فاطمة ناعوت
(مصر)

كُتبت قصائد هذا الديوان بيت عامي 2006-2008

 

الإهداء

إلى:
سهير
التي تركتني
دون سببٍ مفهوم.

ف. ناعوت

* * *

أخافُ اللونَ الأبيض

إلى سهير

أمي التي طارت

وماذا أفعلُ بأكياس الأرزِ والسُّكر
وبازلاءَ مُجفّفة
ورءوسِ ثومٍ
أتعثَّرُ بها في مطبخِك؟
ماذا أعملُ بالثلجِ عشّشَ في أركانِ البيت
بقِطَّتِكِ البيضاء
تُقعي في الصالة
في صمتٍ تنظرُ إلى باب الشقة
تَرْجُفُ أذناها
مع كلِّ قدمٍ على السُّلّم؟
ماذا أفعلُ
بصورِ العائلة على الحائط الأبيض؟
بالأبوابِ البيْضِ مغلقةٍ أمام قلبي
بستارةٍ بيضاءَ ساكنةٍ
لأن الشيشَ مُقفَل؟
بالسيارةِ البيضاء العجوز
التي لم تعدْ تحت البيت؟
بفوطةٍ بيضاءَ تحملُ رائحتَكِ
بخصلةٍ من شَعرِكِ بيضاءَ
عالقةٍ بالمشْط
بشالِ حريرٍ أبيضَ
ضمَّ كتفيكِ المُجْهدين
بقطرةٍِ من ماءِ زمْزمَ
عالقةٍ في كأسِ غُسْلِك
بوحشتي
بخوفي؟
هل أبيعُها وأشتري أقراصًا للنوم؟
هل أقايضُ بثمنها على أبٍ قديمٍ
نسيتُ ملامحَه،
وأمٍّ
تركتني وطارتْ
ويدي لم تزل
معلّقةً في طرفِ ثوبِها؟

القاهرة / 5 سبتمبر 2008

* * *

Cheese Cake
(مفارقةُ المِلحِ والسُّكّر)

غروبٌ لديّ
شروقٌ لديك!
ليست فروقَ تواقيتَ
ولا حساباتِ جغرافيا
ولا هو دورانُ أرضٍ
ومسافات،
الحكايةُ:
أنّي أرسلُ الشمسَ إليكَ
كلَّ يومٍ
من هنا
كي تحطَّ على كتفك هناك،
لتوشوشَ في أُذنِكَ
عن حالي:
في الليلِ حارسةٌ الشجر
وعند الصبح
أعبئُ الشمسَ في حقائبَ
لأبعثها إليك.

مُتعَبةٌ!
لكنني أجملُ
حين المسافاتُ بيننا تتسع:
عيناي
تزدادان بريقا
إذْ تفتشان عن قسماتِك
بين وجوه مدينتي،
ولساني
يصيرُ أرقى
لمّا يشتهي مفارقةِ المِلحِ والسُّكر
في ال Cheese cake،
وأُذناي
لمّا تَشُوقان صوتَكَ الشماليّ
وتلك السَّعلةَ قبل الكلام
-من دون قرْط الزمرّد-
تكونان أبهى!
فهل البهاءُ خطيئة؟
حتى شَفَتي
حين تحنُّ إلى تمتمةِ حروفِ اسمِكَ
تكونُ كالطفلِ يُبصرُ العالمَ
كي يحبَّه،
فهل الطفولةُ ذنبٌ؟
وهذا جِلدي
إذْ يهفو لملمسِ جلدِكَ
فإنه
يمدُّ خيطًا بين البداية
وبينه،
فهل الحنينُ إلى البداياتِ إثمٌ؟
وساقاي
انظرْ
تُشعّانِ نورًا
إذْ تسرعان الخطوَ صوب المقهى البعيد.

المقهى
الذي يحنُّ بطَرْف إلى صَلَفِ روسيا
وبطَرْفٍ يرومُ أناقةَ باريسَ
بشراشفَ حمراءَ
ونبيذٍ أحمرَ
وحوائطَ حُمْرَ تسترقُ السمعَ
على امرأة ورجل
يتدربانِ على الحبِّ
ثم الفراق.

الاسم الفرنسيّ:
Café Rouge
في الشارع الإنجليزيّ
مفارقةٌ أخرى
تشبهُ مفارقةَ الكَرَز الأحمر مع الجُبن المالح
في كعكتنا المتروكة جانبا،
تشبهُ مفارقةَ الحُبِّ والهجر
في حكايتنا.

"التدخين ممنوعٌ في الداخل"
فمَن الذي خرج معي تحت المطر
كَرْما لسيجارتي؟
أكانَ أنتَ
أم حبيبٌ يشبهُك؟

هذا خِصري
مثل سيجارةٍ مهمَلة
لم يَحِنْ بعدُ أوانُ جفافِه
ولا أصابعي جَمُدَت
حول القلم وفوق الورق
كما زعم الوشاة!
تعرفُ أصابعي لا تزالُ
كيف تشيرُ إلى أنفكَ
إلى ذقنِكَ
إلى عينيكْ
وتقولُ:
هذا أنفُ حبيبي!
هذي ذقنُ حبيبي!

لا تأتِ إليّ
ظلّ بعيدا
كي تظلَّ حركةُ الأرض
ولعبةُ النورِ والظل،
ثُمَّ
أنا أجملُ حين تنأى!
لكنني وحسب
قد نسيتُ شيئا معك
شيئا مهمّا.

لا،
ليس خصلةَ جديلتي الجَعِدَة
التي خبأنا بينها شَعرةَ معاوية،
ولا خاتمي الخشبيَّ جلبناه من الجسر العتيق
ولا حتى قلبي
المدسوس بين أوراقك،
خابَ حدسُكَ من جديد
فأنتَ دائما تنسى،
هو قرشٌ ذهبيّ
عليه رأسُ مَلِكَةٍ
منحتُكَ إياه
كي تمنحَه شحّاذًا يلبسُ خوذةَ فارسٍ
يقفُ عند بابِ القرونِ الوسطى
تذكر؟
الفارسُ البرونزيُّ!
الذي خِلناه تمثالا
يعرفُ اسمي قليلا
قرأ نصفَه في عينيّ
ونصفَ النصفِ في عينيكَ:
حَطَّ السيفَ
ثم انحنى وقبّلَ يدي،
أدارَ عنقَه
ومن وراء قناع الحرب
غمزَ لك:
فتاتُكَ حُلوة!
فوهبتَه القرشَ
ثم همسَ معاتبًا:
أنتَ حبيبُها
فاحمِها من اللصوصِ والشعراء!
وأنتَ
استرددتَ منه القرشَ
ولم تَحْمِني!

افتحْ كفّكَ
انظرْ!
ها هو قرشي!
رُدّهُ إليَّ
ورُدّ قلبي.

القاهرة / مايو 2008

* * *

ثـأر

القِطّةُ
لا تندهشُ
حين تُبصرُ السيدةَ
تصفعُ وجهَ الطفلةِ الجميل
لمّا كسرتِ الكوبْ،
القططُ لا تقدرُ أن تندهشَ
لكنْ
تقدرُ أن تتسلّلَ في الليل
لتخمشَ تلك اليد.

* * *

الرعويّ

تكسِرُني و...
مثل جَوْزةٍ
تحملُ مِجسّاتِها ونبضَها وبللَ أجزائِها
وتتهيأُ للحياة.

ترفعُني
مثل توتةٍ تفتحُ مخملَها
وتهبُ عُصارتِها لقرويٍّ خشنْ
يحملُ مِعولاً
وسلّةَ خوصْ.

صلدٌ خشبُ الجَوزةِ
رحيقُ التوتةِ رَخوْ
وبينهما صبيّةٌ
لا تقدرُ إلا أن تحبَّكَ
ولم تتعلّمْ إلا لونَ عينيكَ
لحظةَ التهجدْ.

تقولُ لي:
عُقدةٌ
تراكمتْ خيوطُها بفعْل قساوسةٍ
لم يقرءوا السِّفرَ
فاختصروا الخِباءَ
وأنتِ التي امرأةٌ
لا تُختصَرْ،
وأنا الرعويُّ
الذي امتحانُكِ الصعبُ.
....
تحت العنبةِ هذه
-المشغولةِ بأوراقها-
سأفكّكُ تشابكاتٍ
وخيوطًا
وبراعمَ
تكاثفتْ حول شرنقتكِ،
فأقولُ:
شرنقتي
يرقاتُ قزٍّ بَخَّتْها
سنواتٍ، وعقودًا، وطلاسمَ
وثمة أشواكٌ في التويجاتْ
فاحذرْ!
فتقولُ:
إصبعي
كلمةُ السِّرْ.

الملمسُ الناعمُ لنحري
الآن بين كفيّكْ
لا يشبهُ الجبلَ الذي أحملُه في جَرّتي
أينما ارتحلتُ،
لكن الجبلَ
يعرفُ كيف يَنْشَقُّ
ولو مرّةً
من أجل وثنيٍّ
يتدرّبُ كلَّ يومٍ على الإلحادْ،
وامرأةٍ
تحملُ أسرارًا كثيرةً
وعذاباتْ
لكنَّ محلَّ القلبِ
خرزةً زرقاءْ.

سورية / أغسطس 2007

* * *

ذبابـة

في هذه الكُرَةِ وحدَها
ستُّ قاراتٍ وصحارى وسماواتٌ ومسطّحاتُ ماء،
وأرضُ الله واسعةٌ!
فلماذا تحوّمينَ حول مكتبي
وتفكرين في الوقوفِ فوق أنفي؟
هل تظنين خلوَّ بيتي من مبيدٍ ومِضرَب
يعني أننا صديقتان؟
....
نعم صديقتان.

* * *

دميةٌ خشبية

هَبْ أنكَ الآن في مكانٍ ما
في صحبةِ امرأة ما
سواي طبعا!
ولنفرضْ أن ساقيها ليستا من خشبٍ
ولا جزعَها من رخام
ولم تقرأِ النبيَّ
يعني:
مهرةٌ
حين تطلبُ إليها أن تكونَ مُهرةً
لينةٌ
تطيعُ السائسَ
تخلعُ اللجامَ قبل أن تدخلَ العُشبَ
وليس عندها حدوةٌ
مثل التي دقّتها أمي في قدميّ
بمساميرَ طويلة.

ساقاي أيضا طويلتان!
وخصلاتي تحكى حكايا كثيرةً
عن:
عرائسي
مئذنةِ أبي
خزائنِ أمي
وشرورِ أخي
الأولى: مخبآتٌ في غرفتي القديمة
والثانيةُ: أسقطتْ تكبيراتِ العيد ولحيةَ أبي
والثالثة: مثقلةٌ بالعقيق والتعب
والرابعةُ: لا تنتهي!

لكن مُهرتَك
لا تحفلُ إلا بـ "الآن"
والآن..
لنفرضْ أنكَ تحكى لها عن عروسٍ خشبية
كانت تخصّكَ
لا تتقنُ فنونَ المُهْرَة
وحلُمتْ أن تكونَ امرأةً
لكنها أخفقتْ
ولما حاولتْ قصَّ خيوطها
تفككتْ أوصالُها
وماتتْ غارقةً في جفافِها.

يا صحنَ الفولِ النابت
كُن شاهدًا على صمتي!
يا كأسَ الليمون المثلّج
كُن شاهدًا على ثرثرته!

الآن
اصمتا لحظةً حتى أُنهي القصيدةَ
وبعدها اسمحا لي أن أنفجرَ
كي تكملا النميمةَ عني.

القاهرة / أبريل 2008

* * *

ليس أجملَ من أن يهشَّ الشاعرُ عن خيمته البعوضَ

شاعرةُ العشيرةِ
تستقبلُ النورَ بِعَدِّ خِرافِها
لتطمئنَ أن الذئبَ لم يزرْها في المساء.
تكنسُ الدارَ
تُطعمُ الصبّارةَ
وتحلبُ اللبنَ
لتبلّلَ به قطعةَ قطنٍ
تمسِّدُ بها البِنْصرَ المقروحَ
من لدغةِ بعوضةٍ
حَوّمتْ بخيامِها ذات غفلة.

