فاطمة ناعوت*
(مصر)

" من العدلِ أن يأتي الفرحُ بين وقتِ وآخر على الأقل"
كامو

في انتظارِ العدلِ إذًا.
ف.ن.

ثقوبٌ تشكيليةٌ لا تُغْضِبُ المرآة
المُتْعَب
جلبابٌ أزرق
دائرة الطباشير
المَشَّاءون
الطَّريق
مَوقِف بحْر
فصل ألوان
المشاكسُ
النّزهة
أنا ضُحى
تحت الطمي
حفنةُ رملٍ تخصُّ المرءَ وحدَه
شِصٌ أخير
شهادةٌ
شيخُ الطريقةِ
صِفْرٌ أزرقْ
صوبَ الشمال
عشرةُ خيوطٍ من أعلى
  على عُهدةِ الراوي
عُمَر
قليلاً فوق صوتِ الدانوبِ
كريسماس
قهوةٌ في الصباحْ
هكذا غنّى زرادشت
كلوسترو فوبيا
للمرّة العشرين
لونٌ من الطبِّ
ماو تسي تونج
محطةٌ أخيرة
من أجل دائرة
مغنٍّ قديم
نبوءات
نصفُ نُوتة
همزةُ قَطْع
وردةُ الله
صفقة
اللّون
زهرةٌ فوق كفِّ امرأة

*****

ثقوبٌ تشكيليةٌ لا تُغْضِبُ المرآة

الثقوبُ في ثوبي
ليستْ لضيقِ ذاتِ اليد،
و لا لتقاعسِ المربيةِ عن الرتْقِ مساءً
أمامَ التليفزيون،
ولا حتى
نكوصًا لأيامِ الجامعةِ
وقتَ كنتُ أمزِّقُ بنطلوني الجينز
على نهجِ "الهيبيز" .

ثمَّة خللٌ في الأمر،
فالرجالُ خبثاءُ بطبعِهم
- والنساءُ كذلك -
لكن المرآةَ تعاقبُني وحدي بالتكشير،
لهذا
تمتلئُ البالوناتُ بالهليوم
كيلا يربطَ البرجماتيون
بين الصعودِ والكَذِبْ .

رفعتُ يدي في المحاضرة :
لماذا سُميَّتِ درجة السُّلَم الأخيرة:
" الدَرَجَةُ الكاذِبة " ؟
أجابَ حسن فتحي:
لأنها تفصِلُ بين طابقيْن،
و في المراجعِ:
     - الدرجةُ كاذبةٌ
          مادامت قائمتُها = صفرًا، بدلاً من 15 سم.
أنا ذكيَّةٌ لا شك
أتعلَّمُ من التاريخ
فالحلاجُ :
يظهرُ حتى الآن في بغداد
أعطاهم الصليبَ
و ضربَ عصفورينِ بحجرٍ.
المسيحُ أيضًا .
لذلك ترفضُ "كاثي" فكرةَ "شُبِّه لهم "
كي لا يبدوَ الأمرُ كذبةً.
غاندي :
كان يضعُ العلْكةَ تحت لسانِه، و يأكلُ عند الفجرْ.
....
أمّا مُسّيْلِمةُ
فرفضَ الذهابَ إلى الحلاق ،
فرارًا من عقاب المرايا.

الشِّعرُ
ثقوبٌ في الكلام .
يفعلُها النشَّالُ عادةً
يقرصُ الهدفَ في ذراعِه
فينامَ خيطُ العصَبِ في الجيبْ
وتبدأُ اللُّعبة.

أما الثقوب في ثوبي
سيّما في الأماكنِ المدروسةِ تشريحيًا -
فسوف تلهي الراصدَ
عن قراءةِ ما في رأسي من الأفكارْ.

.......
الطَّيّبةِ طبعًا.

القاهرة / 24 يونيو 2003

*****

المُتْعَب

"ريمُ"
لن تعودْ
فالحوذيُّ ماتَ
والحِصانُ
يتأملُ الحالَ الجديدة.

تدبَّرْ أمرَكَ إذن
ثَمَّ سبيلٌ للنجاة
بغير الحاجةِ إلى البرابرةِ
أو البكباشيِّ طويلِ العنق.

لو أمكنَكَ مثلا
التسللُ من بروازِ الردهةِ
قبل سقوطِه الحتميّ
ربما نجوتَ من تهشِّمِ الدماغْ
والأخطرُ
ستنجو من المساءلةِ القانونيةِ
بسببِ ضياعِ دفترِ أحوالِ العائلة.

الحصانُ يعلمُ
أن استبدالَ مجموعةٍ قصصيةٍ وحيدة
بأربعِ عجلاتٍ خشبيّةٍ متصدِّعة،
أمرٌ مضحكْ،
فقد أثبتَ المحلّلونَ
أن إزاحةَ الطاولة،
مليمترًا كلَّ يومٍ
عن مكانِها الأصل،
طبيعيٌّ
مادامَ الكونُ يتقلصْ
والهالاتُ السوداءُ حوْلَ عيونِنا
تزدادُ اتساعًا،
سيّما
وقد أفلتَ المجرِمُ من الدَّرَكْ
بعد أن خبأَ "ريمَ " في جيبِه.

المتعَبون
بوسعِهمْ أن يناموا في شرفةِ البيتِ الأبيض,
أو ينفجروا.
وبوسعِنا
أن نكفَّ عن القراءةِ
حتى تذوبَ أطباقُ النُّحاسِ
في جفونِنا المشدودةِ
إلى القمرِ.

بوسعِنا
- نحن الذين لا نُجيدُ الحساب -
أن نسلّي انتظارَنا
بالجلوسِ إلى التليفزيون
ومراجعةِ لسانِ العرب :
نعَتَ ... ناعِتٌ ... ناعوت
نَصَرَ ... ناصِرٌ ... ناصريون
ريمُ ... ظبيٌّ صغير.

الرجلُ
الذي زحفَ على بطنِه من أعلى الجسرِ
مازال يخشى المصاعدَ،
الجيرانُ
مازالوا في الشرفاتِ
يثرثرونَ عن المرأةِ والرجلْ،
والحاسوبُ المعطَّلُ
مازالَ معطَّلاً،
بينما الخادمةُ
تُطعِمُ الكلبَ أرزًّا ولحمًا،
لأن عمرَ
مازال صامتًا،
لو تكلَّمَ
سيأتي البرابرةُ
و تنتهي القصيدة.

نحنُ فرِحونَ
لأننا نمتلكُ عيونًا
تجعلنا لا نعجبُ
"من راغبِ في ازدياد"
ذاكَ أنّ لنا لزومياتٍ أخرى
و رِهاناتْ.

لا تقلْ
"واللهِ العظيم تعبتْ"
يلزمُنا أن نتتبعَ سيرَ النورسِ
وحين يختفي من الأفق
نراقبُ ظلَّه السابحَ على وجهِ الزرقة،
حيث الزجاجةُ
- التي ورقةٌ في جوفِها -
تنتظرُ قدومَنا
مثلما ننتظرُ القادمين.

أما "ريم"
فلم تعد مريضةً
فقد ذهبَ العراقُ،
ونشرَ الرجلُ قميصَه على الحبلِ
بعد عصرِه جيدًّا
من بقاياها.

القاهرة / 25 نوفمبر 2003

*****

جلبابٌ أزرق

يلزمُ أن تحدِّدَ خانةً تشغلُها
كي لا يراكَ أحدْ .

خانةٌ بيضاءْ
على مسافةٍ معقولةٍ
من حصواتِ رابضةٍ في قاعِ النهر،
حصواتٍ
ترصدُ الواقفةَ على الشاطئ،
مشجوجةَ الرأسْ
تسَّمي الأشياءَ بأسماء جديدة
لأن معجمَها
- الذي جلبتْهُ من التِبِت -
لا يناسبُ سكانَ المدينة.

حبيبُها ،
الواقفُ عند باب البيتِ الريفيّ
يسألُها من فوق ظهر الملكة
" تأمرينَ بشيء ؟"
فيما جلبابُه
يؤكدُ نظريتي القديمةَ
عن علاقةِ الزرقةِ
بالجَمال.

" شكرًا !"
فيمضي
فيما شيءٌ دافئٌ بحجمِ قبضةِ اليد
يسقطُ
داخلَ القفصِ المتعَب.
في آخر الحكايةِ
ستهبُني الملكةُ قميصًا واسعًا،
سريرًا من شَبَكِ الصَّيْد ،
و قوقعةَ أسرارٍ
حُبلى بأصواتِ نسائِك
أضعُ "الهيد فون" في أذني
لأغرقَ في النوم
و كافكا
فوق صدري.

القاهرة / 19 يوليو 2003

*****

دائرة الطباشير

إلى/ طلعت الشايب

لن ألتقيكَ اليوم !
فقد محوتَ وجهَكَ القديمَ من ذاكرتي
واستبدلتَ به
خطوطًا جامدةً
ارتسمتْ عند باحة رابعة العدويّة
التي أطرقتْ في صمتٍ
يليق بالمحنةِ القادمة،
ثم أغمضتْ
حين التصقَ وجهُكَ بصدرِها
شاحبًا كقديس،
ينسربُ بياضُه من الأصابعِ
في وهنٍ
يشبه الحروب الباردة.
أيها المشجوجُ بفأسٍ
ألابدَ أن نلتقي؟
في مرسمِ البنتِ التي غدرت بكَ،
وغاصت في الدائرة التي رسمتْها بالأمس؟
البنتِ التي أطاحتْ بحُلمِكَ
ثم صالحتكَ بريشةٍ
ورزمةِ أوراقِ فارغةٍ؟

مغدورةٌ أنا مثلك
شجَّني ولدٌ
ثم فرَّغَ بالمثقَبِ جمجمتي
ليملأ موضعَ الفوضى
لونًا وقشًّا
وكثيرًا من الصمت.

كان لي ولدٌ
كان لي ولدان
سرقتْهما دائرةُ الطباشير القوقازية
ألهاني ألمُ الرأسِ عن جذبِ ذراعيهما
فضاعا.

للصامتين أن يلتقوا مساء الأحد
في مراسمِهم التي أعدّوها على عجلٍ
قبل أن تبتلعَهم الدائرة التي ،
لا تنمحي.
لكن ذوي الشجِّ
يمتنعون.

بوسع المشجوجون
أن يلملموا الترابَ والبنَّ من الجبل
ليسدوا الشروخ في أعماقِهم،
بوسعهم أن يساوموا دودةَ القزِّ
علّها تتقيأُ شيئا من التوت
الذي ادخرته في جوفِها
ثم يدارون سوءاتِ رؤوسِهم المصدوعةِ
بأوراقه الخضراء.

"مها" ستعود يومًا،
حين ينفلتُ "مازن" من الأنشوطة الخائنة
وحين يتكلم "عمر" ليهتفَ:
أيها الرجل
كيف استطعتَ أن تحوّلَ المحنةَ
إلى لونْ !!

القاهرة / 2 مايو 2004

*****

المَشَّـاءون

المترفون
ذوو الأقدامْ ،
لا مِلْحَ في معاطفِهم ،
ولا قذىً
يسحبُ الرؤيةَ إلى الورقْ.

هناك ،
حيث الشجرُ يختلطُ بالظلامْ
ينسى الرَّبُ أمتعتَه
داخل الكهفِ ،
فيأتي العابرونَ
يلتقطونَ الحياةَ ويمضونْ
بينما الفقراءُ
ذوو العكازاتِ و النظاراتِ الطبيَّةِ الموبوءةِ بالقراءةْ
ينتظرون الموتَ الذي
دائمًا يتأخر.

بماذا قايضنا على الفرَحْ ؟
حيثُ الكلُّ يخشى الاقترابْ
لأن الشللَ
مُعْدٍ
و العميانَ
يفكرون كثيرًا.

المترفونَ
ذوو الحُلْمْ
يحيكونَ نهاراتٍ واسعةً
تناسبُ شبكاتِ الطُّرُقِ المعقَّدةَ
وتستوعبُ ضجيجَ الكلاكساتْ
التي لا تُغضِبُ أحدًا،
وفي المساءْ
يحوِّلونَ الحُلمَ أجنحةً
وحواديتَ.

