معك الحق يا إنجيليكا.
الصدف براري الحياة والرغبات ماؤها وهواؤها ونارها.
ما تبقى، ما نسميه الحياة، حياة كل واحد منا، هي هذه القرارات التي ما إن ننفذ بعضها حتى نتوهم ونصدق أننا نعيش كما نرى ونريد.
تذكرتك الآن.. بالقسوة الصدف التي حرمتنا من زيارة نجران معاً.
البارحة قالت الأولى : "أكتب عن رحلتك من الآن. لأن الكتابة فعل حب من أفعال الحياة التي تمارس أو تموت لحظة بعد لحظة.
قالت الثانية : أكتب وسأرسم لتكون نجران نصنا الأول المشترك أيها الخائن.
لست واثقاً من شيء غير هذه الرغبة القوية لكتابة المقطع الأول من نص نجران هذا الصباح.
الصدفة السعيدة يا إنجيليكا هي التي جعلتنا نلتقي ونتحدث عن نجران. وأين؟!. في طائرة خفيفة تشبه الكلام الخفيف الذي كنا نتبادله لنعبر به عن بعض الرغبات ولنواري فيه رغبات أخرى.. أكثر وأجمل ربما !.
كنت مرهقاً لحظتها. لم أبال كثيراً بتلك القراءة المرهفة لوجهي وكفّي. كنت العناصر المهملة ذاتها. ما كان يهمني حقاً هو قرار اللقاء هنا ذات يوم. نجران أسطورة بنتها الحكايات والأخبار المتواترة عن فضاء يغذي الحلم وآبار الذاكرة. لا عجب بعدئذ أن تظل نجران الواقع كلمة تحيي في أمثالنا كل شهوات الحياة والإبداع. يقال أن أسمها إسم علم عَلَمٍ لجد غامض انقرضت سلالته أو تشتت منذ أزمنة بعيدة. ويقال أنها حالة عطش تهدي القوافل المتعبة إلى ماء الواحة الوافر وفرة أشجارها وثمارها. ويقال كذلك أن الاسم ذاته متصل بمهنة النجارة إذ تتحول بعض منتوجاتها لدى بعض عشاقها إلى فن من فنون الحضارات الأولى كما ترويها لنا هذه النقوش المبثوثة في كل مكان من نجران. وما أجمل ما قاله "لسان العرب" عن معان أخرى للإسم ذاته.
الأسماء كلها تعلل. كسالى الذهن وأعداء التأويل الحر لذاكرة الكلمات هم وحدهم من يقول بغير هذا ياجنيات البحر.
لا يهم الاسم وتأويلاته الآن. المهم هو هذا المكان الذي حددناه فضاء للقاء الحلم وعدنا إلى الصمت وبعض الهدوء في تلك الآلة المعلقة بين الأراضي والسموات السبع.
من جهتي كنت واثقاً تماماً من المجئ. كنت قد اتخذت القرار منذ زمن بعيد وتركت للصدف تحقيق الرغبة التي هي حقيقة قطعية. أتذكر الآن بدهشة ومرح جامح كيف تحولنا لحظتها إلى كائنات هوائية يوحدها عشق نجران وحلم التلاقي في نجران.
الأسبوع الأول ما قبل الأخير من رمضان كان غريباً حقاً. كان علي أن أكتب عن نجران في الحال. طُلب مني ذلك. أُمرت به أمراً !!.
حينما أزحت قناع العادة واستعدت وجهي رأيت في المفارقة تلك الصدفة الجميلة التي كنت أبحث عنها منذ زمن طويل. ثبت لي مرات كثيرة أن الأحلام لا تخون. ها أنذا، مساء اليوم العشرين من رمضان، ذاهب في طرقات البخور والحرير وأواني الصين وأصباغها البديعة، ونجران مقصد قافلتي وواحة أحلامي وعنوان قصيدتي :
إنها لحظة للهوى
حين يسري بنا فجأة
نحو ما نشتهي من نجوم
إنها هي، نخلة المنتهى، كعبة الحج، قصيدة أعشى اليمامة، أرض سهيل، موطن جدي القديم.. وملعب قلبي إذا حاصرته الهموم.