الشاعرةُ
قلبُها نورٌ
لذا سمحتْ لبعضِ ضَبعٍ
أن يقتاتَ على فُتاتِها؛
نظّفتْ أدرانَه
هذّبتْ روحَه الصفراءَ
علّمتْه الشِّعرَ والنايَ والشَّهدَ،
لكنَّ عصفورًا في الجِوار
أخبرها
أن الضبعَ لا يُتقنُ غيرَ اليَبابِ
ولا يجلبُ إلا البعوضْ.

العصافيرُ
لا تكذبْ.

القاهرة / 10 مايو 2007

* * *

بقعة

حادثُ طريق
لأن سيارتيْن تحتلان بقعةَ الأرضِ نفسَها
في اللحظةِ نفسِها.

حربٌ
لأن دولتيْن تريدان الأرضَ ذاتَها
أيضا!

يا أخي
لستُ سيارةً أنا
وأنتَ
لستَ دولةً.

* * *

عبيطةُ القرية

أحتاجُ أن أبكي
نعم!
أنا البنتُ
التي تَخلطُ في الشوارعِ
وتخطئُ في العدِّ والحسابْ
البنتُ التي تضحكُ طيلةَ الوقتْ
وتبتلعُ ابتساماتِ المارّة
حين لا تعرفُ أسخريةٌ
أم إشفاقْ
تحملُ قِطّتَها فوق صدرِها
تجوبُ طرقاتِ البلدةِ بجلبابِها الرَثِّ وشَعرِها المنفوش
ومن جيبِها الممزوقْ
يسقطُ قِشْرُ الفولِ
وكِسَرُ خبزٍ جافْ
أسنانُها سقطتْ من فرط الضحكْ
فابتلعَتها
لأنْ ليس لها أمٌّ علّمتها طقسَ الشمسْ
"يا شمس يا شموسة..."
ولأن عجوزًا
تجلسُ عند بابِ الخَلْق
علّمتها
أن ابتلاعَ الضِّرس
يُنبتُ غيرَه
لهذا لم تتخلصْ من الكِسَرِ اليابسة
وأجّلتْ قَرْضَ أظفارِها الصفراءِ
حتى مَوْسمِ الأسنانْ.

وحيدةٌ
متوحّدةٌ
لا أهلَ لها
لا أصدقاءْ
وأخفقَ الناسُ في حبِّها
تغنّي
رغم اللثغةِ
ورغم انعدامِ السِّين والشِّين والثَّاء والصَّاد
صَلَبَها رجلٌ على ساقيةِ البلدة
واستولدها طفلةً
أطعمتْها من خبزِها الناشفِ
فماتتْ
لا أهلَ لها ولماذا الناسُ يخفقون في حبِّها!
فكّرَتْ في الأخير أن تبكي
نعم
عبيطةُ القريةِ تحتاجُ الآن أن تبكي
على كتفِكَ أنتْ
أنتَ الذي لا ينْهَرُها
حين تُخطئُ في عَدِّ أصابعِها
ولا يتلصّصُ على فخذِها
حين ينحسرُ الثوبُ
أمام وهجِ الفرنْ.

القاهرة / ديسمبر 2006

* * *

إعراب

هذا الخاتمُ
أصبحَ مضحكًا
خواتمُ العُرس أيضًا
بوسعِها أن تغدوَ مبنيةً للمجهول
لا محلَّ لها من البنصر
أو الفرح.

* * *

ليس اسمُها زهرة

الطفلةُ الجميلة
التي مثل وردةٍ تتفتّحُ للنور
لكن كتعاء
كم مرّةً بكفِّها الوحيدة
أخفقتْ في جدْل ضفيرتِها الحرير؟
كم مرّةً حملتْ عروستَها
على يدٍ
ولم تجدْ يدًا أخرى
تربتُ على صدرِها المبرمَج
لتقول: "ماما"؟
كم مرّةً نادت هي على ماما
لأن ذراعًا واحدةً
لا تقدرُ أن تُلبسَها ماريول المدرسة؟

وماذا لو أن الماما غائبة؟

الصبيةُ الوردةُ تكبرُ
وتطرحُ أطفالا
تعلّمهم
أن اليدَ الواحدةَ
تصفّق.

القاهرة / 10 مايو 2007

* * *

ثقب

نعم!
تمسُّني
ترفُّ أجنحةٌ،
تضمُّني
ينْشَقُّ الجُبُّ، وتبزغُ زهرةٌ،
أصابعُكَ بشعري
حتى الجنادبُ تغني،
لكن ثقبًا في القلب
يسقطُ منه الفرحْ.

* * *

18/9/1964

أنا حبّةُ فاصوليا
وأمي قشرةٌ
ومازلتُ أحاولُ الخروجَ إليكم.

* * *

أنفٌ وحيد

صينيةُ الشاي
بفناجينِها الخزفيةِ الكثيرة
بصَخبِها وكثيفِ بخارِها
برنينِ الملاعقِ على الحوافِ بعد تقليبِ السُُّكرْ
تختلفُ
عن فنجانٍ صامتٍ
وحيدْ
يجلسُ في فتورٍ فوق حافةِ مكتبٍ عتيقْ
ينتظرُ امرأةً واجمةْ.

الأبخرةُ الكثيفةْ
(التي تتقافزُ من الفناجين الكثيرة التي تختلفُ عن الفنجان الوحيد)
تحملُ رائحةَ أوراقِ الشاي الهنديِّ التي:
جمعتها أيادٍ
وجفّفتها أيادٍ
وعلبّتها وشحنتها أيادٍ،
لكي تشربَها
أيادٍ كثيرة.

ترتفعُ صيحاتُها،
الأبخرةُ،
لتعلوَ على صَخَبِ أنوفٍ كثيرة
تتحلّقُ حول صينيةٍ
في منتصفِ قاعةِ معيشة صاخبة.

بينما، مِن الفنجانِ الوحيد،
يصعدُ
   خيطٌ
     نحيلٌ
         من البخارْ
               ساكتٌ
                  واهنْ
يتراقصُ في منحنياتٍ ضَجِرة
ليبحث في صعوبةٍ
عن أنفِ السيدةِ التي
لا أحدَ يزورُها.

القاهرة / 30 نوفمبر 2006

* * *

تكوين

تمثالٌ رديءُ الصُّنع يتشكّلُ
قدمانِ فساقانِ فجزعٌ فصدرٌ فذراعان
ثم رأس
أذنان وفمٌ واحد
(يعني يتكلم قليلا وينصتُ كثيرا)
ألم نقلْ جيدُ الصنع هو؟
يحملُني الرأسُ شهورًا تسعة
ثم يبصقني.

* * *

غافيةٌ فوق غصن

إلى صديقي العراقي/ أحمد الإسماعيلي

الكفّ
الكفُّ الوادعةْ
الكفُّ التي تشبه ورقةَ عنبٍ غافيةً فوق غصن
الكفُّ المعطوبةُ
المُعلَّقةُ من كتفِ الفتى العراقيّ الذي ابتسامتُه
تشبه الماءَ الساقطَ
من قمةِ جبلٍ ثلجيّ
تحت الشمس،
الكفُّ
التي استقرّتْ فيها
- قبل ستةِ عشر عاما-
طلقةٌ من غَدّاراتِ الحرَسِ الجمهوريّ،
طلقةٌ
ليستْ صهيونيةً
ليستْ أمريكيةً
لكنتُ سامحتُ
لو لم تكن عربية.

الكفُّ
التي اختصرتْ مِحنةَ أمّةٍ بأسرِها،
أمّةٌ
يُفزّعُ جنودُها أطفالَها،
....
كان طفلا إذن
حين تعلّمَ درسَه الأولَ
عن الوطن.

الكفّ.

كفُّه الصاحيةُ
العسراءُ طبعًا
كَمْ حَنَتْ على يماماتٍ تحبو
في ساحةِ ليندن هوف؟
كمْ عبرتْ بكفيفٍ الشارعَ؟
وكمْ حملتْ سكاكرَ للصغار
حول نهر الراين؟
فكم مرةً إذن في اليوم
تُقبّلُ الزوجةُ الشابةُ
تلك الكفَّ الصامتة
علّها تصحو من سكونها
وتضمّها مع الأخرى؟

عن نفسي
تمنيتُ تقبيلَها.
تعلمين؟
سرُّ الجمالِ كلُّه
في تلك الكفِّ المصدوعة.

زيوريخ / 5 يونيو 2007

* * *

صحنُ النون

مع جفافِ آخر قطرةٍ
من وقود السيارة،
ستجفُّ قطرةُ الضوءِ
التي اقتحمت كراستي
من البرِّ الغربيّ.

العيونُ السودُ الحاسمةْ
التي (لا) تنظر نحوي،
الشفاهُ الدقيقةُ واللكنةُ الصعبةْ،
واليدُ البدويّةُ المباغتةْ
التي اختطفتْ شيئًا عالقًا بالصدر،
عبد الرحمن بن خلدون،
خانُ الخليلي،
تماثيلُ البازلت المكسورة،
مركبُ الشمسِ والسَّفرُ الأندلسيُّ نحو الغروب،
ومُحمدْ
الصيادُ الأسمرُ الذي (لا)
يحبُني،
طواجنُ السمكِ على ساحلِ الأطلسيّ
والصِّنارةُ التي تشبه
قلبيَ المكسورْ.

برجُ العذراءْ
(العذراءُ تحديدًا)
ذاك أن الأزقّةَ ضيقةٌ جدًّا
وجافّةْ.
لأن لا مارةَ يمرّون منذ سنين
فتصرخُ غضبًا كلما اخترقَها شعاعُ شمسٍ،
مختنقةٌ ومنكمشةْ
الأزقّةُ
لا تشبه صحنَ النون الواسعَ
الذي تسقطُ فيه النقطةُ
هذا المساءَ:
.
.
ن

حقائبُ ضجرتْ من الكتبِ
ورقصتْ لهدايا الأطفال،
وردةُ الحبيبة
نتركُها عامدين على الطاولةِ الخشبيةْ
كيلا نجرحَ السمراءَ التي هناك
عند بوابةِ سوقِ العطّارين
تنتظرُ
يدُها على خدِها
وقلبٌ تحت عباءتِها.

أشعةُ الغروبْ،
والنظاراتُ التي وراءها عيونٌ سود
تنظرُ نحوي،
ابن خلدون مرةً أخرى
أقصد مكيافيللي،
لأن الهواءَ الذي يدخل الرئةَ لكيلا نموتْ
جلبناه من الزفيرِ الأخير لورقةِ شجرةْ
حبسناها في كتابْ،
لكنْ سنقول:
جنونُ فراعينَ وأطفالٍ وشعراءْ،
ثم نرمق ساعتينا ونحسب فروقَ التوقيتِ
ساعتان،
ثلاث،
ثمان،
هل غرق العلاّمةُ التونسيُّ في المتوسط؟
أم تركَ الزوجةَ والولدَ في عمق الماء
وراح يحشو البايب من كيس التبغ الكوبيّ
(الذي على مكتبي الآن)
بعد أن نشر ثيابَهما على فنار الإسكندرية؟

الأميرْ،
طِيبةُ والأندلسُ وأمريكا،
والطائراتُ الورقيةُ
التي تحملُ أحلامَنا وتمضي،
كلُّ هذا وأكثر
سوف يجفُّ
مع آخرِ قطرةٍ بنزين
تتبخّرُ
فيما تسقطُ قطرةُ الضوءِ المغاربيّ
في صحنِ البيت البعيد.

صحنُ النونِ الواسع.

* * *

لم أنجح بعد

صحيحٌ أنني أتمرّنُ على الوحدة
منذ ثلاثين عامًا
لكنني لم أنجحْ بعدُ
في ابتلاعها كاملةً
مازالتْ محشورةً بين الحلقِ
والمريء.

* * *

هاتف

لا تردّ الآن على هاتفك
فأنا على الخطِّ الآخرِ
أحاولُ ترتيبَ النغماتِ بصوتي
كيلا يبدوَ مشحونًا بالتوقِ إليكَ
حين يصيرُ الصوتُ قويًّا
اضغطْ ok

* * *

العطر

لستُ لورا،
نعم،
ولا بائعةَ البرقوقْ
ولا أنتَ جون بابتيست غرونوي،
وليس أبي بكى حين شاهدَني
مَرميّةً على حافة السرير كخِرقة
حليقةَ الرأسْ
عاريةً
مفتوحةَ العينين على الموتْ،
لم يبكِ
لأنه أصلا ماتَ قبل هذا المشهد
بثلاثين عامًا،
وليس كلبٌ لي
ينبشُ القبرَ عن خُصلتي،
ولا أنتَ
ستنهشُكَ أسنانُ النساءْ
في لقطةِ النهاية،
ليستْ لنا الكفُّ في الكفِّ
ولا أزقّةُ الحيّ اللاتيني في باريسَ جمعتنا
ولا بيتْ
ولا فستانٌ أبيضُ زفّني إليكَ
وهودجٌ
ووردٌ
وشمعٌ
وعرسْ،
ولا هذه القواريرُ فوق الطاولةِ
تحملُ رائحةَ جسدي
ولا جسدِك،
ما هَـمَّ يا حبيبي!
ما هَـمَّ!
لكنَّ الزفيرَ المُرَّ
التي خرجَ من صدري
ليدورَ على المقاعدِ الخالية في قاعةِ العرض
قبل أن يرتدَّ إلى صدرِك كشهيق
ليس من معنى له
سوى أن باتريك زوسكيند
لم يكتبْ عطرَه عنّا
بل كتبَه
لنا.

القاهرة / 1 مايو 2007

* * *

مصر للطيران
Flight # MS777 Cairo-London 10:25am20May -Terminal 1

لا تكنْ نذلا أيها المطار
وأعدْها إليّ،
على الأقل
(كما أعطيتُها لكَ اليومَ!)
فوق كرسي متحرك
تتدلى منه حقيبةٌ زرقاء
بها قواريرُ الدواء والأشعة
وديواني الأخير الذي لم تقرأه بعد.

بانتْ سهير
وأخي
(الذي ابتلعَ النهرَ في ديوان "هيكل الزهر")
يترقبُّها خلف الضباب هناك.

طارتْ سهير
وبعد أزيزِ الإقلاع
ستقول امرأةٌ: الهاتفُ الذي طلبتِه ربما يكون مغلقا أو خارج نطاق الخدمة!
أعرفُ أعرفُ!
وأعرفُ أيضا أنني سأتصل غدًا
وبعد غد
لأسمعَ الرسالةَ ذاتها
وأعرف
أن الكونَ
أوسعُ مما أحتمل
والوحدةَ- عكس كل شيء-
بالغةُ الإتقان
بالغةُ الكمال
وأنني
قوقعةٌ جافة
مرميّةٌ في جَدْب.

القاهرة 20 مايو 2007

* * *

شويكار

السيدةُ
بوسعها أن تخفضَ رأسَها
إذا ما قال لها الحبيبُ القديمُ على الهواء
"وحشتيني"
بعدما تخطّتِ الستين بعقد ونصف.
تُطرقُ برأسِها
كيلا نلمحَ، نحن المشاهدين الأشرار،
الحيرةَ الممزوجة بالخجل
في عينيها،
لكن المُخرجَ الشابَ
يُفسدُ اللحظةَ الفاتنةَ
بمَشاهد الأبيض والأسود
حيث السيدةُ يافعةٌ جدًّا
وجريئة
تعرف كيف تقول لحبيبها
"خُذْني".

* * *

قبّعة

لابد أن رأسي يكبرُ مليمترًا كلَّ عام في أقلِّ تقدير. ذاك أن القبّعاتُ لا تصغُر. حتى تلك الواسعةُ، التي خطفتُها قبل عامين من السيدةِ البلغارية الضخمة قبل أن تدفعَ ثمنَها في محلِّ العاديات بمطار مدريد، الوحيدةُ التي قبلتْ أن تحشرَ رأسي داخلها دون أن تقفز إلى فوق مثل منطاد، غيّرتْ رأيَها منذ شهر، وصنعتْ فقاعةً من الهواء بين محيطها الداخلي وقوس شعري. العاجيةُ، التي بشريط ستان أزرق، تعرفونها صح؟ لأنني أخذتُ بها عشرات الصور غير مصدقة أن قبعةً طيبةً احتوت رأسي الضخم! الأسبانُ طيبون إذ يصنعون قبعات كبيرة. خسارة! لكن هذا طبيعي. أقصد أن يكبر رأسي كل يوم مليمترا على الأقل. وإلا أين تذهب كلُّ الصفعات، والصداع، والبهجات حتى، إن لم تكن تتكاثفُ في طبقات كلسية صلبة حول الجمجمة؟ مثلما السنوات تتراكمُ دوائرَ وحلقاتٍ، حول نسغ الشجرة.

* * *

في قسم البوليس، وخارجه

وللنازيِّ أيضًا
رأسٌ،
وذراعان
مثل هاتين اللتين لسارق الغسيل
أو للضابط
اللّتين أوسعتا وجهَ اللصّ تلطيشًا،
وساقان
كاللتين تركلان الجسدَ الضئيل.

لكن أصابعَ هتلر
أقلُّ مهارةً من أن تفكَّ المشابك من الهدوم
في خفّة الساحر،
وأضعفُ من أن تفعلَ الصفعَ الذي يكسرُ الأسنان.

ساقان لهتلر
أقلُّ بأسًا من الوثبِ والركْل
مثل حاقدٍ فوق فريسةٍ.

كفُّ النازيّ نظيفةٌ
لا دمَ عالقٌ بها.

الدمُ
كامنٌ في الرأس.

القاهرة / ديسمبر 2006

* * *

لأن لا أحدَ موجودٌ بالبيتِ الآن

السيدةُ الواحدة
العاطلةُ عن الحبّ
تشبهُ كيسًا فارغًا في عاصفة
تُسلّي خواءَها
بعدِّ الوجوهِ في الطريق
ومسحِ أبعادِ المدينةِ
بحسابِ الكيلومترات في عدّاد السيارة
ومراقبةِ ألوان عمال النظافة
الأصفرُ:
جهازُ البيئة،
الأزرقُ:
الكير سيرفيس.

متشابهون،
وجوهُهم
بين الحزنِ والفرحْ.

ولأن لا أحدَ ثمة بانتظارها بالبيت
ينزلُ المؤشرُ إلى 30 كم/ساعة
كي تفحصَ الملامحَ بدقّة.

نعم،
متشابهون جدًّا
عيونُهم
بين الحزنِ والحزنْ
مثل هاتين اللتين تحدقان الآن
في المرآة المستطيلة.

تمدُّ يدَها إلى صدرِها
لتتأكدَ
ولمّا لا تجد قلبًا في القفص
تعرفُ
أن رجلا في البعيد
يُوْدِعُ الآن قلبين في درج المكتب
يغلقه جيدا
قبل أن يتهيأ للصلاة.

القاهرة / 10 نوفمبر 2006

* * *

مصوغات

لحيةُ الشيخِ
لم تمنعِ الشيخَ
من جسِّ رُسغِ الصَّبيّة
بدُربةِ المحنّكين
وهي تخلعُ أساورَ عُرسِها
لتخطفَ وليدَها من الربو،
ولا دمعتُها
التي برقتْ كرعدٍ
كسرتْ سهمَ الشهوةِ في عينيه.
كانتِ اللحيةُ
بيضاءْ.

* * *

ملعقةٌ خشبية

سأسميكَ أبي
لأنكَ كنتَ قبلي.
وأسميكَ ابني
لأنكَ ستكونُ بعدي.
وهذا الإناءُ
الذي بين يديكَ
تقلّبُ فيه بملعقةٍ من خشب:
حزنًا، وفرحًا، بالوناتِ صغارٍ، وقنابلَ كبار، حبًّا، وحربًا، وموسيقا، جوعًا، وأغاريدَ، وعويلا، مسافرين، وعائدين، ومفقودين، توابيتَ، ووردًا، مولودين، وأوغادًا، وطيبين، مجزومين، وعميان، وفتوّاتٍٍ، وحرافيشَ، ومسجونين، وسدنةً، قساوسةً، وشيوخًا، وأحبارًا، وكهنةً، مرابين، وقديسين، مهدَ طفلٍ، ومشانقَ سفاحينَ، ومقاصلَ زعماء، وأحواضَ كبريتيك، أراجيحَ، ودراجاتٍ، أولادًا، وبناتٍ، وكنائسَ، وحدائقَ، وجبالاً، وبراكينَ، ثعابينَ، وأسودًا إلى الأبد، وضباعًا، ذهبًا، ونفطًا، وماءً، وقحطًا، وصحاري، وأساورَ عرس، وعروسًا، ورَحِمًا ينتجُ أطفالا بلا عدد، سودًا، وبيضًا، وصفرًا، متوحّدين، وألبينو لاتينو. غاندي، وهتلر.

لن أسميكَ أخي
لأنكَ لا تسرقُ أشيائي
ولا تشي بي لأمي،
ولستُ أسميكَ أمي
لأنكَ لم تميّز بين الولدِ وبين البنت.
لكنْ ميّزت!

أعرفكَ في حالاتِكَ كلِّها
طيّبًا
حين تزورُ وحدتي
لتمسحَ ما ينحدرُ من العين
وتربّتَ على جديلتي
ثم تتركني أنتصرُ عليك في الشطرنج،
قاسيًا
حين طفلٌ
على حافةِ الرصيف
يسقط
فينشجُّ الرأسُ الصغير،
جميلاً
حين وردةٌ غافيةٌ
زخّةُ مطرٍ تسقطُ عليها
فتصحو،
مشاكسًا
لما أقضي اليومَ أفتشُّ عن نظاراتي
وثم أتحسسُّ أنفي
فأجدُها،
فنانًا
حين تدخلُ معملَك
وتصوغُ الطميَ تماثيلَ ولوحاتٍ
لا تشبه إحداها الأخرى،
....
.....
......
على أنني
حين حربٌ تقوم
أ..
آ--
أرتبكُ
ولا أعرفُ أن أصفَك.

وأحبُّكَ
رغم ذلك.

مطار أمستردام
25 يونيو 2007

* * *

مثل فرعون ينقصه صولجان

شَعرُكَ الذي بين مَنزلتيْن
شِعرُك الذي بين منزلتيْن
أنتَ أيضًا
بين منزلتيْن
وأنـا!

مع أنكَ حين تنامُ كطفلٍ
على سريري،
كفُّكَ
تحت خدِّك
أو ذراعاك معقودتان فوق صدرك
مثل فرعون ينقصه صولجان
أو منكفئًا حاضنا وسادتَك كأنها أنثى،
صوتُكَ
يكادُ
يحملُ اسمي!

أنا في البعيد يا حبيبي
تحت شجرة السرو
في قريتكْ
أجهّزُ النارَ
لقهوةِ الصبحْ،
قلْ لي الآن
ماذا ترى حين تُغمضُ عينيك؟
ولماذا حين تصحو
صوتُكَ لا يحمل اسمي؟

اسمي سهلٌ
أسهلُ من: ورقة
          كرة
          برتقالة
جرّبْ!

تعلّمتُ أن أحملَ صوتَك
في سلّتي الخوصْ
أخرجُه في خلوتي
أُدبلجُ حروفَ اسمي
بين نسيجه
هيا!
اسمي ليس صعبًا
حركةٌ فسكون
حركةٌ فسكون:
فَعْـلُنْ.

القاهرة / 12 أكتوبر 2007

* * *

أعسرُ/ عسراء

هذا الصبيُّ الصغير
الذي الآن
رصاصةٌ عربيةٌ
تخترقُ ذراعَه اليُمنى
ليغدوَ أعسرَ مثلَكِ
سوف بعد ستة عشر عامًا
تُغرمين به
وحين للمرةِ الأولى
تلتقيان
فوق جبال الألب
حيث الشمسُ والثلوجُ في حوارٍ لا ينتهي
سيكون لديه رصيدٌ من الأطفال العراقيين
ولديكِ
رصيدٌ من قطع الحلوى.

جبال الألب/ يونيو 2007

* * *

سَلَفيّة

ركلَ اللهُ الكرةَ
منذ بضع ملايين سنين.

في اتجاهِها مشتْ
....
فبأيِّ جدارٍ صُفِقَت؟
حتى تعودَ للوراء!

ثمة كفٌّ عالقةٌ في طرف ثوبِكِ
إلى: سهير

هُنّ
اللواتي كالأميراتِ كُنّ
في طفولتنا،
كيف يمرضن ويضمُرن ويضؤلن
حتى يغدون ورقةً هشّة
فوق سريرٍ أبيضَ؟
أمهاتُنا.

أيتها الجميلةُ
التي شاحبةٌ كالثلجِ في إغفاءتها
ضعفُكِ الآن
تآمرٌ ظالمٌ
ضد هُزالي.

الكفُّ
العالقةُ في أنبوبِ المصل
كمْ مرةً صَفَعَتْ
وأشهرتْ سبّابتها أمام وَجَلي،
وتوعّدتْ
حين أطلَّ "نبيُّ جُبرانَ" من كراسة الحساب،
كمْ كسّرتْ دُميتي
ودسّت أنفي في الجغرافيا،
كمْ ألقمتني ما لا أُطيقُ
من أجل الفوسفور والكالسيوم؟
وكمْ عنّفتني
تلك العينان الغافيتانِ في نُبلٍ؟

أجْهَدُ أن أذْكُرَ
-كي أقوى ضدّ رقدتِكِ-
فأنسى
ليس لأن ما سبق ما كان
بل
لأنه كثيرا كان
لكن الذاكرةَ
-مثل أمهاتِنا-
متآمرةٌ.

ثمة ديونٌ يجب أن تُؤدَى
مَدينةٌ أنتِ لي
بمليون قُبلةٍ وضمّةٍ وحنوٍّ
وعشرة ملايين: يا حبيبتي!
مَدينةٌ بعشرين عاما من الفرح
وأنا
لا أنوي أن أستردَّ دَيني
كيلا تتحرري
وتطيري!

كيف تمضين
وطفلي ما يزالُ صامتا؟
ألم تعديني بريشة هدهد
تُطلقُ اللسانَ الحبيس؟
بل
طفلةً مازلتُ أنا
فكيف تطيرين
وثمة كفٌّ ما تزالُ عالقةً
بطرفِ ثوبك؟

عودي إليّ من غفوتك
ثم عودي عن قرارك
غيرُ مسموحٍ أن ترحلي
قبل أن يشتدَّ عودي.
عودي.

القاهرة /9 فبراير 2008

* * *

بيروت

لكنَّ الزهرةَ في موقعِها
والدبَّ القطبيَّ
وبيروتُ تُقصفْ
ألا تستحي السماء!

* * *

حفنةُ أرزٍ

السيدةُ التي ببغّاءٌ فوق كتفِها
تتجوّلُ أمام مسرح روتردام
يركضُ حولها كلابٌ ثلاثة
وجروٌ
مربوطٌ في يدِها
وفي الأخرى
حفنةُ أرزٍ تنثرُها
ليماماتٍ تمشي في الساحة
-اليماماتُ في الغرب تمشي على الأرض
وعند حرم الكعبةِ
لا تخافُ الدهسَ أو الخنقَ
اليماماتُ في بلادي تخاف
والناس تخاف-
السيدةُ سالفةُ الذِكْر
على الأغلب
وحيدة.

* * *

لأنني نسيتُ أن أسدلَ الستارة في الليل

شمسٌ
صفيقةٌ
تمطُّ عنقَها المتغضّنَ كل صبحٍ
من نافذتي
تتفقّد غرفتي
ولما توقنُ أن الشاغرَ في سريري
شاغرًا لم يزل
إلا من أكوام كتب مقلوبة
تحدّقُ برهةً
تقذفُ غضبَها في عيني
وتمضي.

* * *

تناسخ

ماذا لو أن صدفةً طيبةً
جعلتكِ قطةً بيضاءَ
بظلالٍ بنيّةٍ خفيفة
حول الحاجب الأيسر
كنت ستنعمين بصدرِ الديك الرومي
وتضمنين كلّ يومٍ
خمس قبلاتٍ من السيدة التي هي أمّك
وثلاث تربيتات على فروتك الناعمة
ثم:
"وحشتيني"
عند الصبح
وعند المساء.

* * *

أسدلُ الشرفةَ كي تأتيَ

تسقطُ نافذتي عند الصبحْ
أرفعُها في المساءْ
وأنتَ لا تأتي
صوتُكَ وحدَه
يأتي
لا يقولُ تعاليْ
بل:
راقبي النجومَ في السماء
كلما انطفأ واحدٌ
قطعتُ ميلا
نحوك.ِ

النجومُ
تزدادُ كلَّ ليلةٍ
نجمًا
والبيتُ واسع
ليس واسعًا
باردٌ فقط
يعني
الهواءُ في بيتي
كثيرٌ على أنف واحد
وأنا لا أخافُ الوحدةَ
لكنني مشغولةٌ بتفقّدِ الأرواحِ التي تتناقصُ
في منزلي
رغم أنني
لا مبيدَ لدي
ولا في يدي عصا
لكن الروحَ تنقصُ!

حتى النملةُ!
النملةُ الفارسية
النملةُ الوادعةُ التي سميّتُها "أنس"
التي تُطلُّ كلَّ ليلة
من شقِّ بلاطةِ المطبخ
لتقول لي مساؤك سكر
فأطعمها حبّةَ سكر
لم تزرني منذ يومين!