الطفلُ الصامتُ
يعرفُ الأمرَ كلَّه
لأنه استنقذَ مدينتَه من الأمهاتِ المبتسراتِ
ذواتِ الذاكرةِ الممسوحةِ
و كراسي المقعَدين،
الأمهاتِ اللواتي يقرأن كثيرًا
ولا يُجِدْنَ الطَّهوَ
أو الجلوسَ إلى التليفزيون،
الطفلُ ذو الحدسِ
رماهُنَّ في المنفى
لأنهن يسقطنَ المشابكَ دومًا
قبل اكتمالِ السطرْ.

المارّةُ المترفون
الذين يخشَون العدوى
تنمو لهم أحداقٌ كثيرة،
و أقدامُهم
تبتكِرُ معانيَ جديدةً
للتوازي والتقاطعِ
لأن الأرصفةَ
تألفُ الأحذيةَ
وتطمئنُ أكثرَ لملمسِ أقدامِ الحُفاة
لكنَّها
لا تصفحُ عن ذوي العصا
التي تفقأُ بلاطَها
و تجهضُ جنادبَ نشطةً
تتهيأُ للأمومةْ.

الأرصفةُ تستعدُ للثأرِ
وأنا
أفكِكُ الصواميلَ
عن قدميَّ.

القاهرة / 1 نوفمبر 2003

*****

الطَّـــريق

إلى/ نجيب محفوظ

لن أصفحَ
برغم أصابعِك التي تجمدتْ على قبضةِ القلم،
عند سفح المقطم.

لأن تعثري،
في سنواتي التسع
بين مقاعدِ مقهىً مقصوصٍ من العاصمة
و بين أميالك التسعة من النهرِ إلى البحر،
أفلتَ التاجَ من الوجوديين
ليستقرَّ في يدِ صبيتيْنِ
تحملانِ لقبَ العائلة.

تعلمتُ أن أكرهَك
برغم "سيد سيد الرحيمي"
حسنتِك الوحيدة
التي زملّتني بدثارِ الولدِ الباحثِ عن هويّة،
و برغم أبي
"سيد حسن ناعوت"
الذي أطلقتَ إسارَه في منتصفِ المسافةِ
ليمسحَ جدائلي برهةً
فيما يحكي عن أنثى العقربِ
وصندوقِ الحذاءِ المسحور،
ثم يمضي
قبلَ أن يكتبَ تعويذتي
و قبل أن يسمعَ
نقرتي الوحيدة.

الكلابُ كثيرون
لكنَّك لا تراهم
لأنك ابتلعتَ نصفَ التاريخِ
فتكورَّتْ " أمينةُ "
على سُلَّم البنايةِ الخشبيّ .
ماتتْ
و توزّعتْ هزائمُها علينا
وأعضاؤها
على أهل الهوى
و الشُّطار.

لاشيءَ يغريني اليومَ
أنْ أدّخرَ قروشي
من أجلِ رحلةِ نهايةِ الأسبوع
إلى سورِ الأزبكية،
لا شيءَ شريفًا فوقَ الأرففِ
سوى الغبار.

اِبحثْ عن خُدعةٍ أخرى؛
لأن الجلالَ،
مشارفةَ النهايات،
انفصالَ الشبكيةِ،
و حتى عصا الأبنوس الحزينة
لن تجعلَني أحبُكَ
على الأقلِ الآن.

لا شيءَ ينجيكَ من غضبتي
سوى تحريرِهن
من ثنائيةِ الوَيْل،
أو
أكمنُ في عزلتي
حتى أصادفَ قيثارتَها
جدتي الجميلةَ
التي وأدتها بين سطورِك.

*****

مَوقِف بحْر

الكوخُ
مازالَ هناك
يرجِعُ صوتَ فيروزَ
فتموءُ القططُ
ويتساقطُ الطلاءُ عن جدرانٍ
أجهدَها المِلحُ والسكونْ.

المكانُ هنا
على مرمى رغبةٍ
تخايلُ المرأةَ والرجلْ
فيصدِّقُ المحلّفونَ
على قرارِ السيارةِ
برفعِ مؤشرِ الحرارةِ إلى الدرجة القصوى
تمهيدًا لتوقفٍ حتميٍّ
بمحاذاةِ البحر.

لكنَّ المرأةَ
تخافُ تصدِّعَ المرايا
وضياعَ الحُلمِ القديمِ من الأصابعِ
فتكملُ مسيرةَ الملحِ
صوبَ القاهرة.

هناكَ المكانْ
والرجلُ تأخذُه العِزَّةُ
فيمضي
لينموَ فوق السطحِ
خطٌّ متعرِّجٌ جديد
ويزدادَ خوفُ امرأةٍ
تدركُ أن كلَّ تصِّدعٍ في المرآةِ
يتلوهُ انسلالُ خيطٍ
من حريرِ العباءةْ.

الواحدُ
يفضِّلُ أن يكونَ واحدًا
والواحدةُ
تنكمشُ في المدى
ستغدو صِفرًا
حين يمسُّ الماءَ
حبلُ البالونِ الأزرقْ.

المكانُ الطَّيّبُ هناكْ
والسلاحفُ
لا تعبأُ بانكسارِ الظلِّ
لأنها تعودتْ أن تموتَ مبكرًا
قبلَ أن يصحو الصيادون
وتكنسَ الشمسُ السواحلْ.

البحرُ ينتظرُ عند الحافةِ
والمكانُ في مكانِه
يقاومُ الإزاحةَ كعادتِه
بينما الكلابُ والقططُ والصحونُ والنِفَّريُّ
مازالوا صابرين
لكنَّ شيئًا غابَ في الرملِ
فحرَّكتِ المرأةُ الكوخَ بإصبعِها
إلى خانةِ الفكرةْ
كي يظلَّ في مأمنٍ
من عواملِ التراكمْ.

البنتُ التي علقّتْ فستانَ العُرْسِ
على سورِ الحديقةِ
كي تسكنَهُ القططُ ثلاثَ ليالٍ
لم تعدْ تقايضُ على دفاترِها بالفرَحْ
ولم تعدْ تبيعُ للصغارِ أكياسَ الحلوى
في انتظارِ عودةِ الأبِ المغدورْ،
وكفّتْ منذ الأمسِ
عن سؤالِ الحواريين حولَ القيامة،
فقد تعلّمتْ
أن المرايا المشروخةَ
تشتعلُ غضبًا
إذا ما رمقَها المارَّةُ في الضَّوءْ،
لكنّها في الليلْ
تنامُ وادعةً
في حقائبِ النساءْ
مُطْرِقةً
على صُدوعِِها.

القاهرة / 5 مارس 2004

*****

فصل ألوان

بين الأسودِ والأبيضْ
تتعطلُ الأزرارُ
فيَسْهُلُ أن تباغتَ ذراعاكَ غفوتي.

تلقي على الأرضِ سجادةً فارسيةً
(لفتّني أمي داخلَها
منذ الصرخةِ الأولى)
تتدحرجُ على البلاطِ
وتنبسطُ
فينفلتُ جسدي
من طيّاتِها.

في منتصفِ المسافةِ
بين الليلِ والنهار
يَسْهُلُ أن تلمحَ أصابعي
تمرُّ فوق تضاريسِ المعبد،
هي تحاكي أظافرَكَ التي
رسمتِ الـ" جرنيكا" فوق ظهري .

"الكلامُ على الكلامِ صعبٌ"
لكن الرسمَ جائزٌ على الرسمِ
بعدما أثبتَ الشِّعرُ
أن عينيكَ مدرّبتانِ على فصْلِ الألوانْ
في غبَش الحضاراتْ.

في لحظاتِ الشرودْ
بين العتمةِ والنورْ
يكسبُ الرجلُ الرِهانْ
غير أن المرأةَ
تنجحُ في التعرفِ على ملامحِها
بين " شلالِ الأجسادْ "
التي أراقَها أنجلو فوق حوائطِ الكنيسة.

لا فضلَ لعربيٍّ على عربيّة
إلا بمقدار تكاثفِ خيوطِ الشرانق
حول جيدِها
وحبكةِ السردِ التي نخلعُ على عتبتِها أجسادَنا.

ليس بوسعِكَ الفرحُ
بسقوطِ الملكةِ في النقلةِ الأخيرة،
فتقاطعُ لحظاتِ الوصولْ
- عندَ انعطافاتِ الحُلْمْ
وتعطّلِ الكوابحِ وقتَ الفجر -
يجعلُ الفوزَ زائفًا
خارقًا لقانونِ
"كِشْ.... ماتتْ".

الفكرةُ:
أن إغواءَ المسيحِ الأخيرَ
كان أخيرًا
واستجاباتِ الخلايا عند التواءاتِِ الفروع
أمرٌ قابلٌ للجدلِ.

كلُّ خدعةٍ تكسرُ أنثى
" لا يعوّلُ عليها "،
مادام للرجلِ مثلُ بطشِ المرأتين.
ومادام اليومُ يتكئُ على عصًا مشطورةٍ
بين الأسودِ
والأبيضْ.

القاهرة / 21 مارس 2004

*****

المشاكسُ

إلى : حلمي سالم

جيفارا في شبين الكوم
يعاينُ سربَ حمامٍ أُطلَقَ لتوِّه
ليُسقِطَ الحَّبَّ في كفِّ " نور"
التي انغلقتْ شرفتُها إلى الأبد
قبل أن يحفرَ "ناجي" على قبرِها
"واثقُ الخطوةِ يمشي مَلكًا "
فتنمحي صفحةُ الكتاب الأولى
و ينغلِقَ الولدُ على تغريبتِه
سبعَ سنينَ
بيضاءْ.

الولدُ ذو الكَنْزةِ الصوفيةِ الزرقاء،
الذي احتكرَ جَمالَ الصحابِ
وشرورَهم.
يعيدُ الكشفَ
إذ يسترجعُ صوتَ انتهاءِ الدرسِ
وقفزاتِ الصغارْ
فيطوي على عجلٍ
تأمُّلَ بَيْتٍ أوشكَ أن يكتملْ
دسَّ بين أحجارِه
خصلةً من ابنة الريماوي.

منذورٌ لشجتين في الرأس
فمرةً
بجذعِ الزنزلختِ عند ساقيةِ الباشا،
ومرةً بفأسِ "مَلَك "
ذات الجلبابِ الشفيفْ ،
"فطوبى للمشجوجين"
الذين يركضُ واحدُهم إلى أمِّهِ
حاملاً
حفنةَ دمٍ
وبعضَ سؤال .

سيلملمُ أشياءَه
في منتصفِ المسافةِ بين النكستيْن
وينزوي خلفَ مقلاة الراهبِ برهةً
قبل أن يطوِّفَ بين الحوانيتِ والأزقّةِ
حاملا في سلَّتِه
فدان برتقالٍ
واثنينِ وخمسينَ عامًا من المشاغبةِ.

الولدُ النحيلُ .
الذي أفلتَ توًّا من حصارِ بيروتَ
ومعتقلاتِ الجامعةْ،
ستبكيه "زاهيةُ" لأسبوعينِ ،
فيما أبوهُ يكنِسُ غُبارًا
خلَّفتْهُ أحذيةُ ثلاثِ سرايا.

تنازعتْه الأمكنةُ والكلماتُ والعيّارون
وعند صفعةِ كريم الدولة
سيُطرقُ سبع سنين أخرى
ثم يفيق
ليشدَّ بودليرَ من ياقتِهِ
إثرَ حوارٍ حولَ باريسَ والسأم.

و حين يخلو إلى أعقابِ السجائر التي ألقاها الموسرون على ضفّةِ السين
يُنَظِّرُ
كيف يكونُ الألمُ متوسطيًا،
و ناتئًا كلعنةْ.

شعرٌ جَعِدٌ
وبشرةٌِ لوَّحَها الترحالُ،
تناسبُ رجلاً
دأبَ على مجادلة النهرِ
حول النشوةِ وقانون الكفاية،
فيما صفيرُه الخافتُ
يصطادُ يعاسيبَ نائمةً
في دماءِ الأرضْ.

سيتخذُ مكانَه غدًا
العائشُ بين الحركةِ والسكونْ -
عند طاولةِ المقهى السكندريّ
ليحاورَ الطعامَ في صحافِه
بعدما يقلعُ عن طقوسِه القديمةْ
ويكفُّ عن تلقينِ الزهورِ فنَّ المراوغة،
داخلَ الدهاليز نصفِ المعتمة.

القاهرة / 14 ديسمبر 2003

*****

النّزهـة

معصوبةَ الفكرةِ
( كي لا يؤذيَ الضوءُ عينيّ )
يسحبُني كلَّ مساءٍ
حيثُ نزهةٍ في الجوار
لساعتين
تحتَ شجرةِ الصفصاف.