فلندع للبراق حكايته
ولنيممها شطر نجران
وادي الحضارات
وواحة كل الغيوم "
***
نجران لم يختلقها هوميروس أو ابن طفيل أو المعري أو بورخيس. إنها موجودة قبلهم وستظل هنا بعدنا. لم تحضر بعد في حكاياتنا. وربما نرويها ونرسمها بألف صوت ولون. أما أنا فقد أيقظتني أصوات الطيور في هذا الصباح الباكر لأكتب المقطع الأول من نص نجران.. نص التقاء الصدف والأهواء المعتقة بامتياز. كثيرون كتبوا عن نجران : إخباريون، لغويون، بلدانيون، مؤرخون، محدثون، دعاة، شعراء، آثاريون، رحالة، صحفيون، مخبرون.. الخ.. الخ.
لكن أحداً لم يكتب بعد نص نجران. أما تلك الرواية الوحيدة عن نجران فالمؤكد أنها لم ترمن الواحة سوى غبار الحياة وسرب جراد جائع عبر المنطقة وألحق بعض الأذى ببعض أشجارها ومزروعاتها.
نص نجران الأصلي لا يزال موزعاً مشتتاً بين مدونات كثيرة وأكثرها لا يزال مخطوطاً. لم يجرؤ أحد بعد على جمعه وتدوينه وإعلانه كما يليق بها وبجماله الفتان. كأن لعنةٌ ما ستصيب من يقترب منه. لن أدعي ما عجز عنه غيري يلزمني الكثير من صدف الوقت وعزيمة الرغبة كي أكتبه كما أجده. هذا الصباح سأبدأ بما سمعته من قبل عنه. سأكتب وفاءٌ لحديث المساء ولبعض كلام الأحلام في ليلة مباركة كالبارحة. إليكن ياجنيات البر المقطع الأول منه :
"ذات يوم كانت القافلة العطشى تشم هواء يختلف عن جحيم الصحراء المخيف من حولها. هواء ندياً له نكهة الماء وطلع النخيل والطلح والسدر والغرب ويند عن كل اسم ونعت. الحداة يثقون في جمالهم الطيبة حين يجد الجد. تركوها تتجه إلى هواها. كانت تتهادى بأحمالها كعرائس مثقلة بحلي ليلة العرس وبأحلام غامضة. طبعاً كانت الواحة تتنظرهم وتنتظرها.
لا.
لم تكن تنتظر أحداً.
كانت هناك فحسب. الدليل على ذلك أنهم وجدوها عامرة بأشجارها وطيرها وبسلالة سعيدة تزرع الأرض، وتربي النحل، وترعى الضأن والماعز والإبل، وتلاعب الوعول والغزلان وتغني مع كل عمل، وتحتفل بالحياة وترقص لها بعد كل موسم حصاد ومع كل فرح !.
كانت هذه القافلة بريئة جداً وهي تشيع خبر نجران الأول. بل لا شك أنها كانت ترد بعض الجميل وهي تتحدث عن كرم المكان والسكان.
أما القوافل التالية فلم تكن كذلك على الدوام.
ذات مرة قدمت قافلة تحمل كتاباً يمنع الغناء المرح لسبب غامض لم يعرف إلا بعد فوات الأوان. قدمت من جهة الشمال، وفي غير المواسم التي اعتادت الواحة على استقبال وتوديع القوافل فيها.
الملك الذي أرسلها كان ينفذ تعاليم الحكيم.
إذا أردت السيطرة على هذه الجنة المحروسة بجبال تصد عنها الجحيم فلابد من الحيلة ياملك الزمان. نجران حاضرة تحسن بناء الحصون وصقل أدوات الحرب لوقت اللزوم. ونجران قرى تعشق الأرض وتتقن كل فنون الزراعة. ونجران بادية تعلم أهلها منذ الطفولة أن الفروسية شرط الوجود الوحيد ودرب الحرية الأكيد. لابد إذن من اختفاء الغناء المرح. الغناء الذي هو العنصر الخامس لحياة البشر وحارس روح الواحة وسر الطاقة التي توحد أهلها في غمضة عين حضراً وفلاحين وبداة. الغناء هذا يا ملك الزمان هو مزمار كل الرغبات التي تشعل الإنسان هناك ليعيش الحياة قوية كثيفة أليفة في مختبر الحياة. حينما يعزف الناس عن الغناء أو يغنون من حناجرهم لا من قلوبهم تضمر فيهم كل الشهوات الفطرية القوية الحرة. وعندئذ فقط ستكون ملك نجران. كل المنجمين اتفقوا على أن هذه الجنة هي ذاتها جحيم الغزاة. فالجيش المنحوس ما إن يصبح أو يمسي خبراً يحمله الغبار إلى سماء الواحة حتى يتخطفه "فرسان نجران" من كل الجهات فيتيه من يتبقى في البراري ضحية متروكة للسباع والضباع. أنشر فيهم كتابناً المجيد وسترى ما لم يخطر ببالك من قبل".
لم يفهم الملك كل المعنى. لكنه لم يتعود أن يسأل حكيمه عن مغزى تعاليمه الغامضة والفعالة. جهز القافلة المشؤومة بالهدايا وبنسخ كثيرة من ذلك الكتاب الذي بد له غريباً حقاً. لقد حارب أسلافه أهل هذا الكتاب وانتصروا. ولقد حارب هو ذاته للدفاع عن أتباعه أو لنشر تعاليمه بعد أن أصبح كتاب مملكته وأنتصر ببركة هذا الكتاب. لكنها المرة الأولى التي يعلم فيها أن الكتاب وحده سيؤمن له نصراً مبيناً من دون أي حرب !.
قال لقائده : "أنت أمير قافلة لا قائد جيش. وزع الهدايا على الكافة ونسخ الكتاب على الخاصة ثم عد إلينا في الحال". تدخل الحكيم :
"لا.. لا تعد إلا بعد أن تضمن ثلاثة أصوات. صوت شاعر متمكن، وصوت فارس معتبر، وصوت كبير قوم كثير الزرع والضرع".
أقامت القافلة زمناً في ضيافة الواحة. أول ما وزع القائد على الناس أقمشة بيضاء. بعضها خفيف للصيف وبعضها ثقيل للشتاء، وبعضها بَيْن بَيْن لمواسم الخريف والربيع. خلال أسابيع اختفت الملابس الملونة التي كان أهل نجران يصنعونها من أصواف الضأن والماعز والإبل ويصبغونها أحياناً بما يطيب لهم من ألوان الرمان والعصفر والقضب والحناء. اختفت مع الألوان البديعة هذه أطرف الجسد التي كانت تترك لهواء الواحة وشمسها تسعة أشهر من كل عام على الأقل. أحد حكماء القوم من نسل الأفعى بن الأفعى أعلن تشاؤمه من ملابس تشبه أكفان الموتى كما قال. لكن الناس شغلوا عن كلامه بهدايا أكثر فتنة من هذه الملابس الوافرة. فالقائد الذكي كان قد ابتدأ في توزيع مساحيق من مختلف الألوان والطعوم والروائح. مساحيق ما إن تضاف إلى الطعام حتى يصبح أشهى وأطيب. بعد فترة كان وجهاء القوم لا يتحرجون من سؤال المزيد منها لأن مفعولها السحري في أهاليهم وضيوفهم لم يعد مجال جدال. النساء الماهرات أضفن هذه المساحيق على كل الوجبات. حتى التمر واللبن والسمن والعسل والمرق والقهوة بدت لهن ولغيرهن غير مستطابة من دون هذه المساحيق الفاتنة. حينما أعلن بعض مشايخ القوم توجسهم من هذه التوابل التي تجعل الإنسان يأكل ويشرب من دون أن يشبع ويرتوي لم ينصت لهم أحد حتى في منازلهم. أدرك القائد ومستشاروه الخلّص أن الفرصة ماثلة لنشر تعاليم الكتاب في الناس. بدأ يقرأ عليهم ما تيسر منه في الصباحات الباكرة وقبيل النوم. حينما سأله البعض عن معنى هذا الكلام الحزين الذي لا يشبه شيئاً من علومهم وأخبارهم وقصائدهم قال :
إنها كلمات الخلاص. من يحفظها ويحرص على استذكارها في أوقات مخصوصة يذهب عنه الحزن في الدنيا ويفوز بالسعادة بعد الموت.
بعد الموت ؟!.
نعم.. كثيرون مثلكم كانوا يزعمون أن البشر يتحولون بعد موتهم تراباً يغذي النباتات والأشجار لكن الحقيقة شيء آخر.
وما الحقيقة إذن ؟!.
إنها في هذا الكتاب الذي لا يعرف فضله حق المعرفة سوى الموتى السعداء المخلدون في نعيم أين هو من نعيم الحياة في هذه الواحة !.
كثر الفضوليون وزاد الإتباع في حاضرة نجران ثم في القرى الصغيرة المحيطة بها. عين لهم القائد شيوخاً يعلمونهم أسرار المعنى في كل حرف وفي كل كلمة وفي كل عبارة من الكتاب الغريب العجيب الكئيب كل الكآبة.
شيد للكتاب منزلاً واسعاً وسط الواحة. وبنى حوله غرفاً كبيرة لكبير معلميه ومعاونيه، وغرفاً أصغر، بعضها للتلاميذ العابرين وبعضها الآخر للتلاميذ المقيمين. الأهل القريبون من الحاضرة والقرى كانوا يرسلون أولادهم بفرح ويستقبلونهم بشوق. فعند الصباح كانوا واثقين أنهم ذاهبون لتعلم علم جديد شريف. وبعد العصر كلهم واثق أن ابنه سيعود بالمزيد من الهدايا، وعلى رأسها بالطبع تلك المساحيق التي لم يعد لأحد في الواحة كلها غنى عنها !.
بعد فترة سمع القائد ما كان ينتظر على أحر من الجمر. قيل له أن الشاعر فلان بدأ يحذر الناس من موت الشعر والغناء البهيج. وأنَّ زعيم القبيلة الأكبر ينتقد قومه على كثرة الأكل وقلة العمل. أما أحد الفرسان المعتبرين فقد طالب بإخراج هذه القافلة التي طال مكوثها وأهلها ليسوا ضيوفاً عابرين فيكرمون ولا غزاة فيحاربون، وكل ما يقولون ويفعلون غريب مريب !.
استدعاهم يوم السوق المشهود، وفي حضرة الجميع قال لهم :
"سمعت عنكم ما سمعت. نحن سنغادر نجران سعداء بها وبكم. الربع ربعكم والكتاب كتابكم. إن فتنم الناس ذهب ريحكم وغار ماء الأرض وشح زرعها وضرعها. هذه الورقة لك ياشاعر نجران وفيها ما يثبت أنك منذ اليوم لسان الملك. وهذه ورقة يافارس نجران وأنت من هذه اللحظة سيف الملك. أما أنت يارأس القوم فإليك ورقة تمنع أي أحد من أن ينافسك على مقام ظل الملك في هذه المقاطعة الصغيرة من مملكة تمتد بين سبعة بحار.
تعاونوا فيما بينكم على ما فيه صلاح النفوس ومصالح الأبدان. إنكم لا شك ستختلفون من حين لحين في أمور كثيرة. وكلما حدث خلاف فالحكم بينكم هو صاحب الكتاب، شيخ المشائخ والمعلم الأول. إنه ذلك الفتى الزاهد العابد المنقطع للعلم والصلاة في دار الكتاب، في بيت الملك الأعلى. هو أبوكم وراعيكم. كلنا في خدمته وسنتفقد أحواله على الدوام. ملك مملكتنا نفسه يعتبره عقله وقلبه وعينه وأذنه ولسانه. هو هنا وفي كل مكان ".
فعلاً انصرفت القافلة تاركة ما تبقى من بضائعها في مخازن البلدة الجديدة تحت تصرف هذا الأب الذي لا زوج له أو لد وهذا الراعي الذي يرعى بشراً فيهم التاجر والناجر والبناء والفلاح ورعاة الإبل والضأن.. !! لم يمض وقت طويل حتى كانت أخبار الواحة كلها تفيد بتبدل أحوال أهلها، وبالأخص في الحاضرة والقرى القريبة منها. كثيرون لم يعودوا يغنون إلا حينما يبتعدون عن نجران. من ظل يغني في بيته أو في مزرعته كان غناؤه خافتاً حزيناً كمن يشعر أنه يرتكب إثماً ويعرض نفسه وأهله لعقوبة عاجلة أو آجلة. بعض الشعراء والعشاق من الفتيان والفتيات لم يكونوا يلتزمون بتعاليم الكتاب الحزين. خاصة إذ يتلاقون في حضن الطبيعة حيث يحتفون بها وبالحياة كما كان أسلافهم يفعلون. كان بعضهم يموت بطرق غامضة. الأكثرون حيوية وجمالاً لا يعثر لهم على أثر.. وأين ؟! في نجران التي يعرفها أهلها كما يعرفون كفوفهم. ومما يزيد في فجيعة الأهل والأقرباء أنهم ما إن يلحوا في البحث والسؤال حتى يتدخل الأب الراعي أو أحد أتباعه ومريديه مكررين العبارة ذاتها :" مجدوا السماء على ما أعطت وعلى ما أخذت. كائناتها الغاضبة تنزل مطلع كل فجر ومغرب كل شمس لتخلص البشر من شر الأشرار وتطهر الأرض من فساد المفسدين، ولو لم تفعل لاختفت نجران كلها فاحمدوا صاحب الحمد".
أما ملك المملكة البعيدة فكان سعيداً بأثر ذلك الكتاب الحزين.فمنذ العام التالي على عودة قائده كانت قوافله تذهب ببعض الأقمشة والتوابل وتعود مثقلة بالغلال ومصحوبة بالمزيد من الأنعام والفرسان.
خصمه العنيد في المملكة الفتية المجاورة سأل عن السر والمصدر :
من أين له هذه الخيول التي تكاد تطير بفرسانها، وهذه الإبل التي تشبه الغزلان، وكل هذه الثمار التي لم يعرف مثلها في البلاد من قبل.
إنها نجران ياملك الزمان.
أين هي ؟
كنز كان مخبأ بين جبال السروات وبحر عمان وصحاري نجد.
ومن هم أهلها ؟
كانوا أهلها، لكنهم اليوم أتباع الملك الخصم ياملك الزمان.
وكيف أسمى ملك الزمان وليس لي على هذا المكان سلطان.. لابد من نجران.. لابد من نجران.
بقية الحكاية غير معروفة لأنها تداخلت مع غيرها وتوزعت وتشتت بحيث أصبحت حكايات بعضها فوق بعض زادها ولع الرواة وجهل المؤرخين غموضاً وفتنة على مدارات التاريخ وطوال مساراته.
الذي يهمني الآن يا إنجيليكا هو أخبار الغناء المرح الذي تتواطأ كل الحكايات على إهمالها. لا يهمنا إن كل الإهمال يعود إلى المكر والخبث أو إلى الجهل والإنشغال بأخبار الممالك والسلاطين عن أخبار البشر والحياة. المهم هو أن بعض النقوش وبعض المرويات الشعرية والسردية يمكن أن تضئ لنا طرفاً من الحقيقة لا غير.
فأحد الغزاة كان قد سمع أن حكيم نجران الأول، الأفعى بن الأفعى، كان يوصي الناس دائماً بتوزيع تركات الآباء والأجداد بالعدل بين الصغير والكبير والذكر والأنثى من الأبناء والأحفاد. أما ما كان يأمر به الناس أمراً فهو عدم التفريط في الغناء إن أرادوا ألا تتخطف أرواحهم أفاعي الحزن على الأشياء الهينة المبتذلة. خطرت على بال القائد الذكي فكرة أراد اختبارها. جمع كل نسخ الكتاب الأول. أحرقها. وزع بدلاً منها نسخ كتاب جديد يبيح الإنشاد ويحث على الغناء بمصاحبة المزامير والدفوف والطبول. انتظر فترة دون جدوى. قال لكبير مستشاريه :
لماذا لا يغني الناس وقد خلصناهم من كتاب الحزن ؟
بقيت الكتب التي في الصدور أيها القائد الطيب المظفر.
هل نحرق البشر ؟!
لا. النار لن تحرق إلا الكافرين بكتابنا، الكتاب الحق الوحيد.
فهم القائد في الحال. ثلاثة أشهر هو يعظ ويرشد ويبشر وينذر. ثلاثة أشهر والجند يحفرون أطول وأعرض وأعمق قبر في التاريخ. ثلاثة أشهر وهم يجمعون الحطب من سدر الواحة وطلحها ونخيلها ومن غرب المناطق المجاورة وقرضها وعتمها المشبع بالزيت. أما الثلاثة الأشهر الأخيرة فكان يخير الناس بين كتاب الأناشيد والمزامير هذا أو هذه النار التي ألهبت أرض الواحة وسممت الهواء في سمائها.
الخبر ذاته يوحي بأن القائد وجنده وكثيرين من أهل مملكته أصيبوا بمرض غامض قيل أنها لعنة تجعل الإنسان يتوهم الفرح والمرح فلا ينالهما أبداً. هكذا يعيش كارهاً لذاته ولكل أحد، وهكذا يتعلق بتلك الأشياء المبتذلة التي حذر منها حكيم نجران الأول. أصيبوا بهذا البلاء لأن أحداً منهم لم يكن يتوقع أن ضحايا تلك المحرقة سيكونون بذلك العدد.
ما ذا حدث من بعد ؟ لا أحد يعلم شيئاً حق العلم.
الأمر المؤكد الوحيد المتواتر في كل الأخبار اللاحقة أن هذه الواحة الخصيبة المنكوبة ظلت فضاء تنازع منذ ذلك العهد القديم البائس. كتب تمحو أخرى. دعاة ينشرون مذهباً فوق مذهب. ممالك تحل وممالك ترحل. ولا أحد يغني. ظل مديح الحروب ورثاء الموتى هو كل غناء الواحة. الوحيدون الذين حافظوا على الغناء للحياة هم هذه الأقوام السوداء الطيبة التي ما إن يتكاثر أفرادها حتى تنافس حكاياتهم المرحة البهيجة حكايات الكتب الحزينة وأخبار الحروب الفاجعة.
لا غرابة يا إنجيليكا ان وجدتيهم يحبون الآخرين وهؤلاء يحبونهم. إنهم قلب نجران الحي وصوتها الجميل الذي يتعلق به الجميع هنا من دون أن يعترف به أحد علنا. هذا ما شاهدته مساء البارحة بنفسي. سمعت طبولاً أليفة تذكرني بطفولتي، وأخرى مخيفة عنيفة تعيدني إلى ما نحن فيه اليوم !. ذهبت وصاحبي النجراني بإتجاهها. وجدنا ثلاث فرق تتدرب لإحياء حفلة العيد. قال صاحبي : الفرقة الأولى تؤدي فن "الرزفة النجرانية"، والثانية " فن العرضة النجدية " والثالثة " لعب السمران". قلت في نفسي : وحده لعب " السمران" هؤلاء هو الفن الحقيقي الذي ينعش الحيوية في الروح والجسد. الفرق الأخرى كانت تتهيأ للدخول في حرب أو تحتفل بنهاية حرب. لم أطل الوقوف في مدرج الملعب الواسع خشية أن يفسد على المشهد متعة الرحلة وأنا في بدايتها.
لقد جئت لهدف وحيد : الإنصات للأصوات السرية الآسرة في هذه الواحة ذات الألف وجه وصوت. نجران ليست واحدة. نجران التي نرى تكتسب ألواننا وأشكالنا وطبائعنا وهيئاتنا، لأن هذا معنى آخر من معاني اسمها. إنها لم تحب أبداً ولن تحب قط من لا يحبها لأن من معاني الاسم ذاته "فعل الحب"، ويالعظمة المجاز !. قلت لك هذا يا إنجيليكا. وقلت أيضاً أن نجران قد تكون جنة العابرين، لكنها جحيم المقيمين إلا حين يمر قمر التاريخ بمنازل السعد وما أقلها في هذا الزمان. حينما لاحظت أن اللغة الفرنسية، لغتك، لا تساعد على تبادل الرسائل حول نجران كلمتك بفرنسية أخرى. قلت : نجران ليست متحفاً مفتوحاً ولن أزورها لكي ألتقط بعض الصور. أنت فرنسية كندية تحترفين فن التصوير وتستمتعين بالسياحة في هذا الفضاء الزاخر بأحجار تتحدث أكثر من البشر. أما أنا فأجدادي مر بعضهم من هنا، وأقام بعضهم هنا، وحينما تناديني أصواتهم سأذهب. هاأنذا أقضى الليلة الأولى المباركة في نجران. ما الذي سيحدث في الأيام والليالي القادمة ؟ لا أدري.
يكفي ما كتبت هذا الصباح. الطيور حول السكن كثيرة. غناؤها هو الذي أيقظني على ما أظن. كنت أقول لجنيات مكة الجميلات بلغة عربية لم تكن قط غريبة عن نجران :
هذه الكائنات الهوائية الفاتنة عائدة للتو من رحلة سعيدة، ولذا فهي تغني لنا وتتهيأ لإخبارنا بما وجدت.
قالت الأولى :
لماذا لا تكون تتهيأ للرحلة ذاتها وتدعونا لمصاحبتها ؟!.
قالت الثانية :
لا تتوهما يا مجانين نجران.. إنها تغني مستمتعتة بهذا الصباح النجراني الطبيعي الجميل فلم لا نفعل مثلها.
إبتعدَتْ. تهيأَتْ. شَدَتْ. أَبدَعتْ. طربتْ. رقَصَتْ. اقترَبتْ. إقتربْتُ. قابلتُ. قبّلتُ. لاعبتُ. داعبتُ. حضرتُ. غبتُ.سموتُ.دنوتُ.هيجتُ. أهتجتُ. نجرتُ.ناجرتُ. انتشيتُ.تأوهتُ.صرختُ.اهتززتُ.استيقظتُ.حدقتُ أنصتُ فإذا بي أسمع الطيور تغني وأحدها يقول :
"نونها نار الحب ونوره، جيمها جحيمه وجنته، راؤها رقته ورقيته، ألفها أداته، ونونها فعله ومصدره فانهض".
نهضتُ. توجهت إلى النافذة. فتحتها بهدوء. طار بعضها. سلمتُ على من بقى منها. سميتها بأسمائها التي أعرفها بها منذ الطفولة.
طائر واحد لم أره من قبل. كبير الحجم. داكن اللون.منقاره فاتح مشوب بحمرة فاتنة تتصل إلى ما حول العينين فتزيدهما بريقاً وفتنة. حسبته أنثى. حتى مع ذلك الريش الذي يتوج الرأس ويغني ألوانه. سميتها "نجران". تمنيت لو أن رفيقتي الرحلة المتخيلة والحلم المتحقق كانتا معي الآن هنا. إحداهما خبيرة حكايات وربما أخبرتنا إن كان هذا الطائر هو بطل الحكاية ذاتها. والثانية خبيرة ألوان وأشكال ولربما ذهبت إلى أنها رسولته أو نسخته أو صورته.
لا بأس. ربما تحضران فجأة كما هي عادة كل الكائنات الهوائية الخفيفة اللطيفة الشفيفة الرهيفة. سأمنح ثقتي كلها للصدف.
فما دامت الرغبة موجودة فالمؤكد أن أحلامنا ستحملنا إلى حيثما نريد متى ما نريد. تماماً كما حدث فجر هذه الليلة المباركة !
أما بقية النص يامجنونات نجران فلابد من العودة إليه. بقية مقاطعة تلوح أمامي الآن. ستكون كلها ملونة بالغناء الذي به نحيا وقد نحيي به أرواح أسلافنا في واحة جميلة كهذه. أعلم علم اليقين أنه سيكون ذلك النص الفتان لما سيكشتفه من أسرار لم ترد على لسان. لكن أي فتنة لن تصرفني عن جمعة وإعلانه..
فكرن معي جيداً في العنوان.
أم أنه سيكون...
لا أدري. لا يهم. لن نختلف كثيراً عليه. ما يهمني أكثر منه الآن هما هذان البيتان :
إن تكونوا قد غبتم وحضرنا
ونزلنا أرضاً بها الأسواق
واضعاً في سراة نجران رحلى
ناعماً غير أنني مشتاقُ
وهما من نص طويل مجهول لشاعر مجهول سأسميه من جهتي "مجنون نجران"
مجنون نجران