نَجمةٌ الآنَ
تكادُ تنطفئ
سأسدلُ الشرفةَ
قبل أن ترجعَ في كلامها.

* * *

مظروفٌ أزرق

بالأمسِ تعلّمتُ شيئا
أن أُخرجَ حفنةَ الهواءِ من رئتي
أضعَها بعنايةٍ في مظروفٍ أزرق
ألصقَ طابعَ البلدِ البعيدْ
ثم أرسلَها إليك.
هذا أتقنُه من زمن
الجديدُ
أنّي نجحتُ أخيرًا
أن أنتزعَ منها
شوقي إليكْ.

القاهرة / 30 أكتوبر 2007

* * *

رسالةٌ تحت عتبة الباب

القاهرةُ/ في حزيران
عزيزي،

أكتبُ لك تتمةَ حوارنا السابق
الذي لم يبدأ كالعادة
لأسبابٍ سياسية
لا تقفزْ بعيدًا هكذا!
كلُّ ما هنالك
أن أبي
قال إنكَ فاشيّ
وأنا صدّقتُه
وإنني فاشيةٌ
وأزيدُ:
إنني أمقتُ الشيءَ الذي لا أكونُ فيه
رقم (1)
من هنا أحببتُ الرياضيات
وكرهتُ التاريخ
وها أنت ترى
أنني لا أملكُ شامةً في خصري
ولا أضعُ ماكياجا
وشعري المجعّدُ
أتركُه مجعّدًا
غيرَ عابئةٍ بتريقات الأطفال في الطرقات
ثم أنني
لا أخلعُ نظاراتي الطبيّةَ
حتى في لحظاتِ الحبّ
ولا أصدّقُ أن السماءَ أنثى
وأبي
كما ترى
يطلي النافذةَ بالأزرق
ويرفعُ جدارا أمام البيت
كي نعيشَ أعوامًا أخرى
فكيف تريدني أن أصفحَ
وأنت تُصرُّ أنني رواقيةٌ
لمجرد أنني وُلدتُ في أنبوبٍ ضيّق
وتنفّستُ هواءً ضيّقًا
وعشتُ وكبرتُ في ممر ضيّق؟
لذلك
سأهربُ -هذه المرةَ أيضًا-
من مواجهتك
وأرسلُ لك رسالتي هذي
ليس في قارورةٍ بالمحيط،
فتلك حيلةٌ رومانتيكية قديمة
لا تروقُ لي،
ولا في إيميل
فهو ضدٌّ آخرُ لا أحبّه
بل سأتسلّلُ في الليل
وأتركُها
تحت عتبة بابك
                      مع تحياتي
                                  حبيبتك
القاهرة في حزيران

القاهرة / 2 نوفمبر 2007

* * *

عن الشاعرة

شاعرة ومترجمة وإعلامية ومهندسة معمارية مصرية، وعضو عامل باتحاد كتّاب مصر. من مواليد القاهرة. تخرجت في كلية الهندسة قسم العمارة جامعة عين شمس. لها، حتى الآن، أحد عسر إصدارا ما بين الشعر والترجمات والنقد. شاركت ومثلّت اسم مصر في العديد من المهرجانات والمؤتمرات الثقافية في مصر والوطن العربي والعالم. نشرت قصائدها ومقالاتها وترجماتها في العديد من الصحف والمجلات العربية والعالمية. تُرجمت قصائدها إلى العديد من اللغات الأجنبية. تكتب عددا من الأعمدة الأسبوعية الثابتة في عدد من الصحف المصرية والعربية.

صدر لها:

مجموعات شعرية:

  • نقرة إصبع- الهيئة المصرية العامة للكتاب 2002-سلسلة كتابات جديدة
  • على بعد سنتيمترٍ واحد من الأرض- دار كاف نون 2003
  • قطاع طولي في الذاكرة– الهيئة المصرية العامة للكتاب 2003
  • فوق كفِّ امرأة - ط1عن وزارة الثقافة اليمنية. 2004
  • ط2 عن الهيئة المصرية العامة للكتاب 2004
  • قارورة صمغA Bottle of Glue - بالصينية والإنجليزية- دار "ندوة بريس" –هونج كونج 2007
  • هيكلُ الزهر- دار "النهضة العربية" بيروت- 2007

ترجمــات:

  • مشجوجٌ بفأس- أنطولوجيا من الشعر الأمريكي والبريطاني مترجمة إلى العربية – سلسلة "آفاق عالمية"- 2004 - هيئة قصور الثقافة بمصر
  • المشي بالمقلوب- مجموعة قصصية مترجمة عن الإنجليزية – صنعاء - وزارة الثقافة اليمنية 2004
  • جيوب مُثقلة بالحجارة- كتابٌ عن فرجينيا وولف وترجمة لأحد أعمالها : رواية لم تكتب بعد. تصدير د. ماهر شفيق فريد. المشروع القومي للترجمة بالمجلس الأعلى للثقافة. 2004– مصر
  • قتل الأرانب- مجموعة قصصية عن الإنجليزية –ترجمة وتقديم – دار "شرقيات" القاهرة 2005

كتب نقدية:

  • الكتابة بالطباشير- كتاب نقدي ثقافي. تقديم محمود أمين العالم - دار "شرقيات" 2006 مصر
  • الرسم بالطباشير- صور قلمية- دار "التلاقي" للكتاب- 2008 مصر
  • بريد إلكتروني: fatma_naoot@hotmail.com
  • الموقع على الإنترنت: www.naoot.com

***

اسمي ليس صعبًا

تأليف: فاطمة ناعوت
النوع: شعر
الغلاف : عبد الحكيم صالح
الطبعة الأولى 2009.
الطباعة: مطبعة آتيلييه تاتش- المحروسة
الناشر: الدار للنشر والتوزيع
تليفون: 0101464721 (002)

www.geocities.com\eddar_press
eddar_press@yahoo.com
المدير العام : محمد صلاح مراد

رقم الإيداع: 2682/2009
الترقيم الدولي: 3-74-6227-978 I.S.B.NB \