كلامٌ ... تنفسٌ ... متابعةُ العصافير ... شطرنج ... مراقبةُ البحر ... حوارُ أفلاطون الخامسُ ... هدايا ... قبلاتٌ ... حتى الحديثُ عن الأحلامِ ... مباحٌ.

ماذا وراءَ الجبل ؟
أشياءُ شريرة .
وماذا أيضًا ؟
- لا شيء ... أنتِ في أمانٍ هنا ... بين علامتيْ التنصيص .
- رأيتُ اللهَ بالأمس يُخرِجُ من جيبِه ورقةً و حبّةَ قمحٍ وزرارًا منزوعًا من قميصي ... غير أني لم أفهم الورقةَ، كانت بلُغةٍ لا أعرفها !! الرفاقُ أخذوا الأشياءَ كلَّها دوني، تمنيتُ أن تجيءَ لتقرأ الورقة، فأنتَ تفهمُ كلَّ شيء ... كنتُ جائعةً و حزينةً، و كانوا يضحكون ... أخرجتُ أشيائي : نوتةَ الهاتف، مِبردَ الأظافر، صورةَ أبي. ولم ينجح أحدٌ منهم أن يعرفَ أين أخبئُ أحلامي ... أنا أيضًا ضحكتُ لمّا اقترب موعدُ وصولِكَ، و ........
- رأيتِ الله ؟!
- نعمْ، في الحُلْم، كان جميلاً، يشبهُك، لكنّه لا يأتي كلّّ يومٍ مثلك ساعتين. ماذا تشاهدُ في بقية الساعات ؟
- لا شيءْ.
- ماذا وراءَ الجبل؟
- لا شيءْ.
- تأتي غدًا ؟
- نعمْ.
......

الرجلُ الذي أحببتُ،
يجيءُ من أقصى المدينة يسعى
كلَّ يومٍ ساعتين
من أجل نزهتي اليومية،
ثم يحملُني معصوبة العينين
( كيلا يجرحَ غبارُ الطريقِ روحي بعد أنْ برئتْ للتوِّ من أسقامِها )
ليودعَني غرفتي الرحبةَ ، مبطّنةَ الحوائطِ بالحريرِ والذهبِ والسكونْ،
في جوانتانامو .

القاهرة / 20 سبتمبر 2003

*****

أنا ضُحى

- سأقومُ من فوري
لأعيدَ غُسلَ يديّ
بعدما أُنهي احتساءَ القهوة.

( والحملقةَ في فنجانٍ فارغٍ
أو بالأحرى
سيفرغُ … منذ ساعة! )

ستخبرني بالأمرِ كلِّه
صاحبتي
التي تجتهدُ أن تصفَ الحدثَ تشكيليًا :
تتسلقُ تمثالَ طلعت حرب،
وببطءٍ
تخلعُ ملابسَها قطعةً
إثرَ قطعةْ
وتسجِّلُ في مفكِّرتِها
كلَّ ردودِ الفعلِ
لتعيدَ تفريغَ الوجوهِ في مرسَمِها .

ستحكي لي
- متنهدةً -
أنني السطرُ الوحيدُ
الذي كُتِبَ بخطٍّ رديءٍ
في موسوعة النساء،
وأن حروفًا كثيرةً
فُقِدَتْ أثناءَ الطباعة.

ستطرقُ قليلاً
ثم تهتفُ :
أنتِ ضُحى
مازلتِ جميلةً
لولا بشرتكِ التي
أخذت في التحلّلِ
من تكرارِ الغسيل.

القاهرة / 2 فبراير 2003

*****

تحت الطمي

في حديقةِ البيْتْ
حيثُ لا يصلُ رشاشُ الحدائقيّ
دفنتُها
قطعةً سقطتْ من مِعصمي.

من شرفتي
لأسبوعينِ
رحتُ أرقبُ تحلّلَها
مستغلّةً بعضَ خيالٍ
(علق بذِهني من دراسةٍ قديمةٍ لم تُفد)
خيالٍ
كنت أدّخره كاحتياطيٍّ
لمواقفَ مشابهةٍ.

هل قاومتْ الفناءَ ؟
نعم، قاومتْ ليومينْ
ربما لأن الصدمةَ الأولى
توقظُ القصورَ الذاتيّ
وتُعَطِّلُّ العملياتِ الحيويّةْ.

في اليومِ الثالثِ
بدأَ النملُ يتشممُ
لابد أن حوارًا طويلاً تمَّ
أعقبتْهُ خُطَّةٌ محكمةٌ
ثمَّ زحْفٌ إشعاعيٌ صامتْ
من جهاتٍ ثلاثْ .

زحفٌ واجمٌ،
فالنملُ
مجتمعٌ لا يثرثرُ
وكائناتٌ لا ينقصُها الحدْسُ.

في اليوم الثالثِ عشر
لم أسمعْ دقاتِ النملِ
ونسيتُ الأمر.

بعد كثيرْ
ظهرت أجيالٌ
بتسعةِ أرجلٍ
وبغيرِ رؤوسْ.

القاهرة / 31 يناير 2003

*****

حفنةُ رملٍ تخصُّ المرءَ وحدَه

خبطَ الطاولةَ بيسراه
صديقي
الذي يُصِرُّ أن العامَ
ستَّةُ أشهرٍ
ونصف.

" أنتِ بَطَلَةُ روايتي ، بتصرّفْ."
هكذا قالْ،
ثم ماتَ
لأنه رفضَ منحي نهايةً أخرى،
تتفقُ وأحلامَ أمّي.

يعرفُ الآنَ
أن حدسَهُ لم يكن صائبًا
تمامًا،
ولا
خاطِئًا،
مثل الشوارعِ التي تَتَخلَّقُ فجأةً أمامي
بينما المارَّةُ يؤكدونَ أنها عاصرتِ الإنجليز.

شكرًا للسماء !
أن وجدَ الوقتَ
ليدسَّ اسطوانتَهُ الأخيرةَ
في جرامافون المقهى ،
قبل أن يلحقَ بجِنازته،
جنازةٍ
تناسبُ رجلاً
اختبأ طفلاهُ فجأةً في الشارعِ الخلفيّ،
إثر لُعبةٍ قاسيةْ.

الطفلانِ اللذان أشارا بإصبعٍ واحدةْ
نحو النهايةِ الخاسرةْ
على قرصِ الروليت الدائر،
فاقتسما سويا
الخطيئةَ
والخطأ.
سيكونُ بمقدورِهما اختزالُ الكورنيشْ
ورذاذِ المتوسطِ
في خمسِ ساعاتٍ،
واستبدالُ معطفٍ من الجينزِ الأزرقِ
وقبَّعةْ،
بمجازاتٍ أفلتتْ بكارتَها
فوق كومةِ رملٍ
داخلَ قنينةٍ من الزجاجِ،
زائفةٍ بوضوحْ ،
وصغيرة.

القاهرة / 18 يناير 2003

*****

" هي وحيدةٌ جدًّا
سوى من هسيسِ الهجران ."
عارف حمزة

شِصٌ أخير

ثمّة تشارينُ
تزرعُ القطنَ فوق حوافِ النوافذْ،
تحقِنُ اليعاسيبَ بمائِنا
فتخفُّ قبابُ الروحْ،
نغدو هواءً بلا وطنٍ
يركضُ بعيدًا
فوق صفحةِ النهرْ.

ثمةُ سيقان أكاسيا
تتمرَّدُ على الحطَّابين
كي لا تغدوَ مشاجبَ
تتأرجحُ منها الأمكنةُ
عند أعناقِ الثياب.

ثمّة شاعرٌ
لم يرَ البحرَ أبدًا
غير أنه
ملأ الشاشةَ بالفرَحْ،
علّمني
كيف تتقافزُ الإلكتروناتُ لتكتبَ
" كوني بخير،
اسلمي للشِّعرِ و الحياة."

لكنه
يؤرِّخُ النهاياتِ بالثلاثاءْ،
و يخافُ ثأرَ العصافيرِ لمقتلِ المشمش،
فيناخبُ الحسكةَِ
خمرَ الطَّيرِ المضمَّخِ بالحرْبِ والرحيل.

نعم يا "عارف"
أنا أيْلٌ جريحٌ يسعى لحتفِه
لكنّه يركضُ صوبَ القنصِ الذي
لا خوفَ بعدَه.

القاهرة / 1 أغسطس 2003

*****

شهـادةٌ

كان يسرقُ كلَّ يومٍ مسمارًا
من كومِ النفاياتِ
أمامَ دكانِ الحدَّادْ،
وفي الليلْ،
يقرِضُ جذعَ شجرةِ ديونيسوس
في نهاية الوادي.

في عشرِ سنينْ
صنعَ سُلَّمًا،
وتطلَّعَ صوبَ السماءْ.

لم يقتلوه
ولا شُبِّهَ لهمْ.
لمْ يلحظوهُ أصلاً.

في الحقيقةِ،
تذكَّرَ أحدُهم
أنْ لمحَ بقعةً سوداءَ صغيرةْ
تمرقُ من أمامِه ذات صباحْ،
لم يُلفتْهُ الأمرْ
لكنَّه يقولُ الآن :
- " كأنه ظلُّ فأرٍ أو ما شابه."

واعترفَ آخرُ :
- دقاتٍ منتظمةً قبيل الفجرِ
كلَّ ليلٍ
وموسيقى سيجوريا
تشبِهُ إيقاعَ فتياتِ قادش
في رقصةِ النشوةِ والحِدادْ .
لكنني رأىتُ فيما يرى النائمُ
عبرَ اختلاسةٍ من وراءِ الشيش
شبحَ فأرٍ يدقُّ المِسمارَ برأسه
فضحِكتُ.

أما المرابي الأعمى فقد أقسمَ
أن رآه يخاصرُ امرأةً غيرَ موجودةٍ
في جُحْرٍ تحتَ الأرضْ.

بعضُهم سمِعَهُ يجْدِلُ من ذَنَبِهِ أُنشوطةً،
ثم أجمعوا
أن أحدًا لمْ يرَه
غير أن ما أزعجَهم حقًا
كان ظلُّه
الذي يستطيلُ حين تتعامدُ الشمسُ
ويختفي حينَ تميلْ
فرجِعوا إلى قوانينِ الطبيعةْ،
ثم قالوا :
- خداعٌ
بصريّ .
لكنهم
لم يقتلوه.

أنا أيضًا لم أقتلْه
كنت أرقُبُ السُّلَّمَ
يعلو كل يومٍ تحتَ قدمي
خاليًا !
فيما أجلسُ على ضفّةِ عَدْنٍ
أُلمِّعُ القَوْسَ وأُهذِّبُ العصا
وأحفرُ بالذهبِ حروفًا حول حافتِه.

أنا ابنةُ الآلهة
أعشقُ قَوْسي
لكن
لا أهوى القنصَ كما يشيعون
سيّما إذا تعلَّقَ الأمرُ
بكائنٍ أوليّ .

أمّا لقبي
فشرفيّ !
لأن الإغريق
- كما تعلمون -
مولعونَ بالتلقيبْ.

في الليلةِ الأخيرةْ
سمعتُ من بعيد
" ديــاااااااانا "
فخطوتُ خُطوة.

أََشْهَدُ يا ربّ الأربابْ
أنهم ما قتلوه
ولا شُبِّه لهم،
فعلَها
كعبُ حِذائي. "

القاهرة / 27 ديسمبر 2002

*****

شيخُ الطريقةِ

كان يعلِّمُنا في الليلْ
المواقفَ ، والبكاءَ في حضرةِ الحاجةِ،
و يفسِّرُ
كيف أنّ المخاطباتِ الداديّةَ
تفرِّغُ ساعةَ الرُّدهةِ من الأرقامْ،
وتُحرِّضُ صبيَّ البوابِ
أن يدفعَ الجريدةَ تحتَ بابِ البيتِ،
ويركضَ صوبَ الحديقةِ
ليلحقَ أباه الذي برَحَ موقعَه
كي يراقبَ الشرفةَ من زاويةٍ أفضلْ.

الشَّيخُ
الذي تعلَّمَ على ديكارتْ،
أوقفَنا في الليلِ وقالْ:
الذي دمجَ الهندسةَ بالجبرِ كان مُغفّلاً
لأن الأتربةَ التي تتكونُ
في الفراغِ بين الفستانِ والجلدْ
تقدِّمُ برهانًا مقبولاً
على جوازِ الإدانةِ بأثرٍ رجعيّ
و تضعُ الفلاسفةَ في حَرَجٍ بالغْ
لأنهم عجزوا عن تفسيرِ دموعِ البنتِ
يومَ عُرسِها.

فمَرَّةً ،
كتبتِ البنتُ في ورقةِ الإجابةِ :
المسافةُ بين العُنُقِ والقدمين
نتوءاتٌ في النصِّ
لابدَّ من اختزالِها ما أمكن،
فمالت الأمُّ عليها
و تكلمتْ بإيجازٍ
عن الرَّجلِ الذي يغزلُ النولَ وراءَ البحرِ،
ثمَّ رمقتْ ساعتَها،
و مضتْ إلى " أحمد عكاشة "
حيثُ محاضرةٌ
عن " إلكترا والعُصابُ الفُصاميّ " ،
و مرَّةً ،
كان الشيخُ يأتي كلَّ شهرٍ
بمجموعةٍ شعريةِ وفتاةْ ،
ثم يؤكّدُ
أن اصطدامَ عالَميْن متناقضيْنِ
ينطوي على فلسفةٍ لا تخلو من متعةٍ
و أن لحظةَ الكَشْفِ
يهونُ أمامَها
اندثارُ البشريةْ .

لكنَّ البنتَ الطوباويةَ
- بعد أن عقرتْ عقاقيرُ الاكتئابِ ذاكرتَها -
قدمّت أطروحةً أخرى :
لن أكونَ رقمًا
لأنني أكرهُ الإحصاءْ ,
ولا عنزةً
لأنني لا أؤمنُ بالنشوءِ والتطور ،
و لا صفحةً في كتاب
لأنني أسخرُ من فكرة التناسخْ .
الأنسبُ:
أكونُ لصًّا
لعشرِ سنينَ قادمةْ،
وفي تمام الأربعينْ
أدفعُ بالرَّصاصةِ إلى سقفِ الحَلْقِ
بعد كتابةِ وصيّةٍ مؤثرةٍ
ورسمِ انطباعٍ دراماتيكيٍّ
على الوجه.

القاهرة / 23أبريل 2003

*****

صِفْرٌ أزرقْ

لو كان أبي ملاكًا
لأتى كلَّ ليلٍ
ماسكًا طرْفَ الخَيْطْ
ليربطَ حُلمي
بُحلمِ الطفليْنِ في البقعةِ الصفراءْ
وراءَ البحرِ الأحمرْ،
يربِّتُ بعصاهْ
التي نجمةٌ في نهايتِها -
فوق الرؤوسْ
فيبدأُ العرضْ.

المسألةُ على هذا النحوِ
تبدو غارقةً في الخيالْ
لكنّ الشاهدَ
أن أمورًا تحدثُ
بغيرِ الحاجةِ إلى لاهوتِ الشِّعرْ،
فالأرضُ معلقَّةٌ في الفراغْ
قبلَ :
" جرسِ الكنيسةِ (الذي)
لو تكلَّمَ لاشتكى
و لبانَ فيه مُذْ نأيتَ تصدُّعُ ".*

لو كانَ كاهنًا
لفكَّ رموزَ تعويذةٍ
رسمَها الأصدقاءْ
كيلا أموتَ في حادثِ سيارةْ،
بسببِ الغربةِ التي
تملأُ المسافةَ
بين الرائي والمرئيّ .
ولفهمَ أن المصفوفاتِ الهندسيةَ
(التي كشفَها الرجلُ بين أوراقي فيما يرشفُ القهوةْ )
حيلةٌ خائبةْ
تلجأُ إليها المرأةُ
لكي تحيلَ أطفالَها أرقامًا
سنواتِها
و هزائمَها
أرقامًا
فيسهُلُ الطرحُ والقِسْمةُ
والنومُ أيضًا .

كلُّ هذا ليس مهمًّا،
الأخطرُ
أن أميّ التي أدخلتني المدرسةَ لأغدو عالِمةً
لا تعرفْ
أن للقلمِ وظيفةً أخرى
كأن يخطَّ رسالةً في زجاجةٍ
مفادُها :
إن الهواءَ الذي دسّوه في بالوناتِ الصغارْ
مخصومٌ
من رئتيّ .

8 مايو 2003

*****

صوبَ الشمال

طبقٌ فوق البنايةِ
يعرفُ كلَّ شيءْ،
على نافذتي ستائرُ ثقيلةٌ،
سأسدلُها .

طبقٌ فوق البنايةِ
طعامُ الآلهةِ عند المساءْ،
غرفتي حوائطُها مزدوجةٌ و مُفرَّغةْ،
ثم إني
لا أتكلمُ كثيرًا .

طبقٌ سيئُ الظنِّ
وساديٌّ أيضًا
لا يُبكيه شيءٌ،
أفكاري
لا أُطلِعُ عليها أحدًا،
أحبُّ الخماسينَ والمطرَ
و أكرهُ " إديسونْ "،
وعلى سبيلِ الاحتياطْ
أحتفظُ في جَيبِ سُترتي
بجعرانٍ
يُطلِقُ موجاتِ تشويشْ .

قمرٌ فوق البنايةِ
استهلكه الرومانتيكيونَ، و الرعويّونَ، والبدو
ورغم هذا ظلَّ صحراويًّا جامدًا.

القمرُ لا يحبُّ الناسَ
و لأنّه غيرُ مضيءْ
لن أغامرَ وأُطلق النارَ عليه،
سأقعدُ صامتةً شاخصةً
في غرفةٍ مفرغةِ الحوائطِ
خافتةْ
وذات ستائرَ ثقيلةْ.

القاهرة / مارس 2003

*****

عشرةُ خيوطٍ من أعلى

سكندريةُ محمود سعيد " ذاتُ الحليّ "
في قُصاصةٍ مطْويّة،
باليرينا في دائرةْ،
عينانِ تحملانِ جنونَ الشِّعرِ و رقّتَهْ،
وكفٌّ
تحتوي كفًّا
وقتَ يعبرانِ شَريطَ القطارِ
فيتسربُ أمانُ العالمِ إلى امرأةٍ خائفةْ .

هي المرأةُ التي غافلتِ الأصابعَ الأفقيةَ
و حرَّرتْ أطرافَها .
بعضُ الخيوطِ تمزقتْ
واهتزتِ الطاولةْ ،
لا يَهُّم !
لأن الخطوةَ ستنتظمْ
والضلوعَ ستبرأُ من تشنجِها .

هي المرأةُ
التي لمْ تعرفْ
لِمَ الأسرّةُ دائريةٌ،
و لأيّ سببٍ
ضحكتْ زوجةُ البوابِ منها لثلاثينَ شهرًا .

أمهُّا التركيةُ كانت حزينةً
لأن الطفلةَ لم ترثْها
فعلَّمتها
أن تنظرَ وجهَها في الكتابْ :
" المرآةُ للجميلاتِ وحسْب !! "

لكنّها
لمّا جاوزتْ سنَّ الحياةْ
رصدتْ فتنتّها الهاربةَ
في أكوامِ رَمَلٍ و مديد خطَّها الشعراءُ فيها،
فاستبدلتْ بماركس
طبقا من ثريدٍ
وأرجوحةً
تصلُ السماءَ …. و تقفْ .
هي المرأةُ
التي قفزتْ من الشرفةِ
كي تلحقَ بآخرِ الضوءِ البرتقاليّ
ترمي عروستَها
داخلَ نافذةِ سيارةٍ أوقفتْها الإشارةُ الحمراءْ
في الشارعِ الخلفيّ.

لابد أنها الآنَ
تقرأُ فنونَ الحوارِ
فوق شراشفَ لم تعرفِ البللْ ،
تكتبُ النصَّ
ثم تحركُ اسمَها
من الهامشِ إلى المتْنِ ،
و ربما تجاسرتْ
و تحاورتْ مع جاراتِها
حول ارتفاعِ سِعرِ الخُضَرِ
بعد انهيارِ الجُنيْه .

أراهنُ
هي تحتشدُ منذ الأمسِ
حيثُ غدًا
موعدُها الأول مع المرآةِ
تواجِهُها وتهتفُ :
" متى تعلمتِ
كلَّ تلكَ الفنونِ
يا امرأة ! "

القاهرة / 14 فبراير 2003

*****

على عُهدةِ الراوي

السيدةُ المحترمةُ
ترتقُ الثوبَ في البيتْ،
تواري أعضاءَ لاعبِ سيركٍ
لم تُفلحْ معه العقاقيرُ
ولا التفافُ البناتِ حولَ حوضِ السباحةِ
في حفلِ التأبينِ الجنسيّ.

الثوبْ
الذي أفصحتْ صدعاتُه
عن طحالبَ شائخةٍ
كانت تمشي في المساءْ
تذيبُ الموتَ في الكوبِ الغافلِ
مُستغلَّةً
تشبُّعَ السُّكرِ
و ازدحامَ القاعةِ بالمشيعين والشُّطار
في جِنازِ الروائيّ
الذي قتلَهُ السرطانُ في منتصفِ حُزيرانْ.

المستمعُ الأمينْ
لم يكن أمينًا طوالَ الوقتْ،
ولا مُسْتمعًا
ظلَّ يُطلِقُ صفيرًا مُنغَّمًا
فيما يجمعُ توقيعاتِ مجلسِ الشيوخ
حولَ استقلالِ الدُّميةِ
و بيانِ نزعِ السُّلطةِ عن الأمِّ
و الرَّجُلْ.

السيدةُ المحترمةُ
انتبهتْ آخرَ الأمرِ لمسارِ الأحداثْ
فأودعتِ الغزلَ جانبًا،
وقفتْ عند الحائطِ الرابعِ
تعدُّ الداخلينَ
واحد … اثنان ... ثلاثة .... ،
……..
يفتحونَ الخزائنَ
يعتمرونَ الآدمَ
و الساديَّةَ و العجزَ الجنسيّ ،
فيما المشاءونَ في الكواليسِ
يتحركونَ صوبَ القصرِ الرئاسيّ،
بينما الغلامُ
الذي احترفَ الرقصَ فوق الحبال قديمًا
يبتسمُ بلا سببٍ
و ينادي على بضاعتِه البائرةِ
بعدما سقطَ من ثقبِ قميصِه
شيءٌ
أسفلَ الشوايةَ .

اكتملَ العددُ
ولم يبقَ خارجَ المحرقةِ
سور النساءْ ،
ثمَّ
يُصْفَقُ البابُ صَفقةً
لم تعرفْها دميةُ إبسن .

القاهرة / 31 مارس 2003

*****

عُمَـر

بنى مدينةً
لها شمسٌ و أشجارٌ ونهرٌ،
بناياتٌ عاليةٌ،
وأسوارٌ
ظلُّها قصيرٌ،
و أبوابٌ
غيرُ موصدةْ.

عُمَر
وضعَ السياراتِ في الشوارعِ
والناسَ داخلَ السياراتِ والبيوتِ
لكنه
أخرجَ النساءَ من المدينة.

عمرُ خليفةٌ عادلٌ ،
يثيبُ الطيبينَ
وينفي الأشرارَ.

المدينةُ
سورُها يتمددُ ،
والبشرُ يتناسلونَ والبناياتُ.

ما لعمرَ لعمرَ
وما لله ِللهِ.

قشورُ البرتقالِ الجافَّةُ
الزواحفُ وقصاصاتُ الجواربِ
أغطيةُ الزجاجاتِ
وقناني الحبرِ المُنسَكِبِ
الجسورُ،
وهدايا ماكدونالد وشرانقُ القزِّ،
و في الأخير
قلبُ أمٍّ
دعسته ثماني سنواتٍ من قراءةِ " التوحد"
والصمت.

عمرُ
لا يكلِّمُ أحدًا .

مخلوقاتُه الطيبون
حفروا الأرضَ
فلم يجدوا ذهبًا أو نفطًا،
وجدوا خبزًا و نبيذًا وتمرًا
فأمعنوا في الحياةِ .

الناسُ في المدينةِ
أحبوا عمرَ كثيرًا،
كلَّ مساءٍ
يسألونَهُ أن يهبَهم يومًا آخرَ.
و عمرُ يومئُ
ولا يكلِّمُ أحدًا .

لستُ من أزالَ المدينةَ يا عمر !
المكنسةُ فعلتْها.

القاهرة / 18 ديسمبر

*****

قليلاً فوق صوتِ الدانوبِ

صنعَ لنفسِه مِعطفًا
من قطيفةٍ بيضاءْ،
ثم راحَ يفتِّشُ في الصندوقِ القديم
عن أزرارٍ
تناسبُ فتىً ينسَّلُ إلى الكتابِ في فصلِه الأخيرِ
قبلَ صفقِ الغلافِ
مباشرةً .

يحسبُ بعينيهِ :
ثلاث يارداتٍ تقريبًا،
كي يمكنَهُ القفزُ فوق السورِ
ثم يمشي متكاسلاً
حتى المقعدِ الخشبيّ
في أقصى الغابة الساكتة .
يعلو صفيرُه بالدانوبِ الأزرقِ
مغمضَ العينينِ
بينما قدمُه
توقِّعُ الإيقاعَ .

لا تزعجوه بالسؤالْ
عن حبيبتِه التي ماتتْ في حادثِ سيارةْ،
كانت بنتًا لا تسمعُ الكلامْ !
سيرفضُ الإدلاءَ بملامحِها،
لأنه انشغلَ بعشقِ المساحةِ الواسعةِ
بين عظمتيّ ظهرِها .

مساحةٌ
كان كلما خاصرها
يرسمُ فوقها بأناملِه
كروكيًا لثلاثةِ عشاقٍ
يبحثون عن حكاية،
وفي الهامشِ بخطًّ صغير :
" إحالةُ المعقداتِ إلى أمورٍ بسيطةْ،
ثم
المعاظلةُ في البديهياتْ ."
و بعدما ينتهي سيعاتبُ أمَّها
التي يتصادفُ دخولُها بكوبيّ ليمون _
لأنها لقَّنتْها
أن الكلامَ والصمت
هما الوظيفتانِ الوحيدتان لشفتيها.

لا جدوى من تكرارِ المحاولةِ إذن
لأنها لم تتذكرْه في الوصية .

وصيتُها الأخيرة
التي وزعت فيها تفاصيلَها المعطّلةَ
على أحبائِها
لكنها استدركت الأمرَ في آخرِ الورقةِ
وهبتْه أصيص نبتةِ الظلِّ،
التي ضبطته يومًا
يتسللُ من باب المطبخِ
فأخرجتْ له
لسانَها .

*****

كريسماس

في حفلِ نهايةِ العامِ
يحدثُ
أن تتلكأَ السيارةُ
عند بدايةِ "صلاح سالم"
بينما الكهلُ
ينتظرُ حسناءً
تناخبُ وحدتَه.

تكسرُ الإشارةَ إثرَ مهاتفةٍ سريعةْ
فينحني الطريقُ بغتةً
ويضحكُ المقهى
للقاءٍ قصيرٍ جدًّا

- اعتراضي -.

عشرُ دقائقَ صامتةْ
و كوبَا ليمون ،
ثم خمسِ ساعاتٍ أمامَ الحاسوب
لترجمة " شيروود أندرسون "
و " انتصارِ البيضة "
و عند انكسارِ القشرةِ بالضبطْ
تدقُّ الثانيةُ عشرة
فيعالجُ الصحابُ البيتزا
و قبلاتِ الكريسماس
بينما الكهلُ المنتظِّرْ
كأسُه في الهواءِ معلقةً ماتزال.

و ابتسامُته أيضًا.

31 ديسمبر 2002

*****

قهوةٌ في الصباحْ

لم أعدْ خائفةْ ،
ليس لأن اللصوصَ ماتوا بالأمسْ ،
و لا لأن البشرَ سيصمتونَ
حين تتَّسِعُ الرؤيةُ ،
لكنْ
لأن الكفَّ ستظلُّ في مكانِها.

تكونُ الحياةُ مُحتَملَةً
إذا انتهتْ لقاءاتُ الأحدِ
إثر سقوطِ البنيويةِ،
لأن موتَ المؤلفِ
يعقبُه اختفاءُ المهاتفاتِ الصباحيةِ .

السَّيدةُ الغاضبةُ كذلك
كانت خائفةً من البنتِ الإلكترونيةِ
التي رسمَها " آل - باتشينو" بنِسَبٍ مضبوطةْ
فدسَّتْ الفيروسَ في مؤخرةِ الرأسْ
لينجو من الشِّعرِ
والمثقفاتْ .

هي
لمْ تقرأِ الكتابَ على النحو الصحيحْ
وإلا لتعلَّمتْ أن الشاعرَ
إذا صنعَ آلافَ الأوراقْ
فإنه فقط
يريدُ أن
يطيـْر.

قالَ الشاعرُ :
" الخائفون مائةْ "
فأخبرتُه أني أولُهم،
لكنّي لا أحتاجُ أن أراهم لأطمئنَ،
ولا أُراهنُ على انكسارِ أمريكا
أو ركوبِ الدراجاتِ في القناطرْ،
ولستُ على يقينٍ من انحسارِ موجةِ الحرِّ
أو حتى من وجودِ
" سليم سحاب " في الأوبرا الخميسَ القادم .
لستُ أعرفُ
لماذا أكتبُ الشعرَ،
ولمَ البشرُ كثيرون،
لماذا لا تأتينا المعرفةُ
ككبسولةٍ في المخِّ حينَ نولدْ،
و لمَ جفلْتُ حين انتبهتُ أني امرأةْ،
بينما قاعةُ العرضِ
خاليةْ،
و كفافيسُ لمْ يزرْ مكتبةَ الإسكندرية.

برغم أن العجوزَ مازالت تنتظرُ كلَّ يومٍ
على المقهى ؟

لا يقينَ هناكْ
سوى أنه مستلقٍ إلى جوارِها الآن
- بعدما أغلقَ الهاتفَ -
لعدّةِ أسباب :
أولاً
لأن الساحلَ الشماليَّ
مازالَ في الشمال .
ثانيًا
لأن الفيروسَ أخذَ مسارَه
داخلَ الدماغْ
و صفقَّ الجمهورْ .
ثالثًا
…….
رابعًا
…..
….. .
ثم إن كفافيسَ قد ماتَ من زمان،
لذلك
لن يكونَ بوسعِ البنتِ الطيّبةْ
أن تُعدَّ قهوةَ الصباحْ .

القاهرة / 4 أبريل 2003

*****

هكذا غنّى زرادشت

الحدْسُ = أن تتوقفَ الساعةُ
عند الرابعةِ والنصف
لأن المؤذنَ يقولْ:
لا تناموا
الصباحُ الوشيكُ مختلفْ.
مع هذا ينامونْ
بغير مطالعةِ الجريدة.

الكابالا = أن تراهنَ على بغدادَ
بشطيرةٍ من البسطرمة،
لأن النفطَ العربيَّ
يتسربُ إلى قناةِ بنما،
و جامعةُ الدولِ العربيةْ
ليستْ
في شارعِ جامعةِ الدولِ العربيةْ.

السنتمانتالية = أن يقولُ واحدٌ " حنّا
ويُكْملُ الآخرُ مينا "
فيموتُ الأصدقاءُ القدامى
بجلطةِ المخّ.

الجدلُ = أن يشتري أبٌ جميلْ
ربطةَ عنقٍ جميلةْ
لتفرحَ بنتٌ جميلةْ
في يوم الخريجينْ
بينما الماءُ يغلي فوق الرأسْ
والممرُّ
باردٌ ومعتمْ.
البرجماتية = أن تدافعَ عن خوفِ البنتْ
التي سقطتْ توكةُ شعرِها في مرسيليا
حين نظرتْ في عينِ الرجلِ
ولم تجدْه
لأن " عفاف يوسف"
كانت في نفسِ اللحظةِ تُغنّي فوقَ النيل
" يا عاقدَ الحاجبين "
تمهّلْ واخف ِ المكاتيب
فالغرباءُ على بابِ المدينة !

التخاطر = أن يتقاسم" فيفالدي وفيروز وأبو نواس
صحنَ الثريدْ
في شاليه البنتِ التي فرحتْ ،
بينما " بيكون "
ينادي باستعبادِ الطبيعة.

الإدراك = أن تحصي المناديلَ الورقيةَ في جيبِكَ
كلَّ يومْ
فتجدها لا تتغيرْ.
بينما المِلحُ في جسدِكَ يزدادُ كثافةً
بسببِ تبخرِ الماء.

الراديكاليةُ = أن يقامرَ رجلٌ على اختلافِ امرأتيْن
لأن الأولى تقرأُ،
والثانيةَ تراقبُ مخروطَ رؤيةِ الرجلْ،
بينما أهتفُ:
لونانِ من الانهزامْ .

الحداثة = أن يقتلَ "طالبان" بوذا مرتين
مرةً بتفجير الدماغ
ومرةً بتفجير الدماغ.
مع هذا يسرق اللصوصُ المخطوطاتِ من
الكهف الحجريّ
ويغني زرادشت.

لستُ عدميةً يا صاحبي
أنا فقط
أنظرُ في المرآةِ
كثيرًا.

القاهرة / 11 أبريل 2003

*****

كلوسترو فوبيا

الفنارُ الذي انتزعوا أحداقَه
واستبدلوا بها كوّةً بقُطْرِ الرأسْ
لم تتوقفْ مدينةٌ أمامَ بابِه
مرتين .

أحذيتُهم
ثقيلةُ الخطوِ
لا تمرِّرُ عطري إلى أنوفِهم،
يسيرونَ بعيونٍ أفقيةٍ
و أعناقٍ ثابتةْ،
بينما صوتي
يرتدُّ إليّ
من منتصفِ الارتفاعْ.

الفنارُ القديمْ
الذي ظلُّه يتمددُ
كانتحارِ سمكةِ قرشٍ فوق لوحةٍ صفراءْ،
لم يكترثْ لزفيري فوق الزجاجْ،
أحصي به الأيامَ كيلا أفقدَ الزمن،
وأحصي الدوائر التي تخلفُها أحذيتهم على الرمالْ
متوازيةً وكثيرةْ.

الرمالْ !
ضيَّعتْ قطرتي الأخيرةَ الباقيةَ من قنينةِ عطرٍ كان جلبَها أبي من بغدادْ قبل عشرِ سنين .

الضوءُ،
هل يكون هو الحلُّ الأخير؟
كأن أمرِّرَ إشاراتٍ متقطعةً لا يعوِّقُها صخبُ الأقدامْ
ولا تصلُّبُ عضلاتِ العنُقْ ؟
وحدَه الضوءُ
سيُفلِحُ في التعاملِ مع الصممِ الإراديّ .

صممُهم
الذي يخلِطُ بين نداءاتي
وبين صفيرِ الواقفِ عند الرايةِ السوداءْ
يعدُّ الغرقى بإصبعه.

يلزمُني إذن:
مرآةٌ
شعاعٌ ممتدٌ
و اتكاءةٌ مزمنةٌ
فوق حافةِ الشباكْ .

القاهرة / 18 مارس 2003

*****

للمرّة العشرين

- على كلِّ حال
لن يكتشفَ الأمرَ أحدٌ
قبلَ شهرٍ كامل.
زملاؤكَ بالعملْ:
لن يلحظوا غيابَك، لأنكَ بلا عملٍ،

أطفالُكَ أيضًا:
استبدلوا بكَ آخرين،
البوابُ، ومحمد بائعُ الصحف، راكبو عقارب الساعة، محصِّلُ النورِ، والقمر:
( بالمناسبة:
لن أدفعَ فاتورةَ الكهرباء
لأنهم تحايلوا على الليل الخارجي وحسبْ،
وهكذا فإن تهجيرَ النوبيين كان مجانيًّا وتعسفيًّا)
- يا لسخافةِ الفكرةِ حين تجيءُ في غيرِ موعدِها !
نكملُ إذن:
الأهلُ:
لن يفتقدوكَ
لأنهم أراحوا واستراحوا،
ولا الجيران
فالجدرانُ كثيفةُ الصمت،
(بفرضِ عدم اكتشافِ الجثمان).
حتى الله:
لن تختلَّ دفاترُه
فقد نسيَ أن يدرجَكَ في كشفِ المخاليق ،
الخادمة :ُ
ستجدُ من يدفع لها أكثر،
الهاتفُ : صامتٌ منذ مارس
الإيميلُ : أغلقته مايكروسوفت
والنهارُ : في إجازته السنوية منذ بدءِ التوقيت الشتويّ ،
ربما الوحيد
الوحيدُ فعلا
- لكن بعد شهرٍ من الآن -
الذي سوف يقلقُه غيابُك
(حين يحتاجُ إلى الإيجارِ قبل سفره إلى أمريكا)
هو مجدي بنيامين حنا:
مالكُ العقار،
دعوه ينتظر.

- توكلنا على الله.

