرة تقول القصيدة بعد القصيدة . النساء يغنين بأعلى أصواتهن وأصوات دفوفهن بين مندهشات ومنتشيات. قريبات العريس والعروس كن يخشين الفتنة ولابد أن لاستعداد لكل الاحتمالات جعلهن الأقل نشوة في الحفل البهيج. التي روت زبدة الخبر لزوجتي قالت إن ما أدهشها وأدهش كل النساء ذلك المساء أن زهرة لم تكن تمدح أحداً أو تفتخر بأحد أو تننتقم من أحد أو تشكو لأحد من أحد. كانت صوتاً شجياً عذباً نقياً وكلاماً بديعاً آسراً فحسب. القاعة كلها كانت تغني معها ونحن كنا نغني لها. ولولا أن جمعة بنت إبراهيم ماتت لحلفت وقسمت أنها هي ذاتها في عز شبابها.. يا سبحان الله اللي يخلق من الشبه أربعين !!.
بعد منتصف الليل بقليل حدث ما لم يكن في الحسبان. خرجت العروس من الصف . رقصت من أوله إلى آخره كحمامة خفيفة منتشية. عادت إلى مكانها وبدأت تنشد القصيدة الجميلة بعد الأخرى. زهرة تبدع وهي ترد.. وبين قصيدة وقصيدة تتبادل الفتاتان النظرات والابتسامات والغمزات. خيل للكثيرات لحظتها أنهما امرأة واحدة بقلب واحد وصوتين مختلفين !
فزعت أم العريس لتخبر ابنها الخبر المذهل السعيد..
تعالى الصياح في القاعة الصغيرة المجاورة في الحال ..
قيل إنه سقط من فوق كرسيه مغميا عليه بسبب الخبر الصاعق..
وقيل إن البرق القوي الذي شع في المكان كله لحظتها هو الذي صرعه..
الشيء الوحيد المؤكد أن زهرة كانت لا تزال في ذروة ا لنشوه وهي تعود إلى بيتها آخر الليل وقد بللها ماء المطر الندي من الخارج وماء الجسد الحميمي الدافئ من الداخل. كم تمنيت أن أراها في هذه اللحظة بالذات .. كم تمنيت
د . معجب الزهراني
8-7-2005
إقرأ أيضاً: