زينب عساف
(لبنان)

إليه
الهارب من استبدادهم
إلى عنصريتنا

زينب عساف

ثآليل

1

كنت بريئة كما ينبغي
لقصة أن تبدأ:
وحيدة
أنتظر الجنّة
بحجاب أسود.

2

الأحلام التي لا تتحقق
وتلك التي نبلغها دون أن ننتبه
جروح مضيئة:
هل سيغفر يوماً كم أحببته؟

3

عرض بالسفر إلى الخليج
أعجبتني الفكرة:
أن أكون أنا من يذهب الآن.

4

وصل البولمان
وجه آخر
يغادر الباب الزجاجيّ:
أحبّ تنفّس الوقت في المحطات.

5

خذ المفتاح الآن
افقأ عينيّ الهرّة البلاستيكية
أقفل فم الأفريقية
لا تنتظر المصعد
ولا تحمل جريدة الأمس التي
نسيتُها عندك
لا تنتظرني في المقهى
أعد للجرسون فنجان قهوته
أعد للوقت حذاءه
ودعه يمرّ.

6

كلماته المفترسة
أنياب على شكل لغة
لم يقل شيئاً كالعادة
لكنه مع الوقت
لن يستحق حزني
آه من البحر
نرجسيّ حتى في وحدته!

7

لديّ حبر وأرق وأمّ
هل يجب أن أكون سعيدة؟
دعوني أخدع نفسي
ثانية
بالتفكير
أن ثمة من يخاف عليّ.

8

ها هي اللحظات تستعد
لتصبح ذكريات
أتمسّح بأعتابها
وأمسّدها كل مساء
كقبور الأولياء.

9

أحببتكَ، تصوّر، أكثر من
كلّ أوراقي
ولو خيّرت بينك وبين الكتابة
لاخترتك أنتَ
وبكل غباء!

10

يخبّئ فُتاتي في بيوته
ينقلني جزءاً فجزءاً
مؤونةً لأيلول آخر
النوع السيء من النمل
حبّة
حبّة
حبّة... حتى أجد نفسي
كومة زهق في وكر نمل.

11

لا يصنعون الكبّة
لكنهم يدقّون اللحم.

12

مرّ بمحاذاة ذاكرتي
فاحتوته دفعة واحدة
بقسوته
وبهائه المصطنع
آه ما أبعدك
وما أهبلني!

13

ماذا فعلتُ؟
تخيّلتك أمامي
فلم أحتمل.

14

كاميرا في يدي
وخوفي خلف دفتري
أطرقُ الباب وأدخلُ
أقفلُ الباب:
يظل الوقت منتظراً في الخارج
اهرب الآن يا صغيري
الهرب يكلفك إغلاق هذا الباب
إغلاق هذا الكتاب
ونسيان الأمر.

15

ها هي الحياة تمنحني
أشهى الجراح
وأنا بين طعنة وأخرى
أتحسس
ما بقي فيّ حياً:
أشعر أني علبة بندورة.

16

أنتِ طاهرة
سمعتُها قبل الآن
يا فلاّحي الصغير
حقاً أنا طاهرة.

17

من المفترض
أن أتغلب على كرهي لك
أعتذر
لم أطوّعه كما وعدتك
عليّ حبس حزني جيداً في ضلوعي.

18

فقط، نظر إلى الأرض
ياه
كم تغيّرتُ!

19

ينضج الحنان
يشتدّ عوده
يا للتعاسة
يغدو منطقاً.

20

أنا أفكّر كالشعراء
فأل سيء.

21

بما تبقّى من شيعيّتي
أرغب بتلك المدينة
وبجنّة
لا تمرّ
من تحت حجاب.

****

أحذية

الجامع غسله مطر الأمس
المصلّون تركوا أحذيتهم في الخارج
مقلوبة
أهرب
أعيد الحكاية إلى مثواها
أنزل الدرجات
واحدة
اثنتين
ثلاثاً
في المقبرة الصغيرة ذات السرو
ذات القضبان الخضراء:
هنا ترقد...
هنا يرقد...
هناك ماء سبيل...
عظام ولا أرواح
تبدأ المقبرة بالارتفاع
تحبسني داخلها
أدور على نفسي
أين المخرج؟
أجذب حيرتي من يدها
ينفتح مخرج أمامي
ألتفت
لا أجد حيرتي
لا أجد المقبرة
لا أجد روحي
ولا أجدكَ أيضاً.

****

"رجال الموت"

القصر الكويتيّ لم يعد هنا
القصر الذي احتلّه جنود سوريون
"في جنان الخلد يا باسل"
والفتى الذي لم تنبت لحيته بعد
ونبتت لجهة القلب في
حضن بدلته العسكرية وردة
سرقها لأجلي
ورفضتها
لأنهم كتبوا على الحائط: "رجال الموت".
رجال الموت لا تنبت الورود
تحت بدلاتهم العسكرية
أنا التي لم أعرف يومها
أن رجل الموت الصغير هذا
يجوع هناك ويبرد ويمرض
ويربّي وردة لجهة القلب
- وردتي الأولى -
لم أفهم أن رجل الموت هذا
يبكي أيضاً.

***

دوالي

مرّة أقسمت أنها رأت الحسين
ورأيتُ قميصاً يطير عن حبلها
في النهار تنشر أمّي غسيلها
وفي الليل يطير الغسيل
عن سطح مناماتها
حين تنام تحضن النمال
التي تدبّ في يدها
وتحضن الدوالي في رجلها
وتحضن الأرض الطينية
تحت خدّها
وأحياناً تحضن حجابها والنمال والدوالي وحلمي
الذي لم يخرج من رحمها.

***

حجاب

"عيرني إيدك"
الكلام ينخر عظامي كالسوس
"عيرني إيدك"
كي أخلع أقراط أذنيّ
وكعبي العالي
كي أخلع
أنوثتي التي تؤذي عينيْ أبي
قبل الدخول إلى المنزل
حيث الوقت
يقف دوماً إلى جانبه
ويحجب وجه أمي المنهار
الوقت الذي يأكل ملامحي
يجعلني
ضخمة وعارية كفضيحة.

***

صيف

لست شاعرة لذا
لا أظنني ميّتةً هذا الصيف
أشعر بالرضا وبالحرية
وبرغبة في رفع رأسي
والشموخ بابتسامة حزينة
كجدار
تذروه النظرات
سأحتفظ ببطلي
سأقتطعه من زمنه
وسأشكر للأيام صمتها.

***

نفايات

نظرتكَ الساخرة
وأعمدة الإنارة المطفأة
وأنت تستلقي في بطين ما
من هذا القلب المهترئ
ما زلت أشعر بريشك
ينمو في قصباتي الهوائية
سأكتب لحاويات النفايات
لسيارة الأمس المعجونة
وأنت بداخلها
لجباه عريضة
تنام عند رجلك
وأنت تلقي تحية الصباح
فارداً جناحيك.

***

قدم

اللحظة التي
يغسل أبي الصحون فيها
وأودّ لو أسجد لتقبيل قدمه المتورّمة
أخاف عليه
فلا أخبره بأمر صديقه
الذي تنكّر له
لن أخبر أبي بما سمعت ورأيت
لن أخبره بكلّ اعتراضاتي وملاحظاتي
سأبتلعها،
سأبتلعها لأجله.

***

بطلة

كم مرّة سأموت
قبل أن أُدفن في ترابك؟
كم ذكرى سأجتثّ من تلافيف
دماغي قبل أن يصاب بالتلف؟
حدّثني عن صديقك الذي
لا يؤمن بالله ويؤمن بالأنبياء
عن لعبة الدمى الكونية
والعوالم المتناظرة
سأصدّقك
أحتاج كذبةً أتنقل
بين شرفاتها
ليتك تأتي لأختبر
قدرتي على الانبعاث
أريد البكاء من أجلك
ورفع قلبي المريض
أمامهم
أريد أن أكون بطلة ما...
لكن قلمي رصاصة طائشة
وأنا
مجرمة كتابة.

***

صلاة الغائب

ألف فتاة أخرى تحمل الاسم نفسه
زينب
في الكانتون الشيعيّ
تحمل الأحلام نفسها
كأن الله رسم ملامحنا على عَجَل
مسروقة كالفرح أعيننا
بعضنا يبالغن في التبرّج
يطردن الحزن بالألوان
بعضنا يجعلن أثوابهن السود
أشرعة لشبّان ملتحين
لكنه الاسم نفسه
يولول في عاشوراء فنبكي
نبكي حبّاً مستحيلاً
نبكي ملاحمَ شخصية
تصبح كل منّا زينباً حقيقية
تحمل رؤوسها إلى النحر مبتسمة
تسير مع السبايا
من يراها؟
من ينصر زينب وهي تنادي؟
(هذا الغلّ
عندما علّقته جدّتي في عنقي
قالت: عليك أن تستحقّيه)
ما زلتُ أحاول.

***

عن زينب الرمال والرؤوس المقطوعة
أحدّثكم
زينب التي أطردها
فتنبت على عتبات أفراحي
بعباءاتها السود كغربان
زينب التي
تحزن عمداً
وتتباكى حين تولد بألف
جَلدة وألف حجاب
وحاجز أمنيّ
وأخٍ ينتظر نمو لحيته
كي ينخرط في حزب دينيّ
زينب التي
في آخر عطشها
عطش.

***

سأحدّثكم عنها
التي ظنّت نفسها
حجاباً ورحماً.

***

أبوها الذي يشخر قبل أن يغفو
يكره الأحلام
فيخدعها بالشخير
أحياناً يتحدّث مع نفسه
شاتماً إله أمّها
التي تصمت
مذنبةً بإنجاب البنات
وأحياناً
ينام فحسب
ويفكّر في توظيف
حرّاس لغشاء بكارتها.

***

أمّها التي لطمت خدّها
قالت: ابنتي عجوز
أكثر منّي
ومن أمّي وجدّتي
وقالت: ابنتي مخلوقة فضائية.

***

وجدّها الشاعر الذي
عاش حياته كمن يتفرّج عليها من بعيد
اللعنة على الشعر
ما الذي يريده من قرويّ؟

***

قريتها هناك هناك
صفصافة وحيدة عند أطراف "الجبّانة"
وجلد تحت المساحيق
أخفى
جراح مياه "اليمّونة"
قريتها التي تتنّكر لها
ثلاثاً قبل كلّ صياح
تدهسها بأنا أنيقة
لتنبت في مدينة ما
سمّاً مزهراً.

***

صغيرة خبّأت "أمير العرب" تحت فستانها
وحكايات ستّها
روتها
بسرعة سبقت خيالها
تضمّ يديها
كي لا تغطّ النجوم
ثآليلَ على أصابعها
زينب الجدّة أو العانس
حرام اتهامها بفرحة لم تعشها.

***

فتاة الألف معركة
وأكواخ التنك
زينب الخجولة بحمرتها
الفخورة بأشواكها.

***

جبل طفولتها الأجرد
كأمّ غير محبّة
يتشقق تراباً يابساً
حين تحاول كلّ ثانية
ترقيع حياة الصفيح...
يا عيسى بن مريم.

***

سأحدّثكم عنها التي صدّقت
أن السعادة تتسلل من
شبّاك مهمل
فأحبّته
وكان المؤمن
بالثالوث الأقدس
وبالحبل من دون دنس
وكان الإمام وآذان الصبح
ثمّ
صلاة الغائب.

***

قبل أن يرحل
أعطته قلباً وورقة:
رمى القلب ودسّ الورقة في جيبه.

***

كان يستعد ليستقلّ قطاراً
وكانت تلوّح بيدها للفراغ
وتجمع الحواس كلّها
كيف نهر لوعتها لم
ينفجر أمامه
وحين استفرد بها
تدفق؟

***

زينب التي بكت
لكلمات لم يقلها
وربما لم يخبّئها
صدّقت حروفه الضالّة
لن يسعها الآن العودة
إلى طينها البشري
البحر هو البحر
لا يطفئ لهيباً
كل هذا الماء ولا يطفئ لهيباً!

***

زينب التي نفخت دموعها
بالونات ليلعب
وغيوماً تتساقط
على شعره وأنفه وأهدابه
لكنه هو أيضاً لا ينتبه.

***

في تلك الصورة
اكتشفتْ أن لا وجه لها
تستطيع تصنيفه
قبيح أبله جذاب...
زينب التي تعيش في ورقة
تتنفس بين أليافها
ويدها تطوّق كوباً يصنع
بالبخار أشباحه الصغيرة

***

صدرها مقبرة بلا أسوار
تجمع الدموع المتبخّرة
عن زجاج مسجد
وتصدّق "روايات عبير"
فتبتلعها أنواء طيّ أنواء طيّ أنواء.

***

على كتفها البحر تسحبه
خيطاً
على طول الخط الساحلي
زينب التي قبضت على حكاية
فسجنت النافذة والستارة والأقاويل
تنقل الجرح كلّ ليلة
بهدوء
من ضفة إلى أخرى.

***

كمن اكتشف البارود
قالت أختها:
أنتِ تحبينه
وكان زيتون وجهها
وداعاً مستعجلاً
دموعاً إلى خدود سحيقة
وفستاناً من
قماش صحراوي
لا يزهر.

***

شتاء الجامعة الأخير
مسرح مكسور الأضواء
تقف قبالة النافذة المتسخة
مكتوفة اليدين
ككلّ عام
نجمة سعيدة بعتمتها
تعدّ السيارات تحت جسر الكولا
وتفكّر كثيراً
- به على الأرجح -
إنساناً صنعته من طين انتظاراتها
ولم تعد تحبّه منذ
أصبح ربطة عنق.

***

ليلة النصف من شعبان
قمر يضيء سطح
منزلها المزروع
في حزام البؤس
في الجزء الدامي من
الكرة الأرضية
القمر الكبير كرغيف
حملته إلى المدينة معها
يقضم أطراف مناماتها
حين تعبر بضع دمعات
ما زالت باسمه تعاند العين
وتكرج.

***

لأنها اخترعت هذه القصة
تستحق الاكتواء بنارها.

***

جثة حكاية يحملها بطلُها
وعليه التخلّص منها
أيها البطل الهارب من بطولته
اسمك سيشبه الأسماء
الأخرى غداً
لن يعود كلمة السرّ في عالمها
دعها إذاً
تلعن سائقي التاكسي
وتبكيك في أحضان آخر
ستصنع أبطالاً سواك
وتُميتهم بطريقة أقلّ شاعرية
كي لا تُطيل مكوثها
عند شواهد القبور.

***

أيها البطل الذي أسِفَتْ لرقّتكَ
لا لجبنك
كيف تستطيع
وأنت جناح دوريّ
أن تُسجَن خلف سيوفهم
وتدعهم يمرّغون دمها
بريشك الناصع؟

***

أي حلم ملوّث أنتَ
دسّوه خلسة في جيبها؟

***

سوف يجفّ هذا
الجرح كأكواز التين في آخر أيلول
وستجمعك جرحاً جرحاً
في رحمها
وتلدك يوماً
زينب التي تسقط
كثمرة
أعياها الانتظار
داعيةً ألا يهطل المطر.

***

حياة لا تريد دخولها
على رؤوس أصابعها.

***

ما أمرّ
ألا تتألم مستقبلاً
حين تدوس هذا التراب
بقدميها
زينب التي عاشت
رحلة الحلم
قبل أن يصبح ذكرى
هنا منذ ألف عام
ولا تخرج من خلف رأسها
غمامة حزن شيعية!

***

اليوم تجفّف أحزانها في الشمس
أحزانها
التي مزّقت رئتيها
ولم تخرج
صغيرة وحقيقية أكثر مما يجب.

***

يا جمرُ
نم الآن ودعها
تراقب إغفاءتك
قبل أن
تُحرقها مرة أخرى.

***

زينب التي لم تحرضها الوحدة
على الحبّ والمزارات
أحبّت طعم دمعها على الورق
إذاً،
إلى الورق
كي تعيد رسم ملامحها القروية
كي تقدّم أوراقها الثبوتية
لتلك الأرض
وتخفق بجناح مكسور
مثخنة
ولا تسيل منها الدماء.

***

زينب التي بكت
ليلة عرسها
أجابت أمَّها، التي قالت "خلّيكِ عنّا":
"لأ يا أمّي، ببكي وبروح"
تلك قصة الزينبات
يبكينَ ويرحنَ.

***

ما أجمل تلك اللعبة
حين تراها
بعد عمرٍ خلفها:
أن تحزن لتستحقّ فرحاً عاشته.

***

تلك الخطوة
على عتبة المطبخ
تعرفها
تلمسها كسوط
تجعلها حبلاً معلّقاً وراء باب
وثياباً تنتظر موعد غسيلها
خطوة قياسها 45
وعمرها
ألف بصمة على جلدة رأسها.

***

سأحدّثكم عنها التي ظنّت
أنها خلعت حجابها
زينب التي خلعت رأسها
وبقي الحجاب.

***

أيها الحزن
أنا تمرّستُ عليك
دعها.

***

سأحدثكم عن زينب التي
ترسم وجهها كلّ صباح
وتنسى أن تخلعه قبل النوم
هناك حيث تعبر النهر حاسرة
الرأس كقارب
تتدرّب على الشوق
بجراح صغيرة
وعلى غير عادته
حزنها يغفو قليلاً.

***

أكتب الآن عنها بعدما
وهبتني لسانها
زينب التي لا تجيد
ترقيم دموعها في صفحات
يا صوتها القاصر
سامحني
إذا اقترفتُ الفرح هنا
وهربتُ.

***

سأحدثكم عنها
التي شربوا دماءها
هؤلاء الذين لا يشربون الكحول.

***

زينب المشنوقة
بحبال سرّتكم
مدفونة بحنان بين أوراقي.

***

وبعدُ
ألف زينب ومليون فاطمة وخديجة وسكينة ورباب ورقيّة...
إني أختنق بكنّ،
بكنّ جميعاً.


إقرأ أيضاً:-