*****

لونٌ من الطبِّ

القرفصاءُ:
جِلسةٌ مهنية,
في حالِ تعذّرِ مقعدٍ قصير,
قنينةُ لونٍ و فرشاةْ ،
والأهمُّ :
صندوقٌ من الخشبْ.

زبائنُه الأقدامْ،
الأدقُّ
أحذيتُهم،
حدَّ ألا يفكرُ في النظرِ إلى الوجه الذي فوق،
مترفعِا عن الكلام،
يخبطُ حافّةَ الصندوقِ بقطعةِ معدنٍ،
فتنزلُ قدمٌ
وتصعدُ أخرى.

اللّونُ
عُدَّتهُ ليصنعَ خبزَ أولادِه.
قطعًا لديهِ أولادٌ
ربما حفدةٌ أيضًا,
يتوارونَ الآن في الشارعِ الخلفيّ .

هُمْ
لم يدعّوا أن أباهم دبلوماسيّ
أو عالِمُ أنثروبولوجي،
لكنّهم أقسموا للرفاق
أن العقاقيرَ التي يصفُها الوالد لمرضاه
تنجيهم من تقيّح الجلد.
لم يكذبوا
إلاَّ قليلاً .

يا عمُّ ،
في لحظةٍ كهذه
تمنيتُ أن أكونَ رجلاً،
أعطيكَ حذائي،
وتهبني فسحةً من وقتِكَ،
لأجدَ مبررًا للحوارْ،
ربما كتبتُ فيكَ
شيئاً أفضلَ .

القاهرة / 22 سبتمبر 1996

*****

ماو تسي تونج

ليس صدفةً
أن عينيّ مشدودتان إلى أعلى
و لا أنْ اتخذتْ قدماي
شكلَ منقارِ بجعةٍ بريّة.

للمرةِ الألف
أخطئُ العدَّ وأبدأُ من جديد
" دعْ ألفَ زهرةٍ تتفتحْ "
كلما نمتْ زهرةٌ
ضاقت الصواميلُ وتقلصتْ قدمي
و ازدادتْ خطوطُ عيني توترًا.

" الحرسُ الأحمر"
يصرعون العصافيرَ بالنبال
فيقطرُ الحَبُّ المسفوحُ من عيونِها
بينما "تونج"
يبتسمُ للفكرةِ .

يا الله!
متى يحطُّ الحادي رحالَه
في المسيرة الكبرى
و تنيخُ آخرُ ناقةٍ
في مستقرٍّ لها
بمؤخرةِ الرأس ؟
متى يفتحُ الربُّ عينيه
ليترسبَ المِلحُ في القاع ؟

القاهرة / 22 سبتمبر 2003

*****

محطةٌ أخيرة

لعلَّها تعلَّمتْ شيئًا
قبل أن تبتسمَ الرتاجاتُ عن أسنانِها النظيفةِ من جديد.

ثَمَّة أشياءُ جديرةٌ بالإنصات،
مثل متابعةِ الظِّلالِ الجَعِدةْ
التي تعوِّقُ انسحابَ البياضِ من منشورٍ نصفِ شفافٍ .
المنشورُ الزجاجيّ
الذي اعترفَ أن لوْنًا خاتلَهُ
و مضى.

أشياءٌ
ليس من بينِها
البحثُ في الصِّحافِ القديمةِ
عن وجهِ اليهوديِّ
الذي صنعَ في بطنِ أمِّها شقًّا
تنظرُ منه إلى العالمْ ،
ولا
أن تلومَ الزجاجَ الرديءَ
الذي يصوغونَه نظاراتٍ لطوالِ النظرِ
فيصابون بقِصَرِ نَظَرٍ مزمنٍ
فلا يرون جميلاتٍ يُشْبهنَ بناتِ العزيزِ
اللواتي صافحنَ الشيطانَ
مراتٍ أربعًا.

لعلَّها تعلَّمتْ مثلاً
أن الحذاءَ المهترئَ يحملُ المعرفةَ الأوسعْ
لأن الكلمةَ
تظلُّ تُدَّومُ في الأثيرِ
لا سبيلَ إلى ابتلاعِها كالأسبرينْ ،
وأن البومَةَ ليست وحدَها
التي تملكُ عنقًا يلتفُّ للوراءْ
مادامَ للقطارِ
قاطرتان.

سيحملُ الشعراءُ فخاخَهم
يجوبونَ أزقةً ضَّيقةْ،
يسترقونَ الأبوابَ ويحيكونَ القصصَ،
يضاجعونَ النساءَ في الكتبِ
و على طاولاتِ المقاهي،
لكنْ
البُراقَ - عند المحطةِ القريبةِ -
مازال ينتظرْ
رأسًا مجهدًا
قلبًا مجهدًا
و روحًا أتلفتها الأرضُ،
يحمل البراقُ ثلاثتهم إلى حيثُ
الرِتاجات حانيةْ
والفِراش باردْ.

القاهرة / 12 يناير 2003

*****

من أجل دائرة

هناك مبررٌ دائمًا كي نفترقْ.

النافذةُ التي تغادرُ غرفتي الشرقيةَ
تمشي كلَّ ليلةٍ صوبَ البحرْ
لتؤطرَ مشهدًا
يجمعُ رجلاً وامرأةً وجدولَ أعمالٍ
فينفتحُ الحديثُ حول استجاباتِ الجسدْ،
والبحثِ عن خانةٍ مناسبةٍ
لكلِّ هزيمة .

السبب :
أن المرأةَ التي أجمعوا على فرادتِها
تتشابه مع اثنتيْنِ على الأقل في المؤتمرْ
تجلسانِ في أقصى يمين القاعة.

كلُّنا يعلمُ
أنَّ الأحذيةَ ... النظاراتِ ... حُمْرَةَ ما بين الحاجبين (بسبب جِفْتِ الولادةِ) ... لفتاتِ النساءِ الساحرةَ... العطورَ وسلالَ الفشلِ
أمورٌ متشابهات،
أما الأبجدياتُ والأسرَّةُ،
متشابهةٌ أيضًا.

كلُّ شيءٍ يتكررُ
ليؤكدَ التفرّدَ الأوحدَ:
لدائرةٍ في لوحةٍ
(رسمَها فنانٌ باريسيٌّ على هضبة "Sacre' Coer")
هجرتَ العالمَ من أجلها.

تعلَّمْ من التاريخِ يا صاحبي،
المنهزمُ الذي لصقَ وجهَهُ بالجريدةِ
مرَّرَ إليكَ رسالةً
فحواها أن الشجرةَ التي لا بديلَ لها
و المرأةَ التي لا نَجْمَ يشبهُها،
غدتْ صيدًا فاسدًا
هجرَ صغارَهُ
من أجلِ لُعبةِ الحركةِ والسكونْ.

المنهزمونَ مائة
أولُهم مُهْرَةٌ مهشَّمةٌ
و آخرهم منتصرٌ وحيدْ
قال بعد حفلِ الخطوبةِ :
" لا... ! ".

القاهرة / 2 يوليو 2003

*****

مغنٍّ قديم

أوقفناهُ في الشِّعرْ.
فقالَ:
"تمنيتُ أن أكونَ إلهًا !"
وراحَ في غيِّهِ
يستقْطِّرُ المِدادَ وروحَ الدلالةِ
من عيدانِ خيزُرانٍ،
سكبتْ فناءَها في غاباتٍ
تُطِّلُ بوجهِها الباردِ
على خطِّ الاستواءْ.

المغني القديم
راح يجنحُ نحو مجاهلَ عميقةِ الإعتامِ
تنتهي عند سبَّابةِ " عبد الصبور" في مسرحِ الجامعة
فيما يعلنُ انتهاءَ العرضِ بموتِ الراويةِ
إثرَ سكتةٍ دماغيةٍ
باغتتْه قبل إسدالِ الستارِ بدقيقتين
نتيجةَ طولِ النصِّ الشعريّ
وغيابِ مسافر الليل.

أوقفناهُ في الشِّعرِ
فظلَّ يقتنصُ من كلِّ ساعةٍ لحظةً
كي يكَّوِنَ في عشرينَ سنةً
مرآةً مغبَّشةَ الزجاجِ
مقعَّرةً
يرقبُ فيها انعكاسَ جميلتِه القديمة
خلفَ حوانيتِ قاهرةِ المعزّ،
فيرتدُّ إليه بصرُه عند بدايةِ القرنِ ،
كأنه هو
كأنها هي
كأن الجامعةَ أفرغتْ حملَها
واستراحتْ.

سيكون بمقدورِنا تدبّرُ الأمرِ
إذا قامرَ على حصانٍ آخرَ
له سابقُ عهدٍ
بالحواجزِ والباحاتْ .

حِصانٌ
لا يخسرُ طوال الوقت
ولا
يقتلُه مكعَّبُ السُّكرِ
بمجردِ أن يمسَّ لسانَهُ
رحيقُ المرَّةِ الأولى.

سنهيئ له فرصةً أخيرة
نوقفُهُ في التخلّي
ليرصدَ وجهَها في مَحاقِه
شاحِبًا
مصدوعًا
و موغلاً في السقوط.

القاهرة / 20 يناير 2003

*****

نبوءات

كنتُ صغيرةً
حين أخبرني جَدّي
أن أحدًا لن يراني
وأني لن أرى أحدًا .

قال "عادل صادق " بصبرٍ نافذٍ
" آلتُكِ 110 فولت
وتعمل على 220
حاولي النومَ !"

كنت أصغرَ حين قال " سيد عبد الخالق " قبل أن يموت:
" يا نادين،
انتقي مصحةً تناسبُك
لتكتملَ روايتي".

قديمًا قال العرَّافُ لأمي :
" هذه العسراء ستموتُ بجلطة المخِّ".

القاهرة / 20 مارس 2003

*****

نصفُ نُوتة

رتَّبا المساءَ على النحو الذي يليقُ بشاعريْن.

يمكنُ لشاعرٍ
أن يشقَّ البحرَ بخنصرِه
يروِّضَ المعاركَ،
يلهو بقطعِ الكونِ فوق طاولتِه ،
ثم يُخرجَ من جيبِ سترتِه حفنة شهبٍ
ينظِمُها عُقدًا لامرأتِه.
وحدَه الشاعرُ
من أقنعَ التاريخَ
بالتنحّي.

رتَّبا المساءْ ،
بعدما أغلقا النافذةَ
على الصواريخِ ذاتِ الرؤوسِ،
وأقدامِ المارينز تتقدّمُ صوبَ دجلةَ ،
أغمضا عن عيونِ الثكلاواتِ
لأن الخنساءَ
لم تقرأْ "سوزان برنار" ،
ولأن آذارَ
وقتُ الحياةِ لا الموتْ.

قالَ :
نحنُ الشعراءَ لنا جبهةٌ أخرى :
ساحةُ الورقِ و طلقاتُ المدادْ ،

ثم إنَّا من نشجبُ القراراتِ وننددُ بخرقِ معاهدةِ جنيف ،
عدا حدسَنا في استشعارِ الخطرْ
حسبَ" عبد الصبور "
حين قارنَ بين الفئرانِ
وبيننا.

ثم اعتدّل وقرأَ قصيدتَه.

قالت :
لأني أمتلكُ حدسَ الشعراءِ:
فإن معركةَ التحريرِ النظيفةَ
ستغدو احتلالاً بعد واحدٍ وعشرين يومًا،
وبما أن عشراتِ الدواوين ستُكتبَ،
أبادرُهم قائلةً:
" للعرافةِ
في آخرِ وادي النطرونْ
رأيٌ آخرُ
قالتْ :
قولي لصديقكِ أن يأتي في الليلِ وحيدًا
و اعطيهِ الورقةَ مطويةْ :
إن أنتَ بليْلٍ
أوغلتَ بموصلَ حتى النبعْ
و زرفتَ الخبزَ الجافَ على الأطيارْ
و مددتَ الحزنَ الكامنَ في الأعماقِ و في بابلَ
لانشقَّ البحرُ عن الحوتِ
و لجاءتْ مريمُ و الأحبارُ وجلجامش
و لجاءَ الخضْرُ وعشتارْ
و لزحفتْ مملكةُ النملِ بركبِ الملك سليمانْ
إن أنتَ بليْلٍ
أفرغتَ القلبَ من الأوجاعْ
و نظرتَ هنالك
صوبَ النهرِ الشاهدِ مذبحة الأمسْ
و قبضتَ بقبضتِكَ المشروخةِ
حفنةَ رملٍ ملتاعة
فتعالَ و رفقتُكَ
لأقرئُكم سِفرَ الأنباءِ
أريكمْ
أن الحزنَ سيكمنُ طولَ العمرِ بأجيالٍ
غفلتْ عن طعنِ الظهرِ من الأعداء
و راحتْ تبحثُ عن موتٍ
لا يشبه موتَ الكهفيين
بل موتُ الحرفِ على الشفتين
أو موتُ القلمِ على الورقِ."

فتعالَ وقُلْ:

"إلى بغدادَ طريقٌ واحدٌ
يَمرُّ من فوهةِ
قلمْ !"

أنهيا القصيدتين،
افترشا أرضَ الردهةِ
ببساطِ كرداسةَ ،
غلَّفا الحيطانَ بالأفرخِ الزرقاءْ
و إصداراتِ العامِ الجديدْ ،
أحكما عوازلَ الصوتِ،
و أعدّا المقاعدَ للأوركسترا .

بائعُ القناديلِ وفيروزْ
تورطّا في الأمرِ سريعًا ،
فتحدثَ النِّفَّريُّ
عن اتساعِ الرؤيةِ وضيقِ التنفسِ ،
بينما استسلمَ ناجي للرَمَلِ
و أطلالِ الموصِلِ وقَسوةِ الحبيبةِ وحزبِ البعثْ،
و اعتذرَ " أبو نواس " عن المجيء.

يتكلمونَ عن الاثنين وثلاثينَ إنذارًا
وقرارِ نزعِ السلاحْ،
والبنتِ
التي دهستْها الشاحنةُ قبل يومين
أمامَ مجلسِ الأمن.

يتكلمونْ
عن المرأةِ التي التقطتْ حبيبَها
من جوارِ السفارةِ البريطانيةِ ،
ليبتكرا مساءً
يخصُّ الشعراءَ وحدهم .
مساءً
أجادَ صنعَه المدعوون
المقاعدُ الخاليةُ،
بياعُ القناديلِ وسجادُ كرداسةَ،
و الألمْ .
وحدَه " نصير شمّة "
من أفسدَ الخُّطةَ،
إذ اعترضَ على اختيارِ هذا المساءِ تحديدًا
فحذفَ نصفَ النوتةِ
ردًّا
على قصفِ بغدادْ !

مكانٌ آخر / 20 مارس 2003

*****

همزةُ قَطْع

الطفلةُ التي مرقتْ من جواري
و ابتسمتْ،
وجهي ….
هل ذكَّرَها بشيءْ ؟

لكنني لم أبتسمْ
فأنا مشغولةٌ
أُرتِّبُ النهايةَ على النحوِ الذي
لا يُدينُ أحدًا .

كأن أُشعِلَ السيجارةَ في التوقيتِ الخطأ
أو أُبدِّلَ صوتَ فيروزَ بكاظمْ
( كما حدثَ العامَ الماضي،
حين أطاحَ المترو بالإكصدامِ الخلفيّ
و لولا سترُ الله
لَحُرِمَ القرّاءُ من ديواني الأخيرْ .)

لكنَّ حوادثَ الخلْفِ ليستْ مضمونةً
أحيانًا تسبِّبُ الشللَ الرباعيّ
أو العمى،
وتُدينُ الذي في الوراءْ،
(إذا مرَّ بخاطرِ المحقِّقِ
خِنجرُ يهوذا) ،
ثم إنها ستفقدني
لذَّةَ متابعةِ دراما الانعتاقْ.

نعم
وجهُها ذكَّرَني …
أني أمٌّ خائبةْ،
أما وجوهُ المارَّةِ
والمباني التعسةُ حولَ الكوبري
ذكّرتني
أني فشلتُ في الهندسةِ
و في الشِّعر أيضًا ،
بينما وجهُ أمي …
الأنسبُ أن أُرجئَ الكلامَ عن أمي.

سيقولونَ إن الجسرَ
فقيرُ الضوءْ،
لأن الشَّعبَ الذكيَّ يحفظُ جغرافيا المدينةِ
واستداراتِ الطُرق،
وأقولْ :
من حقي أن أختارَ ما أكونْ
واخترتُ
ألاّ أكونْ.

سيقولونَ :
الأضواءُ الليليةُ تُعشي السائقين
و يثبتُ التشريحُ
أني لم أعرفِ الخمرَ .
وتقسمُ أمي فيما تبكي
أني لم أعد أقرأُ أثناءَ القيادةْ
وأنّهم اغتالوا أمومتَها
مرتيْن.

أمي التي لم تنتحبْ
حين انتهى خيطُ الأمومةِ بالرَّحِمْ
وقفتْ أمامَ البابِ تنتظرُ المبشِّرَ بالحياةِ
و تستعيدُ القولَ من عدلِ الجناةْ
كان اليهوديُّ الذي قطعَ الجسدْ
يَعِدُ الجميعَ بأن حُلمًا سوف يولّدُ في المساءْ
وأتى المساءُ ولم يزلْ يُفضي المساءُ إلى مساءْ
واليومَ راحَ الحُلمُ من يدِها
ليُنتَهَكَ الأمل .

لكنّ أمي تبكي دائمًا،
مع إنني لم أخبرْها
عن الرجلِ الذي وضعَ يدَه
أسفلَ ظهري
ثم شطبَ اسمي من قائمةِ الشعراءْ
لأنني لم أبتسمْ،
و مع إنها سمتني فاتنَ
أو فاطمةَ
أو فافي أو فرااااغْ
قبِلتُ أنا ببساطةْ
أن أكونَ " همزةً " تتمِّمُ
" خ و ا ء "
في مفكِّرةِ الرجلِ الذي يقولُ الآن :
" لا تصالح !".

سأنجحُ هذه المرّةَ
لأن اللصَّ القديمَ
- الذي كتبَ :
"المنتحرون المبتدئون
يفشلون في استمالةِ ملاكِ الموتِ الصموت. " -
لا يعرفُ أني غيرتُ تقنياتي ،
ثم إن الملاكَ الصبورَ
أحيانًا يضجرْ .

القاهرة / 19 مايو 2003

*****

وردةُ الله

لا وقتَ هناك
لفكِّ اشتباكاتِ الخيْط
كي تلهوَ قطةُ شيراز البيضاءُ من جديدْ.

لا وقتَ لأكرهَها
بعدما سرَّبَتِ الحزنَ إلى نافذتي
فيما تلهو بكُرةِ الصوفِ .

سأفكِّرُ بطريقةٍ أخرى
كأن أصنعَ من تلك الورودِ غبارًا
يلوِّنُ القلبَ بالحيادْ،
نعم
أنا بحاجةٍ إلى بعضِ حيادٍ
يدثِّرُ صفحتي،
يبللُ الخبزَ الجافَ،
يمسحُ تحديقتي المغروسةَ في زرقةِ الشاشةِ
بشيءٍ من البصر.

سأسرقُ الفرحَ من الحروف
أجدلُ شوكةً
لأغزلَ على نَولِ بانيلوب
التي لم تعدْ تنتظر عوليس
هي تنتظرُ ريشةً وحسبُ
تلون بها خواءَ الصَّفْح .

سيأتي العرافون عما قليل
يوزعون تغريبتي على اثنتين وخمسين بطاقة
تفترشُ أرضَ الردهةِ
أخطو فوقها مُطْرقةً
أخطئُ العدَّ
بينما
طعمُ البخورِ التركيّ
يخنقُ رئتيّ
بألفِ كافكا
و مسيحٍ وحيد
فيقفُ النداءُ فوق لسانٍ شقَّقه السؤال.

لكن
سيخرجُ الغيمُ
كعادتِه كلَّ مساءْ
يسترقُ السمعَ لصوتِ الله
فيما يسقي نبتةَ الشرفةِ البيضاءَ
هناك
خلفَ الزرقةِ البعيدة
عند انشطارِ الحقيقةِ
فوق الحافةِ المكسورةِ
لزجاجةِ المصلْ.

القاهرة / 25أغسطس 2003

*****

صفقة

كانت في بيتي
تحرِّقُ أصابعَها في الطهوِ
تهدهدُ الدُمى،
وتُرضِعُ القططَ
في انتظارِ الصغارْ.

كانت في غرفتي
تمزِّقُ الأناجيلَ
وتخمشُ الصليبَ على صدرِها
لتخرجَ منه المرأةُ
فتفردُ لها المُلاءةَ الزرقاءْ
وترتِّبُ الوسائدْ.

كانت تمشي إلى الجبَّانةِ كلَّ يومٍ
تسرقُ زهرتين
من قبرِ الأمِ والشقيق
تغرسهما على شاهدِ الأبِّ
الذي ليس تنمو عليه زهرة
وتعودُ إليَّ
بأكياسِ الخبزِ والبطاطا
لتحرِّقَ أصابعَها في المطبخِ
من جديد.

كانت في سريري
تقطِّرُ المُهلَ في أنابيبَ يابسةٍ
فيما تقرأ في كتابٍ
ممحوةٌ حروفُه
مُضاءٍ بصرخةٍ عرجاء.

كانت تحبُّ
ولمّا تعلّمتْ أن البُغضَ
فنٌّ لا يخلو من جمالْ
ضاجعتِ "الحُطَيْئةَ"
فاستولدَها جيشًا من الأطفالْ
بسراويلَ واسعةٍ
وبغيرِ رؤوس.

الشيطانُ
شيخٌ طيّب
تحمَّلَ لعناتِنا مليونَ عامٍ
ولم يبصقْ في وجوهِنا
غيرَ مرةْ.
لهذا
كانت الصفقةُ رابحة
حين استبدلتْ بلحمِ الصغار
دفترَ أوراقٍ بيضاء
وخمسةَ وسبعينَ قلمَ رصاصٍ
وكتابًا لجوته.

العسراءُ المشلولةْ
كانت في شرنقتي
ثم طارتْ.

القاهرة / 1 ديسمبر 2003

*****

اللّون

بعد أن يسقطَ كأسُ الحليبِ من الطاولة
وقبل أن يمسَّ الأرضَ
ستكتملُ اللوحةُ
ويمضي الفتي وحيدًا
الفتى الذي تعلّم الصمتَ
وعلّمه.

سيجمعُ باليتةَ ألوانِه
شرائحَ الصفيحِ
أعوادَ البازلاء الجافة،
ثُمَّ يشعِلُ النيرانَ في تصاويرِ العائلة.

ثمّة أصواتٌ
تنمو في صحراء الجوار
تمرُّ عبر قضبانِ سريرٍ معدنيّ
يحمل جسدًا
أضاعَ شفرةَ تنظيمِ الخلايا
فتكاثرتِ العظامُ
لأن قبّةَ الروحِ أقلُّ مكرًا.

ثَمَّ صوتٌ
يتسللُ على استحياءٍ من غرفةِ النومِ المجاورة
فينتزّعُ الولدُ قلمَ الفحم
- بريئًا من لعنةِ اللون -
ليشطبَ أسماءَ كلّ الذين قصفوا ريشتَه
كلَّ الذين سيموتون بغير مبرّر،
علّه ينسى.

ثُم يمضي متوحّدًا
ينحتُ من الشجر مشاجبَ جديدةً
لا تنوءُ بأثوابِ الراحلين
ويستبدّلُ بالصمتِ يقينًا مشكوكًا في هويّته،
يقينًا يتعلّم الغفرانَ
من ذاكرةِ الأفيال الآسيوية
التي سجّلتْ
توقّفَ نظارةِ "المختار" في الهواء
لحظةَ الشهادة.

علّه يغفرُ:
للأم
التي غافلتْ حفلَ العُرسِ
وتفتتتْ تحتَ عجلاتِ الشاحنة،
للأخِّ
الذي لقنّه خطوةَ اليُتمِ الأولى
لأنه لم يتعلّم كيف ترجعُ السيارةُ إلى الوراء،
للأبِ
الذي أخفقَ في ترويضِ السرطان
فأدخلَ في لوحةِ الفتى
قميصَ حدادٍ منزوعَ الأكمامْ،
علّه يغفرُ لـ "عُمرَ"
الطفلِ الذي سرقَ قطعةً من سكونِه
وتركَ الغرفةَ باردةً
بعدما عبثَ بدفاترِ الرسم
وأصابعِ الفحمِ المنثورِ في زوايا الفم،
للأصدقاء
الذين لم تكفِ لعناتُهم
ليتمرّنوا كما ينبغي على الفرحِ،
فأتلفوا الشِّعرَ
ونسوْا
أن للصمت قواعدَ
ومواقيت.

القاهرة / 29 ديسمبر 2003

*****

زهرةٌ فوق كفِّ امرأة

" من العدلِ أن يأتي الفرحُ بين وقتِ وآخر على الأقل"
!!!!
من حدَّثكَ عن وجودِ "عدلٍ"
يا كامو ؟

*****

كلما ماتَ رجلٌ
نبتتْ زهرةٌ
فوق كفِّ امرأة.

*****

يقشّرُني
ورقةً ورقةْ
فيتعثّرُ القطارُ
في ظلِّه.

*****

باقةُ الوردِ التي
ستأتي بعد دقيقة
تحملُها يدٌ تتقنُ الكلامْ
هي اليدُ التي
تعلمتِ الاستعاراتِ و الحروفَ
وعلمتْني
أن الورودَ
تكذِبُ أيضًا .

*****

في النهارِ
النساءُ يجررن أطفالَهن
و الشمسُ تحرِّضُ الحقائبَ
على الركضِ صوبَ الشجرْ،
أطفالي نيامْ
فلماذا انشقَّ القمر؟

*****

سنتانِ من العزفِ المنفرِد
تصنعانِ بالتأكيد شاعرًا مهمًّا.
اِشكرْها.

*****

وماذا عن السِّتة وعشرين حرفًا الباقية
أيها اللص ؟

*****

غيابُكَ
يأتي منكَّسَ الرأس دائمًا،
يتجولُ في الغُرفِ كعادته
قبل أن يطلبَ العشاءَ والقهوةَ،
يتأكدُ من وجود الصغارِ في أحشائي
والغفرانِ
خلف أذُني
ثم يدنو من الشرفة
يطردُ الملائكةَ الذين تكاثروا خلفَ الزجاج.
كلَّ مرةٍ
يعِدُ برفعِ السقفِِ بضعةَ سنتيمتراتٍ
و لا يفعل.
هل قلتُُ أنه منكّسَ الرأسِ يأتي؟
ربما بالغتُُ قليلا
غيابُكَ لا يأتي.
هو هنا.

*****

فوضويٌّ،
عبثيٌّ،
تتثاءبْ،
ماذا أيضًا يميزُكَ
لتكونَ جديرًا بي؟

*****

البلاهةُ التي تراها على وجهي
حين تحدثني عن الماركسيّة
لا تعني أني أحاولُ أن أفهم،
أنا
أحاولُ أن أتذكّر من تكونْ.

*****

كقطعةٍ من التاريخِ
أخبِّئُكَ الآن
في درجِ مكتبي.

*****

بوسعي أن أكونَ
أكثر من عُشبةٍ ضارّةٍ
تتلصصُ من شقوق الحجر،
بوسعي أكونُ بَرْدًا
وكوفيةً وصليبًا؛
لو علّمتَ غيابَكَ
أن يتوقفَ عن التحديقِ في دفاتري
على هذا النحو العدوانيّ.

*****

لا تأتي الليلةَ !
الغيابُ
( كاملُ العدد).

*****

التعساءُ
نسوا أن خلفَ آذانِهم خياشيمَ
و أمعنوا في التنفس .

*****

يا عُطيل
تلصصْ على ملفاتِ ديدمونة
على الحاسوب .

*****

لا تستسلمْ لرغباتي
الطعامُ سيحترق !

*****

تجاربُ ثلاثْ،
لا في البرية
لكن على بُعدِ فنجان قهوةٍ واحد
من البحر.

*****

انمحاءُ الحروفِ فوق الرملْ،
نفادُ السجائرِ وانطفاءُ الشمعةْ،
لم يكن أيٌّ من هذا
سببا وراءَ تعطُّلِ المترو في شارعنا
ربما السببُ تلصصُ بائعِ الجرائد علينا.

*****

ماتَ السقّاءُ اليوم
السقاءُ الذي لم يروِ امرأتَه
فحملتْ عنه القربةَ
و أطلقتها في الصحراء.

*****

في المرة القادمة
سأختارُ أن أكون مشجبًا
لأشنقَ الأثوابَ التي عذبتني.

*****

النافذةُ أشاحتْْ عن العالمِ
و راحتْ تتأملني.

*****

المربيّةُ لن تأتي غدًا
قالت:
أريد أن أرى كيف سيدخلُ الفستانُ في الدولاب
بعدما تخرجين منه.

*****

ابنةُ لير الكبرى
مثلتِ الدورَ على نحوٍ بشع
ليس لأسبابٍ فنيّة
لكن لأنني أكره أن أؤدي عملا
مرتين.

*****

فيما يستسلمُ لملقط الطبيب
وثرثرتِه
غافلتُ ضرسَه المخلوع
وسرقتُ ذاكرتَه.
الرجلُ الذي وزّع أمجادَه
بين الهاشميّ
وباني مصرَ الأول.

*****

هل تعلمْ أن البحرَ يتبعنا ؟
لا تنظر إلى الخلف.

*****

في مطارِ الملك خالد،
في انتظار تنقية طائرةٍ مفخّخة
يمكنُك
في ثمان ساعات -
أن تقرأَ الشِّعرَ على نحوٍ برئ،
بينما في عيادة الأسنان
العميانُ يبصرون.

*****

"الخليفة العُمانيّ "
الذي بشَّرَ بالرسالة
لم يعرفْ أن هاتفَه
دوَّنَ " نصفَ النوتةِ " الآخر.

*****

امرأةٌ جميلة ..... (شخوص)
مدينةٌ جميلة ..... (مكان)
نداهتان.
يلزمُكَ بعضُ الزمنِ،
( الجميل)
كي تكتملَ مفردات البنيوية .
لك الزمانُ كله.

*****

قلْ لي متى يخرجُ هذا الغُفْلُ منك
حتى أُخْرِجَ له حواء.

*****

جسدُكَ أتلفتْهُ النساءُ
جسدي
أتلفَهُ الصدأ .

*****

ترى ماذا يفعلون الآن:
الكلابُ الثلاثةُ
والقطتان ؟
تراه ماذا يفعلُ البحرُ؟

*****

تجوسُ في الليل
تتفقدُ أثرَكَ بين الغرفْ
تبحثُ عن تبغِكَ وقميصِكَ المرميّ بإهمال
جوار السرير.
الراقصةُ النحاسيّة
ما أن تراني
حتى تعاودَ التجمدَ داخلَ الدائرة.

*****

الكنائسُ في عينيكَ
تراهنُ على رقصتي،
أنا "أزميرالدا "
أيها الكاهنُ.

*****

القلمُ الذي ضاعَ من يومين
غدا من " الأحرار"
سيكتبُ كلَّ ما لم أستطعْ.

*****

أيها الباقي من القرآن والإنجيل
أيها الخارجُ لتوِّك من زرقةِ المحبرة
لا تغلقْ الكتابَ الآن
ثمة أحرفٌ تنتظرُ المخلِّص
ثمة مدادٌ أحرى به أن يتمدد على الورق
لا تغلقْ الكتابَ
لكن اشتعلْ أرقًا عند ناصية الصفح
وانتظر مسيحًا يحمل الكلمة الناقصة.

*****

ثمة يعاسيبُ تنبؤنا عن المغفرة الوشيكة
ثمة بقعةٌ في أقصى الأرض بعدُ لم تلوثها الخطيئة
ثمة مرآة تترقب امرأةً
تحكي لها قصةََ الحياة
ثمَّ تربتُ على كتفها،
ثمة طائرٌ حرٌّ
يعرف كيف يكون النغمُ
نصفُه حزنٌ
ونصفه ورق.

*****

هي الصلاةُ فوقَ الطاولة
أو تحت سفحِ الهضبة
لا يهمُّ
مادام في القلب عصيرُ الكتابة
فلتذهب الجغرافيا ألف غيبة وغيبة.

*****

هناك
حيث الزمن مخاتلٌ
كما لونِ وردةٍ جافة في كتاب
وحيث الثقوبُ أوسعُ من خطيئة
وأكثر ضيقًا من خواء
ثمة أشعةٌ تتسلل من متن القصيدة
تربك اللغةَ على لسان العابرين.

*****

أصابعُ باردة
فارقتْ لتوِّها راحةَ يدٍ
لم تتدرب بما يكفي على الغفران،
سألت صديقي يوما
من منّا يستحقُ الحياة ؟
قال:
الحياةُ لا تستحق أيًّا منا.
ثم أشار إلى البراق الذي ينتظر عند الناصية
حيث تعويذةٌ صامتةٌ
تتدلى من جيْده.

*****

ستكسرُنا المرآةُ ذات شرود
تشظّي وجوهَنا المحدِّقة
وتبدّل ملامحَنا التي تدربتْ جيدًا على النسيان
لكن يومًا يختبئُ خلف الشرفة
يرتبُ المِحَنْ .
لا فائدة

*****

النقطة تحت باء الغضب
تنتظرُ يمامةً ترفعُها
تنقرُ النقطةَ الوسطى كذلك
ثم تحمل "الغصن" بمنقارِها إلى حيث الزيتونة
في آخر السطر.

*****

منديلُ حرير،
عقدُ ياسمين،
و ألفُ بهجةٍ،
تسكن فوق حافةِ المحبرة .

*****

الراهبُ ينتظرُ أيضًا
رجْعَ صوتِ أجراسِه .

*****

ما حيلةَ رنينِِ الجرَس
حين ينأى الصدى عن مسمعِه !
للموتِ ألوانٌ.

*****

مرةً مررتُ بكوكبِكم
يا الله !
كلُّ هذا التعب !

*****

وضع مدينةَ النورِ في كفي
ثم راح يفتّشُ داخلي
عن ميدانٍ غير موصد
وإبريقٍ فخاريّ.

*****

  • شاعرة مصرية، عضو اتحاد كتّاب مصر، ومدير تحرير مجلة "قوس قزح" المصرية. مهندسة معمارية تخرجت في كلية الهندسة جامعة عين شمس. لها العديد من الإصدارات الشعرية:
  • نقرة إصبع" - الهيئة المصرية العامة للكتاب 2001
  • على بعد سنتيمتر واحد من الأرض" ط1 عن دار "ميريت 2001 ، ط2 دار" كاف نون" 2002
  • قطاع طوليّ في الذاكرة" - الهيئة المصرية العامة للكتاب -2003
  • نطولوجي "مشجوج بفأس"- ترجمة عن الإنجليزية- سلسلة "آفاق عالمية- الهيئة المصرية لقصور الثقافة-2004
  • أنطولوجي "أحزان حمورابي"(مشترك)-مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان -2003
  • كما ترجم الكثير من قصائدها إلى الهولندية والإنجليزية والفرنسية

مهرجانات ومؤتمرات:

  • مهرجان" شعراء حوض البحر الأبيض المتوسط"- مكتبة الإسكندرية- مارس 2003
  • هرجان" ربيع الشعراء" - معهد العالم العربي في باريس - مارس 2004 (تمثيل اسم مصر )
  • مهرجان "الملتقى الأول للشعراء الشباب العرب" - صنعاء - أبريل 2004
  • أمسيات شعرية في الملحقية الثقافية المصرية بالرياض وصنعاء 2001 - 2004
  • أمسية شعرية ببيت تونس في باريس 2004
  • مؤتمر الترجمة العالمي - المجلس الأعلى للثقافة بمصر -2004- تقدّمت بدراسة بعنوان" ترجمة الشعر فعلُ إبداع".

دراسات وترجمات :

  • العديد من المقالات الفكرية والنقدية بجريدة "الحياة" اللندنية و"القدس" العربي وغيرها من الدوريات العربية والمصرية والعالمية .
  • ترجمة دراسة بعنوان" القرآن بين الوعي الشفاهيّ والوعي الكتابيّ" للدكتورة منى طلبة (من العربية إلى الإنجليزية).
  • ترجمة دراسة بعنوان" النزعة الإنسانية في الفلسفة الإسلامية" للدكتور أنور مغيث (من العربية إلى الإنجليزية)
  • ترجمة العديد من المقالات والقصص والقصائد من وإلى الإنجليزية.

قيد النشر :

ديوان شعر بالإنجليزية بعنوان:

Before The School Shoe Got Tight"" هيئة الكتاب
"دائرة الطباشير" كتاب ثقافي - المجلس الأعلى للثقافة.
"قيد الإعداد :
ترجمة ديوان ميثاق آركانسا " لـ ديريك والكوت.
ترجمة "رواية لم تكتب بعد" لفرجينيا وولف.
كتاب عن - ابن رشد

الموقع على الإنترنت :
www.geocities.com/fatima_naoot